Arabic Media Internet Network
القدس- 25 كانون ثاني 2002

من معسكرات الجيش إلى العالم السفلي...
أسرار تدفق السلاح بين إسرائيل والأراضي الفلسطينية

كتب محمد دراغمة

قبل عام ونيف، سرقت 60 بندقية "M 16" من مخزن للسلاح في أحد معسكرات الجيش الإسرائيلي في الشمال، وبعد أقل من أسبوعين، كانت جميع هذه البنادق قد بيعت في مدينتي جنين وطولكرم، ومنها إنتشرت في باقي مناطق الضفة.

ولم تمض سوى شهور قليلة على تلك الواقعة، حتى أعلنت السلطات الإسرائيلية عن اعتقال ضابط في الجيش بتهمة سرقة هذه البنادق، وبيعها للفلسطينيين، وأودعته السجن وشرعت بإجراءات محاكمته التي لم تنته بعد.

هذه الحادثة الموثقة في ملفات القضاء الإسرائيلي، ليست حالة فردية عابرة، بل جزء من ظاهرة واسعة، ظهرت في مطلع العقد الماضي، وبلغت أوجها في السنوات الأخيرة، خصوصاً قبل الانتفاضة.

ويقول متاجرون في هذا النوع من "البضاعة" بأن العديد من تجار السلاح الإسرائيليين أخذوا يوجهون بضاعتهم إلى "السوق" الفلسطينية، خصوصاً بعد اتفاق "أوسلو"، مستفيدين في ذلك من التغيرات التي شهدتها العلاقة بين الجانبين، بعد هذا الاتفاق، ومن أبرز مظاهرها، القبول الرسمي الإسرائيلي بوجود أسلحة نارية بين أيدي الفلسطينيين.

ويؤكد هؤلاء التجار بأنهم تلقوا في السابق كميات كبيرة من قطع السلاح والذخائر من نظرائهم الإسرائيليين.

وقال أحدهم بأن السلاح الإسرائيلي أخذ يتدفق إلى الأراضي الفلسطينية بعد اتفاق "أوسلو"، وإزداد بصورة كبيرة بعد قيام السلطة، وظهور السلاح بين أيدي رجال الشرطة والأمن.

وكان بيع السلاح شائعاً في إسرائيل في الماضي، خصوصاً في أوساط العالم السفلي، لكنه ظل محصوراً بين الإسرائيليين أنفسهم، ولم يكن تجار السلاح الإسرائيليين يبيعون للفلسطينيين، لأسباب عديدة منها تجنب تعرضهم للعقوبات الصارمة التي كانت السلطات تفرضها على كل من يسرب قطعة سلاح لفلسطيني.

وفيما يبدو، فقد تغيرت حسابات هؤلاء التجار كثيراً بعد قيام السلطة.

وبدا أن هؤلاء قد وجدوا في "السوق" الفلسطيني أرضاً عطشى، فأخذوا يلقون فيها بكل ما توفر بين أيديهم من سلاح، يحفزهم في ذلك السعر، المرتفع نسبياً، الذي كان الفلسطينيون المتعشطون للسلاح يشترونه به، إلى جانب ما لمسوه من تراخي في القيود الصارمة التي كانت تفرضها السلطات على وصول السلاح إلى أيدي الفلسطينيين.

وتبين فصول في هذا الملف أن تدفق السلاح الإسرائيلي إلى الفلسطينيين لم يتقصر على الأسلحة الشخصية مثل البنادق والمسدسات، بل وصل حتى الأسلحة القتالية مثل الصواريخ.

فقبل ثلاث سنوات، على سبيل المثال، اعتقلت الشرطة الإسرائيلية فلسطينياً من منطقة نابلس بعد أن قيامه بشراء صواريخ "لاو" من إسرائيلي، ونقلها إلى المدينة.

وحسب مصادر عليمة فقد قام أحد الأجهزة الأمنية، في حينه، بإعادة الصواريح وعددها 15 صاروخاً إلى الجانب الإسرائيلي.

