غروزني جحيم الروس / أبو عبيد القرشي
غروزني جحيم الروس

بقلم : أبي عبيد القرشي

حفظ الملف

إن البطولات في هذه الأمة لم ولن تتوقف، والشواهد على ذلك عديدة لا ينقصها سوى الدراسة والتبيان حتى تقوم الأمة الإسلامية من براثن الاستكانة والخذلان. من هذا القبيل تجدر دراسة الجهاد الشيشاني ضد روسيا لأنه مليء بالعبر وباعث على الأمل وحاث على المضي قدما.
استعملت روسيا في حرب الشيشان كل وسائل القوة العسكرية التقليدية لكن المجاهدين الشيشان بينوا بكل جدارة كيف أن تشكيلات مقاتلة خفيفة التسليح وعلى درجة كبيرة من اللامركزية يمكنها الدفاع ضد قوة عظمى أضخم وأحسن تسليحا. وتعتبر الاستراتيجيات والتكتيكات التي استعملها المجاهدون الشيشان في معركة غروزني دروسا في حرب المدن وتشكل نموذجا لحروب الجيل الرابع لدرجة أن جنرالا أمريكيا قال: "إن مستقبل الحرب لن يكون في سلالة عاصفة الصحراء وإنما في تركة حرب الشيشان" . (1)  
لم يهضم الشيشانيون أبدا استعمار روسيا لهم وقد جاهدوا لأحقاب من أجل استرجاع استقلالهم وتعرضوا في سبيل ذلك لنكبات في عدة فترات من تاريخهم. لكن فرصة الاستقلال لم تكن سانحة بالقدر الذي كانت عليه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 حين استقلت دول كثيرة كانت في حوزة الاتحاد السوفييتي من البلطيق إلى وسط آسيا مرورا بالبحر الأسود. لكن الحلم الشيشاني بالاستقلال عن روسيا لم يعمر طويلا أمام إصرار القيادات الروسية من كل التيارات على منعهم من ذلك. وبدأت طبول الحرب تقرع عام 1994.
لقد علم الشيشانيون من البداية استحالة هزيمة الروس في مواجهة مباشرة. ولذلك كان عليهم أن يتجنبوا كوامن قوة الجيش الروسي والتركيز فقط على مواطن ضعفه. ولهذا رأت القيادة الشيشانية أنها تستطيع الإضرار بالقدرة القتالية للجيش الروسي إذا تمكنت من الزج به داخل مدينة غروزني.
ويمكن القول بأن الاستراتيجية الشيشانية تمثلت في النقط التالية : (2)  

  • جر الجيش الروسي إلى مسارح الحرب التي يفضلها الشيشان وهي غالبا داخل غروزني

  • الهجوم على مؤخرات الجيش الروسي

  • تمطيط مدة الحرب

  • تكبيد خسائر كبيرة للجيش الروسي

بينما تمثلت الاستراتيجية الروسية في النقط التالية : (3)  

