بناء البيت العتيق

قال الله تعالى: {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ألا تشرك بى شيئا وطهر بيتى للطائفين والقائمين والركع السجود وأذن فى الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ظامر يأتين من كل فج عميق}، وقال تعالى: {إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين}، وقال تعالى: {وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إنى جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتى قال لا ينال عهدى الظالمين وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتى للطائفين والعاكفين والركع السجود وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم}.

يذكر تعالى عن عبده ورسوله وصفيه وخليله إمام الحنفاء، ووالد الأنبياء عليه أفضل صلاة وتسليم، أنه بنى البيت العتيق الذى هو أول مسجد وضع لعموم الناس يعبدون الله فيه، وبوأه الله مكانه أى أرشده إليه ودله عليه. وقد روينا عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب وغيره أنه أرشد إليه بوحى من الله عز وجل، وقد قدمنا فى صفة خلق السماوات أن الكعبة بحيال البيت المعمور، بحيث أنه لو سقط لسقط عليها، وكذلك معابد السماوات السبع، كما قال بعض السلف: إن فى كل سماء بيتًا يعبد الله فيه أهل كل سماء، وهو فيها كالكعبة لأهل الأرض، فأمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام أن يبنى له بيتا يكون لأهل الأرض كتلك المعابد لملائكة السماوات، وأرشده الله إلى مكان البيت المهيأ له المعين لذلك منذ خلق السماوات والأرض.

كما ثبت فى الصحيحين: أن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، ولم يجىء فى خبر صحيح عن معصوم أن البيت كان مبنيا قبل الخليل عليه السلام، ومن تمسك فى هذا بقوله: (مكان البيت) فليس بناهض ولا ظاهر، لأن المراد مكانه المقدر فى علم الله المقرر فى قدرته، المعظم عند الأنبياء موضعه، من لدن آدم إلى زمان إبراهيم، وقد ذكرنا أن آدم نصب عليه قبة وأن الملائكة قالوا له: قد طفنا قبلك بهذا البيت، وأن السفينة طافت به أربعين يوما، أو نحو ذلك، ولكن كل هذه الأخبار عن بنى إسرائيل وقد قررنا أنها لا تصدق ولا تكذب، فلا يحتج بها، فأما إن ردها الحق فهى مردودة، وقد قال الله: {إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا وهدى للعالمين} أى أول بيت وضع لعموم الناس للبركة والهدى البيت الذى ببكة، قيل: مكة، وقيل: محل الكعبة {فيه آيات بينات} أى على أنه بناء الخليل والد الأنبياء من بعده، وإمام الحنفاء من ولده الذين يقتدون به، ويتمسكون بسنته، ولهذا قال: {مقام إبراهيم} أى الحجر الذى كان يقف عليه قائمًا لما ارتفع البناء عن قامته، فوضع له ولده هذا الحجر المشهور ليرتفع عليه لما تعالى البناء وعظم الفناء، كما تقدم فى حديث ابن عباس الطويل، وقد كان هذا الحجر ملصقًا بحائط الكعبة على ما كان عليه من قديم الزمان إلى أيام عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فأخره عن البيت قليلاً لئلا يشغل المصلين عنده الطائفين بالبيت، واتبع عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى هذا، فإنه قد وافقه ربه فى أشياء منها فى قوله لرسوله صلى الله عليه وسلم : لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى؟ فأنزل الله: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} وقد كانت آثار قدمى الخليل باقية فى الصخرة إلى أول الإسلام. وقد قال أبو طالب فى قصيدته اللامية المشهورة:

وثور ومن أرسى ثبيرًا مكانه

وراقٍ لبر فى حراء ونازل

وبالبيت حق البيت من بطن مكة

وبالله إن الله ليس بغافل

وبالحجر المسود إذ يمسحونه

إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل

وموطئ إبراهيم فى الصخر رطبـة

على قدميــه حافيـا غيـر ناعـــــل

يعنى أن رجله الكريمة غاصت فى الصخرة فصارت على قدر قدمه حافية لا متنعلة، ولهذا قال تعالى: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل} أى فى حال قولهما: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} فهما فى غاية الإخلاص والطاعة لله عز وجل، وهما يسألان من الله السميع العليم أن يتقبل منهما ما هما فيه من الطاعة العظيمة، والسعى المشكور {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم}.

