اقتراح في تكوين المصطلحات العلمية العربية

 

د. عبد المالك بوحجرة

المركز الجامعي بجيجل، الجزائر

يمكن الحصول على المقال الكامل من:

مجلة جامعة قسنطينة للعلوم الإنسانية

العدد التاسع،1998، 81-95

 

ملخص

لقد قمت في هذا البحث بشرح الطرق التقليدية في تكوين المصطلحات العلمية العربية.

 و ركزت بالخصوص على أهم خاصية تميز اللغة العربية، ألا و هي الاشتقاق.  بحيث فسرتها بطريقة علمية، و ذلك بإعطاء إحصائيات حول عدد الجذور الموجودة في اللغة

و ترتيب الأوزان في جدول. بعد ذلك تعرضت إلى منهجية جديدة في تكوين المصطلحات، و هي تخص بالدرجة الأولى عملية التعريب و النحت.  هذه الأخيرة في طابعها التقليدي جد محدودة، و لهذا قمت باقتراح طريقة جديدة أطلقت عليها اسم "النجر" و هي تعني النحت بإرجاع الكلمات إلى جذورها الأصلية. و في الأخير قمت بتلخيص هذه المنهجية في جدول يبين بوضوح كيفية الحصول على مصطلح عربي جديد، انطلاقا من مجموعة كلمات عربية، أو كلمة أجنبية، و ذلك بتطبيق إحدى الطرق المشروحة في البحث.       

 

Abstract

I have tried in this paper to explain the traditional methods used in coining new scientific words in Arabic. Particular emphasis was put on the most important feature of Arabic, namely, derivation. I have tried to explain it in a scientific way, by giving statistics about the number of roots which exist in the language and classifying the patterns in a special table. I have also proposed a new method for making scientific words, which is related to arabization and compounding. This latter seems very limited in its traditional form, therefore I have proposed a new method which I named « AN-NAJR », meaning compounding by returning words to their original roots. In the end I have resumed the new method in a diagram that clearly shows the way in which a new scientific word is coined, this could start either from a group of arabic words, or a foreign word, followed by the application of one of the methods explained in this research.

 

مقدمة

مما لاشك فيه أن اللغة ترتبط ارتباطا وثيقا بالشعب الذي يتكلمها أو يدعي باستعمالها. بحيث لا يمكن التفكير في طرف دون الآخر. فاللغة لا يمكن أن تحيى إلا بحياة شعبها،

 و لا يمكن أن تتطور إلا بتطور شعبها، و لا يمكن أن تزهو إلا بزهو شعبها ووجود ناس يحسنون تكلمها. و عظمتها في وقت ما تنبع من الاهتمام المعطى من طرف شعبها.

و على هذا الأساس، إذا أردنا أن تسترجع العربية المكانة التي تستحقها، و إنجاح عملية التعريب، لا بد من الاهتمام أولا بتحسين الوعي اللغوي، و لا سيما بين أعضاء الهيئات التدريسية في الجامعات العربية. و هذا لا يتأتى إلا بوضع برامج تعليمية حديثة تبين بوضوح و بلغة بسيطة قواعد العربية و نقاط القوى التي تميزها.

ربما أهم مشكلة تواجه العربية في الوقت الحاضر هي قضية تكوين المصطلحات العلمية. فرغم وجود عدة طرق معروفة، إلا أن الأغلبية الساحقة من الأساتذة لهم معلومات غير مرتبة و سطحية لا تسمح لهم بإدراك الأهمية الحقيقية للعربية، و بالتالي يصعب عليهم تذوق رونق و جمال صياغة المصطلح العربي، مما يمنعهم من الارتقاء إلى درجة الإبداع في هذا المجال.

لقد حاولت من خلال هذا البحث وضع منهجية واضحة في تكوين المصطلحات العلمية العربية معتمدا في ذلك على الطرق المعروفة، بالإضافة إلى تسليط الضوء على أهم ميزة في العربية، ألا و هي الاشتقاق، و ذلك بشرحها بطريقة علمية، و في الأخير قمت باقتراح طريقة جديدة.