  • السيطرة على المناطق الأساسية

  • تدمير المقاومة الشيشانية

  • إنهاء الحرب بسرعة

كانت غروزني قبل الحرب عبارة على مدينة يقطنها 50000 نسمة. وكانت مدينة عصرية بالمقاييس الروسية تتخللها بنايات عالية. و بما أن الاستراتيجيين الشيشان خططوا لجعل غروزني الميدان الأول للحرب، فقد استدعت القيادة الشيشانية كل المسؤولين على إدارة البلدة الذين كانوا مشرفين قبل الحرب على الطرق والاتصالات والطاقة. وعلى ضوء مشورتهم حددت القيادة الطرقات والبنايات والتقاطعات الاستراتيجية التي يجب الدفاع عنها مهما كلف الأمر. كما أن القيادة الشيشانية بلورت دفاعات فعالة ضد القصف الروسي المحتمل باستعمال الطبيعة الهندسية للبنايات. وهكذا فإن الأوامر صدرت بإخلاء الطابق العلوي لكل بناية لأنها الأكثر عرضة للقصف الجوي والمدفعي. كما صدرت الأوامر بإغلاق كل منافذ الطوابق الأرضية حتى لا يستعملها جنود العدو للاختباء. في حين أن الطوابق التحت أرضية تستعمل لتخزين المؤونة و الذخيرة وكملاجئ حين يكون القصف مكثفا. وبتطبيق هذا التكتيك على بناية مكونة من اربع طوابق فإن الطابق الرابع يصير خاليا والطابق الثالث والثاني يستعمل للهجوم في حين يكون الطابق المطل على الشارع مغلقا بشكل كامل ويكون الطابق الموجود تحت الأرض عبارة عن مخزن وملجأ.
وإلى جانب ذلك فقد امرت القيادة الشيشانية قواتها بأن تكون دائمة الحركة داخل العاصمة الشيشانية غروزني حتى لا يكون هناك خط جبهة مستقر أو معركة حاسمة تكون الغلبة فيها لروسيا التي تمتلك كل الأسلحة الثقيلة الممكنة. كما أن القيادة حددت قتل مائة جندي روسي يوميا كهدف لإجبار الجيش الروسي على الانسحاب ولو بعد حين.
بدأ الهجوم الروسي يوم 31 ديسمبر 1994. وقد دخل الجيش الروسي عبر ثلاث محاور من الشرق والغرب والشمال. ودخل الجيش الروسي بدبابات مرفوقة بفرق مشاة ميكانيكية تستعمل مراكب BMPوقد كان المجاهدون الشيشان يتتبعون الهجوم الروسي عن بعد باستعمال معدات الارسال اللاسلكية الصغيرة من نوع Motorola. وكانت خطتهم تقتضي ترك الروس يتوغلون إلى مشارف وسط المدينة حتى يصعب عليهم الانسحاب ثم الهجوم عليهم بعد غروب الشمس.
وكان تكتيكهم الهجومي فعالا بشكل كبير إذ كانوا يركزون الهجوم الأولي على المركبة الأولى والأخيرة في نفس الوقت حتى يستحيل تحرك الموكب المدرع ثم الإجهاز على ما تبقى من مدرعات. وقد تمكن الشيشان عبر هذا التكتيك فقط من تدمير 102 مركبة مدرعة من أصل 120 و20 دبابة من أصل 26 و 6 مدرعة مضادة للطائرات (ZSU-23s) من بين 6، كل هذا حدث خلال ثلاثة أيام استغرقها الهجوم الأولي الروسي وهي أرقام قياسية حقا.
كانت التشكيلات الشيشانية عبارة في نواتها عن مجموعات تضم ثمانية مقاتلين. كل مجموعة تضم اثنين برشاشات ثقيلة واثنين بمضادات للدروع وواحد قناص وثلاثة مقاتلين برشاشات خفيفة يشتغلون كممرض و متحدث باللاسلكي وحامل للذخيرة.
تجتمع ثلاث من هذه المجموعات لتكون وحدة من 25 فرد حين يكون هناك داعي لذلك. وتجتمع ثلاث وحدات لتكون كتيبة من 75 فرد حين يكون الهجوم المخطط كبيرا. وغالبا ما تتوفر الكتيبة على مدفعي مورتر من طراز 82 ملم.