والمقصود أن الخليل بنى أشرف المساجد فى أشرف البقاع فى واد غير ذى زرع، ودعا لأهلها بالبركة، وأن يرزقوا من الثمرات مع قلة المياه وعدم الأشجار والزروع والثمار، وأن يجعله حرما محرما وآمنا محتما، فاستجاب الله، وله الحمد، له مسألته ولبى دعوته، وآتاه طلبته، فقال تعالى: {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم}، وقال تعالى: {أولم نمكن لهم حراما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شىء رزقا من لدنا} وسأل الله أن يبعث فيهم رسولا منهم، أى من جنسهم وعلى لغتهم الفصيحة البليغة النصيحة لتتم عليهم النعمتان الدنيوية والدينية سعادة الأولى والأخرى، وقد استجاب الله له فبعث فيهم رسولا وأى رسول؟ ختم به أنبياءه ورسله وأكمل له من الدين ما لم يؤت أحدًا قبله، وعم بدعوته أهل الأرض على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وصفاتهم فى سائر الأقطار والأمصار والأعصار إلى يوم القيامة، وكان هذا من خصائصه من بين سائر الأنبياء لشرفه فى نفسه، وكمال ما أرسل به، وشرف بقعته وفصاحة لغته، وكمال شفقته على أمته، ولطفه ورحمته، وكريم محتده وعظيم مولده وطيب مصدره ومورده، ولهذا استحق إبراهيم الخليل عليه السلام إذ كان بانى الكعبة لأهل الأرض أن يكون منصبه ومحله وموضعه فى منازل السماوات، ورفيع الدرجات عند البيت المعمور الذى هو كعبة أهل السماء السابعة المبارك المبرور الذى يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة يتعبدون فيه، ثم لا يعودون إليه، إلى يوم البعث والنشور، وقد ذكرنا فى التفسير من سورة البقرة صفة بناية البيت، وما ورد فى ذلك من الأخبار والآثار بما فيه كفاية فمن أراده فليراجعه ثَمَّ، ولله الحمد.

 

ذكر ثناء الله ورسوله الكريم على عبده وخليله إبراهيم

قال الله: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إنى جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتى قال لا ينال عهدى الظالمين} لما وفى ما أمره ربه به من التكاليف العظيمة جعله للناس إماما يقتدون به، ويأتمون بهديه، وسأل الله أن تكون هذه الإمامة متصلة بسببه، وباقية فى نسبه وخالدة فى عقبه، فأجيب إلى ما سأل ورام، وسلمت إليه الإمامة بزمام، واستثنى من نيلها الظالمون، واختص بها من ذريته العلماء العاملون، كما قال تعالى: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا فى ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره فى الدنيا وإنه فى الآخرة لمن الصالحين}، وقال تعالى: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحًا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزى المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم}، فالضمير فى قوله: {ومن ذريته} عائد على إبراهيم على المشهور، ولوط وإن كان ابن أخيه إلا أنه دخل فى الذرية تغليبا، وهذا هو الحامل للقائل الآخر أن الضمير على نوح، كما قدمنا فى قصته، والله أعلم.