كل الكلمات المستنبطة خلال هذا البحث تم و ضعها " بين مزدوجتين ".

1- طرق تكوين المصطلحات

كما هو موضح  بالشكل1 تكوين مصطلحات جديدة في العربية يتم حسب نظامين أساسيين:

 الأول يخص إعطاء معاني جديدة لكلمات معينة semantics " تمعين "، و الثاني يتعلق بتركيب كلمات  جديدة باستعمال طرق مختلفة  morphology  " تركيب ".


 


شكل1: طرق تكوين المصطلحات

فيما يخص النظام الأول العربية امتصت الكثير من المبادئ و الأفكار بواسطة الترجمة من اللغات الأخرى، و كذلك طبقت نفس الطريقة على كلمات عربية قديمة للتعبير على أشياء حديثة.

 

فكلمة سيارة مثلا، كانت تعني في الماضي قافلة من الجمال، و الآن أصبحت تدل على وسيلة النقل المعروفة.

 

في بعض الأحيان استعملت العربية المعنى المجازي للكلمات من أجل الدلالة على أشياء جديدة، كما في البرق و البريد و التي تحمل كذلك معاني مختلفة (البريد تعني الرسول و البرق يعني كذلك الظاهرة الطبيعية المعروفة).

 

أسلوب آخر يخص معاني الكلمات هو بالطبع الترجمة الحرفية لعبارة أجنبية كما في:

كرة القدم = football 

وكالة الأنباء = news agency

الأمم المتحدة = united nations

بالنسبة للنظام الثاني، إنه يحتوي على ثلاث طرق كذلك، هي الاشتقاق، النحت و التعريب.  

1-1 الاشتقاق 

بخلاف اللغات العالمية الأخرى، و التي لا يوجد فيها نظام خاص بتكوين كلمات مستقلة،

و تعتمد بالدرجة الأولى على ترجمة كلمات من لغات مختلفة، أو تركيب كلمة جديدة ابتداء من كلمتين أو عدة كلمات قديمة، فالعربية زيادة على هذا تستعمل نظام في غاية الإحكام يعرف بالاشتقاق.

 

معظم الكلمات في العربية مكونة انطلاقا من مجموعة حروف  تسمى بالجذر أو المصدر. هذا الجذر في أغلب الأحيان يحتوي على ثلاثة حروف، و لكن توجد كذلك بعض الجذور بحرفين أو أربعة حروف.

 

من أجل توضيح ذلك نأخذ كمثال الحروف الثلاثة ب،ت،ك. مباشرة يتبادر إلى الذهن الجذر "كَتَبَ"، و الذي يعطي المشتقات التالية:

ك ت ا ب

م ك ت ب ة

م ك ا ت ب ة

ت ك ا ت ب

ا س ت ك ت ا ب

ك ت و ب ي

ك ا ت ب

ك ا ت ب ة

ت ك ت ي ب

ك ت ي ب ة

الخ ...

في كل الكلمات أعلاه، يمكن ملاحظة وجود حروف الجذر  ك،ت،ب .

و بإضافة حروف معينة للجذر، حسب أوزان معينة، أصبح بالإمكان تكوين كلمات عديدة بمعاني مختلفة.

 

الحروف الإضافية عددها تسعة و هي:

ء، ا، ت، ة، س، م، ن، و، ي

لاحظ بأن هذه المجموعة تضم كل "حروف المد"vowels ، ا و، ي. لقد فضلت هنا المصطلح حرف مد لأن المعنى مناسب و على وزن "حرف شد"consonant  الذي يدل على بقية حروف الأبجدية العربية.

 

إن الاشتقاق يعتبر بمثابة الهيكل العظمي للغة العربية، و أي برنامج دراسي يهمل هذه النقطة يجب إعادة النظر فيه، و لهذا فالمسؤولية تقع على الأساتذة و المدرسين من أجل تبيان هذه الخاصية.

