قصة هود عليه السلام

وهو هود بن شالخ بن أرفحشذ بن سام بن نوح عليه السلام، ويقال: إن هودًا هو عابر بن شالخ بن أرفحشذ بن سام بن نوح، ويقال: هود بن عبد الله بن رباح بن الجارود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام، ذكره ابن جرير. وكان من قبيلة يقال لهم: عاد بن عوص بن سام بن نوح، وكانوا عربًا يسكنون الأحفاف، وهى جبال الرمل، وكانت باليمن من عمان وحضرموت بأرض مطلة على البحر يقال لها: الشحر، واسم واديهم مغيث، وكانوا كثيرًا ما يسكنون الخيام ذوات الأعمدة الضخام، كما قال تعالى: {ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد} أى عاد إرم، وهم عاد الأولى، وأما عاد الثانية فمتأخرة كما سيأتى بيان ذلك فى موضعه، وأما عاد الأولى فهم عاد {إرم ذات العماد التى لم يخلق مثلها فى البلاد} أى مثل القبيلة، وقيل: مثل العمد، والصحيح الأول، كما بيناه فى التفسير.

ومن زعم أن إرم مدينة تدور فى الأرض فتارة فى الشام، وتارة فى اليمن، وتارة فى الحجاز، وتارة فى غيرها، فقد أبعد النجعة، وقال ما لا دليل عليه، ولا برهان يعول عليه، ولا مستند يركن إليه. وفى صحيح ابن حبان عن أبى ذر فى حديثه الطويل فى ذكر الأنبياء والمرسلين، قال فيه: (منهم أربعة من العرب هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر). ويقال: إن هودًا عليه السلام أول من تكلم بالعربية، وزعم وهب بن منبه أن أباه أول من تكلم بها. وقال غيره: أول من تكلم بها نوح، وقيل: آدم وهو الأشبه، وقيل غير ذلك، والله أعلم.

ويقال للعرب الذين كانوا قبل إسماعيل عليه السلام العرب: العاربة، وهم قبائل كثيرة، منهم عاد وثمود وجرهم وطسم وجديس وأميم ومدين وعملاق وعبيل وجاسم وقحطان وبنو يقطن وغيرهم.

وأما العرب المستعربة فهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل، وكان إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام أول من تكلم بالعربية الفصيحة البليغة، وكان قد أخذ كلام العرب من جرهم الذين نزلوا عند أمه هاجر بالحرم، كما سيأتى بيانه فى موضعه إن شاء الله تعالى، ولكن أنطقه الله بها فى غاية الفصاحة والبيان، وكذلك كان يتلفظ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم .

والمقصود: أن عادًا، (وهم عاد الأولى)، كانوا أول من عبد الأصنام بعد الطوفان وكان أصنامهم ثلاثة: (صدا وصمودا وهرا)، فبعث الله فيهم أخاهم هودًا عليه السلام، فدعاهم إلى الله كما قال تعالى بعد ذكر قوم نوح وما كان من أمرهم فى سورة الأعراف: {وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك فى سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين قال يا قوم ليس بى سفاهة ولكنى رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربى وأنا لكم ناصح أمين أوَ عجبتم أن جاءكم ذكرٌ من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم فى الخلق بسطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال قد وقع عليكم من ربكم رجسٌ وغضبٌ أتجادلوننى فى أسماءٍ سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان فانتظروا إنى معكم من المنتظرين فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين}.

وقال تعالى بعد ذكر قصة نوح فى سورة هود: {وإلى عاد أخاهم هودًا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون يا قوم لا أسألكم عليه أجرًا إن أجرى إلا على الذى فطرنى أفلا تعقلون ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارًا ويزدكم قوةً إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركى آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إنى أشهد واشهدوا أنى برىء مما تشركون من دونه فكيدونى جميعًا ثم لا تنظرون إنى توكلت على الله ربى وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربى على صراط مستقيم فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربى قومًا غيركم ولا تضرونه شيئا إن ربى على كل شىء حفيظ ولما جاء أمرنا نجينا هودًا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ وتلك عادٌ جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد واتبعوا فى هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدًا لعاد قوم هود}.