وقال تعالى: {ولقد أرسلنا نوحًا وإبراهيم وجعلنا فى ذريتهما النبوة والكتاب} الآية، فكل كتاب أنزل من السماء على نبى من الأنبياء بعد إبراهيم الخليل فمن ذريته وشيعته، وهذه خلعة سنية لا تضاهى، ومرتبة عليه لا تباهى، وذلك أنه ولد له لصلبه ولدان ذكران عظيمان: إسماعيل من هاجر، ثم إسحاق من سارة، وولد لهذا يعقوب، وهو إسرائيل، الذى ينتسب إليه سائر أسباطهم، فكانت فيهم النبوة، وكثروا جدًا بحيث لا يعلم عددهم إلا الذى بعثهم، واختصهم بالرسالة والنبوة حتى ختموا بعيسى ابن مريم من بنى إسرائيل، وأما إسماعيل عليه السلام فكانت منه العرب على اختلاف قبائلها، كما سنبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى، ولم يوجد من سلالته من الأنبياء سوى خاتمهم على الإطلاق وسيدهم، وفخر بنى آدم فى الدنيا والآخرة: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشى الهاشمى المكى ثم المدنى، صلوات الله وسلامه عليه، فلم يوجد من هذا الفرع الشريف، والغصن المنيف، سوى هذه الجوهرة الباهرة، والدرة الزاهرة، وواسطة العقد الفاخرة، وهو السيد الذى يفتخر به أهل الجمع، ويغبطه الأولون والآخرون يوم القيامة، وقد ثبت عنه فى صحيح مسلم، كما سنورده، أنه قال: (سأقوم مقاما يرغب إلى الخلق كلهم حتى إبراهيم) فمدح إبراهيم أباه مدحة عظيمة فى هذا السياق، ودل كلامه على أنه أفضل الخلائق بعده عند الخلاق فى هذه الحياة الدنيا ويوم يكشف عن ساق.

وقال البخارى: حدثنا عثمان بن أبى شيبة، حدثنا جرير، عن منصور، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن [والحسين]، ويقول: (أن أباكما كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق، أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة). ورواه أهل السنن من حديث منصور به.

وقال تعالى: {وإذ قال إبراهيم رب أرنى كيف تحيى الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهم يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم} ذكر المفسرون لهذا السؤال أسبابًا بسطناها فى التفسير، وقررناها بأتم تقرير، والحاصل: أن الله عز وجل أجابه إلى ما سأل، فأمره أن يعمد إلى أربعة من الطيور، واختلفوا فى تعيينها على أقوال، والمقصود حاصل على كل تقدير، فأمره أن يمزق لحومهن وريشهن، ويخلط ذلك بعضه فى بعض، ثم يقسمه قسما، ويجعل على كل جبل منهم جزءا، ففعل ما أمر به، ثم أمر أن يدعوهن بإذن ربهن، فلما دعاهن جعل كل عضو يطير إلى صاحبه، وكل ريشة تأتى إلى أختها، حتى اجتمع بدن كل طائر على ما كان عليه، وهو ينظر إلى قدرة الذى يقول للشىء كن فيكون، فأتين إليه سعيا، ليكون أبين له، وأوضح لمشاهدته من أن يأتين طيرانًا، ويقال: إنه أمُر أن يأخذ رءوسهن فى يده فجعل كل طائر يأتى فيلقى رأسه فيتركب على جثته كما كان، فلا إله إلا الله، وقد كان إبراهيم عليه السلام يعلم قدرة الله تعالى على إحياء الموتى علمًا يقينًا لا يحتمل النقيض، ولكن أحب أن يشاهد ذلك عيانًا، ويترقى من علم اليقين إلى عين اليقين، فأجابه الله إلى سؤاله، وأعطاه غاية مأموله.

وقال تعالى: {يا أهل الكتاب لم تحاجون فى إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبى والذين آمنوا والله ولى المؤمنين} ينكر تعالى على أهل الكتاب من اليهود والنصارى فى دعوى كل من الفريقين كون الخليل على ملتهم وطريقتهم، فبرأه الله منهم وبين كثرة جهلهم وقلة عقلهم، فى قوله: {وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده} أى فكيف يكون على دينكم وأنتم إنما شرع لكم ما شرع بعده بمدد متطاولة، ولهذا قال: {أفلا تعقلون}، إلى أن قال: {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين} فبين أنه كان على دين الله الحنيف، وهو القصد إلى الإخلاص والانحراف عمدًا عن الباطل إلى الحق الذى هو مخالف لليهودية والنصرانية والمشركية.