 

1-2 الأوزان

كما هو موضح في جدول الاشتقاق ( شكل 2 )، انطلاقا من جذر معين (صَلَحَ) يمكن تركيب كلمات عديدة، حسب الأفعال المذكورة، باستعمال الحروف الإضافية. مع كل جذر توجد كلمات و مشتقات مناسبة، و من المستحيل استعمال كل الأفعال مع جذر واحد.

اسم المفعول

اسم الفاعل

المصدر

الماضي

الصيغة

مـَـفـْعولْ

مصلوح

 

فـَــاعِلْ

صالـِح

مُـتـَغَـيّـرْ

صلاح، صلوح

مصلحة، صلاحية

(فـَعَـلَ)

صَـلـَحَ

1

مُـفـَـعِّـلْ

مُصَـلـِّح

مُـفـَـعَّـلْ

مُصَـلـَّح

تـَفـْـعـيلْ

تصليح

(فـَعَّـلَ)

صَلــَّحَ

2

مُـفاعَلْ

 

مُـفاعِلْ

مُصالِح

مُفـاعَلة، فِـعالْ

مُصالحة

(فـَاعَلَ)

صالـَح

3

مُـفـْعَـلْ

مُـفـْعِـلْ

مُصـلِح

ءِفـْعَـالْ

ءصلاح

(ءَفـْعَـلَ)

ءصلـح

4

مُـتـَفـَعَّـلْ

مُـتـَفـَعِّـلْ

تـَفـَعُّــلْ

(تـَفـَعَّـلَ)

5

مُـتـَفاعَـلْ

مُـتـَفاعِــلْ

متصالـِح

تـَفـاعُــلْ

تصالـُح

(تـَفاعَلَ)

تصالـَح

6

مُـنـْفـَعَـلْ

مُـنـْفـَعِـلْ

انـْفِـعــالْ

انصِلاح

(انـْفـَعَلَ)

انصلـَح

7

مُـفـْتـَعَــلْ

مُصطلـَح

مُـفـْتـَعِــلْ

افـْتِـعــالْ

اصطـِلاح

(افـْتـَعَلَ)

اصطلـَح

8

غير موجود

مُـفـْــــعَـلّ

افـْعِــــلالْ

(افـْـعَــلَّ)

9

مُـسْتـَفـْعَلْ

مستصلـَح

مُـسْـتـَفـْعِلْ

مستصلـِح

اسْـتِـفـْــعالْ

استصلاح

(اسْتـَفـْعَـلَ)

استصلـَحَ

10

شكـل2:  لوحـة الاشتـقاق:

(1-4) همزة القطع

(7-10) همزة الوصل

إمكانية تكوين المشتقات و تنوعها يختلف من جذر إلى آخر و هذا التنوع يفتح مجالات هائلة من أجل تكوين مصطلحات جديدة في العربية.

على الجدول، المصدر المتعلق بالصيغة رقم 1 للجذر غير ثابت (متغير)، و يمكن أن يأخذ عدة أشكال، و هذا حسب معنى الجذر من بينها:

 

فعلة، فعيل، فعال، فعول، فعالة، أفعل، تفعلة، الخ...

 

معظم الكلمات الموجودة في العربية موزونة حسب أحد الأفعال المذكورة في الجدول، الكلمات التي ليس لها وزن هي كلمات دخيلة أو مستوردة.

كما يمكنك الملاحظة، و بعملية حسابية بسيطة، فإذا فرضنا بأن أي ثلاثة حروف من الأبجدية تعطي جذور لها معاني مختلفة، و كل جذر بدوره يؤدي إلى ربع المشتقات، فإن الكلمات التي يمكن تكوينها حسب الأوزان الموجودة على جدول الاشتقاق يزيد على مائتي ألف (219240).

