باب ذكر أمم أهلكوا بعامة

وذلك قبل نزول التوراة بدليل قوله تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى} الآية، كما رواه ابن جرير وابن أبى حاتم والبزار من حديث عوف الأعرابى، عن أبى نضرة، عن أبى سعيد الخدرى، قال: ما أهلك الله قوما بعذاب من السماء أو من الأرض بعدما أنزلت التوراة على وجه الأرض غير القرية التى مسخوا قردة ألم تر أن الله تعالى يقول: {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى} ورفعه البزار فى رواية له، والأشبه، والله أعلم، وقفه، فدل على أن كل أمة أهلكت بعامة قبل موسى عليه السلام،

فمنهم أصحاب الرس، قال الله تعالى فى سورة الفرقان: {وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا}، وقال تعالى فى سورة ق: {كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد} وهذا السياق والذى قبله يدل على أنهم أهلكوا ودمروا وتبروا، وهو الهلاك، وهذا يرد اختيار ابن جرير من أنهم أصحاب الأخدود الذين ذكروا فى سورة البروج، لأن أولئك عند ابن إسحاق وجماعة كانوا بعد المسيح عليه السلام، وفيه نظر أيضًا.

وروى ابن جرير قال: قال ابن عباس: أصحاب الرس، أهل قرية من قرى ثمود. وقد ذكر الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر فى أول تاريخه عند ذكر بناء دمشق عن تاريخ أبى القاسم عبد الله بن عبد الله بن جرداد وغيره: أن أصحاب الرس كانوا بحضور، فبعث الله إليهم نبيا يقال له: حنظلة بن صفوان، فكذبوه وقتلوه، فسار عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح بولده من الرس، فنزل الأحقاف وأهلك الله أصحاب الرس، وانتشروا فى اليمن كلها، وفشوا مع ذلك فى الأرض كلها حتى نزل جيرون بن سعد ابن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح دمشق وبنى مدينتها، وسماها جيرون، وهى إرم ذات العماد، وليس أعمدة الحجارة فى موضع أكثر منها بدمشق، فبعث الله هود بن عبد الله بن رباح بن خالد بن الحلود بن عاد إلى عاد يعنى أولاد عاد بالأحقاف، فكذبوه وأهلكهم الله عز وجل فهذا يقتضى أن أصحاب الرس قبل عاد بدهور متطاولة، فالله أعلم.

وروى ابن أبى حاتم: عن أبى بكر بن أبى عاصم، عن أبيه، عن شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الرس بئر بآذربيجان. وقال الثورى: عن أبى بكر عن عكرمة، قال: الرس بئر رسوا فيها نبيهم، أى دفنوه فيها. وقال ابن جريج: قال عكرمة: أصحاب الرس بفلج وهم أصحاب ياسين. وقال قتادة: فلج من قرى اليمامة. قلت: فإن كانوا أصحاب ياسين كما زعمه عكرمة، فقد أهلكوا بعامة، قال الله تعالى فى قصتهم: {إن كانت إلا صحية واحدة فإذا هم خامدون} وستأتى قصتهم بعد هؤلاء وإن كانوا غيرهم، وهو الظاهر، فقد أهلكوا أيضا وتبروا، وعلى كل تقدير فينافى ما ذكره ابن جرير. وقد ذكر أبو بكر محمد بن الحسن النقاش: أن أصحاب الرس كانت لهم بئر ترويهم وتكفى أرضهم جميعها، وكان لهم ملك عادل حسن السيرة، فلما مات وجدوا عليه وجدا عظيما، فلما كان بعد أيام تصور لهم الشيطان فى صورته، وقال: إنى لم أمت ولكن تغيبت عنكم حتى أرى صنيعكم، ففرحوا أشد الفرح، وأمر بضرب حجاب بينهم وبينه، وأخبرهم أنه لا يموت أبدًا فصدق به أكثرهم وافتتنوا به، وعبدوه فبعث الله فيهم نبيًا، وأخبرهم أن هذا شيطان يخاطبهم من وراء الحجاب، ونهاهم عن عبادته وأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له.

