الصحابة بعد وفاة الرسول

سقيفة بني ساعدة  .. الفتنة الكبرى

  بينما كان الإمام علي منشغلاً بتجهيز الجنازة ، اجتمع قوم من الأنصار في سقيفة بني ساعدة وفيهم سعد بن عبادة زعيم الخزرج وبشير بن سعد زعيم الأوس . أدرك الأنصار مآرب عمر بن الخطاب وحزبه في رزية يوم الخميس وعند تجهيز جيش أسامة وعلموا أن عمر وحزبه يسعون لأخذ الزعامة على المسلمين . فقد نجح عمر بن الخطاب في منع الرسول (ص) من أن يكتب رسمياً ولاية علي بن أبي طالب في رزية يوم الخميس ، وكذلك نجح عمر في عدم مغادرة المدينة لحرب الروم والبقاء بالقرب من الأحداث ، فشعر الأنصار أنه بعد وفاة الرسول (ص) أصبحت الساحة مهيأة لعمر بن الخطاب لتحقيق رغبته بالخلافة خاصةً وأنه مدعوم بحزب متمرس منذ فترةً طويلة ، لذلك قرر الأنصار أخذ الزعامة لأنفسهم من منطلق حقوق تاريخية لهم على المهاجرين . يروي شهاب الدين النويري في كتابه نهاية الأرب في فنون الأدب أن الأنصار اجتمعوا لمبايعة سعد بن عبادة أميراً لهم ، فخطب فيهم مبيناً مكانة الأنصار وفضلهم في الإسلام وإيواء رسول الله (ص) والوقوف معه حتى ظهر الإسلام وانتصر . كان سعد بن عبادة يبين أحقية الأنصار بالخلافة ، وقد وافق الأنصار أن يولي سعد بن عبادة أمرهم . وكان قسم منهم يرى أنه إذا رفض المهاجرين ذلك سوف يجعلون الخلافة مشتركة بين المهاجرين والأنصار ، خليفةً للمهاجرين وخليفةً للأنصار.

  يروي المؤرخون أن عمر بن الخطاب علم باجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة لاختيار الخليفة دون أن يذكروا كيف علم عمر !!  فذهب إلى بيت أبي بكر وأخبره بأمر الأنصار وخرجا مسرعين إليهم في سقيفة بني ساعدة ، ولقيا أبو عبيده بن الجراح فلحق بهما . ولما وصل أبو بكر وعمر وأبو عبيده إلى سقيفة بني ساعدة ، وجدوا الأنصار مجتمعين فقال أبو بكر : إن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أواسط العرب داراً ونسباً . وأراد أبو بكر بذلك أن يثني الأنصار عن التفكير في الخلافة فلم يقبل الأنصار بقوله فقالوا : منا أمير ومنكم أمير . وأصر سعد بن عبادة وعدد من الأنصار على موقفهم حيث تكون الخلافة لهم . ازداد حدة الخلاف بين أبو بكر وعمر من جهة والأنصار من جهة أخرى ، فأخذ عمر بن الخطاب يهاجم ويهدد سعد بن عبادة ، وسعد يهدد عمر تارةً أخرى ، وكادا أن يشتبكا لولا تدخل أبو بكر وبعض الأنصار . وبينما اشتد الصراخ قال أبو بكر للأنصار : اختاروا أنتم الخليفة من المهاجرين فهذا عمر أو أبو عبيده اختاروا من شئتم . فقال عمر : بل أنت الخليفة يا أبا بكر ابسط يدك نبايعك ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!!

  استمر الخلاف بين أبو بكر وعمر والأنصار على الخلافة وازداد اللغط والصراخ حتى كادت أن تدور معركة بين الحباب بن المنذر الأنصاري وعمر بن الخطاب . وبدا أن عمر كان الخصم القوي الرئيسي كالعادة ، فمن يقرأ حادثة السقيفة في كتب التاريخ يرى ذلك جلياً . فعمر بن الخطاب الذي قاوم الرسول (ص) ومنعه من أن ينصب علياً خليفةً وكرَّس وقته لنيل الخلافة ، لم يكن ليدع الأنصار يستولوا عليها . فمن كان لله ولرسوله غير مطيع ، كيف يقبل طاعة الأنصار ؟!

