الطب العقلي كممارسة شعبية تقليدية

 

        تؤكد الشهادة السابقة أن المجتمع المغربي يعيش لحظة ترنح و مفارقة ، فهو من جهة يُقبل بتردد على الوسائل و الفضاءات و المفاهيم العلمية الحديثة في تحقيق مطلب العلاج من الامراض النفسية - العقلية ، وهي عناصر - كما يبدو - لم تتجدر بعد بما فيه الكفاية من الوعي الإجتماعي ، لكن هذا المجتمع ، من جهة أخرى ، مشدود إلى وسائل و طرق تشخيصية وعلاجية تقليدية خاضعة لموروث شعبي ثقافي لم يتخلص منه بعد ، أمام هذا الواقع المفارق يطرح التساؤل حول واقع الطب العقلي  التقليدي .

       

        I- مفهوم الطب العقلي التقليدي : أكاديمية التعرف و تعدد المواقف :

        أ- يطرح تحديد هذا المفهوم إشكالية المرجع المؤسس لمصداقية و مشروعية التعريف ، لأن الأمر هنا لا يتعلق بحقل علمي يتحقق حوله توافق نسبي ، بل هو حقل ينتمي إلى مجال الممارسات الثقافية التي توصف بأنها تقليدية ، ومن شأن هذا الإنتماء أن يفرز تعددا في المواقف و التصورات .

        - و تفاديا لهذا الإشكال سنعتمد على تعريف منظمة الصحة العالمية التي تستعمل مفهوم الطب التقليدي و تحدده كما يلي : " أنه مجموع المعارف و الممارسات ، القابلة أو غير القابلة للتفسير ، و التي تهدف تشخيص أو توقع أو القضاء على خلل عقلي أو إجتماعي بالإعتماد فقط على التجربة المعاشة و الملاحظة المتوارثة أو كتابة من جيل إلى آخر "[1]

        - وواضح أن هذا التعريف الاكاديمي يركز على ماهية الطب العقلي التقليدي ( مجموعة المعارف و الممارسات ...)، و على هدفه ( تشخيص - توقع - القضاء على خلل عقلي أو إجتماعي )، و على طرقه في تحقيق ذلك الهدف ( التجربة المعاشة و الملاحظات المتوارثة )، وهو بذلك يتميز بموضوعية واضحة تبعده عن أي موقف ذاتي في القبول أو الرفض .

        ب- لكن الأمر مع ذلك لا يتوقف عند هذا الحد ، فبحكم أن مجال الطب العقلي التقليدي لا ينتمي إلى الممارسة العلمية لا ينتمي إلى الممارسة العلمية بقدر ما ينتمي إلى الممارسة الثقافية ( في معناها الأنتروبولوجي ) ، فإن الموضوعية تقتضي أيضا إبراز مختلف المواقف حول هذه الممارسة ، ومن خلال استقرائنا لمجموعة من المقالات و الحوارات و الدراسات المنشورة يمكن حصر مختلف المواقف فيما يلي :

        أولا : موقف الأطباء العقليين : بالرغم من وجود مرجعية علمية مؤسسة لهذا الموقف ، فإننا نجد تباينا و اختلافا بين الأطباء العقليين أنفسهم :

        1. هناك موقف يقر بوجود ، بل و أهمية الطب العقلي التقليدي إلى جانب الطب العقلي العلمي العصري:

               - يؤكد الدكتور مكي توهامي ( طبيب عقلي و أستاذ بكلية الطب  بالدارالبيضاء ) أنه في كل مجتمعات العالم و خلال كل المراحل التاريخية ، ومهما كانت نوعية المجتمع ونمط ثقافته ، وُجد دائما طب تقليدي شعبي يوظف بموازاة مع الطب الحديث ، وفي المغرب يوجد هذا الصنف من الطب في وضعية أكثر نموا و تطورا و متجدر بشكل عميق في تاريخ و ثقافة الشعب المغربي ، فبمجرد أن يصاب الإنسان بمرض لا يعرفون طبيعته و أعراضه ، يُتجه مباشرة نحو أساليب العلاج التقليدي التي يعتقدون بجدواها اعتقادا أعمى ، لذلك - يضيف د. توهامي أن الدراسة النظرية للمقاربة التقليدية لهذه الأمراض يمكن أن تساعد الطبيب العقلي في فهم أفضل لمريضه ووضعه بشكل جيد في سياقه السوسيو ثقافي ... فالمناهج العلاجية التقليدية يمكن أن تقدم إذن فائدة " للعلاج بين ثقافي " ( = داخل الثقافة ) ، من شأنه توضيح مسار العديد من الأمراض العصابية جد معقدة ، تفيد الطبيب العقلي في تعامله مع المريض[2]

               - و تكاملا مع هذا الموقف يطرح الدكتور عبد الله زيوزيو ( طبيب عقلي - المركز الصحي ، الفداء ، البيضاء ) موقفا أكثر إيجابية و قبولا للممارسات العلاجية التقليدية : " إن الطب العقلي الشعبي الذي يرتكز على علاج جماعي يستعمل الألوان و الجذبة ، بالإضافة إلى عمل متكامل للجسد و الرموز يواجه حاليا أزمة خطيرة ... و بالفعل فإن الغرب يعيد اكتشاف الجسد ، كما أن الوسائل العلاجية المستوحاة من هذا الأخير تنتشر هنا و هناك ( في الغرب )، أما هنا ( في المغرب ) فإن الطرائق البديلة موجودة : السادات ، الجذبة ، العلاج النفسي الجماعي ، إلا أنها فقدت قيمتها ، وهي بالتالي في طريق الإندثار ... لذلك تطرح ضرورة عقد لقاء حول الطرائق العلاجية البديلة هنا وهناك ، من أجل إغناء التجارب الأجنبية و تجنب اختناق الهياكل الوسيطة هنا ... لقد كانت قلعة الجنون المتمثلة في مستشفى برشيد ، هي المكان الذي حاولنا أن نطبق فيه مجمل هذه الآراء "1 ، و يعطي د زيوزيو أمثلة حول هذه التجارب منها الإحتفال بعاشوراء لـِ " تمكين المريض من استرجاع أجواء أعيادنا التقليدية و ممارسة الغناء و الرقص "2 .

                   - إذا كان الموقف السابق ( د زيوزيو ) يؤكد على أهمية توظيف بعض طرق العلاج التقليدي في معالجة المرضى العقليين ، فهناك من يسير في نفس هذا الإتجاه الإنتقائي ولكن بصيغة أخرى في الإنتقاء : يقول الدكتور سعد الدين العثماني ( طبيب أمراض نفسية وعقلية بالدارالبيضاء و خريج دار الحديث الحسنية )، " قد يتسائل البعض عن مكان الإستشفاء بالقرآن فيما قلته ، و رأيي أن أي طبيب نفسي أيا كان لا يمكنه أن ينكر دور قراءة القرآن و دور الإيمان في علاج كثير من الأمراض النفسية ، بل إن أي طبيب نفسي مدعو إلى استعمال و سائل نفسية تدعيمية للمريض تخفف عنه و تفتح أمامه باب الأمل و تربطه بمجتمعه ووسطه ، وليس من شيء لدى المؤمن يفعل ذلك الفعل و يؤثر مثل القرآن الكريم و ذكر الله { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ،  والمفعول نفسه نجده في كل أنواع العبادات مثل الصلاة "3 ، ويستشهد د .العثماني بشهادة الكسيس كاريل في كتابه ( الإنسان ذلك المجهول ) حول مفعول الصلاة الذي يشبه تأثير الغدة الدرقية أو الكظرية ، من حيث تحقيق الهدوء النفسي وانسجام الانشطة العصبية و الخلقية و زيادة القدرة على التحمل والطاقة على الصبر ، ويؤكد د. العثماني في الختام أنه : " في وسطنا المسلم ، والذي لا يزال للتدين فيه سلطان ، فإن تأثير كل ذلك في العلاج بديهي ، لكن هذا النوع من العلاج لايبرر في شيء العلاج بالخوارق مما هو من باب الخرافة ، فالخرافة ضد العلم ، وضد العقيدة الصحيحة أيضا "4 .

        إن هذه النزعة الإنتقائية لا تقتصر فقط على إبراز أهمية بعض الطرق التقليدية في العلاج ، بل تمتد أيضا لتكون أكثر شمولية من خلال اعتقاد أن تلك الطرق تتوفر على إمكانية علاج الأمراض العصابية دون الأمراض الذهانية ، يقول الدكتور محمد العداوي ( إختصاصي في الأمراض النفسية و العقلية و العصبية - رئيس مستشفى ابن نفيس للامراض النفسية العصبية بمراكش ) : " أشير إلى أن الطرق التقليدية هذه كانت و لازالت ناجعة ، وقد أعطت نتائج إيجابية في صنف من الأمراض النفسية خاصة منها المصنفة بامراض العصاب Les Nervoses ... هذه الأساليب التقليدية كانت و ربما لاتزال تقوم بدور التخفيف من عبء الألم في هذا الصنف من الأمراض لدى طبقة من الناس ، وخصوصا منهم القاطنون بالبوادي و بعض الشرائح التقليدية من المجتمع ، أما الامراض الأخرى ، وخصوصا منها المصنفة بامراض النفس ( = الذهان ) فلا أظن أن الاساليب التقليدية تفيد فيها شيء ، بل إننا مع الأسف كثيرا ما نتوصل في مؤسستنا بمرضى قضوا وقتا طويلا في أماكن كمركز " بويا عمر " الشهير و غيره ، وبعد أن لجأوا إلى أساليب تقليدية مختلفة ، الشيء الذي تنتج عنه مسألة خطيرة بالنسبة للمريض ، وهي أن المريض يأخد طابعا مزمنا ..."1 يبدو من خلال الشهادات السابقة أن هناك قاسما مشتركا يجمعها و يجعل منها موقفا واحدا يؤكد على إمكانية توظيف جوانب من الطرق التقليدية في فهم و علاج الأمراض النفسية - العقلية : انهاطرق تفيد الطبيب العقلي في فهم مرضاه (موقف د .توهامي ) أو في علاجهم بإعادة توظيف جديد لتلك الطرق ( د. زيوزيو )، كما أنها طرق تفيد في علاج المريض و التخفيف من آلامه ، لكن الامر هنا يتعلق فقط ببعض الطرق (قراءة القرآن - د . العثماني)، و ببعض الأمراض ( رأي العصابية، د . العداوي) . وواضح أن هذه المواقف تجد نفسها مضطرة إلى تبني أسلوب إنتقائي من خلال اقتصارها و تركيزها فقط إما على طرق معينة أو أمراض خاصة .