وقال تعالى فى سورة قد أفلح المؤمنون بعد قصة قوم نوح: {ثم أنشأنا من بعدهم قرنًا آخرين فأرسلنا فيهم رسولاً منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم فى الحياة الدنيا ما هذا إلا بشرٌ مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرًا مثلكم إنكم إذًا لخاسرون أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابًا وعظامًا أنكم مخرجون هيهات هيهات لما توعدون إن هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين قال رب انصرنى بما كذبون قال عما قليل ليصبحن نادمين فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاءً فبعدا للقوم الظالمين}. وقال تعالى فى سورة الشعراء بعد قصة قوم نوح أيضًا: {كذبت عاد المرسلين إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون إنى لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين أتبنون بكل ريع آيةً تعبثون وتتخذون مصانع لعكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين فاتقوا الله وأطيعون واتقوا الذى أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم قالوا سواءٌ علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين إن هذا إلا خلق الأولين وما نحن بمعذبين فكذبوه فأهلكناهم إنّ فى ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم}.

وقال تعالى فى سورة حم السجدة: {فأما عاد فاستكبروا فى الأرض بغير الحق وقالوا من أشدُّ منا قوةً أولم يروا أن الله الذى خلقهم هو أشد منهم قوةً وكانوا بآياتنا يجحدون فأرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا فى أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزى فى الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون}، وقال تعالى فى سورة الأحقاف: {واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بيد يديه ومن خلفه أن لا تعبدوا إلا الله إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكنى أراكم قومًا تجهلون فلما رأوه عارضًا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريحٌ فيها عذابٌ أليم تدمر كل شىء بأمر ربها فأصبحوا لا يُرى إلا مساكنهم كذلك نجزى القوم المجرمين}.

وقال تعالى فى الذاريات: {وفى عاد إذ أرسلنا عليكم الريح العقيم ما تذر من شىء أتت عليه إلا جعلته كالرميم}، وقال تعالى فى النجم: {وأنه أهلك عادًا الأولى وثمود فما أبقى وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى فبأى آلاء ربك تتمارى}، وقال تعالى فى سورة اقتربت: {كذبت عاد فكيف كان عذابى ونذر إنا أرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا فى يوم نحس مستمر تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر فكيف كان عذابى ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر}، وقال فى الحاقة: {وأما عادٌ فأهلكوا بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليالٍ وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية فهل ترى لهم من باقية}، وقال فى سورة الفجر: {ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التى لم يخلق مثلها فى البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وفرعون ذى الأوتاد الذين طغوا فى البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد}، وقد تكلمنا على كل من هذه القصص فى أماكنها من كتابنا التفسير، ولله الحمد والمنة.

وقد جرى ذكر عاد فى سورة (براءة وإبراهيم والفرقان والعنكبوت وفى سورة (ص) وفى سورة (ق)، ولنذكر مضمون القصة مجموعًا من هذه السياقات مع ما يضاف إلى ذلك من الأخبار، وقد قدمنا أنهم أول الأمم عبدوا الأصنام بعد الطوفان وذلك بين فى قوله لهم: {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم فى الخلق بسطة} أى جعلهم أشد أهل زمانهم فى الخلقة والشدة والبطش، وقال فى المؤمنون: {ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين}، وهم قوم هود على الصحيح، وزعم آخرون أنهم ثمود لقوله: {فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء} قالوا: وقوم صالح هم الذين أهلكوا بالصيحة {وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية} وهذا الذى قالوه لا يمنع من اجتماع الصيحة والريح العاتية عليهم، كما سيأتى فى قصة أهل مدين أصحاب الأيكة، فإنه اجتمع عليهم أنواع من العقوبات، ثم لا خلاف أن عادا قبل ثمود.