و إذا أضفنا إلى هذا الجذور الثنائية مثل هز، و مد و الجذور المضاعفة مثل زلزل و ذبذب، و الجذور التي تحتوي على حرفين متشابهين مثل ساس، و سلس و الجذور الرباعية مثل زخرف، و جمهر، زيادة على استعمال الأفعال غير المذكورة على اللوحة، فإن إمكانيات الاشتقاق تصبح غير محدودة.

 

باستعمال نفس العملية الحسابية، الجذور الرباعية التي يمكن تكوينها تزيد على نصف المليون (570024)، و رغم هذا، إذا فتحت أي قاموس عربي، فإنك تجد بأن الجذور الرباعية قليلة جدا بالمقارنة مع الجذور الثلاثية، و هذا دليل قاطع على الثروة اللغوية التي لا تزال لم تستغل بعد.

 

من الأفعال غير المذكورة على جدول الاشتقاق يمكن إضافة ما يلي:

اسم المكان، كما في مطبخ و منزل،

اسم الزمان كما في مشرق و مغرب،

اسم الآلة كما في مفتاح و مبرد،

الصفة كما في كريم و أسود،

النسبة كما في حديدي و سماوي،

و في الأخير التصغير كما في كليب و كتيب.

يجب التذكر هنا على أنه توجد أوزان خاصة تنطبق على جوانب أخرى من العربية، كالجمع، المثنى، و الفعل المضارع.

 

معظم الكلمات الموجودة في العربية كونت انطلاقا من جذور و أفعال (أوزان). بعض الأوزان تدل في الأصل على أشياء معينة كما "فعالة"، و التي تعني شغل أو عمل، كما في كلمات تجارة، صناعة، زراعة الخ...

 

و إذا تمعنا في كلمة صناعة، نجد بأنها تحتوي على الجذر صنع و عملية الاشتقاق تعطي عدة كلمات ابتداء من هذا الجذر إلى جانب صناعة.

على الجدول توجد معظم الأوزان التي تساعد على اشتقاق أغلب الكلمات الموجودة في العربية.

 

1-3 النحت

و هي الطريقة التي يتم فيها جمع كلمتين أو أكثر باختيار أجزاء مناسبة من الكلمات المختلفة، لتعطي كلمة واحدة في النهاية. هذه الطريقة استعملها العرب في العصور الوسطى، كما تدل عليه كلمات مثل البسملة و سامراء و التي تعني على التوالي باسم الله  و سر من رأى. الاسم الأخير يدل على مدينة في العراق بناها المعتصم العباسي. هذه العملية تستعمل بكثرة في اللغات الأجنبية،  و بالخصوص الإنكليزية، و لكن نادرا ما يلجأ إليها في العربية.

 

1-4 التعريب

يتعلق باستعارة كلمة أجنبية و إدخالها في قالب عربي حتى لا تكون ثقيلة على اللسان و الأذن العربية. إن هذه الطريقة ليست جديدة، كما يظن الكثير من الناس. بحيث توجد كتب كثيرة وصلتنا من الماضي، تذكر الكلمات العديدة التي دخلت العربية. و كمثال على الألفاظ الحديثة يمكن ذكر التكنلوجيا، التلفزيون، الراديو، الخ... و لكن العرب في القديم أحسنوا استعمال عملية التعريب، بحيث كثير من الكلمات التي نظن بأنها عربية هي في الأصل أجنبية.

 

فكلمات مثل ديوان، دولاب، هندسة، بريد، طراز، كلها فارسية. الكلمات، أسطول، درهم، بطاقة، منجنيق جاءتنا من اليونانية. و حتى بعض الكلمات الموجودة في القرآن مثل آمين، صراط،  طاغوت، جبروت، طوفان، فأصلها إما سرياني أو عبراني.

 

و بالمقابل توجد عدة كلمات من أصل عربي في اللغات الأجنبية، بحيث حوالي 70% من الكلمات التركية هي من أصل عربي. و نسبة كبيرة من الكلمات العربية توجد في الفارسية، و كذلك توجد مئات من الكلمات العربية في اللغات الأوربية الحديثة.