        2 - هناك موقف آخر - دائما في إطار الأطباء العقليين - لايؤمن اطلاقا بنجابة أو أهمية الطرق التقليدية في علاج الأمراض النفسية - لعقلية ، ويخضع كل شيء وكل حالة أوظاهرة للتفسير الطبي العلمي كإمكانية وحيدة في التعامل مع المرض :

        - يقول الدكتور ادريس المساوي ( رئيس المركز الجامعي للطب النفسي بإبن رشد- الدار البيضاء) :" [ حول الجذبة التي تؤدي إلى إعتداء ذاتي دون ألم ]  هناك تفسير واضح لهذه الظاهرة ،ويتمثل في كون الشخص إما يكون في حالة هيجان قصوى ،إما من غضب أو قلق وإما من هذيان ، وإما من جزء مخدر ... فيصبح  " مخدرا " ولا يحسب بألم ، مثل هذا الشخص يمكن أن يضرب حائطا بيديه ولايحس بشيء ، وهذه أشياء معروفة . وأنا أحسب الناس الذين يوجدون في هذه الحالة في حالة سكر ، في حالة غير عادية . هناك من يسكر بالجذبة ، ومن تم لايحس بالألم ، ولكن هذا لايمنع من أنه إذا ضرب نفسه أن تكون هناك عواقب وخيمة بالنسبة لصحته ... إن هذا الشخص الذي يقوم بهذه الأعمال لايمكنه أن يظل حيا إذا أصيب بجرح بالغ كأن يقطع شريانا حساسا ، وهذا يعني أن المسألة ليست راجعة ل" الجذبة " ، وإنما لجسد إنسان في صحة جيدة وله مناعة قوية تدافع بشكل شرس . [ كذلك أكل الزجاج ] هذه ظاهرة موجودة ، وهناك من يأكل الحديد ، وهناك من يأكل التراب ، وهناك من يأكل الزجاج ... هذه المسائل معروفة في إطار الطب النفسي بالتصرفات الغذائية الشاذة ...[ فإذا ] كانت " الأكله " مجز أة إلى أجزاء صغيرة جدا فيمكن للجهاز الهضمي التكيف معها ، أما إذا أكل أحدهم زجاجة جارحة فسيجرح جهازه الهضمي . هذه مسألة طبيعبة . وهنا في مصلحة الطب النفسي تقع هذه الأشياء في بعض الأحيان... [ من جهة أخرى ] كثير من الناس يقولون أن فلان كان أعمى و ذهب إلى الضريح الفلاني أوالسيد الفلاني وأصبح يبصر ، أوكان أطرشا وأصبح يسمع أو كان مقعدا و أصبح يمشي ، ولكن نقول لهؤلاء أننا نقوم بهذه الأشياء هنا يوميا . إنها مسألة طبية علمية ، أي أن الإنسان يكون في حالة قلق فيتحول هذا القلق إلى عمى أو غير ذلك ، ولكن هذه العاهة تكون وظيفية محضة وليست عضوية ويسمى هذا المرض بالهستريا "1

        - وإنسجاما مع هذا الموقف ، بل ودفعا به إلى أقصى حد ، يذهب الدكتور يحيى الرخاوي ( أحد أبرز الأطباء النفسانيين العرب ) : إلى " أن ما يسمى العلاج بالقرآن خاصة قد أصبح أكثر شيوعا من أي تصور ، ولأن للقرآن قداسته المطلقة فإ ن كل من هب ودب راح يعلق لافتة ويستظل به حقا أو باطلا ... ذلك أن تعبير العلاج بالقرآن يعطي لصاحبه مناعة إبتدائية ضد أي هجوم ، لأنه يحول الهجوم عليه إلى الهجوم على القرآن !... وأن التشريع المقترح - في هذا الميدان - قد يسمح لكل من وصل إلى بعض التأهيل الغامض ، مثل حفظ آيات معينة أو تكرار تعاويد بذاتها ، أن يمارس ما يسميه هو علاجا ، ومن هنا سيفتح الباب على مصراعيه لممارسة غريبة و خطيرة .. واجب ان أنوه أن ممارس بعض الأطباء النفسيين لما يسمونه " الطب النفسي الإسلامي " قد يساهم ولو بطريق غير مباشر في فتح الباب لمثل هذه الممارسات ... و أن كثيرا مما يسمى الطب النفسي الإسلامي هو بعيد بشكل ما عن كل من العلم و الإيمان الحقيقيين ... الإيمان لا يأتي بتلاوة آية و أنا ملتفت عنها مكتفيا بالتبرك بظاهرها أو بتعليقها ديكورا على الحائط أو حول الرقبة ... أن ما وقر في القلب وصدقه العقل هو وقاية ضد المرض ... و القرأن الكريم فعل قائم في وجدان المسلم الحق ، يظهر في التعامل العادي دون تشدق بآيات لا يحمل مسؤوليتها / وهو الحس الخلقي ، و الإيمان هو المسؤولية و الإبداع ، وهذا ما أفهمه من " الخلق القرآني " خلق رسول الله ، و الشفاء كما ورد في القرآن الكريم هو أعمق من مجرد التداوي السطحي .. الشفاء هو تطهير و قائي ..."1

        - يتبين من خلال هاتين الشهادتين أن اعتماد الطرق التقليدية في العلاج ( الجذبة - العلاج بالقرآن ) لا يؤدي إلى أية جدوى عملية ، أنه طرق غريبة و خطيرة تقوم على التسطيح و قلب الحقائق ، وهذا الموقف الرافض ، يؤمن ، بالمقابل ، بالعلم ، ويجعله قادرا على تفسير كل الظواهر و علاج كل الأمراض .

        خلاصة القول أنه من داخل رأي الأطباء العقليين ، أهل الميدان ، يبرز تباين واضح في المواقف حول أهمية و إمكانية توظيف و تدخل الطرق التقليدية في علاج الامراض النفسية العقلية ، فكيف يطرح الأمر خارج أهل الطب ؟

 

        ثانيا : موقف غير المختصين في الطب العقلي :  من الصعب أن نصنف هؤلاء في فئة معينة بحكم اختلاف مرجعياتهم المعرفية ، لذلك يمكن تقديم مواقفهم من خلال التصنيف الآتي :

        1. موقف رجل الدين :

        - يقول الفقيه عبد الباري الزمزمي ( خطيب بمسجد الحمراء بالدارالبيضاء ، و مؤلف كتب إسلامية : " التنجيم ، الذي هو اعتبار حركة النجوم و سير الكواكب و الإستدلال بها على ما يجري في الأرض ، وما يحدث بين الناس من وقائع وأحداث ، يعد في الإسلام من السحر و الشرك بالله عز وجل ، لأن فيه إسناد علم الغيب و التنبؤ به إلى المخلوق ...[ أما ] تسلط الجن على الإنس و إدانته و صرعه مسألة اختلف فيها علماء الإسلام ، فمنهم من يثبته و منهم من ينفيه ، وذلك لأنه ليس في القرآن و السنة نص صريح في الموضوع ، ومن تم لا يسوغ نسبة حكم حاسم إلى الإسلام في هذه المسألة .. كل ما يكون عرضا لمرض نفسي أو عضوي و هذا علاجه بأيدي الأطباء / ومنها ما يكون عرضا غامضا لا يعرف له سبب واضح ، وهذا يُعزى إلى الجن و يعالج المصاب به بالرقية الشرعية و ينجح فيه العلاج غالبا ... [ وأما ] الأضرحة من المظاهر التي أنكرها الإسلام أشد الإنكار، بل هي في حكم الإسلام أنكر من الربا و الزنا و الخمر و غيرها من الكبائر، إذ أنها تعود بالناس إلى الشرك بالله و عبادة الأوثان و أباطيل الجاهلية ... [ كما ان ] السحر و التطهير والرقى و التمائم كلها من أمور الجاهلية التي أبطلها الإسلام و نهى عن تعاطيها و العمل بها ... أما الرقية بالقرآن أو بالدعاء الخالص، فليست مما نهى عنه النبي ( ص)، لعلاج بعض الأمراض التي لا يجدي فيها الدواء المادي ... [ أما الجن فهو ] خلق من خلق الله ، خلقهم الله من نار كما ذكر القرآن الكريم وهم يأكلون الطعام و يتناسلون و يموتون مثل بني آدم ...[ أما ] من الناس من يذهبون إلى مأوى الجن - في زعمهم - فيقدمون لهم الطعام و الهدايا لاجئين إليهم و مستغيثين بهم في الضراء و الشدائد ، وكل هذا من أعمال الجاهلية التي لا تتفق في شيء مع مبادئ الإسلام و شرائعه " 1 ومن الواضح ، حسب هذه الشهادة ، أن المنطق الذي يحكمها يختلف عن المنطق السابق ( أطباء العقل ) ، فإذا كان المنطق الطبي منطق إجرائي برغماتي يرى المسألة من زاوية جدواها أو عدم جدواها ، فإن المنطق الديني منطق نصي يستحضر أحكام الشرع في التحليل و التحريم و النهي و الجواز .

 

        2. موقف الباحث المختص :

        - من الأكيد أن مسألة العلاج بالطرق التقليدية ترتبط في كثير من جوانبها وأبعادها بمسألة الخوارق ( استحضار الأرواح - التخاطر أو التنبؤ - الجذبة و فقدان الحساسية ...) وإذا كان هناك من الأطباء العقليين من رفض مثل هذه الظواهر و صنفها في إطار ظواهر إنسانية عادية ، فهناك من الباحثين من يقدم تفسيرا آخر للمسألة:

        أ- يقول المحجوبي الزاوي ( باحث في علم النفس ) : " موضوع الخوارق موضوع وجيه ومطروح بإلحاح ... فكم من قضية شائكة في الفكر المعاصر ( الديني و الوضعي ) لا يمكن حلها إلا بطرح موضوع الخوارق من جديد ، و هذا شيء ليس مثقفونا مستعدين للقيام به خوفا من أن يزج بهم في متاهات " الميتافيزيقا الأوليائية " و التصور السحري للعالم ، أما الغرب و الشرق فقد أدركا أهمية و إمكان استغلال معطياته في المجال العسكري و الإستراتيجي و ميدان الأمن و المخابرات ...إذن فالدول المصنعة شديدة الإهتمام و لاتتوقف عن البحث ... في حين أن مثقفينا لهم رفض مسبق ، جنوني أحيانا ، لكن ما يتعلق بهذا الموضوع ، وإذا تأملنا الرفض و حللناه وجدنا أنه سيكولوجي وليس منطقي ... وكلمة " الخوارق " كلمة عامية غير علمية ، فالتعبير العلمي عنها هو الظواهر الجانبية Les Phenomenes Paranormaux و التعريف العلمي لها هو أنها ظواهر ذاتية طبيعية فيزيقية أو عقلية لا يمكن تفسيرها بالإعتماد على القوانين و النظريات العلمية الراهنة ...نعم أثبت [ العلم ] وجودها بوسائله و مناهجه التجريبية و المخبرية فحصل لديه اليقين بأن هذه الظواهر حقيقية و ليست وليدة الصدفة أو الغش و الخداع و لكنه لم يستطع تفسيرها و فقا للقوانين و النظريات الراهنة ... فمن هذه الظواهر  ما يخرق قوانين الفيزياء كالإرتفاع في الهواء Levitation و القدرة على طبع صور ذهنية على فيلم آلة تصوير Penseographie ، ومنها ما يخرق قوانين الفيزيولوجيا كلمس النار دون احتراق ، أو قوانين الإدراك و الإتصال كما هو الشأن بالنسبة للتخاطر أي إنتقال الأفكارTelepathie "1 و يرى نفس الباحث أن هناك تقسيما ثنائيا لهذه الظواهر : فمن جهة أولى هناك الظواهر العقلية يتجلى فيها الإدراك فوق الحسي ( الحاسة السادسة ) ، و يندرج تحتحها التخاطر و الإستبصار و رؤية المستقبل و الأحلام الصادقة و التحدث بلغات مجهولة لا يعرفها المتكلم ، و قياس الأثر الروحي ( أي قدرة الشخص على اعطاء معلومات دقيقة عن شخص آخر بمجرد لمس أثر من آثاره، كالخاتم أو الساعة مثلا ، و من جهة ثانية هناك الظواهر الفيزيقية تتجلى فيها الطاقة النفسية أو تأثير العقل على المادة بصفة جانبية و يندرج تحت هذا الصنف ظاهرة تحريك الأجسام  بمجرد التركيز عليها ، و الإرتفاع في الهواء ، و الشفاء بوضع الأيدي على مكان الخلل و الجراحة الروحية ، و الإختفاء المفاجئ للأجسام ، أو ظاهرة إشتعال النيران وانطفاء الأظواء تلقائيا وانتقال الأثاث  بسبب القوى اللاواعية لشخص غالبا ما يكون طفلا أو مراهقا أو بسبب الجن كما يقول البعض ، و كذلك التصوير الفوتوغرافي للأفكار ، و كل هذه الظواهر قد تؤدي إلى إثارة قضايا عقائدية ، فاستحضار الأرواح مثلا يثير مسألة الخلود و تركيب الإنسان و مصيره بعد الموت ، كما تثير ظاهرة العودة إلى الجسد تصورات لاهوتية حول الموت و الآخرة2 .

