|
عفريت هيروشيما فجأة .. سوف تخفت الموسيقا ، وتتلاشى الألوان شيئاً فشيئاً ، لتتحد بعدها في لون مونكرومي واحد،هو الأسود المحايد غالباً، على خلفية محايدة ؛ ساعتها لن يكون هناك مجال للترنم بالشعر أو التظرف بالسرد النثري ، فهذا العصر الذي يظلنا هو عصر العلم ، عصر اللغة التقريرية والأرقام ( أو : الرقمنة Numberlizition ) ، عصر تحويل الفلك إلى علم تجريبي ، في هذا العصر نادراً ما يتحمس العلماء العاديون لفلسفة العلم الحديث " الجديدة " التي توائم بين العقل والوجدان ؛ فتجعل العلاقات بين العلم والأدب أكثر دفئاً وخصوبة على أسس سليمة لا غالب فيها ولا مغلوب ؛ فهم اعتادوا الحقائق الصعبة ، وفي مختبراتهم لا يحدوهم الشعور بأنهم يتعاملون مع الأشياء الخيالية ، ولهذا فهم ميالون إلى تشخيص ما هو خيالي مع ما هو غير علمي ، وما هو خيالي مع ما هو زائف . وبالمثل فإن المفكرين الذين يطمحون إلى أن يكونوا عمليين ، ميالون إلى إمعان النظر في الأصول البدائية والعلاقات النفسية البائسة للفن ، معتبرين إياها ـ في أحسن الأحوال ـ مُسَكِّناً غير مؤذ ، مع احتمال أن تكون مفيدة للمجتمع (!!) أو كما يحدث في الرياضة،تكون منفذاً للطاقة الزائدة Surplus Energy،على حد تعبير الناقد الشهير"هربرت موللر"في كتابه:العلم والنقد (Science & Criticism)؛هؤلاء المفكرون لا يعترفون بالأدب كطريق شرعية ناضجة ومهمة لإدراك الحقيقة والتعامل معها . وعلى النقيض يصبح رجال الأدب عرضة لتضخم الذات،والتخم المعنوي ، والتعالي أمام ادعاءات العلم،يساندهم في ذلك حالة "عدم الثقة"ـ المتزايدة ـ بالعلم،والرهبة منه ومن ردود أفعال الطبيعة نحو منجزاته،والشماتة بفشله،برغم ما يحدثه ذلك الفشل من كوارث تحيق بالإنسانية،لكن على الرغم من ذلك فإن العلم لا يزال يطغى على عالم الفكر،ويضع بقية الاهتمامات في خندق الدفاع. أدباؤنا العرب ـ في مصر ـ يسوقون ، على طريقة الأساطير ، حكاية "جملة شعرية" للشاعر كامل الشناوي سبق بها العلم ؛ إذ يقول في قصيدة مشهورة له ( سبب شهرتها الوحيد أن عبد الحليم حافظ غنى بعض أبياتها ) : " بعضي يمزق بعضي " ؛ ثم اكتشف العلماء ـ على طريقة شارلوك هولمز ـ أن الأنسجة داخل الجسم تتصارع خلاياها في بعض حالات القلق والحزن .. ، أو حتى السعادة المفرطة ، بحيث يؤدي هذا الصراع إلى فناء الخميسين المتصارعين المتجانسين ؛ فيستسلم صاحبهما لنوع من المرض عرفة العلم الحديث فيما بعد بتآكل الأنسجة .. ؛ هذا يذكرنا بقول شاعر الجدة والأصالة روبرت فروست ـ ابن سان فرانسيسكو : لا تستخدم ذهنك بقوة مغرورة .. لكن ثق بغريزتي فأنا شاعر .. في نشوة تلويح فروست بحدسه الفنان وفطرته الغريزية،السوبر،يطفر هربرت موللر ثانية بفظاظته المعهودة يذكرنا بأن رجال الأدب سيكونون مغفلين إن هم قارنوا استخدام غرائزهم تجاه الحقيقة،على النحو نفسه الذي يستخدم فيه الفكر الفعال في العلم ـ كما فعل المصريون وفروست الأمريكي ـ ذلك لأن العلم لا تؤرقه منافسة الأدب،بينما يعاني الأدب من منافسة العلم.ويضاف إلى جانب تلك المنافسة:مؤازرة المفكرين غير الصناعيين للعلم في مواجهة الأدب؛فـ توماس ليف بيكوك T. L. Peacock حدد ثلاثة مكونات للإلهام الشعري ، هي: (1) اصطناع عاطفة تصلح للتلويح الإعلامي لغرض ما . (2) عاطفة موَّارة غير مستقرة . (3) أنين مشاعر متضخمة . من هذه العناصر المكونة للإلهام يمكن إنتاج نماذج ومكونات ـ والكلام هنا لـ بيكوك ـ تساعد فقط في إنضاج مجنون شهير مثل (ألكسندر Alexander)،أو خَرِفٍ ناحب مثل (فيرتر Werter)،أو مريض حالم مثل(وردزورث Wordsworth)؛ فليس باستطاعة الشعر أن يخلق فيلسوفاً،أو سياسياً،أوـ على الأقل ـ رجلاً عاقلاً مفيداً؛كما أن الشعر ليس بمقدوره الآن أن يدعي المساهمة في إنجاز أية وسيلة من وسائل الراحة التي تستخدمها البشرية،حتى إن المنجزات الخيالية للشعر،تلك التي تعين على توهم المتعة فتخلق نوعاً من الهدوء النفسي ـ المؤقت ـ عندما تستدرجنا