وتقول هذه المصادر بأن الفلسطيني المذكور اشترى هذ الصواريخ، التي تبين أنها سرقت من مخازن الجيش، بمبلغ بسيط قدره ألف دينار أردني فقط.

ولا يستبعد القائمون على أجهزة الأمن الفلسطينية أن تكون السلطات الإسرائيلية قد فسحت الطريق أمام تدفق السلاح إلى الأراضي الفلسطينية لغرض في نفسها.

وقال مسؤول أمني رفيع فضل عدم ذكر إسمه: "لقد فوجئنا بكميات كبيرة من قطع السلاح تتدفق إلى الأراضي الفلسطينية، في الوقت الذي كنا فيه نتلمس خطواتنا في بناء أجهزتنا ومؤسساستنا، ووجدنا الناس يقبلون على السلاح، كل لغرضه، فهذا يريد مواصلة قتال الإسرائيليين في حال فشلت التجربة، وذك يريد توفير الحماية لنفسه في ظروف بالغة الغموض والتعقيد، وآخر يريد إشباع شهوته لإمتلاك السلاح الذي طالما حلم باقتنائه تحت الاحتلال".

وأكد هذا المسؤول: "لا أستيطع أن أقتنع بأن السلطات الإسرائيلية التي واصلت مراقبة كل خطوة، وكل حركة، وكل ظاهرة في مجتمعنا، لم تلتفت لظاهرة تسرب السلاح من إسرائيل إلى الأراضي الفلسطينية، ولا يستطيع أحد أن يقنعني بأن السلطات لم تقابل تلك الظاهرة بالصمت، بل والصمت المريب".

ويرجح هذا المسؤول الأمني أن تكون السلطات الإسرائيلية قد شجعت، أو على الأقل صمتت عن ذلك، إعتقاداً منها بأن هذه الكمبات الكبيرة من السلاح ستذكي نار الفتنة، والصراع الداخلي، في مجتمع يمر في مرحلة تحول بدت عاصفة.

ولم يستبعد المسؤول الأمني أن تكون إسرائيل قد رمت أيضاً من وراء إغراق الأراضي الفلسطينية بالسلاح، إلى خلق معضلة كبيرة أمام السلطة الناشئة، تشغلها فيها عن القضايا الكبيرة.

ويدلل على ذلك بالضغوط الكبيرة التي كانت وجهتها حكومة "نتنياهو" المنصرفة إلى السلطة، تحت شعار جمع السلاح غير القانوني.

وقد واجهت السلطة، في السابق، مشكلات كبيرة في مواجهة هذه الظاهرة، أهمها أن مقتني السلاح كانوا في الغالب من النشطاء الوطنيين الذين أمضوا سنين طويلة في سجون الاحتلال، وأن الاسلحة كانت على درجة من الإنتشار، بحيث يصبح جمعها مهمة بالغة الصعوبة والتعقيد.

وكان للسلطة محاولات عديدة لجمع السلاح في العامين 98و99، أوقفت خلاها عدداً ممن يشتبه بإتجارهم بالسلاح، لفترات متفاوتة من الوقت.

وقام أحد الأجهزة الأمنية في العام 99 بحملة كبيرة ضد السلاح غير القانوني، جمع خلالها عدداً كبيراً من البنادق بوسائل عديدة مثل الشراء بسعر مرتفع وغيره.

وتدعى إسرائيل بأن الفلسطينيين، وخصوصاً أجهزة الأمن، يقومون يتهريب السلاح من الخارج.

لكن يوجد لدى تجار السلاح الكثير من التأكيدات على أن المصدر الأول والأكبر لهذا السلاح هو إسرائيل.

وقال تاجر سلاح: "إن غالبية، إن لم نقل جميع قطع السلاح المتوفرة بين أيدي المسلحين الفلسطينيين هي من أنواع "M 16" و"جليلا" و"جليلون"و"عوزي" وهي أسلحة، إما إسرائيلية الصنع، أو متوفرة في إسرائيل أكثر من أية دولة أخرى في المنطقة".