        ب- يبدو الموقف السابق أكثر تواضعا حين يقر من جهة بالوجود الحقيقي الفعلي لتلك الظواهر ( التي يوظف الكثير منها في علم الأمراض النفسية - العقلية )، ولكنه من جهة أخرى يجد نفسه عاجزا - كعجز العلم - عن تفسيرها و تعليمها ، وبالتالي إذا كان الموقف السابق يجد نفسه أمام هذه المفارقة ( إقرار ظواهر غير قابلة للتفسير )، فهناك موقف آخر يحاول رفع هذا التناقض ليقدم تفسيرا لهذه الظواهر :

        - يقول بوشعيب الشوفاني ( مهتم بالظواهر الخارقة ) : " لقد عاد موضوع الظواهر الخارقة يطرح نفسه بشدة في ثقافة المجتمعات المختلفة بعدما ساد الإعتقاد لفثرة من التاريخ البشري على أن هذا الموضوع ليس سوى خيالات وأوهام و خرفات من الماضي لم تعد صالحة لزمن أصبح فيه العلم سيد الميدان...و نتيجة لذلك بدأت المفاهيم و الآراء حول هذا الموضوع تتغير ، ولم تعد مسألة الإيمان بوجود هذه الظواهر هي موضوع الجدل ، بل إن الجدل انحصر في تفسير أسباب حدوث هذه الظواهر ، وهنا أقدم حالة عايشتها و عاينتها ، وقمت بتسجيلها و دراستها [ حالة شاب أمي نُوم مغناطيسيا فتكلم باللغة الإنجليزية ] ... ولإيجاد تفسير للحالة توجهت إلى البحث في المصنفات التي تهتم بالظواهر النفسية الخارقة ، فوجدت نفسي أمام اتجاهين إثنين : -الأول هو علم الروح ، حيث أن علماؤه فقط يحاولون فقط إثبات وجود ظواهر روحية دون إيجاد تفسير لها - الثاني هو اتجاه باراسيكولوجي يحاول إثبات هذه الظواهر بوسائل مادية دون أن يجد لها حلا أو تفسيرا علميا ، أمام هذا الموقف اتجهت إلى دراسة التصوف باعتبار أنه يبحث في جوهر النفس ، فتبين لنا أنه يجيب على تساؤلاتنا و يحسم المواقف المتضاربة حول هذا الموضوع بالذات ، غير أننا لم نصادف فيه نظرية تحكم هذه الظواهر ، لذلك وضعنا افتراضات مؤداها أنه مادامت اللغة مرتبطة بالدماغ فمن الممكن أن توجد منطقة خاصة به تعمل على تلقي و بث تلك الإشارات اللغوية ، وهذه الإشارات من الممكن أن تنطبع و تنعكس في مكان ما من دماغ الإنسان فيشعر بها الفرد بشكل أو بآخر ، عندما تتوفر شروط معينة : حالات غيبوبة ، الصدمات ، الجراحة ، الردود ، الصرع ، الرياضة الروحية ... بقي علينا أن نعرف مصدر تلك الإشارات ... إن في عقل الإنسان ، أي إنسان ، جزءا مجهولا أو منطقة مجهولة لم يتعرف إليها علم النفس حتى الآن ، لكنها تنشط و تستثير بمقدار ما ، وفي مرحلة ما   بميزات معينة ، إنها الخلايا التي لم يستعملها الإنسان بعد ، إنها منبع القدرات الخارقة ، إنها الجزء الذي يتقيد بحدود ... ووفقا للمبدأ القائل بأننا لا نستخدم إلا جزءا قليلا من خلايا المخ ومن طاقته الهائلة التي تظل مجهولة ، ذلك أن الإنسان يستخدم بعض الخلايا و جزءا من الطاقة وفقا لشروط و ظروف معينة ، وهؤلاء هم من نسميهم : - الأشخاص الموهوبون وفوق الأذكياء - الصوفيون و الأولياء - الوسطاء - الأشخاص الممارسون لليوغا - الأشخاص الذين تعرضوا للصدمات العنيفة - الأشخاص الذين تعرضوا لحالات عنيفة كالإشراف على الهلاك - الأشخاص الذين تعرضوا للغيبوبة ( حالات الصرع و النوم المغناطيسي )، ووظيفة هذا الجزء من عقل الإنسان هي إدراك بعض الأمور الغامضة التي لا يدركها كل إنسان ... و نستعرض الأحدات التالية التي تبين لنا بوضوح وجود هذا الجزء الغامض ... من العقل البشري : يمكن للإنسان أن يؤثر على جسم غيره عن بعد ... - وجود قوانين أخرى مجهولة تعلو على القوانين المادية - تحريك بعض الأشخاص لمواد تسقط عليها نظراتهم - المشي فوق أدوات حادة دون الشعور بالألم..."1

        - ما الذي يمكن استنتاجه مما سبق ؟

        - نؤكد أولا أننا تعمدنا إثبات الشهادات على طولها كما هي، نظرا لأهميتها على مستوى التوثيق من جهة ، أي التوثيق الذي يتأسس على تصنيف تلك الشهادات من خلال مواقف تحاول أن تقوم و تنطق تصورها لبعض طرق الطب العقلي التقليدي ، ومن جهة ثانية حاولنا أن نقيم حوارا بين تلك الشهادات و المواقف و إبراز التقاطعات و التباينات فيما بينها .

        - هكذا نستنتج أن هناك اختلافا واضحا بين مواقف الأطباء العقليين أنفسهم ، فهناك من يرى في تلك الطرق إمكانية لتوظيفها في فهم و علاج الأمراض النفسية - العقلية مع وجود نوعين من الإنتقائية ، وهناك من يتخد موقفا صارما بنقدها ورفضها بل و اعتبارها عائقا يحول دون تيسير مهمة الطبيب العقلي في العلاج ، كما نستنتج أن الموقف الديني يختلف عن موقف بعض الباحثين و المهتمين بمجال الظواهر الخارقة و التي يقرون بوجودها و يؤسسونها علميا على مستوى التحقق و التفسير .

        - ويبدو من تلك المواقف أنها تحدد نفسها من خارج حقل الممارسة أي ممارسة الطرق التقليدية في علاج الأمراض النفسية و العقلية ، وقد تعمدنا ذلك اعتبارا على أن كل ممارسة هي في حد ذاتها موقف يقبل و يؤمن بجدوى تلك الطرق ، وهذا ما سوف يكون موضوع الفقرة التالية :

       

II- الممارسون في الطب العقلي التقليدي / المعالجون :         

        - يرتبط الحديث عن المعالجين التقليديين للامراض النفسية - العقلية بالمنظور السوسيوثقافي الذي يحدد المرض العقلي ، فبالنسبة لشرائع واسعة من المجتمع المغربي ، يعتبر المرض العقلي تعبيرا عن حضور و تأثير لكائنات غير مرئية تسمى " الجنون "1 ، بعبارة أخرى هناك تمثل إجتماعي سحري - ديني للمرض العقلي هو الطاغي في المجال القروي وعند الفئات الأحدث عهدا بالمدينة أو أقلها اندماجا فيها ، و ينسب هذا التمثل المرضي العقلي لأصل أو علة فوق طبيعية تكمن في فعل الجن و الشياطين2 ، لذلك يطلب العلاج ممارسين أو معالجين يعتقد أن لهم إلماما و قدرة على تخليص المريض من إصابته ، ويمكن تصنيف هؤلاء إلى الفئات التالية :

       

        1. الفقيه:  هو شخص عارف بالعلوم الباطنية ذات الإستلهام القرآني ، ويتم التوجه إليه ليقوم بعملية التعزيم أو إخراج الأرواح الشريرة و التي يؤكد أنها مصدر المرض و تفرض تدخله الخاص3 ، أو بتعريف أكثر تفصيلا :

        " الفقيه هو شخص يملك في غالب الأحيان حدا أدنى من التكوين الديني مع حفظ جيد للقرآن ، ويمارس " الفقيه " أو " الطالب " علاوة على وظائفه الدينية ، عمليات إخراج " الجن " ( أو صرع الجن )، و يقدم بعض الوصفات العلاجية ( ذات الأصل النباتي أو الحيواني ). و يختلف المكان الذي تجري فيه " الفحوص " أو الإستشارات باختلاف اهتمامات و إمكانيات " الفقيه " أو " الطالب " ، فالبعض منهم يستقبلون المرضى ( أو الطالبين للإستشارة ) في الكُتاب القرآني ( المسيد )، و البعض الآخر ، ممن يحظون بمكانة أكبر ، يتوفرون على مقرات خاصة معروفة ، ويبدأ الفحص عادة بتقديم هدية تسمى " الفتوح "، يقوم الفقيه بعدها بفتح الكتاب (القرآن )، و يشرع المريض أو طالب الإستشارة في رواية " قصته " في ذات الوقت الذي يجيب فيه على أسئلة و استفسارات " الفقيه "، وتجدر الإشارة هنا إلى أن أسباب الإستشارة أو " الفحص" الذي يتم دائما بتوافق بين الطرفين تختلف باختلاف الحالات ( هل يتعلق الامر بامراض نفسية أم بأمراض عضوية )، وهنا يتدخل الفقيه إما عن طريق إعداد "حجاب " أو " تميمة "، أو بكتابة وصفة تتضمن عناصر نباتية ( أعشاب ) أو حيوانية (حيوانات مجففة أو أحشاء حيوانات) او مواد معدنية ..."1 ، ويبدو حسب بوغالي محمد أن التمثلات الثقافية المغربية تجعل من " الفقيه" شخصا محاطا و متوجا بهالة متعددة الأبعاد ، وتعتبره قد مر أو عاش مرة في حياته آلام المرض العقلي وهو السبب الذي جعله معالجا2 .

 

        2. الساحر أو السحار : حسب البعض " هذا الأخير لا ينتهي إلى " الهيئة الطبية" التقليدية، ولا يتم اللجوء إليه إلا بعد فشل كل المحاولات العلاجية ، و الدور الذي يقوم به ينتمي إلى التعزيم وطرد الأرواح الشريرة ( صرع الجن ) أكثر مما ينتمي إلى العلاج . أما الوسائل التي يستخدمها فإنها تتميز بالتنوع، وتشتمل على التعويذة أو التميمة ، الأحجار ، إفرازات بشرية أو حيوانية ، السم و المياه الوسخة"3 . و غالبا ما يتم التمييز في ممارسة الساحر بين سحر أبيض ( الشعوذة ) و سحر أسود ( السحر الشيطاني )، فالسحر الأبيض يندرج تحثه المعالجون ذوي " البركة " المتوارثة من الأب إلى الإبن ، أو " الفقهاء " [ الصنف السابق ] أو الشوافون [ الصنف اللاحق ] الذين يمارسون علاجهم إما بلمسة اليد أو باللجوء إلى الطب التقليدي باستعمال بعض الأعشاب و المعادن و مساعدهم في ذلك هو " العطار " أو العشاب ، و هدف السحر الأبيض هو تحقيق " الخير " لأن الفقيه ، إنطلاقا من تدينه ، يمتنع عن إلأحاق الشر بالآخرين ، كما أن هذا السحر يستعمل طرقا لا تؤثر و لا تمس إلا المطهر الخارجي للجسد : كالرش بالماء المبارك ، و التبخير بأعشاب أو معادن ( كالشب و الحُلبة ).