وكثيرا ما كان المجاهدون يتحركون بالليل حيث يستعملون النظارات الليلية المغنومة من الروس في حين لم يكن الجيش الروسي يتحرك ليلا أو في الفترات الضبابية ولهذا فقد الروس المبادرة. وحتى في النهار كان الروس لا يحركون مواكبهم إلا باستعمال دخان مكثف الذي كان يدل المجاهدين على تحركهم ويمكنهم من ترتيب كمائن قاتلة لهم.
على المستوى الاستخباراتي لم يتمكن الروس من اختراق الاتصالات الشيشانية فقليل هم الروس الذين يفهمون هذه اللغة، في حين كان الشيشانيون كلهم يفهمون الروسية ويلتقطون الاشارات العسكرية ويستفيدون من معطياتها. من جهة أخرى كان المقاتلون الشيشان يذوبون داخل الأهالي في المدينة عند الضرورة ويجمعون المعلومات عن عدوهم من الأهالي وخاصة النساء اللاتي كن يمتلكن بعض الحرية في التنقل داخل المدينة. في حين أن الروس لم يتمكنوا من جمع معلومات استخباراتية ذات قيمة بل وحتى خرائطهم العسكرية لم تكن في المستوى، إذ استعمل الجيش الروسي خرائط ذات مقياس 1/50000 و 1/ 100000 في حين كان من المفروض استعمال خرائط ذات مقياس 12500 :1 و 1:25000 الأكثر دقة. أما الصور الجوية الملتقطة من طرف الطائرات الحربية فلم تكن مفيدة كثيرا في هذه البيئة المدنية كما أن الجيش الروسي لم ينل فرصة استعمال صور الأقمار الصناعية لأن هذه الأقمار لم تكن في حالة تشغيل لنقص الأموال اللازمة لذلك . (4)  
حاول الجيش الروسي استغلال تفوقه الجوي، لكن ذلك لم يكن ممكنا بالنسبة للطائرات الحربية لعدة أسباب، من بينها أن الظروف الجوية لم تكن دائما ملائمة، كما أن الطائرات العمودية لم تستطع المناورة داخل المدينة لأن المجاهدين كانوا يمتلكون عدة صواريخ مضادة للطائرات. إضافة لهذا كان المجاهدون يستعملون تكتيكا آخر يحد من التفوق الجوي وهو الالتصاق بمؤخرات الكتائب الروسية بمسافات تقل أحيانا عن 50 متر مما يجعل الطيران الروسي يخاف من قصف ذويه. كما أن خدعة ذكية قام بها المجاهدون وهي نشر صور لصاروخ ستينغر في موقعهم عبر الانترنت، الشيء الذي جعل فرائص الطيارين الروس ترتعد بعدما ذاع الخبر و صاروا لا يجرؤون على استعمال السلاح الجوي بجسارة.
ويمكن القول أن سلاحين أسهما في النصر الشيشاني بامتياز: الأول هو السلاح المضاد للدروع آر.بي.جي7 والتي كان يحملها اثنان من كل مجموعة. ولهذا فقد سمي السلاح الوطني الشيشاني. وظهرت أهميته القصوى في مسرح الحرب داخل المدن من خلال معركة غروزني. وقد برع المجاهدون الشيشان في تطوير فعاليته عبر نزع غطاء الصاعق وزيادة كمية المتفجرات مما جعل السلاح فتاكا يدمر رأس الدبابة بضربة واحدة بما فيها طراز تي. 72. كما أن المجاهدين كانوا يركزون القصف بعدة قاذفات آر.بي.جي ضد الأماكن القليلة السمك في المدرعات حتى تكون الفعالية أكبر.
أما السلاح الثاني الذي أسهم في النصر الشيشاني فهو بلا منازع سلاح القناص. وقد استعمله المجاهدون بكثافة ليس فقط كوسيلة فعالة لتكبيد خسائر بشرية للروس ولكن كذلك كسلاح منقطع النظير للنيل من معنويات الجيش الروسي الذي لم يعد ينعم بهنيهة راحة. كما استعمل الشيشانيون المناظير التي يتوفر عليها سلاح القناص كوسيلة لتجميع المعلومات عن العدو.
إن الدروس والعبر العسكرية التي يمكن استنباطها من معركة غروزني هي كالتالي:

