|
الشيخ/ أحمد محمد إبراهيم
كفٌ على صفحةِ الحائطِ
يوليو
2004
عن سبعة
وثلاثين عاما قضى نحبه الشاعر الشيخ/ أحمد محمد إبراهيم ، سبعة وثلاثون عاما
إنها المرحلة اللائقة تماماً بالشهادة والرثاء ، والمدة المثالية المحددة لموت
الشعراء العباقرة ولخلودهم فمن قبله قضى نحبه عن عمر مماثل وقريب من عمره طرفة
بن العبد - ممثلاً للجاهلية - وأبو فراس الحمداني - ممثلاً للإسلام - وأبو قاسم
الشابي - ممثلاً للعصر الحديث - وإبراهيم فهمي - ممثلاً لكتاب القصة - ومجدي
الجابري - ممثلاً لشعراء العامية - وعبد الحليم حافظ - بوصفه صوتاً شاهداً على
الخلود من عالم الغيب - ! والشيخ الفنان سيد درويش كيف نقدر أن ننساه ؟ .
وأحمد محمد إبراهيم من مواليد أبنوب بمحافظة أسيوط ، ولد في
10 من أبريل سنة 1951م … ونشأ نشأة دينية إذ تلقى تعليمه في الأزهر الشريف ،
وبدأ طريقه في عالم الشعر بشكلٍ تقليدي كما هي عادة الأزهريين في الكتابة
الأدبية ولكن جنوحه للتجديد لفت إليه انتباه أسرة نادى الأدب بأسيوط والتي كانت
تضم كوكبة من الأدباء البارزين ؛ فحاولوا ضمه لناديهم ، وسرعان ما اكتشف أحمد
محمد إبراهيم طرائق جديدة في الحياة وأشكالاً أخرى للتعبير عن الهموم الأزلية
الخالدة التي يعاني منها الإنسان المصري البائس . وعلى الرغم من اتجاه أحمد
محمد إبراهيم لكتابة القصيدة الشعرية الجديدة إلا انه لم يتخل عن زيه الأزهري …
وكان أحمد محمد إبراهيم هو المفاجأة التي قدمها مؤتمر أدباء الأقاليم الذي عقد
في الثمانينيات في مدينة المنيا ، للأدباء ؛ ويصور الشاعر درويش الأسيوطي هذه
المفاجأة قائلا " عندما وقف بجسمه الدقيق وزيه الأزهري في مؤتمر أدباء مصر في
الأقاليم في دورته المنعقدة بمحافظة المنيا تخيل أكثر الحضور تفاؤلا أن الشيخ
الشاب سوف ينشدهم منظومة متماسكة لغة وعروضاً . ووقف الشاعر الشاب لينشد قصيدته
" هارب في ركاب أمل " وكانت المفاجأة ؛ إذ أنشد الشاعر قصيدة متماسكة بالفعل
لغة وعروضا ولكنها في الوقت نفسه جمعت بمقدرة بين هذا التماسك وبين حداثة الشكل
وجدة التركيب وجمال التصوير ولحظتها عرفت مصر الشاعر الراحل أحمد محمد إبراهيم
" وصار أحمد محمد إبراهيم معروفاً للحركة الأدبية في مصر كلها ، بل تنبأت له
الحركة الأدبية بمستقبل واعد ، وحضور أحمد محمد إبراهيم وقصيدته كانا مؤشرين
مهمين لهذا المستقبل ، فلقد كتب الروائي الكبير خيري شلبي - وقتها - مقالاً عنه
في مجلة الإذاعة والتليفزيون جاء فيه " أزعم أن أحمد محمد إبراهيم ذلك الشاعر
الشيخ سوف يعوضنا عن فقد الراحل أمل دنقل الذي كان يكتب شعراً ساخنا ملتهبا
بنار الهموم التي تعيشها الأمة العربية الآن …، تحس في شعر أحمد محمد إبراهيم
بمدى ثراء اللغة العربية ومرونتها وقدرة ألفاظها على احتواء المعاني المعاصرة
وتكتشف مدى رقة هذه اللغة ومدى قابليتها للتطور الخلاق " ، وأصدر الشاعر في
حياته ديواناً واحداً على نفقته الخاصة بعنوان " السباحة في شرايين العودة "
عام 1985م وللشاعر أعمال أدبية أخرى منها ثلاثة دواوين شعرية هي : نقوش على
جدران الغربة ،وحنين قلب ، ونفثات روحية - إضافة إلى دراسة أدبية بعنوان توماس
والأباطيل كما جاء في الكتاب الخاص الذي أصدره نادى الأدب بأسيوط في ذكرى
الشاعر بعد رحيله بوقت وجيز ، تحت عنوان : أحمد محمد إبراهيم ، ومن هذا الكتاب
استقيتُ المعلومات الواردة بهذا المقال . ولا يفوتني أن أذكر أن د / فردوس عبد
الحميد البهنساوى كتبت دراسة أدبية لتقديم ديوان الشاعر الثاني " نقوش على
جدران الغربة " ثم نشرت هذه الدراسة بعد ذلك في مجلة الشعر هذه الدراسة التي
يعدها الشاعر درويش الأسيوطي التقييم الحقيقي والعلمي لعمل الشاعر الثاني . كما
أن هناك دراسة أخرى عن الشاعر الراحل كتبها الناقد على عبد الفتاح ونشرها في
كتابه " الصعاليك ينـفجرون بالغناء" وكان أحمد محمد إبراهيم مشاركاً فعالاً في
الحركة الأدبية ولم يكن مجرد مستهلك للثقافة ولا عضواً سلبياً ..