قال السهيلى: وكان يوحى إليه فى النوم، وكان اسمه حنظلة بن صفوان، فعدوا عليه فقتلوه وألقوه فى البئر، فغار ماؤها وعطشوا بعد ريهم، ويبست أشجارهم، وانقطعت ثمارهم، وخربت ديارهم، وتبدلوا بعد الأنس بالوحشة، وبعد الاجتماع بالفرقة، وهلكوا عن آخرهم، وسكن فى مساكنهم الجن والوحوش، فلا يسمع ببقاعهم إلا عزيف الجن وزئير الأسد وصوت الضباع. فأما ما رواه، أعنى ابن جرير، عن محمد بن حميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبد الأسود)، وذلك أن الله تعالى بعث نبيا إلى أهل قرية، فلم يؤمن به من أهلها إلا ذلك الأسود، ثم إن أهل القرية عدوا على النبى، فحفروا له بئرًا فألقوه فيها، ثم أطبقوا عليه بحجر أصم، قال: فكان ذلك العبد يذهب فيحتطب على ظهره، ثم يأتى بحطبه فيبيعه ويشترى به طعاما وشرابا، ثم يأتى به إلى ذلك البئر، فيرفع تلك الصخرة، ويعينه الله عليها، ويدلى إليه طعامه وشرابه، ثم يردها كما كانت، قال: فكان كذلك ما شاء الله أن يكون، ثم إنه ذهب يومًا يحتطب كما كان يصنع فجمع حطبه وحزم حزمته وفرغ منها، فلما أراد أن يحتملها وجد سنة، فاضطجع ينام فضرب الله على أذنه سبع سنين نائما، ثم إنه هب فتمطى وتحول لشقه الآخر فاضطجع، فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى، ثم إنه هبّ واحتمل حزمته ولا يحسب أنه نام إلا ساعة من نهار، فجاء إلى القرية فباع حزمته ثم اشترى طعامًا وشرابًا كما كان يصنع، ثم إنه ذهب إلى الحفرة إلى موضعها الذى كانت فيه، فالتمسه فلم يجده وقد كان بدا لقومه فيه بداء فاستخرجوه وآمنوا به وصدقوه، قال: فكان نبيهم يسألهم عن ذلك الأسود: ما فعل؟ فيقولون له: ما ندرى حتى قبض الله النبى عليه السلام، وأهب الأسود من نومه بعد ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة). فإنه حديث مرسل، ومثله فيه نظر، ولعل بسط قصته من كلام محمد ابن كعب القرظى، والله أعلم.

ثم قد رده ابن جرير نفسه، وقال: لا يجوز أن يحمل هؤلاء على أنهم أصحاب الرس المذكورون فى القرآن، قال: لأن الله أخبر عن أصحاب الرس أنه أهلكهم، وهؤلاء قد بدا لهم فآمنوا بنبيهم، اللهم إلا أن يكون حدثت لهم أحداث آمنوا بالنبى بعد هلاك آبائهم، والله أعلم، ثم اختار أنهم أصحاب الأخدود، وهو ضعيف لما تقدم، ولما ذكر فى قصة أصحاب الأخدود حيث توعدوا بالعذاب فى الآخرة إن لم يتوبوا ولم يذكر هلاكهم وقد صرح بهلاك أصحاب الرس، والله أعلم.

 

قصة قوم يس وهم أصحاب القرية

قال الله تعالى: {واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شىء إن أنتم إلا تكذبون قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وما علينا إلا البلاغ المبين قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون ومالى لا أعبد الذى فطرنى وإليه ترجعون أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغنى عنى شفاعتهم شيئا ولا ينقذون إنى إذا لفى ضلال مبين إنى آمنت بربكم فاسمعون قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومى يعلمون بما غفر لى ربى وجعلنى من المكرمين وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون}.

اشتهر عن كثير من السلف والخلف أن هذه القرية أنطاكية. رواه ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس وكعب الأحبار ووهب بن منبه. وكذا روى عن بريدة بن الحصيب وعكرمة وقتادة والزهرى وغيرهم، قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس وكعب ووهب أنهم قالوا: وكان لها ملك اسمه أنطيخس بن أنطيخس، وكان يعبد الأصنام، فبعث الله إليه ثلاثة من الرسل، وهم: (صادق ومصدوق وشلوم)، فكذبهم.

وهذا ظاهر أنهم رسل من الله عز وجل، وزعم قتادة أنهم كانوا رسلا من المسيح، وكذا قال ابن جرير عن وهب عن ابن سليمان عن شعيب الجبائى: كان اسم المرسلين الأوليين: شمعون ويوحنا، واسم الثالث: بولس والقرية أنطاكية.

وهذا القول ضعيف جدًا لأن أهل أنطاكية لما بعث إليهم المسيح ثلاثة من الحواريين كانوا أول مدينة آمنت بالمسيح فى ذلك الوقت، ولهذا كانت إحدى المدن الأربع التى تكون فيها بتاركة النصارى وهن: (أنطاكية والقدس وإسكندرية ورومية)، ثم بعدها إلى القسطنطينية، ولم يهلكوا، وأهل هذه القرية المذكورة فى القرآن أهلكوا كما قال فى آخر قصتها بعد قتلهم صديق المرسلين: {إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون} لكن إن كانت الرسل الثلاثة المذكورون فى القرآن بعثوا إلى أهل أنطاكية قديمًا فكذبوهم وأهلكم الله ثم عمرت بعد ذلك، فلما كان فى زمن المسيح آمنوا برسله إليهم فلا يمنع هذا، والله أعلم.