 

و كما نلاحظ، فاللغة العربية عبارة عن كائن حي يؤثر و يتأثر بالمحيط الخارجي، و هذه الظاهرة سوف تستمر ما دام هنالك ناس يستعملونها. و لكن الشيء الذي يصعب فهمه في هذا العصر، لماذا أصابها نوع من العقم رغم الطرق العديدة في تكوين المصطلحات بالمقارنة مع اللغات الأخرى؟

 

لو نظرنا إلى أكثر اللغات انتشارا في هذا العصر، الإنكليزية، نجد بأنها لا تحتوي سوى على طريقتين فقط في تركيب الكلمات، و هي النحت و الكلنزة (أي نقل كلمات أجنبية للإنكليزية)، أما فيما يخص طريقة الاشتقاق فهي محدودة جدا فيها.

 

سبب نجاح الإنكليزية بسيط، يرجع إلى كونها استغلت، و لأقصى درجة الإمكانيات التي توفرها تلك الطريقتين، بينما العربية لم تستفد من القدرات الهائلة التي تملكها طرق الاشتقاق، النحت و التعريب.

 

فلا يمكن التمتع بالخيرات الموجودة في باطن الأرض، إذا لم يكن هنالك بحث و تنقيب.

 

فالمشكلة ترجع بالدرجة الأولى إلى الجهل الفادح للمبادئ التي بنيت عليها العربية و انعدام الاجتهاد في هذا الميدان من طرف العرب، و الذي انعكس على الساحة الثقافية بنقص خانق في الإنتاج الأدبي و العلمي القيم. زيادة على هذا، لا يوجد هنالك تفاهم بين الأطراف المشرفة على تكوين المصطلحات حول كيفية استعمال كل هذه الطرق.

2- المنهجية الجديدة في تكوين المصطلحات

كما رأينا أعلاه من أجل اشتقاق كلمات، يجب تحديد الجذر أولا، و لكن من أين يجب البداية إذا كان الأمر يتعلق بمصطلح جديد؟ و في نحت الكلمات المشكلة أكثر تعقيدا، لأن كل الكلمات العربية تحتوي على عدد محدود من حروف الشد، و بالتالي فالكلمات المركبة الطويلة غير مقبولة، لأنها تفقد ذوقها العربي. و نفس الشيء يقال بالنسبة للتعريب الحرفي، لأن الكلمات الأجنبية تبدو طويلة عند نقلها إلى العربية، و بالتالي فهي تبقى غريبة على العين و الأذن العربية.

 

إن المسألة ليست سهلة، و هذا ما أدى إلى اختلاط كبير في تكوين المصطلحات الحديثة،

و معارضة كبيرة في استعمالها، و عدم قبول الكثير منها، و هذه المشكلة لا تزال قائمة حتى الآن. بل أخطر من ذلك فهي تزداد حدة يوما بعد يوم.

فكل ردود الفعل ضد التكوين العشوائي للمصطلحات تعتبر سليمة، لأننا لا نريد بأن تفقد العربية بلاغتها و فصاحتها.

 

 

يمكن وضع منهجية لتعريب المصطلحات كما يلي:

 

عند تكوين مصطلح جديد بطريقة التعريب يجب تحديد الجذر أولا، باختيار الحروف التي تحافظ على"نغم" الكلمة الأجنبية، دون اجتياز العدد الأقصى لحروف الجذر العربي، أي أربعة (4). بحيث المصطلح الجديد هو الجذر نفسه أو أحد مشتقاته.

 

و إذا طبقنا الآن هذه الطريقة على بعض الكلمات التي اقتبستها العربية حديثا، سوف نلاحظ تناقضها مع اللسان العربي الفصيح.