  • أحبطت العمليات داخل المدن تفوق الجيش الروسي

  • كان التخطيط المفصل للمعركة حاسما

  • كانت المعرفة بالبيئة في صالح المجاهدين الشيشان

  • كانت إرادة القتال والنصر أكثر تواجدا في الجانب الشيشاني

  • لم تتمكن التكنولوجيا والأسلحة من حسم المعركة من الجانب الروسي

أما من ناحية الحرب الإعلامية النفسية، فقد تمكن المجاهدون الشيشانيون من تدمير إرادة القتال ومساندة المجهود الحربي لدى الرأي العام الروسي . (5)   وتوصلوا إلى ذلك عبر سلسلة إجراءات من بينها استعمال كل الإمكانيات التقنية المتاحة لإيصال صوتهم إلى الخارج والنيل من عزيمة الروس، واستعملوا في هذا الاتجاه الهواتف الخلوية والأجهزة اللاسلكية ومحطات إرسال تلفزيونية محمولة وكاميرات تصوير خفيفة وحتى الانترنت . (6)   وقد اعترف الروس بأنهم خسروا المبادرة على الجبهة الإعلامية منذ البداية ولم يسترجعوه أبدا خلال حرب الشيشان الأولى. ومعلوم أن وزير الإعلام الشيشاني السابق مولودي أودوكوف كان متفوقا على الآلة الإعلامية الروسية قاطبة ولم يدع فرصة تفلت لإعلان الموقف الشيشاني للصحافة الروسية والدولية وساعد مناخ حرية الصحافة السائد في روسيا آنذاك في بلوغ الحملة الدعائية الشيشانية مداها، و كان موضوع ضحايا الحرب الشيشانيين من المدنيين ومشكل اللاجئين رأس الحربة الدعائية للتأثير على الرأي العام الروسي وفقدانه الثقة في عدالة الحرب التي يقودها جيشه . (7)  
من الناحية السياسية كان الحشد السياسي للشعب الشيشاني في أوجه وكانت الغالبية العظمى متفقة على الهدف السياسي وهو الاستقلال عن روسيا بأي ثمن. وقد أعطى هذا الأمر شرعية سياسية كبرى للمجاهدين الذين كانوا يتجولون وسط الأهالي كالسمكة داخل الماء وتمكنوا من تجنيد العديد من المقاتلين دون عناء وكان الأهالي يمتثلون لأوامرهم بكل طواعية، وهو وضع مثالي (8)   بكل المقاييس لإدارة حروب الجيل الرابع.
وقد بينت معركة غروزني الأولى مدى الصعوبة الموجودة أمام الجيوش في الدخول إلى "أدغال المدينة" (9)   دون القيام بالفتك بالمدنيين العزل وتدمير كل مظاهر الحياة فيها.
تمكن الروس من السيطرة على غروزني لما قررت القيادة الانسحاب التكتيكي حتى تحتفظ بالمبادرة ولا تسقط في فخ الخطوط الثابتة. لكن وبعد 18 شهرا استعاد المجاهدون غروزني بعد هجوم مضاد جريئ ومتقن أسقط ورقة التوت التي كانت تخفي عورة الجيش الروسي. وتبين بذلك أن السيطرة على الأرض لا تهم بقدر ما تهم حرية الحركة.
كان ثمن الهزيمة الروسية باهضا، فإضافة إلى عشرات الآلاف من القتلى والمفقودين أصيب الجيش الروسي بإحباط كبير. ووفقا لإحصائية عسكرية أجريت على 1300 جندي شاركوا في حرب الشيشان الأولى، ظهر أن 72% من هؤلاء أصيبوا بأمراض نفسية وأن 10% من هؤلاء في حالة نفسية ميئوس منها. وهذا في حد ذاته يغني عن التعليق.
إن معركة غروزني الأولى نموذج يجب أن يقتدي به المسلمون، فقد بينت بوضوح مدى استعداد الشعب الشيشاني الأبي لكل التضحيات من أجل نيل الحرية والعيش بكرامة. وللتذكير فإن سكان الشيشان لا يكادون يزيدون عن المليون نسمة، وعدد المقاتلين لم يتجاوز في أفضل الأحوال الخمسة عشر ألفا. ومع ذلك فقد واجهت هذه الأمة دون وجل إحدى أكبر الدول عددا وأعتاها تسليحا وهي روسيا، وأذاقتها الأمرّين، واستمرت مقاومتها بضراوة إلى اليوم وسط إبادة وتنكيل منقطع النظير.
إن هذا هو شأن أمة المليون، أفما آن لأمة المليار أن تكشر عن أنيابها وتهب للدفاع عن حرماتها.


(1) - General Krulak, U.S. Marines General Commandant (ret.)
(2) - Arthur L. Speyer, Marine Corps Intellligence Activity, 'The Two Sides of Grozny', Capital preservation in War, Rand Corporation, 2001.
(3) - General Anatoly Sergeeivich Kulikov ((Russian Ministry of Internal Affairs), 'The Chechen Operation from the Viewpoint of the Military Command', Capital preservation in War, Rand Corporation, 2001.
(4) - Lester W. Grau, 'Russian Urban Tacticcs: Lessons from the Battle for Grozny' , Foreign Military Studies Office.
(5) - Emil Pain, "The Information Componentt in the Second Chechen War," paper presented at the US/Russian Information Warfare Seminar, Fort Leavenworth, Kansas, 24 January 2000, 2.
(6) - Without source, 'The Battle for Groznny Russian Army Lessons Learned', Marine Corps Infantry Officer Course, Marine Corps University's (MCU) 2001.
(7) - Vincent J. Goulding, Jr., ' Back to tthe Future with Asymmetric Warfare', Parameters, Winter 2001.
(8) - Col John R. Boyd, USAF, "Patterns of Conflict," p. 90
(9) - Anatol Lieven, "Chechnya: Tombstone oof Russian Power" (New Haven, Conn.: Yale Univ. Press, 1999), p. 109.