لنعيش فوق القمر زمناً،سوف يركبنا الخوف إذا ما طالت مدته فلا نملك إلا أن ندعو الله أن نعود مسرعين قبل أن يصير القمر محاقاً،حتى لا نقع من فوقه فتدق أعناقنا على(سطح) الأرض/الواقع. كل هذه المنجزات تبددت وجعلها العلم تحت قدميه ، إذ صار الفضاء أرضاً بإمكاننا أن نطأها بشرط مادي صناعي بحت ؛ لذلك تَحَوَّل الوجدان العام إلى المادة ، تلك التي جعلت غير المدرك مدركاً وبعيد المنال قريباَ والخيال واقعاً لأن المادة هي التي جعلت المنجز العلمي الواقعي في متناول الأفراد . ذلك التوجه المادي أصبح اليوم هو الملاذ الوحيد للإنسان عقب النهضة الصناعية والتجارية في القرن التاسع عشر ، وقد وجد الاقتصاديون في سعيهم وراء ما يسمونه بالاقتصاد الحر Economic Freedom صدى واسعاً لنظريتهم الرأسمالية التي ترفع شعار "دع الفرد يعمل .. دع التجارة تمر " laissez Faire Laissez Passer ؛ تلك التي روجوا لها زمنئذ ، وإن كانت هذه النهضة نفسها قد جعلت من الأدب " تجارة " إلا أنها تجارة استهلاكية ، أدرك خطرها المعنيون من الساسة والحكام ، حتى الشعراء منهم ؛ فقد كتب الشاعر الرومانسي الرقيق ، والإرسطوقراطي المتعجرف " بيرون " في مفكرته بتاريخ 24 من نوفمبر عام 1813م ، يقول : " لقد نادى ديموستينس بالعمل ، وأنا أردد دعوته إلى العمل " . .. " العمل وليس الأدب ، ناهيك عن الشعر ، فإن من علامات الخنوثة والضعف والانحلال ـ في نظري ـ ذلك الذي نسمعه من تفضيل الأدباء على التجار والوكلاء التجاريين . إني لأعجب لتلك الضجة القوية حول الشعراء والكتاب ، تلك التي يصنعونها لأنفسهم أو يصنعها لهم غيرهم ، وإني لأتساءل ـ أي بيرون ـ هل يشتغل أحد بالكتابة إذا كان لديه عمل أفضل منها يشغله ؟! " . هذا السؤال سُئِلَ مثله " المساور بن هند " يوماً ، إذ قال له " الحجاج بن يوسف الثقفي " : لم تقول الشعر ؟ ، فأجابه المساور : أقول الشعر ، أسقي به الماء وأرعى به الكلأ وتقضى لي به الحاجة ، فإن كفيتني تركته . فالمجتمع منذ القدم في نزوع غريزي نحو تفضيل المادة ـ ثم العلم فيما بعد بوصفه مادة ـ على الأدب والشعر،إلى أن حدث ما لم يكن في الحسبان،في تلك اللحظة التي وقف فيها العلم والشعر كلاهما يغمره عجز كامل،بينما وقفت الإنسانية مشدوهة تماماً تجاه ما حدث في تمام الساعة الثامنة والربع ـ حسب التوقيت الياباني ـ من صباح السادس من أغسطس عام 1945م ، وقفت "فاقدة الثقة"في العلم تماماً، مثلما "أهملت" الشعر والأدب لارتكاز الفنون على العواطف الإنسانية التي لم تستطع أن تحول دون وقوع كارثة من نوع هيروشيما وناجازاكي،الأديب الديبلوماسي يحيىحقي جسد ذلك الموقف بقوله:"إن الذي حدث لحظة انفجارالقنبلة الذرية هو أن المسرح اتسع فجأة اتساع الكون كله وشعر الممثل الواقف على خشبته ـ ذاك الذي أطلقها كما أطلق الصياد العفريت من القمقم ـ إنه بجانب هذا العفريت أضأل من النملة،وأن كل ما حصَّله في الماضي قد ذاب،ولا بد له أن يتعلم من جديد،فكل دقيقة من عمره تمر ينبغي أن تصرف إلى الجري في طلب العلم،ولا أحد يثير السخرية مثل الذي يجري وهو يترنم بالشعر". لقد ظن العالم أنه سينعم بالأدب السَرِيِّ والمعنى الثريِّ والشعرالرقيق والسردالذكي،على أنغام العلم الحديث الذي جسد له الراحة بين عينيه وفي متناول يديه، لكنه استيقظ ـ كما استيقظ المؤدي الذي قام بدور الصياد المذعور الخائف من عفريت هيروشيما ـ على الأشعة فوق البنفسجية ، فكلما قتل ذبابة أو أهلك بعوضة أو حطم نملة : أحدث ثقباً جديداً في طبقة الأوزون، فوجد أنه مرغم من جديد على إرجاء وتأجيل فكرة التحول اللامادي إلى حياة عاطفية يحرسها ويرعى نزواتها جنود العلم والماديات. لكنه فوجئ من جديد بأنه دخل مغارة متشعبة المتاهات ، كلما أنهى واحدة وخرج ، وجد خلاصه سراباً ، وأسلمه سرابه إلى متاهة جديدة ولا مناص منها إلا بالجري ، ولا أحد يثير السخرية والشفقة معاً مثل الذي يجري مذعوراً وهو يترنم بالشعر ! . صديق محبتكم |