والمقصود أن عادًا كانوا عربًا جفاة كافرين عتاة متمردين فى عبادة الأصنام، فأرسل الله فيهم رجلاً منهم يدعوهم إلى الله، وإلى إفراده بالعبادة والإخلاص له، فكذبوه وخالفوه وتنقصوه، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، فلما أمرهم بعبادة الله ورغبهم فى طاعته واستغفاره ووعدهم على ذلك خير الدنيا والآخرة وتوعدهم على مخالفة ذلك عقوبة الدنيا والآخرة {قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك فى سفاهة} أى هذا الأمر الذى تدعونا إليه سفه بالنسبة إلى ما نحن عليه من عبادة هذه الأصنام التى يرتجى منها النصر والرزق، ومع هذا نظن أنك تكذب فى دعواك أن الله أرسلك {قال يا قوم ليس بى سفاهة ولكنى رسول من رب العالمين} أى ليس الأمر كما تظنون ولا ما تعتقدون {أبلغكم رسالات ربى وأنا لكم ناصح أمين} والبلاغ يستلزم عدم الكذب فى أصل المبلغ وعدم الزيادة فيه، والنقص منه، ويستلزم إبلاغه بعبارة فصيحة وجيزة جامعة مانعة لا لبس فيها ولا اختلاف ولا اضطراب، وهو مع هذا البلاغ على هذه الصفة فى غاية النصح لقومه والشفقة عليهم، والحرص على هدايتهم لا يبتغى منهم أجرا، ولا يطلب منهم جعلاً، بل هو مخلص لله عز وجل فى الدعوة إليه، والنصح لخلقه لا يطلب أجره إلا من الذى أرسله، فإن خير الدنيا والآخرة كله فى يديه، وأمره إليه، ولهذا قال: {يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجرى إلا على الذى فطرنى أفلا تعقلون} أى ما لكم عقل تميزون به وتفهمون، أنى أدعوكم إلى الحق المبين الذى تشهد به فطركم التى خلقتم عليها، وهو دين الحق الذى بعث الله به نوحًا وأهلك من خالفه من الخلق، وها أنا أدعوكم إليه ولا أسألكم أجرًا عليه، بل أبتغى ذلك عند الله مالك الضر والنفع، ولهذا قال مؤمن يس: {اتبعوا من لا يسألكم أجرًا وهم مهتدون وما لى لا أعبد الذى فطرنى وإليه ترجعون}، وقال قوم هود له فيما قالوا: {يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركى آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} يقولون: ما جئتنا بخارق يشهد لك بصدق ما جئت به، وما نحن بالذين نترك عبادة أصنامنا عن مجرد قولك بلا دليل أقمته، ولا برهان نصبته، وما نظن إلا أنك مجنون فيما تزعمه، وعندنا إنما أصابك هذا أن بعض آلهتنا غضب عليك، فأصابك فى عقلك فاعتراك جنون بسبب ذلك، وهو قولهم: {إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إنى أشهد الله واشهدوا أنى برىء مما تشركون من دونه فكيدونى جميعًا ثم لا تنظرون} وهذا تحد منه لهم وتبرؤ من آلهتهم وتنقص منه لها وبيان أنها لا تنفع شيئًا ولا تضر وإنها جماد حكمها حكمه وفعلها فعله. فإن كانت كما تزعمون من أنها تنصر وتنفع وتضر فها أنا برىء منها لاعن لها {فكيدونى جميعا ثم لا تنظرون} أنتم جميعًا بجميع ما يمكنكم أن تصلوا إليه وتقدروا عليه ولا تؤخرونى ساعة واحدة، ولا طرفة عين، فإنى لا أبالى بكم، ولا أفكر فيكم، ولا أنظر إليكم {إنى توكلت على الله ربى وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربى على صراط مستقيم} أى أنا متوكل على الله ومتأيد به وواثق بجنابه الذى لا يضيع من لاذ به واستند إليه فلست أبالى مخلوقًا سواه، ولست أتوكل إلا عليه، ولا أعبد إلا إياه، وهذا وحده برهان قاطع على أن هودًا عبد الله ورسوله، وأنهم على جهل وضلال فى عبادتهم غير الله، لأنهم لم يصلوا إليه بسوء ولا نالوا منه مكروهًا، فدل على صدقه فيما جاءهم به، وبطلان ما هم عليه، وفساد ما ذهبوا إليه، وهذا الدليل بعينه قد استدل به نوح عليه السلام قبله، فى قوله: {يا قوم إن كان كبر عليكم مقامى وتذكيرى بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلى ولا تنظرون}، وهكذا قال الخليل عليه السلام: {ولا أخافُ ما تشركون به إلا أن يشاء ربى شيئًا وسع ربى كل شىء علمًا أفلا تتذكرون وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانًا فأى الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم}. {وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم فى الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرًا مثلكم إنكم إذًا لخاسرون أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون} استبعدوا أن يبعث الله رسولاً بشريًا وهذه الشبهة أدلى بها كثير من جهلة الكفرة قديمًا وحديثًا