 

لنبدأ بكلمة تلفزيون. يبدو جليا بأنها كلمة أجنبية طويلة، و غير موزونة. لنحاول الآن تحديد حروف الجذر العربي لهذه الكلمة، مع المحافظة على نغمها الأصلي. بدون شك الحروف المناسبة هي العدد الأقصى، أي أربعة ( ت، ل، ف، ز)، و التي تعطي الفعل تلفز. و حسب الأوزان المعمول بها في العربية يمكن اشتقاق اسم جميل للتلفزيون و هو تلفزة. فهذا الاسم لا يمكن اعتباره الآن أجنبي، لأنه في قالب عربي مثل كلمة هندسة و التي عربت من الفارسية كما ذكرت أعلاه.

 

باتباع هذه المنهجية يمكن بسهولة كبيرة تكوين مصطلحات أخرى في العربية. لنأخذ كلمة كمبيوتر على سبيل المثال، و التي لا تزال لم تحظى بالإجماع في استعمالها. يمكن الملاحظة بأن الحروف، ك، ب، ت، ر، أكثر ملاءمة في تكوين الجذر، و عند جمعها نحصل على الفعل "كبتر". و الذي يمكن أن يأخذ معنى مرادف لـ حسب، هذا الاسم الجديد سوف يمكننا من الحصول على عبارات مستحيلة مع الاسم الأول مثل:

 

" كبتر الطالب المعادلة باستعمال كبتار سريع"

أو

" توجد في المعرض كباتر لشركات عديدة"

 

فكلمة كمبيوتر لا تسمح بتكوين الفعل أو الجمع، كما هو الحال مع معظم الكلمات الأجنبية التي لم تدخل في قالب عربي.

 

كما نرى، المشكلة تصبح عندئذ في اختيار الكلمة الأجنبية المناسبة لتحديد حروف الجذر عند تكوين مصطلح جديد. و في هذا العصر، معظم المصطلحات تنشأ في الإنكليزية.

 

المنهجية الثانية التي توصلت إليها تتعلق بالنحت. إمكانيات هذه الطريقة محدودة جدا إذا استعملت في قالبها التقليدي فقط، لأنها لا تتلاءم مع العربية الفقيرة في الأجزاء التي تسهل تركيب كلمات جديدة كما هو الحال في الإنكليزية، و كذلك بسبب الأوزان التي تعطي صور متشابهة للكلمات و بالخصوص بداياتها. فلا بد من إيجاد وسيلة لجعل هذه العملية تتلاءم أكثر مع العربية، و هي تكمن فيما يلي:

 

بما أن أغلب الكلمات العربية عبارة عن مشتقات، يجب عندئذ إرجاع الكلمات إلى جذورها الأصلية عند تركيب مصطلح جديد من مجموعة كلمات.

 

2-1 "النجر" في تكوين المصطلحات

النجر هو مصطلح جديد أطلقته على هذه الطريقة، و استعملت في تكوينه نظرية النحت الجديدة. الكلمات الرئيسية المستعملة في تركيب هذه الكلمة هي:

 

نحت ، جذر ، إرجاع

و التي تدل على الجملة التالية:

"نحت بإرجاع الكلمات إلى جذورها الأصلية"

فالحرف الأول لكلمة جذر هو جيم، الحرف الأول لكلمة نحت هو نون، كلمة إرجاع مشتقة من رجع، و الحرف الأول فيها هو راء. من الثلاثة حروف نحصل على الجذر "نجر" بالمعنى المجازي الجديد (يشبه نحت) إلى جانب معناه الأصلي المعروف. و بالطبع، لقد حرصت منذ البداية في الحصول على كلمة مناسبة باختيار الألفاظ المناسبة، و هذا ما يجب فعله مع كل المصطلحات عوض التقليد الأعمى للجمل و الأسماء الأجنبية.

 

بواسطة عملية النجر، آفاق جديدة سوف تفتح أمام تكوين كلمات عربية، و هذا في كل الميادين، ابتداء من أسماء الشركات إلى المصطلحات العلمية و الأدبية.