  ظل الأنصار على موقفهم وأبو بكر يحثهم على التخلي عن موقفهم ، وأثناء انشغال أبو بكر والأنصار بالجدال ، استطاع عمر أن يقنع بشير بن سعد الأنصاري زعيم الأوس بأن يتخلى عن تأييده لسعد بن عبادة زعيم الخزرج في الخلافة !! ويبدو أن عمر ضرب على وتر الفتنة القديمة التي كانت بين قبيلتي الأوس والخزرج قبل مجيء الرسول (ص) إلى المدينة حيث كان بشير بن سعد زعيم قبيلة الأوس أشد الأعداء لسعد بن عبادة زعيم قبيلة الخزرج وكان بينهما حرباً استمرت فترةً طويلة حتى جاءهم رسول الله (ص) وجعلهم أخوة في الإسلام . ويبدو أن عمر بن الخطاب استطاع بمكيدة أن يقلل حماس بشير بن سعد المؤيد لسعد بن عبادة في الخلافة ، فسرعان ما تحول بشير إلى أحد المطالبين بجعل الخلافة في المهاجرين !! وبذلك انقسم الأنصار قسمين ، فقد تبع قبيلة الأوس رأي زعيمهم بشير بن سعد في جعل الخلافة في المهاجرين . استغل عمر بن الخطاب الموقف وقال لأبي بكر : أبسط يدك نبايعك ، فوجد أبو بكر الفرصة سانحة فبسط يده ليبايعه عمر وأبو عبيده وبشير بن سعد ثم قومه من الأنصار وهكذا أصبح أبو بكر خليفة للمسلمين .

  رجع أبو بكر ومعه عمر وأبو عبيده وفي الطريق كانوا يوقفون كل من يرونه ويطالبون منه البيعة لأبي بكر بعد أن يخبرونه أنه تمت البيعة برغبة المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة !! وعليه يتم أخذ البيعة انفراديا . وبهذه الطريقة نجح عمر في أخذ البيعة لأبي بكر من أغلب الصحابة إلا قليل منهم رفض البيعة شكل ومضمونا . يروي ابن عبد البر أن سعد بن عبادة وفرقة من قريش لم يبايعوا أبي بكر ، ويروي عدد من المؤرخين منهم اليعقوبي في تاريخه ج 2 ص 124 أنه تخلف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين ومالوا مع علي بن أبي طالب منهم العباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس والزبير بن العوام وخالد بن سعيد والمقداد بن عمرو وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري وعمار بن ياسر والبراء بن عازب وأُبي بن كعب .

  لقد كانت خلافة أبي بكر إلى جانب كونها خروج عن التوصية الإلهية ، وخلاف لما أوصى به الرسول (ص) من ضرورة التمسك بولاية الإمام علي بن أبي طالب ، فقد كانت تلك الخلافة بمثابة انقلاب واستيلاء حزب سياسي على الحكم كما يحدث في العصر الحديث . فقد وصل أبو بكر إلى الخلافة بتخطيط من عمر بن الخطاب لا بكفاءة أبي بكر ولا برغبة من أحد . ومما يبعث على الأسى أن عمر أعترف بنفسه عندما تولى الخلافة حيث قال عن خلافة أبي بكر أنها كانت فلتة وقى الله شرها . وطالب بقتال من يعود لمثل تلك البيعة !! ( انظر البخاري كتاب الحدود باب رجم الحبلى ) فلو أن عمر بن الخطاب لم يخطط منذ رزية يوم الخميس ولم يمنع الرسول من أن يكتب ذلك الكتاب لكان الإمام علي بن أبي طالب هو الخليفة بعد الرسول (ص) ولاستمرت الإمامة بعد علي في أهل البيت كما أراد الله تعالى . يقول النظّام : وقد نص النبي (ص) على علي رضي الله عنه في مواضع وأظهره إظهارا لم يشتبه على الجماعة إلا إن عمر كتم ذلك وهو الذي تولى بيعة أبي بكر يوم السقيفة ( الملل والنحل للشهرستاني ج 1 ص 57 مطبعة مصطفى البابي بمصر 1961 ) . أخرج البخاري في كتاب الأحكام ج 9 ص 79 أن النبي (ص) قال لأصحابه  " إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة "  فأية ندامة بعد ذلك ؟ 

" أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله  فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً " (54 النساء)

 

الصفحة الرئيسية

 

 

1