كما قال تعالى: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه فى الدنيا وإنه فى الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بنى إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدى قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهًا واحدًا ونحن له مسلمون تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون وقالوا كونوا هودًا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم فى شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون قل أتحاجوننا فى الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون} فنزه الله عز وجل خليله عليه السلام عن أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا، وبين أنه إنما كان حنيفًا مسلمًا ولم يكن من المشركين، ولهذا قال تعالى: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه} يعنى الذين كانوا على ملته من أتباعه فى زمانه، ومن تمسك بدينه من بعدهم {وهذا النبى} يعنى محمدًا صلى الله عليه وسلم ، فإن الله شرع له الدين الحنيف الذى شرعه للخليل، وكمله الله تعالى له، وأعطاه ما لم يعط نبيًا ولا رسولا قبله، كما قال تعالى: {قل إننى هدانى ربى إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}، وقد قال تعالى: {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم وآتيناه فى الدنيا حسنةً وإنه فى الآخرة لمن الصالحين ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين}.

وقال البخارى: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم لما رأى الصور فى البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت، ورأى إبراهيم وإسماعيل بأيديهما الأزلام، فقال: (قاتلهم الله، والله إن يستقسما بالأزلام قط). لم يخرجه مسلم. وفى بعض ألفاظ البخارى: (قاتلهم الله، لقد علموا أن شيخنا لم يستقسم بها قط). فقوله: {أمة} أى قدوة إمامًا مهتديًا داعيًا إلى الخير، يقتدى به فيه {قانتا لله} أى خاشعًا له فى جميع حالاته وحركاته وسكناته {حنيفا} أى مخلصًا على بصيرة {ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه} أى قائمًا بشكر ربه بجميع جوارحه من قلبه ولسانه وأعماله {اجتباه} أى اختاره الله لنفسه، واصطفاه لرسالته، واتخذه خليلا، وجمع له بين خيرى الدنيا والآخرة.

وقال تعالى: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا} يُرغب تعالى فى اتباع إبراهيم عليه السلام، لأنه كان على الدين القويم والصراط المستقيم، وقد قام بجميع ما أمره به ربه، ومدحه تعالى بذلك فقال: {وإبراهيم الذى وفى} ولهذا اتخذه الله خليلا، والخلة هى: غاية المحبة، كما قال بعضهم:

وقد تخللت مسلــك الــروح منى

وبــذا سمـــى الخليـــل خليــــلا

وهكذا نال هذه المنزلة خاتم الأنبياء وسيد الرسل، محمد صلوات الله وسلامه عليه، كما ثبت فى الصحيحين وغيرهما من حديث جندب البجلى وعبد الله بن عمرو وابن مسعود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يا أيها الناس، إن الله اتخذنى خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً). وقال أيضا فى آخر خطبة خطبها: (أيها الناس، لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله). أخرجاه من حديث أبى سعيد. وثبت أيضًا من حديث عبد الله بن الزبير وابن عباس وابن مسعود.

وروى البخارى فى صحيحه: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن حبيب بن أبى ثابت، عن سعيد بن جبير، عن عمرو بن ميمون، قال: إن معاذا لما قدم اليمن صلى بهم الصبح فقرأ: {واتخذ الله إبراهيم خليلا} فقال رجل من القوم: لقد قرت عين أم إبراهيم. وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم، حدثنا إسماعيل بن أحمد بن أسيد، حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجانى، بمكة، حدثنا عبد الله الحنفى، حدثنا زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه، فخرج، حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، فسمع حديثهم، وإذا بعضهم يقول: عجب أن الله اتخذ من خلقه خليلا فإبراهيم خليله، وقال آخر: ماذا بأعجب من أن الله كلم موسى تكليمًا، وقال آخر: فعيسى روح الله وكلمته، وقال آخر: آدم اصطفاه الله، فخرج عليهم، فسلم وقال: (قد سمعت كلامكم وعجبكم، إن إبراهيم خليل الله، وهو كذلك، وموسى كليمه، وهو كذلك، وعيسى روحه وكلمته، وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله، وهو كذلك، ألا وإنى حبيب الله، ولا فخر، ألا وإنى أول شافع، وأول مشفع، ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلقة باب الجنة، فيفتحه الله، فيدخلنيها ومعى فقراء المؤمنين، وأنا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة، ولا فخر). هذا حديث غريب من هذا الوجه، وله شواهد من وجوه أخر، والله أعلم.