 

        3. الشوافة : هي سيدة تنسب إليها القدرة على تحديد طبيعة الإصابة ووصف العلاج بحكم انتمائها إلى جماعة سرية - دينية شعبية ( كناوة ، عيساوة...) الشيء الذي يمكن من معرفة مسبقة بنوع التشخيص و نمط العلاج الذي ستقوم به ، ويعتمد أيضا في التمثل الإجتماعي للشوافة أنها قد أصيبت بمرض عقلي سابق خولها تلك القدرة على العلاج4 ، وبحكم ذلك الإنتماء نجد اختلافا كبيرا بين فئات الشوافات و الشوافين ، وهو اختلاف يبدو على مستوى الأنشطة التي تميزهم ، و أدوات العمل المستعملة ، و الخضوع أو عدمه للطقوس الإحتفالية ...فعلى مستوى أدوات العمل مثلا ، فهناك من  الشوافات / الشوافين من يعتمد على قراءة خطوط الكف أو وسخ الأحذية ، وهناك من يستعمل بعض الوسائل البسيطة و غير المكلفة ، مثل ورق اللعب ، أو الرصاص ، أو المسبحة ، أو البيض ، أو القَدَح ، أو الصدفات و المحارات أو الرمل ، وهي كلها أدوات أو مواد خام ضرورية في إنجاز العمل و تنفيذ الجلسة الأولى في التنبؤ و الإخبار بالمستقبل ، في اتجاه تشخيص معين1 .

        لكي تتم مهنة " الشوافة " ، هناك شروط معينة ، تبدأ من حصول اعتقاد لأدى الشخص بقدراته و مواهبه المكتشفة من خلال رؤى أو تصريحات و علامات منذرة تتحقق أحيانا و تثير إعجاب الوسط ، و من أجل أن يحصل هذا الشخص على اعتراف و إقرار بقدراته يجب ان يخضع و يستسلم ل " سيد " / ولي معين كي ينال و يحظن ب " الخبرة " أو " البركة " ، ويتم اختيار هذا " السيد " إما بزيارته في مناسبة عاشوراء أو عيد المولد ، و هناك " سادات " كثر معروفون في هذا المجال ، وأثناء إقامتها التدريبية يجب على " المتمرنة " أن تخضع لشعائر و طقوس " الحضرة " كحفل طقوسي راقص تصل فيه إلى نوع من الوَجْد و الشطْح ( ثبات البصر و جمود الجسم و فقدان الحساسية = Extase ) ، وهو حفل تقيمه مجموعة أخوية دينية موسيقية ( مثل كناوة ، وحمادشة ، و عيساوة )، كما يجب على " المتمرنة " هذه أن تقدم قربانا دمويا أو ذبيحة حسب إمكاناتها و متطلبات " المقدم " كحارس روحي ل" السيد " ، وقد تكون هذه الذبيحة ديكا ، أوتيسا ، أو كبشا أو ثورا ، و احيانا تتضمن هذه الطقوس استحمامات البحر التي يجب أن تخضع لها الشوافة ، ( مثلا للا عيشة البحرية في مدينة الجديدة ، أو في مغارات سيدي عبد الرحمن بالدار البيضاء ) ، و بعد مراعاة و تنفيد هذه الطقوس يجب أن ينتظر الشخص علامة تؤشر على تأكيد و تعزيز مطلبهم ، و تكون هذه العلامة من خلال حلم حيث تسمع في منامها أنه يمكنها العودة إلى بيتها و انه تمت الإستجابة إلى رغبتها ، أو يمكن أن تتلقى " الخبزة " / البركة من طرف المطلعين على السر و الملقنين ( = المعلمين ) في إحدى حلقات الحضرة و التعزيم ، و بهذا يصبح الشخص عضوا في "زاوية " "السيد " و قد تلقى " البركة" أو الضوء الأخضر لممارسة مهنة " الشوافة " ، و ما عليه إلا ان يكون رهن إشارة " المقدم " أو الرئيس الروحي للزاوية لممارسة هذه المهنة الجديدة ، و على الشوافة ، منذ الآن أن تختار و سيلة عملها :إما أوراق اللعب ، أو حصي البحر الملساء الحاملة للبركة ، أو عظم كتف الخروف ، أو ( معدن اللدون ) أي الرصاص المدفى على جمر الفحم المنقوع في الماء البارد ، أو الخطوط السوداء المرسومة على الفحم المطحون ، الكتابات المقدسة ( وهي مقتصرة على الرجال فقط ) ، ولكن هناك من الشوافين من يستغني عن هذه الوسائل و يعتمد فقط على قراءة المستقبل في خطوط الكف أو من خلال الخط بين العينين1 .

 

        4. الفقيه و الساحر و الشوافة : إنهم الثالوث الذي يقدم نفسه كملجأ لبسطاء الناس الأقل تعلما لاستطلاع الرأي حول مصائرهم ، و لكنه ثالوث محاط بأسرار و ألغاز تجعلهم يملكون قدرة " شبه خارقة " توظف للتغلب على مظاهر الأزمة ، لذلمك نلاحظ أن هؤلاء الممارسين يتم تصنيفهم كممارسين للسحر ، هذا الإلتحام شبه الكامل تؤسسه عدة اعتبارات و عوامل2 :

        أ- مظهر بنيوي : فحينما يتوفر سياق الشك في خيانة الزوج مثلا ، تكون استجابة أي امرأة من هذه الفئة هو التوجه مباشرة إلى " الشوافة " للتأكد من ذلك ، باعتبار وجود منطق يوجه استجابة نساء هذه الفئة .

        ب- مظهر عاطفي : الطقوس الممارسة من طرف الجميع ( الرجم - الرباط- العقد - الجلب- التهييج ) تقوم و تهدف إشباع عاطفتي الحب و الكراهية ، أي أنها تندرج في محورين : الهجوم و الدفاع .

        جـ- وحدة اقتصادية : الفقيه ، و الشواف ، والعشاب ... ينشطون دورة اقتصادية كاملة يستفيدون منها نقديا كما تستفيد منها قنوات أخرى.

        د- وحدة زمانية ومكانية : الجميع يمارس طقوسا في أزمنة محددة و أمكنة خاصة تتلاءم مع ظروف " الزبون " .

        هـ- وحدة سوسيولوجية : إن استنصاح أو استسعاف الفقيه أو الشواف أو الولي ( قصد الزواج أو العلاج ...) سلوك مستساغ من طرف الوسط بهدف تحقيق إدماج المعني بالأمر .

 

        III- طرق العلاج في الطب العقلي التقليدي:

        لاشك أن الطب العقلي التقليدي هو بنية من علاقات بين مكونات و عناصر تتكامل فيما بينها ، و إذا كنا قد أبرزنا عنصر التشخيص - سابقا - و أكدنا أن هذا التشخيص ينسب المرض العقلي لعملية فوق طبيعية تتمحور حول فعل الجن ، فإن عنصر العلاج لن يكون إلا عاملا داخل هذه البيئة ، أي مسلكا ضروريا مترتبا عن مسلك النشخيص ، إن هذا المسلك له مسارات عدة :

 

        1. عبادة المغارات و منابع المياه :

         هذا العنوان هو عبارة وردت في دراسة بول باسكون ( الأساطير و المعتقدات في المغرب )1 . يعتبر الباحث السوسيولوجي " أن المغارات و الينابيع هي منافذ الخروج و التجلي لأعماق الأرض و للجن القاطنين تحتها ، إن الكهوف تمثل فم القوى الجوفية و بطنها ، و الينابيع تسيل منها الدموع ، و داخل هذه الأعماق يسكن الجن الذين يهربون منها في ساعات أو ليالي معينة و سحرسون الكنوز المطمورة فيها ... إن المغارات تتكلم ، وهذا معروف ، والهواء الذي يسري في جنباتها يوصل إلى آذاننا تنهيدات و صرخات و أصوات صغيرة ، كما أن الينابيع المتقطعة تفور و تجأر ، والزوار يأتونها لسماع أجوبة عن أمور غيبية تتعلق بالإضطراب الذي يعاني منه كل واحد منهم ، مثلما هو الحال في مدينة دمنات ( سيدي بو إيندر ) وفي منطقة الأطلس الصغير ، قرب إيغرم ، تقوم النساء برجم مغارة مغلقة على خاطبٍ نكثَ عهده ، ثم ينصتن إلى صرخاته و يؤولن نبوءاته عن الغيب "2 ، ويرى بول باسكون أن هذا التقليد يجد جدوره في الممارسة القديمة للإستخارة حيث كانت المغارات مكانا للخلو بالنفس و التطهر و النوم لتلقي نبوءات و أحلام يتم تفسيرها من طرف الشخص ذاته أو فقهاء جعلوا أنفسهم لهذا الغرض كما تعتبر المغارات الأماكن المفضلة لطرد الشر و العلاج من الإضطرابات النفسية و العضوية : " بما أن الامراض يُنظر إليها باعتبارها ناجمة عن عمل الجن ، فأي شيء أكثر طبيعية من أن يجري البحث عن جن آخرين في أماكن إقامتهم بالذات قصد طرد الجن الأوائل ؟ هكذا فإن الأدواء [ الأمراض ] الرئيسية المعالجة هي أدواء العقل ، أو الأدواء التي تعتبر كذلك : الصرع و الفصام و الجنون بصفة عامة ، أي الأمراض التي نقول عن المصابين بها إنهم " مسكونون " إلا أن الناس يزورون المغارات كذلك قصد [ علاج ] اضطرابات الخصوبة : العقم ، و الإجهاض المتكرر ، وعدم ولادة طفل ذكر "3

        بالإضافة إلى المغارات ، تشكل الينابيع و المستنقعات و البحيرات مواقع يسكن فيها الجن ، و لذلك تستلزم احتياطا و حذرا أثناء الإقتراب منها احتراما لرغبة الجن في الصمت و التخفي ، كما أن المياه المكتشفة من طرف جن أو أولياء صالحين تحمل خصائص علاجية ( الدميات خاصة )، بل في هذه الأماكن الرطبة تسكن " عيشة قنديشة " كبيرة الجنيات كواحد من الجن النادرين بالمغرب و التي تتصور أحيانا كشابة فاتنة تسحر عشاقها ثم تلتهمهم ، وأحيانا كساحرة شمطاء حسودة تلتذ بالفصل بين الأزواج1 .