وللشاعر الراحل آراؤه النقدية التي تدل على تفاعله مع الحركة الأدبية ونشاطه
الإيجابي فيها ، فهو يقول " أكبر الكبائر هو فرار الشاعر يوم الزحف إلى وصف
الخمر وتأثيرها في النفس والتهويم خلف سحابات الدخان في جلسة انبساط " وأحمد
محمد إبراهيم يشدد على أهمية أن يكون للأديب موقف من الحياة ومعها وأن يكون
أدبه معبراً عن هذا الموقف وتلك الرؤية لذا فهو يسترشد بكلمات للدكتور الطاهر
أحمد مكي يقول فيها " إن من لا تعنيه قضايا الجماعة ويدور حول نفسه منفرداً ؛
عليه أن يبحث عن مجالات أخرى ، فليست القضية أن تلتزم أو لا تلتزم وإنما أن
يكون لك رأى فيما يجرى حولك ومن لا يشغل نفسه بالآخرين عليه أن يعذرهم إذا لم
يهتموا به " والشاعر الراحل كان واقفا مع التجديد المشروط في الفن إذ يقول "
يخطئ من يظن أن الحداثة هي التحلل من القيود …، على أن لا يعنى هذا الوقوف عند
حدود الكلاسيكية فكل شيء يتطور بما في ذلك الحياة الإنسانية من عصر إلى عصر ومن
جيل إلى جيل " .
ولا أعرف هل المصريون القدماء هم أول من اكتشفوا البلهارسيا أم أنهم أول من
فتكت بهم البلهارسيا ؟ لقد كان للبلهارسيا دورها الساخر في إطفاء هذه الطاقة
الشعرية المتوهجة ، فلقد قضى أحمد إبراهيم نحبه نتيجة نزيف بالمريء بسبب إصابته
صغيراً بالبلهارسيا وهى الطريقة نفسها التي مات بها أخوان آخران له - وأحمد
محمد إبراهيم - كما هي عادة الأدباء - كان يبث الشكوى لأصدقائه قبل موته وخوفه
وإحساسه أن تكون نهايته مثل نهاية أخويه ، فكما يحكي درويش الأسيوطي فإن أحمد
إبراهيم قال له قبل موته : لقد أخذت منا البلهارسيا اثنين وأخشى أن أكون الثالث
" والشاعر سجل هذه النبوءة شعراً في قصيدة : " كف على صفحة الحائط "ويقدم
الشاعر توضيحاً في صدر القصيدة قائلاً : " في القرى تغمس النساء أكفهن في دم
الأضحية ، وتترك أثرها ذكرى فوق الباب " ثم يقول أحمد في قصيدته :
" وتختفي يد
الذكرى التي غمست/
ببعض رحيقك السائل /
وروح حياتك الزرقاء /
فوق الجبهة الحمراء للحائط /
تطالعني إذا ما قمت من نومي /
تطاردني على الطرقات " !!
ويقول أحمد
محمد إبراهيم في قصيدة أخرى :
" مر بي سرب
طير يتهادى فتهاديت وئيداً /
فتغنى فتغنيت سعيداً /
فتلفت فتلفت طريداً /
فتوقف .. فابتلعت الحرف عمداً وتعاطيت الشرودا "!
ولقد رثى
الشاعر الراحل عدد كبير من أصدقائه ومحبيه أذكر منهم الشعراء : سعد عبد الرحمن
- جمال عطا - سامي نفادى - رضا عبد البصير - تامر المطيعي - أشرف عبد الفتاح -
محمد المجريسي - محمد حسين عبد الباري - كمال كامل عبد الرحيم - درويش الأسيوطي
، وإنني لأرجو أحباء الشاعر الراحل العمل على نشر ما لم ينشر من أعماله
الإبداعية ودراساته النقدية وبخاصة بعد تعدد وسائل النشر في سلاسل الهيئة
العامة لقصور الثقافة أو سلسلة الرواد بأقاليم وسط وجنوب الصعيد الثقافي .
يكتبها هذا الشهر
محمود الأزهري
صديق محبتكم
علاء الدين رمضان
أعدني للبدء |