كمثال على ذلك لنأخذ المصطلح الطبي الذي يدل عندنا على مرض السيدا، نسبة إلى الاسم الفرنسي، و المعروف في المشرق العربي بـ الآيدس، نسبة إلى الاسم الإنكليزي، فهذه الكلمة مأخوذة في الأصل من الجمل التالية في كلتا اللغتين:

"المرض الناتج عن خلل في مناعة الجسم"

بتطبيق الطريقة الجديدة، نختار الكلمات المهمة من هذه الجملة، و نعزل حروفها الأولى فنحصل على:

خلل (خ)،  منع (م)،  جسم (ج)

و منها نكون الجذر "خمج"، و المصطلح الطبي "داء الخمج". فهذا المصطلح له معنى جد مناسب في العربية.

 

لنأخذ في المثال الثاني اسم شركة وكالة الأنباء الجزائرية و الذي تعودنا على رؤيته مختصر (واج)، كتقليد أعمى للعبارة الفرنسية المكافئة.

 

بتطبيق نفس الطريقة على العبارة السابقة نحصل على:

وكل (و) ،  نبأ (ن) ، جزائرية (ج)

و التي تعطي الاسم الجميل "الونجة"، الونج كلمة من أصل فارسي بمعنى المعزف.

 

بالنسبة لعملية النحت التقليدية، إن صلاحيتها مخفية في الخط المتصل، و لإدراك أهميتها الحقيقية لا بد من استعمال الخط المنفصل. عندئذ، تظهر كل الحروف بأوزانها الحقيقية، مما يساعد على تقسيم الكلمات إلى أجزاء مناسبة لتأليف ألفاظ جديدة.

 

فكما نلاحظ، لا يمكن تصديق السهولة التي يمكن بواسطتها تكوين مصطلحات جديدة،

و لكن لا بد أولا من فهم المبادئ الأساسية التي بنيت عليها العربية لتذوق رونق و جمال الكلمات المركبة بهذه الطريقة.

 

كل من الطرق التي ذكرناها أعلاه لا يمكن أن تنجح إذا لم تتم تحت مظلة الاشتقاق. فهو عبارة عن المصنع الذي يحول المواد الأولية و التي تمر بالعمليات التالية:

1-"فحص"

2- "تطهير"

3- "إلباس"

بحيث في عملية الفحص يتم اختيار الكلمة الأجنبية المناسبة. في عملية التطهير يتم تحديد حروف الجذر، و الاستغناء على الحروف الأخرى. و في عملية الإلباس، يتم إعطاء ثوب جديد للجذر المكون، بإضافة حروف معينة لتكوين مشتقة جديدة حسب الأوزان المعمول بها.

 

يمكن اعتبار كل من طرق النحت، التعريب، و النجر، كعمليات بحث و تنقيب، بحيث تتم تهيئة المواد الخام من أجل تحويلها في مصنع الاشتقاق للحصول على كلمات عربية فصيحة.

 

الشكل 3  يمثل أكبر مركب صناعي للمصطلحات في العالم عاطل عن العمل بكل وحداته. و حتى يستأنف العمل بمردودية عالية، يجب اختيار عماله من بين المختصين في الميادين المختلفة، و الذين يتمتعون بكفاءة، و وطنية خالصة.


شكل3: منهجية تكوين المصطلحات

 


خاتمة

إن العجز في تكوين مصطلحات جديدة لا يمكن عزله عن الجمود و الخمول الذي يميز الساحة العربية و في مختلف الميادين. بحيث من المستحيل التقدم في ميدان دون الآخر.

و حتى نتمكن من خلق حركية جديدة، و دفع عجلة التقدم في العالم العربي، لا بد من التفكير في الأشياء التي تحفز الناس و تدفعهم إلى طلب العلم و المعرفة بشغف و حماس. و هذا ينطبق على عضو الهيئة التدريسية، الذي يواجه تحديات مصيرية، و لعل أهمها عملية التعريب. بحيث يجب إدخال عليها صبغة العصرنة، و ذلك بتطوير أساليب حديثة، و استنباط مفاهيم جديدة، تشد انتباهه، و تكسر الحاجز النفسي الذي يكبل فكره و يمنعه من الإبداع و الابتكار.

HOME

1