وأما تفصيل إهلاكهم فلما قال تعالى: {فلما رأوه عارضًا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما أستعجلتم به ريح فيها عذاب أليم} كان هذا أول ما ابتدأهم العذاب، أنهم كانوا ممحلين مسنتين، فطلبوا السقيا فرأوا عارضًا فى السماء وظنوه سقيا رحمة، فإذا هو سقيا عذاب، ولهذا قال تعالى: {بل هو ما استعجلتم به} أى من وقوع العذاب، وهو قولهم: {فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين} ومثلها فى الأعراف، وقد ذكر المفسرون وغيرهم هاهنا الخبر الذى ذكره الإمام محمد بن إسحاق بن بشار، قال: فلما أبو إلا الكفر بالله عز وجل أمسك عنهم المطر ثلاث سنين، حتى جهدهم ذلك، قال: وكان الناس إذاجهدهم أمر فى ذلك الزمان فطلبوا من الله الفرج منه إنما يطلبونه بحرمه ومكان بيته، وكان معروفًا عند أهل ذلك الزمان، وبه العماليق مقيمون، وهم من سلالة عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، وكان سيدهم إذ ذاك رجلا يقال له معاوية بن بكر، وكانت أمه من قوم عاد واسمها جلهذة ابنة الخيبرى، قال: فبعث عاد وفدًا قريبًا من سبعين رجلا ليستقوا لهم عند الحرم، فمروا بمعاوية بن بكر بظاهر مكة، فنزلوا عليه، فأقاموا عنده شهرًا يشربون الخمر يغنيهم الجرادتان، (قينتان لمعاوية)، وكانوا قد وصلوا إليه فى شهر، فلما طال مقامهم عنده وأخذته شفقة على قومه واستحيى منهم أن يأمرهم بالانصراف عمل شعرًا فيعرض لهم بالانصراف، وأمر القينتين أن تغنيهم به، فقال:

ألا يا قيل ويحك قم فهيم

لعل الله يمنحنا غماما

فيسقى أرض عاد إن عادا

قد أمسوا لا يبينون الكلاما

من العطش الشديد فليس نرجو

به الشيخ الكبير ولا الغلاما

وقد كانت نساؤهم بخير

فقد أمست نساؤهم أياما

وإن الوحش يأتيهم جهارا

ولا يخشى لعادى سهاما

وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم

نهاركم وليلكم تماما

فقبــح وفدكــم مـن وفــد قـــوم

ولا لقــــوا التحيــــة والسلامــــا

قال: فعند ذلك تنبه القوم لما جاءوا له، فنهضوا إلى الحرم، ودعوا لقومهم، فدعا داعيهم، وهو: قيل بن عنز، فأنشأ الله سحابات ثلاثًا بيضاء وحمراء وسوداء، ثم ناداه مناد من السماء: اختر لنفسك ولقومك من هذا السحاب، فقال: اخترت السحابة السوداء فإنها أكثر السحاب ماء، فناداه اخترت رمادًا رمددًا لا تبقى من عاد أحدًا، لا والدًا يترك ولا ولدًا، إلا جعلته همدًا إلا بنى اللودية الهمدا، قال: وهو بطن من عاد كانوا مقيمين بمكة فلم يصبهم ما أصاب قومهم، قال: ومن بقى من أنسابهم وأعقابهم هم عاد الآخرة، قال: وساق الله السحابة السوداء التى اختارها قيل بن عنز بما فيها من النقمة إلى عاد حتى تخرج عليهم من واد يقال له: المغيث، فلما رأوها استبشروا، وقالوا: هذا عارض ممطرنا، فيقول تعالى: {بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شىء بأمر ربها} أى كل شىء أمرت به، فكان أول من أبصر ما فيها وعرف أنها ريح فيما يذكرون امرأة من عاد يقال لها: فهد، فلما تبينت ما فيها صاحت ثم صعقت، فلما أفاقت قالوا: ما رأيت يا فهد؟ قالت: رأيت ريحًا فيها كشهب النار أمامها رجال يقودونها، فسخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسومًا، والحسوم: الدائمة، فلم تدع من عاد أحدًا إلا هلك، قال: واعتزل هود عليه السلام، فيما ذكر لى، فى حظيرة هو ومن معه من المؤمنين، ما يصيبهم إلا ما يلين عليهم الجلود، ويلتذ الأنفس، وإنها لتمر على عاد بالطعن فيما بين السماء والأرض، وتدمغهم بالحجارة، وذكر تمام القصة.