 

        2. حمل التمائم :

        التميمة هي ما نطلق عليها في المغرب " الحرز " أو " الحروز " أو " الحجاب " ( في شمال المغرب) ، وهي وسيلة يقوم " الطلبة " أو " الفقهاء " بإنتاجها ، وهي عبارة عن كتابات فيها طلاسم و جداول تمزج صيغا دينية بحواشي باطنية بمقابل مادي بسيط ، وحسب بول باسكون " قليل من الناس بالمغرب من يعيش دون حماية التمائم، فحيثما توجهت وسط الشعب ترى صغار الاطفال و النساء الحوامل و المرضى و الأشخاص المشوهين أو المعوقين يعلقون بأعناقهم جرابات ضئيلة الحجم تتضمن بعض الطلاسم الواقية ، كما ترى أصحاب السيارات يعلقون سبحات أو علامات نذرية في المرآة الإرتدادية لداخل السيارة، و أصحاب الشاحنات يعنون بحماية عرباتهم ، من الامام و الخلف ، عن طريق كتابة بعض الصيغ الدينية و رسم اليد التي يقال أنها يد فاطمة ، بل إن الحيوانات ذاتها (الامهار و الأبقار ) تحمل تمائمها ، و حيثما يكون الخطر واقعيا وذا احتمالية عالية ، يربط المغاربة بالإحتياطات المادية و الضمان المالي وقاية دينية و حماية سحرية ، ذلك أنه إذا نجمت المصيبة عن ممارسات طائشة ، عن أخطاء في التقدير و عن طرق غير ملائمة ، جرى الإيحاء كذلك ، بأنها لم تنتج عن الصدفة ، بل عن فعل القوى الخفية ، العدوة و الشيطانية ، التي ينبغي التوسل إليها بطرق تحمل نفس الطابع ... أمام هذه التمائم لا يبقى لقوى الشر أي مفعول ، فهي تمتلئ رعبا و تتراجع عاجزة "2 .

        إن الذين يقومون بتحرير هذه التمائم و رسمها ، كما سبق ، هم " الطلبة " أو " الفقهاء " ، لذلك فإن هذا الإنتماء الديني يضع هؤلاء في منأى عن كل شبهة و ثنية، ورغم أن هناك من يرفضها و يعتبرها شعودة و هرطقة .

 

        3. زيارة الأضرحة و عبادة الأولياء :

        يلاحظ بول باسكون أن المغرب يوجد في مقدمة البلدان الإسلامية من حيث تبجيله لأكبر عدد من الأولياء ، فقليلة هي القرى أو المقابر التي لا يوجد بها ضريح أو أكثر يتم تبجيلهم و تمجيدهم ، وقد تحدث باسكون عن 105 ألف ضريح في المغرب .

        لكن الملاحظ- حسب فاطمة المرنيسي - " أن الحضور النسائي في الأضرحة يشكل أغلبية ساحقة ، فهناك دائما نساء أكثر من الرجال ، في حين أن الرجال يضطرون غالبا إلى قطع زيارتهم فرارا من النظرات الفضولية المتقدمة للنساء التي تحاصرهم من كل الجهات "1 ، و تؤكد فاطمة المرنيسي أن زيارة النساء للأضرحة تشكل إطارا جماعيا مشتركا للإتصال مع مصدر مقدس للسلطة هو القبر المفترض للولي ، حيث يجمعهن قاسم مشترك هو الرغبة في إيجاد حل للألم و المعاناة و الإحباط و بالتالي من أجل إعادة توازن المفقود في المحيط ، لذلك ف " الضريح يشتغل كحقل أو مجال للعلاج : فهو يساعد على توجيه الطاقات الإنتقامية للنساء كما يساعد على توجيه استيائهن (أو غضبهن ) و يمكنهن من الإنغمار في جو نسائي خالص يخفف عنهن ، و يدعمهن و ينصحهن ، ولكن الضريح ليس هذا فقط ، فهو كفضاء يعكس الإتجاهات الديناميكية الثرية و المعقدة للمجتمع المغربي ، فمثلا كل فئة عمرية تستعمله حسب حاجياته "2 ، لذلك ، تضيف الباحثة : " إن النساء في مجتمع مسلم ، أبوي ، يبحثن ، من خلال الأضرحة عن تقارب مع عالم أعلى و أوسع و أقل ضغطا من العالم الضيق ، المحدد من طرف الدين الرسمي ، إنهن يتوجهن للمطالبة ، من خلال الولي ، بحصة أكبر من السلطة و النفوذ ، و على الخصوص فيما يتم إسناده إليهن كوظائف أساسية : الإنجاب و الجنس ...و بالنسبة للمرأة ، يشكل العقم أو فقدان الخطوة لدى قريب ذكر يضمن لها عيشها ، قدرا مأساويا ، ولذلك فإنها تتوجه لرؤية الولي من أجل التعبير عن قلقها ، ومخاوفها ، و الحصول على المساعدة ، و إيجاد الحلول و استعادة حب زوجها ، و الحصول على أطفال ... وبهذا المعنى ، فإن تعاون النساء مع الأولياء هو عملية سلطة في مكان مقدس ، يفلت من السلطة البشرية الممأسسة و ترتيباتها "1

        وعلى العموم يحتل الأولياء و الأضرحة موقعا عميقا في عقلية و سلوك الجماهير " حيث يمثلون تجسيدا حيا " للمعجزة " المنتظرة التي ستظهرها القوى الغيبية على أيديهم و التي تأمل - الجماهير - أن تتكرر - أي المعجزات - لتحل مشاكلهم ، والولي حسب موقعه هذا يشكل حلقة تربط الإيمان الديني بالأساطير الموروثة بالتطلعات الحياتية، ولذا كان لكل مدينة أو قرية ولي هو واسطتها إلى الله..."2

        - ومن المعروف في هذا الإطار أن " الفقيه " أو " الساحر " هو الذي يوجه الشخص المعني بالأمر إلى زيارة الولي المناسب ، وهذا التوجيه غالبا ما يخضع لنوعية المرض أو الإضطراب و أيضا لطبيعة " تخصص الولي، فهناك أولياء متخصصون في العلاج من مرض نفسي أو عقلي أو في محاربة العقم ، أو في البحث عن الزوج أو في محاربة الجن ...

        - " هكذا نرى - يقول بول باسكون - كيف أن توسط الاولياء يمكن من تشكل الأفكار الأخلاقية و إدامتها و غالبا ما يساءل الولي من أجل تدعيم ضوابط الحياة الإجتماعية ، ولذلك فإن رباط الولي رهان في أيدي القوى القائمة ...إلا ان الأولياء هم من رجال الله أيضا ، يقال إنهم مقربون إليه ( أولياؤه )، و إذا تفحصنا الأمر وجدنا أنهم لا ينظر إليهم باعتبارهم هم من يقوم بالفعل و التأثير ، وإنما يعتبرون مجرد و سطاء لدى الله... كذلك فإن الأضرحة الكبرى هي أماكن للتقوى ، ولتعميق الإيمان ، والدين و قراءة القرآن "3

        - هكذا يعتقد الإنسان أو عامة الناس أنه لايمكن من الناحية النفسية اجتياز " الهوة الضخمة " بين الله و الإنسان بدون وسطاء ، ويترتب عن ذلك سلوكيات منها :

        * الإيمان بالأولياء وما يودع فيهم من أسرار و بالتالي قدراتهم الخارقة .

        * الإيمان بالكرامات التي تنسب إليهم .

        * الأدعية التي ألفوها لقضاء الحاجات .

        * تعميق فكرة الإستسلام و الإدعان للواقع و الزهد فيه .

        * ممارسة العديد من الطقوس الجماعية التي تنسي الإنسان واقعه و تفصله عنه1 .

        - انطلاقا من هذه النظرة يتم اللجوء إلى الولي للتبرك أو طلب " التشفع " و "المعونة " ، و الزيارة غالبا تبدأ بقراءة الفاتحة و تلمس الحاجز الحديدي ( الدربوز) المحيط بالضريح ، ثم تقديم الطلب الذي يرتبط بقضاء حاجة معينة : إيذاء الغير ، الشفاء من مرض ، التخلص من العقم ، الحصول على ولد ، الحصول على زوج أو استرجاع زوج ، لذلك يعتقد أن هناك تخصصا في " قدرات الأولياء فمثلا:

        بوجدة : *سيدي يحيى: في علاج العقم عند النساء و الروماتيزم و الجنون .

                  * سيدي ميمون: يختص بإعادة العقل إلى فاقديه ، والعقم و الحصول على الزوج .

                   * سيدس أحمد التونسي : يشتهر بقدرته على معالجة الاطفال المضطربين ( الهائجين ).

                   * سيدي عاصم : يقوم بمعالجة المصابين بالرمد ( إلتهاب الملتحمة ).

        بتازة :   * يشتهر سيدي عبد الله بالعلاج من مس الجن ( الارياح ) ، بشرط المبيت ثلاثة أيام مع تقديم          الذبيحة ( ديك أو كبش ...) .

                   *سيدي عيسى : مختص في معالجة الاطفال المضطربين / الهائجين بشرط أن يؤخد الطفل المصاب         إلى الضريح و يترك داخله و حيدا لبضع دقائق مع دفع " الزيارة " .     

                   * سيدي علي بن بري : يعالج من مس الجن ، و تتم الزيارة ثلاثة أيام الخميس.

                   * سيدي عزوز ( مول البلاد ) : متعدد التخصصات ـ ويلجأ إليه للتبرك من أجل حل عدد من                المشاكل .

                   *سيدي أحمد زروق : يعالج العقم ، ويساعد على إنجاب الذكور بالنسبة للتي تلد الإنات فقط .

                   * سيدي أحمد بن أحمد : ( غياتة الشرقية ) يعالج من مس الجن ( الارياح )2

        هكذا يمكن القول بأن الأضرحة تشكل فضاءات ذات أبعاد متعددة و وظائف كثيرة ، و لكن من جهة أخرى هذه الأضرحة تتفاوت في أشكالها و بنياتها : فقد يكون الضريح بسيطا أو عبارة عن جدع شجرة ، و قد يكون فضاء ذا قُبَّة ضخمة مزخرفة باشكال مذهبة و مزينة بزليج و نجفة ، " و لكن - تضيف فاطمة المرنيسي - مهما كانت درجة بساطة أو تكلف المكان ، فإن الأمر الأساسي الذي ينبغي تسجيله هو انه مكان مقدس : هناك حضور لطاقة فوق طبيعية ، هناك قبر لولي ( أو سيد ) ...و أن يكون هذا الولي - تاريخيا - حقيقة أو وهما ، وليس مهما على مستوى التحليل ، الأساسي هو ان الجماهير قررت أن تعتبر هذا المكان مقدسا ، و اختارت أن تضع آمالها في هذا المكان و ليس في غيره ، فالجماهير المهمشة ، المبعدة من أماكن السلطة ، تخلق أماكن سلطتها ، بعيدا عن الزمن ، وعن الأسلان ، وعن السلطة التقليدية ... لذلك فإن المرأة ، في علاقتها بالأولياء ، تقرر و الولي ينفذ ، الأولياء هم كذلك تجسيد لرفض الإستسلام لعجرفة الخبراء ( مستشفى - محكمة إلخ...) ورفض لقبول أن يتم التعامل معها ككائن دوني لأنها غير متعلمة ..."1

 

        4. إستعمال المواد الطبيعية: 

        المقصود بهذه المواد : الأعشاب و النباتات و الأبخرة و بقايا الحيوانات ، وتكون رهن إشارة مستعمليها لدى " العطار " أو " العشاب " ، كما أ نها لا تستعمل فقط في علاج الامراض العضوية ، بل يعتقد في قدرتها على علاج أو الإصابة بأمراض أو اضطرابات تمس سلوك الشخص ، ويمكن تصنيفها كما يلي :

        أ. الأعشاب الطبية : كحب الرشاد - حبة حلاوة - الخروع - خزامة - مريوة ...إلخ .2

        ب. المواد المعدنية :الشبة - الطين - الجير - الكحل - الزواق - الكبريت - الغاسول ...