فأما القول بأن هذه القصة المذكورة فى القرآن هى قصة أصحاب المسيح، فضعيف لما تقدم، ولأن ظاهر سياق القرآن يقتضى أن هؤلاء الرسل من عند الله قال تعالى: {واضرب لهم مثلا} يعنى لقومك يا محمد {أصحاب القرية} يعنى المدينة {إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث} أى أيدناهما بثالث فى الرسالة {فقالوا إنا إليكم مرسلون} فردوا عليهم بأنهم بشر مثلهم، كما قالت الأمم الكافرة لرسلهم يستبعدون أن يبعث الله نبيا بشريا، فأجابوهم بأن الله يعلم أنا رسله إليكم، ولو كنا كذبنا عليه لعاقبنا وانتقم منا أشد الانتقام {وما علينا إلا البلاغ المبين} أى إنما علينا أى نبلغكم ما أرسلنا به إليكم، والله هو الذى يهدى من يشاء، ويضل من يشاء {قالوا إنا تطيرنا بكم} أى تشائمنا بما جئتمونا به {لئن لم تنتهوا لنرجمنكم} بالمقال، وقيل: بالفعال، ويؤيد القول الأول قوله: {وليمسنكم منا عذاب أليم} فوعدوهم بالقتل والإهانة {قالوا طائركم معكم} أى مردود عليكم {أئن ذكرتم} أى بسبب أنا ذكرناكم بالهدى ودعوناكم إليه توعدتمونا بالقتل والإهانة {بل أنتم قوم مسرفون} أى لا تقبلون الحق ولا تريدونه، وقوله تعالى: {وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى} يعنى لنصرة الرسل وإظهار الإيمان بهم {قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرًا وهم مهتدون} أى يدعونكم إلى الحق المحض بلا أجرة ولا جعالة، ثم دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن عبادة ما سواه مما لا ينفع شيئا لا فى الدنيا ولا فى الآخرة {إنى إذًا لفى ضلال مبين} أى إن تركت عبادة الله وعبدت معه ما سواه، ثم قال مخاطبا للرسل: {إنى آمنت بربكم فاسمعون} قيل: فاستمعوا مقالتى، واشهدوا لى بها عند ربكم، وقيل: معناه فاسمعوا يا قومى إيمانى برسل الله جهرة، فعند ذلك قتلوه، قيل: رجما، وقيل: عضا، وقيل: وثبوا إليه وثبة رجل واحد فقتلوه، وحكى ابن إسحاق عن بعض أصحابه عن ابن مسعود قال: وطئوه بأرجلهم حتى أخرجوا قصبته.

وقد روى الثورى، عن عاصم الأحول، عن أبى مجلز: كان اسم هذا الرجل حبيب بن مرى، ثم قيل: كان نجارا، وقيل: حبالا، وقيل: إسكافا، وقيل: قصارًا، وقيل: كان يتعبد فى غار هناك، فالله أعلم. وعن ابن عباس كان حبيب النجار قد أسرع فيه الجذام وكان كثير الصدقة قتله قومه، ولهذا قال تعالى: {ادخل الجنة} يعنى لما قتله قومه أدخله الله الجنة، فلما رأى فيها من النضرة والسرور {قال يا ليت قومى يعلمون بما غفر لى ربى وجعلنى من المكرمين} يعنى ليؤمنوا بما آمنت به، فيحصل لهم ما حصل لى.

قال ابن عباس نصح قومه فى حياته: {يا قوم اتبعوا المرسلين} وبعد مماته: {يا ليت قومى يعلمون بما غفر لى ربى وجعلنى من المكرمين} رواه ابن أبى حاتم، وكذلك قال قتادة: لا يلقى المؤمن إلا ناصحًا لا يلقى غاشا لما عاين ما عاين من كرامة الله {يا ليت قومى يعلمون بما غفر لى ربى وجعلنى من المكرمين} تمنى والله أن يعلم قومه بما عاين من كرامة الله وما هو عليه، قال قتادة: فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله {إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون}، وقوله تعالى: {وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين} أى ما احتجنا فى الانتقام منهم إلى إنزال جند من السماء عليهم، هذا معنى ما رواه ابن إسحاق عن بعض أصحابه عن ابن مسعود. قال مجاهد وقتادة: وما أنزل عليهم جندا أى رسالة أخرى، قال ابن جرير: والأول أولى، قلت: وأقوى، ولهذا قال: {وما كنا منزلين} أى وما كنا نحتاج فى الانتقام إلى هذا حين كذبوا رسلنا وقتلوا ولينا {إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون}.

قال المفسرون: بعث الله إليهم جبريل عليه السلام، فأخذ بعضادتى الباب الذى لبلدهم، ثم صاح بهم صيحة واحدة، فإذا هم خامدون، أى قد أخمدت أصواتهم، وسكنت حركاتهم، ولم يبق منهم عين تطرف.

وهذا كله مما يدل على أن هذه القرية ليست أنطاكية، لأن هؤلاء أهلكوا بتكذيبهم رسل الله إليهم، وأهل أنطاكية آمنوا واتبعوا رسل المسيح من الحواريين إليهم، فلهذا قيل: إن أنطاكية أول مدينة آمنت بالمسيح. فأما الحديث الذى رواه الطبرانى من حديث حسين الأشقرى، عن سفيان بن عيينة، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (السبق ثلاثة: فالسابق إلى موسى يوشع بن نون، والسابق إلى عيسى صاحب يس، والسابق إلى محمد على بن أبى طالب). فإنه حديث لا يثبت لأن حسينًا هذا متروك، وشيعى من الغلاة، وتفرده بهذا مما يدل على ضعفه بالكلية، والله أعلم.

* * *

 

1