وقد روى الإمام أحمد حديثًا فى مسنده يشبه هذه القصة، فقال: حدثنا زيد بن الحباب، حدثنى أبو المنذر سلام بن سليمان النحوى، حدثنا عاصم بن أبى النجود، عن أبى وائل، عن الحارث، وهو ابن حسان، ويقال: ابن يزيد البكرى، قال: خرجت أشكو العلاء بن الحضرمى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمررت بالربذة، فإذا عجوز من بنى تميم منقطع بها، فقالت لى: يا عبد الله، إن لى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة، فهل أنت مبلغى إليه؟ قال: فحملتها، فأتيت المدينة، فإذا المسجد غاص بأهله، وإذا راية سوداء تخفق، وإذا بلال متقلد السيف بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجهًا، قال: فجلست، قال: فدخل منزله، أو قال: رحله، فاستأذنت عليه فأذن لى، فدخلت فسلمت، فقال: (هل كان بينكم وبين بنى تميم شىء؟) فقلت: نعم، وكانت لنا الدبرة عليهم، ومررت بعجوز من بنى تميم منقطع بها فسألتنى أن أحملها إليك، وها هى بالباب، فأذن لها فدخلت، فقلت: يا رسول الله، إن رأيت أن تجعل بيننا وبين بنى تميم حاجزًا فاجعل الدهنا، فإنها كانت لنا، قال: فحميت العجوز، واستوفزت، وقالت: يا رسول الله، فإلى أين تضطر مضرك؟ قال: فقلت: إن مثلى ما قال الأول: (معزى حملت حتفها)، حملت هذه الأمة ولا أشعر أنها كانت لى خصمًا، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد، قال: (هيه، وما وافد عاد؟) وهو أعلم بالحديث منه ولكن يستطعمه، قلت: إن عادًا قحطوا فبعثوا وفدا لهم يقال له: قيل، فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرًا يسقيه الخمر ويغنيه جاريتان، يقال لهما: الجرادتان، فلما مضى الشهر خرج إلى جبال تهامة، فقال: اللهم إنك تعلم أنى لم اجىء إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق عادًا ما كنت تسقيه، فمرت به سحابات سود، فنودى منها: اختر فأومى إلى سحابة منها سوداء، فنودى منها: خذها رمادًا رمددًا لا تبقى من عاد أحدا، قال: فما بلغنى أنه بعث عليهم من الريح إلا كقدر ما يجرى فى خاتمى هذا من الريح حتى هلكوا، قال أبو وائل: وصدق، وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وفدًا لهم قالوا: لا تكن كوافد عاد

وهكذا رواه الترمذى عن عبد بن حميد عن زيد بن الحباب به. ورواه النسائى من حديث سلام أبى المنذر عن عاصم بن بهدلة. ومن طريقه رواه ابن ماجه. وهكذا أورد هذا الحديث وهذه القصة عند تفسير هذه القصة غير واحد من المفسرين كابن جرير وغيره. وقد يكون هذا السياق لإهلاك عاد الآخرة، فإن فيما ذكره ابن إسحاق وغيره ذكر لمكة، ولم تُبنَ إلا بعد إبراهيم الخليل، حين أسكن فيها هاجر وابنه إسماعيل، فنزلت جرهم عندهم، كما سيأتى، وعاد الأولى قبل الخليل، وفيه ذكر معاوية بن بكر وشعره، وهو من الشعر المتأخر عن زمان عاد الأولى، لا يشبه كلام المتقدمين.