        جـ. المواد الحيوانية : العنبر - البومة( موكة ) - الغراب - الضفدعة (جْران )- الهدهد ( بلهدهود )- القنفد - المسك ...

        و غالبا ما يتم خلط مجموعة من تلك المواد حسب و صفات " الساحر " أو " العشاب " لإحدات تأثير ما في الشخص الآخر ، و تعدد استعمالات هذه المواد في مجالات عدة :3

        * الدَّاد مثلا : ( يوضع مع الخميرة و الملح ، و يدفن في عتبة البيت ، و يقال : الناس كَيْقُولُوا لِيكْ الدَّادْ ، وأنا كَنْقُول لِيك سيدي الهداد ، يجِيبْ الرْزَقْ مَنْ كُل ْ بلادْ )

        * العرعار : ما كَيْخَلِي عار .

        * البسباس : يَخْطَفْ عْقَلْ أُولاد الناس.

        * الحلحال : يجِيبْ الرْجالْ عْلَى كُلْ حالْ .

        * كما تعتقد العامة ان شرب دم الهدهد يشفي من الغباء ، كما يستعمل لحل السحر و مدادا لكتابة الأحجبة .

        * و لعل أخطر مجال تستعمل فيه هذه المواد ، هو الذي يسمى ب ( التُّوكال ) كاضطراب تسممي يحدث في المعدة و الأحشاء نتيجة تناول مواد سامة ، يبدأ بأعراض تساقط الشعر و هزال الجسم و أمراض جليدية و آلام باطنية ، ويعتقد الرأي الشعبي أن الأطباء يكونون عاجزين أمام هذه الأعراض و الأمراض ، و بالتالي لا ينفع معها إلا وصفة أخرى من ساحر آخر .

        * القضاء على التوكال " مجال آخر يسمى " الرخمة " أو " سَرْغينة" أو " الخَرُّوب " .

        ومن الملاحظ أن الإهتمام بهذا المجال الطبي / السحري يزداد و يتسع في أوساط النساء أكثر من الأوساط الأخرى ، ولا شك أن هذا الإرتباط له علاقة بالوضعية الإجتماعية و الإقتصادية للمرأة كما طرحت ذلك د .فاطمة المرنيسي في مكان آخر من هذا العرض .

 

        5. الصرع/ استخراج الجن:

        إن هذه الوسيلة في العلاج مرتبطة أصلا بصيغة التشخيص ، فما دام ينظر إلى المريض باعتباره "مسكونا " أو " مملوكا " من خلال " جن " ما ، فذلك معناه أن علاجه لن يكون إلا بصرع وإخراج هذا " الكائن الغيبي ".

        " إن الجن و ما يتفرع منهم أو ما شابههم من شياطين و عفاريت أو ملائكة، كل مثل هذه "المخلوقات " غير المرئية قد كسبت بمجيء الإسلام مكانة جديدة جعلت الإعتقاد بوجودها جزءا من العقيدة الإسلامية ، وأدى ذلك بطبيعة الحال إلى" صبغ " مفهوم الجماهيرعن الجن بصبغة إسلامية "1.

        يتحدد مفهوم الناس عن الجن من حيث العلاقة المتبادلة في الأوجه التالية2 :

        - الجن يعين البشر .

        - الجن يُلحق الأذى بالبشر .

        - الجن يخطف آحادا من البشر لأغراض خاصة .

        - إستبدال الجن بواحد من البشر .

        - زيارة أفراد من البشر أرض الجان .

        - عشيقة من الجن لواحد من البشر .

        إنطلاقا من هذه التمثلات ، و لأسباب ترتبط بالقهر و الإستغلال ، ساد الإعتقاد في وجود وسائل لإبقاء الجن بعيدا أو لإخراجه من الإنسان " ففي عرف الكثيرين أن من الوسائل لإبقائهم بعيدا هو ذكر إسم الله في كل مجال من مجالات الحياة ، او تمتمة كلمات من القرآن ، وكذلك عدم ذكر الجن بالإسم ، وتوصلوا إلى أن صهيل الخيل يخيف الجن ، وبما أنهم [ الجن ] يحبون الظلام فيجب إشعال الشموع للحيلولة دون مجيئهم ، وهناك بعض البخور و الروائح ... مثل الزفث و الملح و الحناء تبعدهم ، و يمكن استعمالها لإخراجهم من جسم من يزورونه"1 .

 

        6. طقوس " الجذبة":

        هي طقوس تمارسها بعض الطوائف و الجماعات أثناء المواسم و الحفلات ، يتحرر فيها الجسد من خلال أشكال من الحركة و الرقص يتمكن من خلالها الشخص من إفراغ التوثرات و الطاقات المكبوتة ، ومن أهم تلك الجماعات و الطوائف ، نذكر ما يلي :

        أ- كناوة :*

        يعتبر الطقس الكناوي ظاهرة شعبية تتأسس على مبادئ معينة و لها معجمها و مرتكزاتها و طقوسها .

        - أولا : يؤسس هذل الطقس على امتدادات في التاريخ ، إذ يرى إميل دير منغهايم مؤلف كتاب ( عبادة الاولياء في الإسلام المغاربي ) أن ظاهرة كناوة هي تخليد لذكرى الولي بلال مؤذن الرسول (ص)  و الذي أحيطت به العديد من الحكايات جعلت منه ولي الزوايا السوداء ، وولي الكناويين بالتحديد ، حيث يروى أنه أشفى السيدة فاطمة بنت رسول الله من مرضها ، وفي رواية أخرى أنه أعادها إلى بيت زوجها علي بن أبي طالب بعد خصام بينهما ، وقد حدث ذلك بلجوء بلال إلى العزف و الرقص إلى أن تماثلت للشفاء أو عادت إلى بيت الزوجية ، و لكناوة في الصويرة زاوية تسمى " زاوية سيدنا بلال " .

        - ثانيا : توجد في الطقس الكناوي تشابهات في طقوس شعوب وحضارات أخرى ، وفي هذا الإطار يعتقد جورج لاباساد ( في مؤلفه La Transe ) أن أصل كناوة يعود إلى السودان الفرنسي الذي يغطي دول مالي و غانا و النيجر و السنغال ... ويرى أن كل السود إنطلقوا من هذا السوان و توزعوا عبر جناحين : الجناح الامريكي اللاثيني ( جزر الأنتيل - أمريكا اللاثينية - و الولايات المتحدة الأمريكية ) ثم الجناح الإفريقي المغاربي لذلك يقول لاباساد ، لا نندهش إن وجدنا تشابها بين التفاعلات الثقافية لمجموع السود المغتربين .

        - ثالثا : إن الطقس الكناوي يخضع لمراحل معينة : العادة ، كويو ، الملوك .

               1. العادة : هي أولى مراحل الطقس بحيث يتم فيها انطلاق الموكب من مكان مقدس هو (الزاوية ) كإعلان عام بشروع الليلة ، و يغتنم فيها الكناويون الفرصة للرقص في الممرات أو الأماكن العمومية .

               2. كويو : و تعني الشروع الرسمي في الحفل ، وتدوم هذه المرحلة ساعات يتم فيها الرقص و التصفيق ، و هي عملية تسخينية لأفراد الجوقة يرقصون خلالها بالتناوب.

               3. الملوك : هي اللحظة الأساسية في الحفل لأنها تعني انطلاق الجذابين و الجذابات ، حيث يرقص المملوك على إيقاعات تشتد و تخف حسب نوع " الملك " و حسب طبيعة " المملوك " ولكن حاضر " ملكة " ، و بمجرد مايصل دوره يقوم إلى " الرحبة " ليجذب حتى يشفى ، و ما يهمنا هنا هو الجسد ، في هذا المقام ، يصير مملوكا من طرف قوى أخرى ( الجن )، ومن شأن الطقس الكناوي أن يحرره و يعيد له طمأنينته .

        أما توقيت الطقس فيفضل الكناويون ليالي شعبان و الأيام العشر من شهر رجب ، حيث في هذه الاربعين يوما تتنزل من السماء ملائكتها و تفتح الابراج و النجوم و تكون الأبدان في حمى الملك و الجان ، وفي الليلة يتحيَّر المملوك و ينتفض الشخص بعنف على إيقاع آلتين موسيقيتين " قرقاب " و " هجهوج " لفك أسر ذلك "الملك " وقد جعل من الذات أداة تتطاير و تقفز ، وفي النهاية تتحلل الذات و تعود إلى وعيها هادئة مرحة شاكرة الله على " سلامة العودة "

 

       

        ب- عيساوة:*

        يعود أصل الطائفة العيساوية إلى الولي سيدي امحمد بن عيسى المعروف ب " الهادي بن عيسى " ، ولد سنة 871 هـ ، وقدم من أرض سوس قاصدا فاس ثم نكناس حيث توفي ودفن بها عام 932 هـ.

        بعد وفاته تفرعت طائفته إلى ثلاثة أقسام : مجموعة أخذت العلم عن الشيخ مباشرة ، وقسم يسمى ب "الرد " عبر ترويد " لا إله إلا الله " أو " سبحان الله " عدد من المرات ، ويقوم بأعمال لصالح الشيخ ، أما القسم الثالث يسمى ب " الفقير " الذي يلازم الشيخ حبا فيه و في بركته حيث يلازم الزاية التي يقيم فيها شيخه .

        كانت الطائفة العيساوية في البداية تعبير عن إحياء ذكرى و فاة الشيخ من خلال الامداح النبوية مصحوبة بالضرب بالكف و الدف ، ثم يستخدم فيما بعد الدفوف أو " البندير " و "التعريجة " ، و أخد بعض شعراء الملحون ينظمون قصائد مدحية في الرسول و الشيخ و مولاي إدريس ، ثم دخلت " الغيطة " لإسماع كل المريدين.

        - تنقسم الحفلة العيساوية إلى ثلاثة أنواع حسب وقت تنظيمها :

               * العشوي أو المقيل : وهو حفل يقام بالنهار ( من الثالثة إلى التاسعة ليلا) .

               * التقصيرة : تبدأمن التاسعة إلى الثانية عشرة ليلا .

               * الليلة : هي الحفلة التي تستمر طول الليل حتى الرابعة أو السادسة صباحا .

        -  داخل الليلة العيساوية مراحل معينة هي:

               * الدخلة العيساوية : هي قصيدة مدحية مطلعها " العزيز ذو الجلال يالله يالله " .

               * قراءة الحزب : وهي مجموعة من الأذكار و الأمداح النبوية ألفها سيدي امحمد بن سليمان الجزولي: ( سبحان الحي الدايم ) .

               * ساعة الذكر : مجموعة من القصائد : الإدريسية الصغرى و الكبرى .

               * مراحل : الحرم - التهديرة - حادون - الرباني - الغازية كفواصل تستعمل فيها آلات الغيطة و الطبلة و الطاسة و التعاريج و البندير ( دون طبل ).

               * فقرة الخاتمة .

        - وكل مراحلة لها إيقاعها في الضرب و الشد و تؤدي إلى الصراع و السقوط و التمرغ في الأرض ، و هي " الحضرة " التي تجقود إلى " الحال " وهو أربعة أقسام :

               * حال و أحوال : يكون فيه الشخص معرضا للنوبات مادام لم يبحث في الموضوع .

               * حال بدون أحوال : يكون فيه الشخص معرضا للنوبات مادام لم يبحث في الموضوع .