وفاة إبراهيم وما قيل فى عمره

ذكر ابن جرير فى تاريخه أن مولده كان فى زمن النمرود بن كنعان، وهو فيما قيل: الضحاك، الملك المشهور، الذى يقال: إنه ملك ألف سنة، وكان فى غاية الغشم والظلم، وذكر بعضهم: أنه من بنى راسب الذين بعث إليهم نوح عليه السلام، وأنه كان إذ ذاك ملك الدنيا، وذكروا: أنه طلع نجم أخفى ضوء الشمس والقمر، فهال ذلك أهل ذلك الزمان، وفزغ النمرود، فجمع الكهنة والمنجمين، وسألهم عن ذلك؟ فقالوا: يولد مولود فى رعيتك، يكون زوال ملكك على يديه، فأمر عند ذلك بمنع الرجال عن النساء، وأن يقتل المولودون من ذلك الحين، فكان مولد إبراهيم الخليل فى ذلك الحين، فحماه الله عز وجل وصانه من كيد الفجار، وشب شبابًا باهرًا، وأنبته الله نباتا حسنا، حتى كان من أمره ما تقدم، وكان مولده بالسوس، وقيل: ببابل، وقيل: بالسواد من ناحية كوثى، وتقدم عن ابن عباس: أنه ولد ببرزة شرقى دمشق، فلما أهلك الله نمرود على يديه وهاجر إلى حران، ثم إلى أرض الشام، وأقام ببلاد إيليا، كما ذكرنا، وولد له إسماعيل وإسحاق، وماتت سارة قبله بقرية حبرون التى فى أرض كنعان، ولها من العمر مائة وسبع وعشرون سنة، فيما ذكر أهل الكتاب، فحزن عليها إبراهيم عليه السلام، ورثاها رحمها الله، واشترى من رجل من بنى حيث يقال له: عفرون بن صخر مغارة بأربع مائة مثقال، ودفن فيها سارة هنالك، قالوا: ثم خطب إبراهيم على ابنه إسحاق، فزوجه رفقا بنت بتوئيل بن ناحور بن تارح، وبعث مولاه فحملها من بلادها ومعها مرضعتها وجواريها على الإبل، قالوا: ثم تزوج إبراهيم عليه السلام قنطورا، فولدت له: (زمران ويقشان ومادان ومدين وشياق وشوح) وذكروا: ما ولد كل واحد من هؤلاء أولاد قنطورا.

وقد روى ابن عساكر عن غير واحد من السلف، عن أخبار أهل الكتاب فى صفة مجىء ملك الموت إلى إبراهيم عليه السلام أخبارًا كثيرة، الله أعلم بصحتها، وقد قيل: إنه مات فجأة، وكذا داود وسليمان، والذى ذكره أهل الكتاب وغيرهم خلاف ذلك: قالوا: ثم مرض إبراهيم عليه السلام، ومات عن مائة وخمس وسبعين، وقيل: وتسعين سنة، ودفن فى المغارة المذكورة التى كانت بحبرون الحيثى، عند امرأته سارة، التى فى مزرعة عفرون الحيثى، وتولى دفنه إسماعيل وإسحاق، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وقد ورد ما يدل أنه عاش مائتى سنة، كما قاله ابن الكلبى. وقال أبو حاتم بن حبان فى صحيحه: أنبأنا المفضل بن محمد الجندى، بمكة، حدثنا على بن زياد اللخمى، حدثنا أبو قرة، عن ابن جريج، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (اختتن إبراهيم بالقدوم وهو ابن عشرين ومائة سنة، وعاش بعد ذلك ثمانين سنة). وقد رواه الحافظ ابن عساكر من طريق عكرمة بن إبراهيم وجعفر بن عون العمرى، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد، عن أبى هريرة موقوفًا.