وأشار إلى أن السلطات الإسرائيلية نفسها كانت أوقفت في الماضي بعض تجار السلاح الإسرائيليين على هذه الخلفية.

وقال: "لقد أغلقت السلطات الإسرائيلية في العام 98 مصنعاً لإنتاج الرصاص في رعنانا، وإعتقلت صاحبة لمدة ستة أشهر على خلفية قيامه بتهريب الرصاص إلى الأراضي الفلسطينية".

وأكد هذا التاجر أن "صاحب المصنع المذكور كان معروفاً على نطاق واسع في الاراضي الفلسطينية، وإسمه "إيتسك"، وهو في أواسط الأربعين، وكان يجلب الذخيرة بسيارته إلى العديد من المدن في الضفة، قبل الانتفاضة".

وأضاف: "لقد باع هذا الشخص كميات كبيرة من الرصاص هنا، بما يكفي ربما لتزويد جيش".

وقد شهد تسرب السلاح من إسرائيل إلى الأراضي الفلسطينية تراجعاً كبيراً بعد اندلاع الانتفاضة.

ويرى المسؤولون الفلسطينيون في ذلك دليلاً آخر على وجود يد للجهات الرسمية الإسرائيلية في تسريبه.

وقال المسؤول الأمني: "التفسير المقبول لهذا التراجع، هو أن إسرائيل تركت السلاح يتدفق إلى أراضينا عندما كانت تتوقع له نتائج سلبية علينا، لكنها أوقفته، حينما أصبح يوجه ضدها".

وأضاف يقول: "لم يكن للسلطات الإسرائيلية أن تترك مثل هذا السوق، بالغ الحساسية، يعمل دونما رقابة، وتدخل، وتوجيه، كل من يعرف الأجهزة الأمنية الإسرائيلية يدرك هذه الحقيقة".

وقد أدى تراجع تدفق السلاح الإسرائيلي إلى الأراضي الفلسطينية خلال الانتفاضة إلى تضاعف أسعار قطع السلاح فيها.

فقد ارتفع سعر البندقية من طراز "M 16" على سبيل المثال، من 2000-4000 دينار أردني.

وإن كان تسرب السلاح من إسرائيل قد تراجع بصورة كبيرة خلال الانتفاضة، إلا أن تسرب الذخائر تواصل، وبكميات كبيرة.

وقال أحد المتعاملين في تجارة الأسلحة بأن كميات كبيرة من الرصاص، تقدر بمئات الآلاف، ما زالت تتدفق إلى مناطقنا.

وعزا ذلك إلى سهولة تهريب الرصاص، مقارنة مع قطع السلاح.

وقال بأن التجار اليهود يجنون أرباحاً كبيرة من وراء تهريب الاسلحة والرصاص إلى الأراضي الفلسطينية،مشيراً إلى الاسعار هنا تزيد عنها في إسرائيل بعدة أضعاف.

وأضاف: "أنا أعرف تجاراً إسرائيليين حققوا أرباحاً تقدر بمئات آلاف الدولارات من وراء بيع الاسلحة، والرصاص إلى فلسطينيين.

ويقول المتعاملون في هذا "السوق" بأن ضباط وجنود الجيش الإسرائيلي يشكلون المصدر الرئيس للسلاح المعروض، وإن كان تسويقه يتم عبر تجار واشخاص من العالم السفلي.

وقال أحدهم: "غالبية قطع السلاح تأتي من ضباط يسرقونها من معسكرات الجيش ويبيعونها في السوق السوداء،لتصل بعد ذلك مباشرة إلى السوق الفلسطينية حيث الطلب عليها كبير، ومرتفع جداً".

وأكد أن "بعضهم يبيع سلاحه الشخصي، خصوصاً من المدمنين على المخدرات، مقابل المال، ليصل في النهاية إلى الفلسطينيين"...

1