               * الساكن : حال الهادئ الذي يستمع و يتأمل بدون حركة .

               * المسكون : الذي يقوم بأعمال لايستطيع أحد القيام بها في حالته الطبيعية .

        - لذلك تعتقد الطائفة العيساوية أن هناك من يكون محتاجا لإقامة ليلة عيساوة كي يتخلص مما يعاني منه ، وذلك بأن يتجاوب و يهتز للدقة و الأنغام العيساوية ةو ينخرط في الجذبة كنوع من التطهير .

        - يمكن القول أن حفل عيساوة اليوم يتم لغرضين إثنين :

               * في مناسبات إحتفالية ، كالزفاف ، أو العقيقة ، أو الختان .

               * من أجل الإستشفاء ، فبعض الامراض التي لا ينفع معها علاج تتطلب - حسب هذه الطائفة - ضرورة إحياء ليلة عيساوية للرقص و الجذب و تحقيق الشفاء .

        - و يعتقد انه خلال كل ليلة عيساوية لابد أن تظهر بعض الكرامات كخوارق يختلط فيها شرب الماء الساخن بأكل الزجاج و الإعتداء على أطراف الجسد بآلات حادة دون أن يحدث أي ضرر.

        - هكذا يلاحظ أن الظاهرة العيساوية تقدم فضاء شعبيا تتداخل فيه الجوانب الإجتماعية و الدينية و الطبية و الأسطورية كذلك .

 

        جـ- حمادشة :*

        تعيد كتب التاريخ سيدي علي بن حمدوش إلى القرن 18 كأحد الاتباع المتفرعين عن الزاوية الشرقاوية ( سيدي بوعبيد الشرقي ) بأبي الجعد ، و يحدد البعض تاريخ وفاته سنة 1720م ، وقد عاش في العهد الإسماعيلي المتزامن مع حكم لويس 14 بفرنسا ، درس بفاس و تنقل في مناطق مختلفة وحلَّ أخيراً بجبل زرهون ، وفي منتهى رحلته التقى بأحمد الدغوغي الذي آواه و صار فيما بعد واحدا من تلاميذه .

        يعتبر ضريحه مكانا يؤمه الزوار ، وعلى الزائر أولا أن يتقدم إلى ضريح سيدي علي ، وفي مستوى ثان مزار لَلا عَيْشة السودانية ( التي يروى أنها حضرت إلى مقام سيدي علي و تناولت " الخبزة " ثم اختفت )، وفي مستوى ثالث عين الإغتسال ، و على الزوار جميعا أن يعبروا هذه المواقف لتحصل " البركة " كاملة ، وبعد ذلك عليهم أن يزوروا سيدي أحمد الدغوغي الذي يرقد على بعد 3 كلم من ضريح سيدي علي .

        خلال أيام الموسم تتم زيارة الناس و الطوائف من جميع المدن بحيث تُنتظَمُ الحضرات و الجدبات و تعلوا أصوات الغيطة و الهراز و التعريجة .

        يقول أحد أحفاد الولي أنه : " إذا كانت الفريسة ميزة عيساوية ، فنحن يتم عندنا تكسير الأواني الطينية (جرات صغيرة الحجم تدعى " القلالش") ، علما بانه من قبل كان الحمدوشي يهوي ب " الشاقور " على رأسه دون أن يحصل له أي أذى ... اليوم تم التخلي نهائيا عن " الشواقير " و الإكتفاء ب " القلالش" فمن قبل كانت البركة أما اليوم فتغيرت أشياء كثيرة ...إن الناس يأتون إلى هنا للتبرك بالولي ، وقد يحدث العديد من الحالات التي يشفى فيها المريض سواء كانوا يعانون من خلل عقلي أو جسماني ، لأن الشرط الأساسي في الزيارة هو النية ..."

        سواء تعلق الأمر بحمادشة أو كناوة أو عيساوة فطقوس العلاج تتم من خىل المواسم أو تنظيم حفلات ليلية بمقابل مادي .

 

        - كيف يمكن تفسير هذه الظواهر و التعامل معها ؟

        من الأكيد أن هذه الظواهر و الطقوس ثقافية ذات طابع خصوصي و نسبي ، وهذا ما يجعلها تنتمي إلى ما يسمى ب ( الطب العقلي الاثني )، و الذي من خلاله تأكد أن الأمراض العقلية تختلف باختلاف الثقافات ، و لذلك يؤكد طوبي ناطان1 ، أن 99%  من الأطباء العقليين الأوربيين لم يدمجوا هذه الأفكار و لم يأخدوها بعين الإعتبار ، ويؤكد أن ما يميز الثقافات الأخرى - خاصة الإفريقية - هو وجود عالم فوق طبيعي ، الأرواح ، الجن ، السحرة ، أي قوى خارجية لا مرئية لا يتحكم فيها البشر .

        على هذا الأساس تؤكد د. غيثة الخياط1 أن الحديث عن الجنون يثير الخلفية اللاواعية لكل ما تحمله أية ثقافة ، ومن هنا ضرورة إعتبار الطب العقلي ظاهرة ثقافية أكثر منها طبا متميزا ضمن باقي طرق العلاج التقليدي ، فكثير من الظواهر السلوكية لم يتم إعتبارها كأمراض إلا بعد دخول الطب العصري إلى المغرب :" لقد كان المرض العقلي يعتبر حالة غير ثابتة تتخللها فترات خطرة ، يعيش المريض بينها حياة شبه عادية ، و لم تكن لتعلق به التخوفات أو الخجل ، فكان هذا الموقف يحُدُّ بشكل كبير من إزدياد العنف في الحياة الإجتماعية للأحمق و يقلل من هوله "

        في نظر د. غيثة الخياط تشكل طقوس و رقصات طوائف عيساوة و جيلالة و حمادشة و كناوة و درقاوة و هداوة ، التي تواكب مواسم الأولياء فرصة و فضاء لتمكين المريض من التعبير الأقصى عن إحساساته ، وتعتبر أن هذا الجو ضروري لاسترجاع توازن المريض لذلك " فهو أمر لا يخلو من الصحة بالنسبة لبعض أنماط الإضطراب النفسي ، فالتمكن من التعبير عن قلقه و معاناته و جزعه ، بطريقة جد متوثرة و محتدة إلى أقصى الحدود ، يحرر المريض لدرجة شعوره بالإنهاك الجسدي ، و كذا الراحة و الإرتخاء ، و إفراغ ذهنه لطاقة إنفعالية قوية طالما آلمته نفسيا و جسميا " ، و تقدم الباحثة مثالا يلتقي فيه البحث الحديث بالممارسات التقليدية : فالعلاج بالموسيقى أو ما يسمى ( الصيحة البدئية ) أمر حديث للغاية مع أن ممارسته وجدت كطقس قديم ببلادنا ، و لذلك فإذا كانت تلك الممارسات تلقي اليوم إقبالا فلأن لها و ظيفة إجتماعية و فائدة معينة ، ومن هنا تختم الباحثة  د. الخياط أن الطب الحديث و الطب التقليدي ليسا متعارضين ، بل يبدوان متكاملين إذ يمثل الطب القديم مكونا من مكونات تراث الثقافي للشعوب مثله مثل الفن أو اللغة .

 

خاتمة: في أفق فهم وتفسير الظاهرة :

        من الأكيد ان موضوع الطب العقلي في المغرب ، من خلال الإشكالية المطروحة في هذا العرض ، يطرح صعوبات تتعلق أساسا بتعقد الموضوع ، فالحالة البينية التي يوجد عليها الموضوع (الممارسة العلمية و التناول الشعبي ) تجعل الطب العقلي يراوح مكانه ليصبح ممارسة ثقافية بالأساس لها جذورها الواعية في التراث العربي الإسلامي ، و أبعادها اللاواعية في المخزون النفسي للجماهير و لها و ظيفتها النفسية و الإجتماعية و الإقتصادية ، ومما يزيد من صعوبة الموضوع تعدد أبعاده و تشعب عوامله و الطابع الإسراري الذي يحيط به .

        في هذه الخلاصة  لبد كمن التأكيد على أمور منها :

        أولا : ان ظاهرة الطب العقلي التقليدي في المغرب كظاهرة ثقافية تقدم نفسها كبنية تترابط داخلها العناصر المكونة لها ، فهناك أولا العنصر الإيديولوجي المتمثل في مواقف المتموقعين خارج ممارسة الطب العقلي التقليدي ، وقد لاحظنا أنها مواقف تتراوح بين القبول الإنتقائي الداعي إلى إمكانية التوظيف النسبي لأشكال من تلك الممارسة الطبية التي مازالت تفرض نفسها كوظيفة إجتماعية لدى شرائح واسعة من المجتمع المغربي من جهة ، و بين الرفض القطعي و المطلق إما انطلاقا من مبررات علمية أو مسوغات دينية من جهة ثانية ، وبين موقف يقبلها على أساس تفسيري أو بدون هذا الاساس ، تعدد المواقف هذا يضفي الطابع الإشكالي للظاهرة و يدل أنها مازالت تحتاج إلى أبحاث و دراسات ميدانية مدققة.

        ثانيا : هناك عنصر تداخل و تكامل مهام الممارسين للطب العقلي التقليدي ، فالتقاطع بين الفقيه و الساحر و الشواف ( القارئ) واضح يتجلى في إلغاء منطق أو مبدأ السببية في التعامل مع السلوكات المضطربة ، فكل من هؤلاء يعتقد في قوة وقدرة و سائله و إمكاناته لإحداث تأثير في سلوك الشخص ، ولكنه تأثير يقدم نفسه كنتيجة ملموسة أو كتجسيد - عضوي بدون أن يقوم على أساس علي خاضع للعقلنة - وهذا ما يطرح إمكانية إدراج ممارسات هذا الثالوث ذي " القدرة الغريبة " في خانة ممارسة طقوس السحر .

        نفس الرؤية يمكن اعتمادها - من الناحية الثالثة - على مكون طرق العلاج فسواء تعلق بعبادة المغارات و منابع المياه ، أو حمل التمائم ،ـ أو زيارة الاضرحة أو استعمال المواد الطبيعية أو صرع الجن أو طقوس الجذبة ... فكلها تتجه نحو هدف واحد هو خلق إمكانية للتحكم في الذات أو في الآخر تحقيقا لنوع من التوازن الوجودي الضروري لاستمراره ، إن الهدف إذن هو " السيطرة الخرافية على الواقع و التحكم السحري بالمصير "1 .

        رابعا: إن الهدف ، أي التحكم السحري في الواقع و المصير يأخد طابعا ثنائيا : " فهي تتلخص على الدوام بأزواج من الاضداد : استجلاب الحظ وتجنب النحس ، الحصول على الخير و إبعاد الشر ، الامل المتفائل بالمستقبل و الخوف المتشائم منه ، إثارة الحب لدى الآخرين و الحرب ضد عدوانيته ، وهكذا ...هناك رابطة و ظيفية دينامية تجمع مختلف هذه الممارسات في بنية متماسكة مكونة من أقطاب تتم بعضها بعضا . و نستطيع إذن ان نميز من بينها ثلاث فئات رئيسية :فئة أولى تهدف السيطرة على الحاضر ، و فئة ثانية تهدف إلى السيطرة على المستقبل ، وثالثة مشتركة بينهما "2

        - السيطرة على الحاضر : تتم بالتعلق برموز الخير و تفادي رموز الشر : و" رموز الخير هي الاولياء و كراماتهم و أضرحتهم ، وأما رموز الشر فهي الجن و العفاريت و الشياطين ، وأما التقرب من الاولى فيتم من خلال الادعية و النذور و القرابين ، و أما تجنب الثانية فيتحقق من خلال السحر و الكتابة و التعاويذ و الرقى "3

        - أما السيطرة على المستقبل : فتعني أنه بمقدار عجز الإنسان المقهور عن مجابهة حاضره ، يفلت منه مصيره ، لذلك يلجأإلى وسائل خرافية طالما أن الضمانات مفقودة ومنها : التطير الذي يأخذ شكل النذائر ( في حالة توقع الخطر ) أو البشائر ( في حالة توقع السعد ) - و التطير هو الوجه السلبي للسحر ... السحر ممارسة تؤدي إلى الحصول على نتائج مستحبة و التطير تلمس علامات أو الإمتناع عن أعمال محددة درءا لأخطارها .