وفيه: أن فى تلك السحابة شرر نار، وعاد الأولى إنما أهلكوا بريح صرصر. وقد قال ابن مسعود وابن عباس وغير واحد من أئمة التابعين: هى الباردة. والعاتية: الشديدة الهبوب {سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما} أى كوامل متتابعات، قيل: كان أولها الجمعة، وقيل: الأربعاء {فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية} شبههم بأعجاز النخل التى لا رءوس لها، وذلك لأن الريح كانت تجىء إلى أحدهم فتحمله فترفعه فى الهواء ثم تنكسه على أم رأسه فتشدخه، فيبقى جثة بلا رأس، كما قال: {إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا فى يوم نحس مستمر} أى فى يوم نحس عليهم مستمر عذابه عليهم {تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر}، ومن قال: إن اليوم النحس المستمر هو يوم الأربعاء، وتشاءم به لهذا الفهم، فقد أخطأ وخالف القرآن، فإنه قال فى الآية الأخرى: {فأرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا فى أيام نحسات} ومعلوم أنها ثمانية أيام متتابعات، فلو كانت نحسات فى أنفسها لكانت جميع الأيام السبعة المندرجة فيها مشؤومة، وهذا لا يقوله أحد، وإنما المراد فى أيام نحسات، أى عليهم، وقال تعالى: {وفى عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم} أى التى لا تنتج خيرًا، فإن الريح المفردة لا تنثر سحابا، ولا تلقح شجرا، بل هى عقيم لا نتيجة خير لها، ولهذا قال: {ما تذر من شىء أتت عليه إلا جعلته كالرميم} أى كالشىء البالى الفانى الذى لا ينتفع به بالكلية.

وقد ثبت فى الصحيحين من حديث شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور). وأما قوله تعالى: {واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} فالظاهر أن عادًا هذه هى عاد الأولى فإن سياقها شبيه بسياق قوم هود وهم الأولى، ويحتمل أن يكون المذكورون فى هذه القصة هم عاد الثانية، ويدل عليه ما ذكرنا وما سيأتى من الحديث عن عائشة رضى الله عنها، وأما قوله: {فلما رأوه عارضًا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا} فإن عادًا لما رأوا هذا العارض وهو الناشئ فى الجو كالسحاب ظنوه سحاب مطر، فإذا هو سحاب عذاب اعتقدوه رحمة، فإذا هو نقمة رجوا فيه الخير، فنالوا منه غاية الشر، قال الله تعالى: {بل هو ما استعجلتم به} أى من العذاب ثم فسره بقوله: {ريح فيها عذاب أليم} يحتمل أن ذلك العذاب هو ما أصابهم من الريح الصرصر العاتية، الباردة الشديدة الهبوب، التى استمرت عليهم سبع ليال بأيامها الثمانية، فلم تبق منهم أحدًا، بل تتبعتهم حتى كانت تدخل عليهم كهوف الجبال والغيران فتلفهم وتخرجهم وتهلكهم، وتدمر عليهم البيوت المحكمة والقصور المشيدة، فكما مَنَّوا بقوتهم وشدتهم، وقالوا: من أشد منا قوة؟ سلط الله عليهم ما هو أشد منهم قوة، وأقدر عليهم، وهو الريح العقيم، ويحتمل أن هذه الريح أثارت فى آخر الأمر سحابة، ظن من بقى منهم أنها سحابة فيها رحمة بهم، وغياث لمن بقى منهم، فأرسلها الله عليهم شررًا ونارًا، كما ذكره غير واحد، ويكون هذا كما أصاب أصحاب الظلة من أهل مدين، وجمع لهم بين الريح الباردة وعذاب النار، وهو أشد ما يكون من العذاب، بالأشياء المختلفة المتضادة مع الصيحة التى ذكرها فى سورة قد أفلح المؤمنون، والله أعلم.

 

 

1