ثم قال ابن حبان: ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن رفع هذا الخبر، وهم: أخبرنا محمد بن عبد الله بن الجنيد، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن ابن

عجلان، عن أبيه، عن أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (اختتن إبراهيم حين بلغ مائة وعشرين سنة، وعاش بعد ذلك ثمانين سنة، واختتن بقدوم). وقد رواه الحافظ ابن عساكر من طريق يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم وقد أتت عليه ثمانون سنة. ثم روى ابن حبان عن عبد الرزاق، أنه قال: القدوم اسم القرية. قلت: الذى فى الصحيح أنه اختتن وقد أتت عليه ثمانون سنة. وفى رواية: وهو ابن ثمانين سنة. وليس فيهما تعرض لما عاش بعد ذلك، والله أعلم.

وقال محمد بن إسماعيل الحسانى الواسطى: زاد فى تفسير وكيع عنه فيما ذكره من الزيادات حدثنا أبو معاوية، عن يحبى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبى هريرة، قال: كان إبراهيم أول من تَسرَول، وأول من فرق، وأول من استحد، وأول من اختتن بالقدوم، وهو ابن عشرين ومائة سنة، وعاش بعد ذلك ثمانين سنة، وأول من قرى الضيف، وأول من شاب. هكذا رواه موقوفًا وهو أشبه بالمرفوع خلافا لابن حبان، والله أعلم.

وقال مالك: عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: كان إبراهيم أول من أضاف الضيف، وأول الناس اختتن، وأول الناس قص شاربه، وأول الناس رأى الشيب، فقال: يا رب، ما هذا؟ فقال الله: وقار، فقال: يا رب، زدنى وقارا. وزاد غيرهما: وأول من قص شاربه، وأول من استحد، وأول من لبس السراويل، فقبره وقبر ولده إسحاق وقبر ولد ولده يعقوب فى المربعة التى بناها سليمان بن داود عليه السلام، ببلد حبرون، وهو البلد المعروف بالخليل اليوم، وهذا تلقى بالتواتر أمة بعد أمة، وجيل بعد جيل، من زمن بنى إسرائيل، وإلى زماننا هذا، أن قبره بالمربعة تحقيقا. فأما تعيينه منها: فليس فيه خبر صحيح عن معصوم، فينبغى أن تراعى تلك المحلة، وأن تحترم احترام مثلها، وأن تبجل، وأن تجل أن يداس فى أرجائها، خشية أن يكون قبر الخليل، أو أحد من أولاده الأنبياء عليهم السلام تحتها. وروى ابن عساكر بسنده إلى وهب بن منبه قال: وجد عند قبر إبراهيم الخليل على حجر كتابة خلقة:

إلهى جهولا أمله

يموت من جا أجله

ومن دنا من حتفه

لم تغن عنه حيله

وكيف يبقى آخر

من مات عنه أوله

والمـــــــــرء لا يصحبـــــــــــــه

فــــى القبــــــــر إلا عملـــــــــه

ذكر أولاد إبراهيم الخليل

أول من ولد له إسماعيل من هاجر القبطية المصرية، ثم ولد له إسحاق من سارة بنت عم الخليل، ثم تزوج بعدها قنطورا بنت يقطن الكنعانية فولدت له ستة: مدين وزمران وسرج ويقشان ونشق، ولم يسم السادس، ثم تزوج بعدها حجون بنت أمين فولدت له خمسة: كيسان وسورج وأميم ولوطان ونافس، هكذا ذكره أبو القاسم السهيلى فى كتابه التعريف والإعلام.

* * *

 

1