        قراءة الطالع و العرافة : كالكتابة بالرمل ، فتح المنديل ، قراءة الكف ، قراءة الأبراج و الأفلاك و النجوم ، قراءة الفنجان ، قراءة أوراق اللعب ... وكلها تدور حول أمر واحد هو إدخال الوهم عند صاحب الحاجة و بالقدرة على خلعه من قلقه ، وتوضيح المستقبل له .

        خامسا : أن اللجوء إلى هذه الممارسات و الإعتقادات في جدواها ، مرده أساسا إلى عجز الإنسان عن إيجاد حلول مناسبة و ناجعة للتحكم الفعلي في حاضره و السيطرة المادية في مصيره ، إنه عجز يدفع إلى التوسل بأوهام يعلل بها النفس و يستعين بها على تحمل أعباء الواقع ، لذلك تشكل السيطرة الخرافية على الواقع و المستقبل أحد خطوط الدفاع ، يندفع من خلالها إلى التماس النتائج من غير أسبابها و اللجوء إلى السببية الغيبية و التخلي عن السببية المادية بتدعيم من الجهل و الفقر و التسلط و صد الفكر النقدي و العلمي .   

 

 

 

 

 

المراجع

        المراجع بالعربية :

        - جماعة من الأخصائيين " علم النفس و المجتمع " منشورات دار مكتبة الحياة ، بيروت ، لبنان .

        - عيسوي( عبد الرحمن ) " الأعصبة النفسية و الذهانات العقلية" ، دار النهضة العربية للطباعة و النشر ، بيروت لبنان .

        - د . دسوقي ( كمال )" الطب العقلي و النفسي "  ، دار النهضة العربية للطباعة و النشر ، بيروت لبنان .

        - اشتيفان بندك " الإنسان و الجنون " ، دار الطليعة ، بيروت ط : 2 ، 1982 ، لبنان

        - كمال ( علي )"النفس انفعالاتها و أمراضها و علاجها " بغداد تشرين الثاني ، 1967.

        - الشرقاوي ( مصطفى خليل ) ، دار النهضة العربية للطباعة و النشر ، بيروت لبنان .

        - بدران ( أحمد ) و سلوى الخماش ، دراسات في العقلية العربية ، دار الحقيقة ، بيروت ، ط : 2 ، 1974.

        - حجازي ( مصطفى ) " التخلف الإجتماعي ، سيكولوجية الإنسان المقهور " معهد الإنماء العربي ، بيروت ، ط 3 ، 1984.

        المجلات و الجرائد :

 

        - جريدة  الإتحاد الإشتراكي ، 22/01/94

        -جريدة  الإتحاد الإشتراكي ،15/01/94.

        - جريدة  الإتحاد الإشتراكي ،03/03/99

        - جريدة  الإتحاد الإشتراكي ، 30/09/1984.وفاتح أكتوبر من نفس السنة .

        - جريدة  الإتحاد الإشتراكي ،14/ 11/ 1994.

        - جريدة  الإتحاد الإشتراكي ،14/11/1992.

        - جريدة  الإتحاد الإشتراكي ، الملحق الثقافي ، عدد : 146- 25/01/1987.

        - جريدة  الإتحاد الإشتراكي ،23/09/1988.

        - جريدة  الإتحاد الإشتراكي ،11/04/1987

        - جريدة الأحداث المغربية ، عن مجلة روزاليوسف المصرية ، يوليوز

 

 1996. 12-13/12/1998.

        - جريدة الأحداث المغربية ،31/10/1998.

        - جريدة الأحداث المغربية ،12-13/12/1998.

        - جريدة الأحداث المغربية ،7-8/11/1998.

        المجلات :

        - يحي الرخاوي ، العلاج بالقرآن بين الطب و الشعودة ،  مجلة روز اليوسف ، يوليوز 1996.

       

        المراجع الأجنبية :

Uamy N.S. . Ditionaire de la psychologie. Larousse Paris 1967.

 

Le nouveau peti Robert, Canada.

 

Yves pelicier . Hitoire de la psychiatrie P.N.F. Paris.

 

Munn Norman . Introd a la psychologie. 2 nd Ind 1969.

 

Mekki Touhami .Demystifier l’antimie entre la magique et le scientique realiser par Hassan Alarrch, Le Matin du Sahara Magazine, de 13 au 20 Avril 1986.

 

Henri Baruck. Psychoses et nevroses, Puf, (Q.S.J) Paris.

 

Jackson, Asmith psychiatry descriptive. 1966.

 

Akhmisse Mustapha. Medecine, Magie et sorcellerie au Maroc. Benimed, (1) Casablanca, 1985.

 

Mohamed Boughali. Sociologie de maladies mentales au Maroc. Afrique Orient, Casablanca 1988.

 

Le Message de la nation. Un chiffre d’affaire, inestime et inestimsble. Le message de la nation, N : 121, Vendredi 18 Avril 1986.

 

 

 

 



[1] - AKHMISSE MUSTAPHA, Medcine , Magie  Et Sorcellerie Ou MAROC , BENIMED . CASABLANCA .1985 , P 16- 17        

 

 

 

[2] - مكي توهامي ، مرجع سابق .

1 زيوزيو ( عبد الله )، الطب العقلي الحديث، الطب العقلي التقليدي، ترجمة : عبد الكريم الأمراني ، الملحق الثقافي للإتحاد الإشتراكي، 30شتنبر / فاتح أكتوبر  1984.

2  المرجع السابق .

3 سعد الدين العثماني ،  الطب النفسي في مواجهة العلاج بالخوارق، الإتحاد الإشتراكية ، الملحق الأسبوعي ( ملف : الخةارق : أوهام هي أم حقائق؟)، 14 نونبر 1992.

4  المرجع السابق .

1 محمد العداوي، حوار أجراه معه : مصطفى بنعفون و م .م البو مسهولي ، الإتحاد الإشتراكي، الملحق الأسبوعي ( ملف حول : المغاربة بين العقل و الجنون )، 15 يناير 1994.

1  إدريس المساوي ، حوار أجراه معه نور الدين مفتاح ، الإتحاد الإشتراكي ، الملحق الأسبوعي ( ملف : الخوارق...)14 نونبر 1992  .

1 يحيى الرخاوي ، العلاج بالقرآن بين الطب و الشعودة ، الأحداث المغربية 12/13 دجنبر 1998 ، عن مجلة ( روز اليوسف ) المصرية : يوليوز 1996

 

1 عبد الباري الزمزمي ، حوار أجراه معه يوسف البريج، جريدة الأحداث المغربية ، 31 أكتوبر 1998

1 المحجوبي الزاوي "الخوارق بين الموقفين العلمي و الديني، الإتحاد الإشتراكي 14نونبر 1992

2  المرجع السابق

1 بوشعيب الشوفاني، حوار في جريدة الإتحاد الإشتراكي، 21 نونبر 1992.

1 مكي توهامي ، مرجع سابق .

2 محمد الجعيدي، المجنون و المجتمع و الطب العقلي، الإتحاد الإشتراكي ، الملحق الثقافي عدد164- 25/1/1987

3 Mohamed BOUGHALI , Sociologie des maladies mentales au maroc , Afrique Orient, Casablanca,1988, P. 241/242

1 قدوري محمد ، الممارسون التقليديون للعلاج ، الأحداث المغربية ،  12/13/دجنبر 1998

2  محمد بوغالي ، مرجع سابق ، ص ، ص 241-243

3  قدوري محمد ، الممارسون التقليديون للعلاج ، الأحداث المغربية ،  12/13/دجنبر 1998

4 بوغالي محمد ، مرجع سابق ، ص ص 241-243

1 Le Message de La nation, Un chiffre d affaires inestime et inestimable, le Message de la nation, N 121, vendrodi 18 Avril 1986, P: 39- 40                                                                                                                                                      

1 المرجع السابق ، ص ص 35- 36.

2 محمد أسليم ، هل السحر موجود ؟ ، الإتحاد الإشتراكي / الملحق الأسبوعي . 23 يوليوز 88

1 بول باسكون ،  الأساطير و المعتقدات بالمغرب ، بيت الحكمة ، عدد 3. السنة 1. أكتوبر 86

2 المرجع نفسه ، ص 86.

3  المرجع نفسه ، ص87

1  المرجع نفسه ، ص88.

2  المرجع نفسه ، ص90.

1 فاطمة المرنيسي، النساء ...و الأولياء"  الأحداث المغربية ، 7/8، نونبر :1998

2 المرجع  نفسه

1 المرجع  نفسه

2 أحمد بدران- سلوى الخماش،دراسات في العقلية العربية، دار الحقيقة ، بيروت ، ط:II ، 1979، ص 160

3 بول باسكول ، مرجع سابق ، ص 97

1 إبراهيم بدران ، سلوى الخماش، مربع سابق ، ص 130

2 عن الأحداث المغربية ، 7/8 نونبر 1998

1 فاطمة المرنيسي ، مرجع سابق

2 هناك عشرات الأعشاب يتم سردها و تصنيفها حسب خصائصها ، أنظر مثلا كتاب : D. AKHMISSE  Mustapha, Medcine Magie et Sorcellerie au Maroc , Benimed, Casa, 1985 

3 حسب ذ . نادية بلحاج التي قامت بإحصاء ميداني لعدد الفقهاء و العشابين بالرباط ، إذ هناك أزيد من 400 فقيه و عشاب بالعاصمة .( الإتحاد الإشتراكي - 23 يوليوز 1988 )

1 دراسات في العقلية العربية ، ص 26

2 المرجع  نفسه ص 32

1 المرجع  نفسه ص 32

* محمد بهجاجي ، كناوة ، الملحق الأسبوعي ، بجريدة الإتحاد الإشتراكي، 8 أبريل 1995

* محمد بهجاجي، الملحق الأسبوعي بجريدة الإتحاد الإشتراكي، 17/12/1994

* محمد بهجاجي، الملحق الأسبوعي بجريدة الإتحاد الإشتراكي، 18/2/1995

1 الإتحاد الإشتراكي، 18/2/1995

1 استقينا أهم أفكار د. الخياط من نفس المرجع السابق .

1 مصطفى حجازي ، التخلف الإجتماعي ، سيكولوجية الإنسان المقهور ، معهد الإنماء العربي ، بيروت ، ط :III ، 1984، ص 145

2 المرجع نفسه ، ص 147.

3 المرجع نفسه ، ص 148.

         

 موقع الرحيل
أول صفحة على الموقع
التربية العامة
الطفل المغربي
المنطق في البلاغة العربية
المفهوم السياسي
شعر الهاوي
أقلام الكاتب
موسيقى عربية
واحة الشعر
فضاء إسيفي للأنترنيت




 

 
1