أمر بنى إسرائيل بعد هلاك فرعون

قال الله تعالى: {فانتقمنا منهم فأغرقناهم فى اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التى باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بنى إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون وجاوزنا ببنى إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سواء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم} يذكر تعالى ما كان من أمر فرعون وجنوده فى غرقهم، وكيف سلبهم عزهم ومالهم وأنفسهم، وأورث بنى إسرائيل جميع أموالهم وأملاكهم، كما قال: {كذلك أورثناها بنى إسرائيل}، وقال: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض ونجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين}، وقال هاهنا: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التى باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بنى إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون} أى أهلك ذلك جميعه، وسلبهم عزهم العزيز العريض فى الدنيا، وهلك الملك وحاشيته وأمراؤه وجنوده، ولم يبق ببلد مصر سوى العامة والرعايا. فذكر ابن عبد الحكم فى تاريخ مصر: أنه فى ذلك الزمان تسلط نساء مصر على رجالها بسبب أن نساء الأمراء والكبراء تزوجن بمن دونهن من العامة، فكانت لهن السطوة عليهم، واستمرت هذه سنّة نساء مصر إلى يومك هذا.

وعند أهل الكتاب: أن بنى إسرائيل لما أمروا بالخروج من مصر جعل الله ذلك الشهر أول سنتهم، وأمروا أن يذبح كل أهل بيت حملا من الغنم، فإن كانوا لا يحتاجون إلى حمل فليشترك الجار وجاره فيه، فإذا ذبحوه فلينضحوا من دمه على أعتاب أبوابهم ليكون علامة لهم على بيوتهم، ولا يأكلونه مطبوخا ولكن مشويا برأسه وأكارعه وبطنه ولا يبقوا منه شيئًا، ولا يكسروا له عظما، ولا يخرجوا منه شيئا إلى خارج بيوتهم، وليكن خبزهم فطيرًا سبعة أيام ابتداؤها من الرابع عشر من الشهر الأول من سنتهم، وكان ذلك فى فصل الربيع، فإذا أكلوا فلتكن أوساطهم مشدودة، وخفافهم فى أرجلهم، وعصيهم فى أيديهم، وليأكلوا بسرعة قيامًا ومهما فضل عن عشائهم، فما بقى إلى الغد فليحرقوه بالنار، وشرع لهم هذا عيدا لأعقابهم ما دامت التوراة معمولاً بها، فإذا نسخت بطل شرعها وقد وقع.

قالوا: وقتل الله عز وجل فى تلك الليلة أبكار القبط، وأبكار دوابهم، ليشتغلوا عنهم وخرج بنو إسرائيل حين انتصف النهار، وأهل مصر فى مناحة عظيمة على أبكار أولادهم، وأبكار أموالهم، ليس من بيت إلا وفيه عويل وحين جاء الوحى إلى موسى خرجوا مسرعين، فحملوا العجين قبل اختماره وحملوا الأزواد فى الأردية وألقوها على عواتقهم، وكانوا قد استعاروا من أهل مصر حليًا كثيرًا، فخرجوا وهم ستمائة ألف رجل سوى الذرارى بما معهم من الأنعام، وكانت مدة مقامهم بمصر أربعمائة سنة وثلاثين سنة، هذا نص كتابهم، وهذه السنة عندهم تسمى سنة الفسخ، وهذا العيد عيد الفسخ، ولهم عيد الفطير، وعيد الحمل، وهو أول السنة، وهذه الأعياد الثلاثة آكد أعيادهم منصوص عليها فى كتابهم.

ولما خرجوا من مصر أخرجوا معهم تابوت يوسف عليه السلام، وخرجوا على طريق بحر سوف، وكانوا فى النهار يسيرون والسحاب بين أيديهم يسير أمامهم فيه عامود نور، وبالليل أمامهم عامود نار، فانتهى بهم الطريق إلى ساحل البحر، فنزلوا هنالك وأدركهم فرعون وجنوده من المصريين وهم هناك حلول على شاطىء اليم، فقلق كثير من بنى إسرائيل حتى قال قائلهم كان بقاؤنا بمصر أحب إلينا من الموت بهذه البرية، وقال موسى عليه السلام لمن قال هذه المقالة: لا تخشوا فإن فرعون وجنوده لا يرجعون إلى بلدهم بعد هذا، قالوا: وأمر الله موسى عليه السلام أن يضرب البحر بعصاه، وأن يقسمه ليدخل بنو إسرائيل فى البحر واليبس، وصار الماء من هاهنا وهاهنا كالجبلين، وصار وسطه يبسًا، لأن الله سلط عليه ريح الجنوب والسموم فجاز بنو إسرائيل البحر واتبعهم فرعون وجنوده، فلما توسطوه أمر الله موسى فضرب البحر بعصاه فرجع الماء كما كان عليهم، لكن عند أهل الكتاب: أن هذا كان فى الليل، وأن البحر ارتطم عليهم عند الصبح، وهذا من غلطهم، وعدم فهمهم فى تعريبهم، والله أعلم، قالوا: ولما أغرق الله فرعون وجنوده حينئذ سبح موسى وبنو إسرائيل بهذا التسبيح للرب، وقالوا: (نسبح الرب البهى الذى قهر الجنود ونبذ فرسانها فى البحر المنيع المحمود)، وهو تسبيح طويل، قالوا: وأخذت مريم النبية أخت هارون دفًا بيدها، وخرج النساء فى أثرها كلهن بدفوف وطبول، وجعلت مريم ترتل لهن وتقول: سبحان الرب القهار الذى قهر الخيول وركبانها إلقاء فى البحر. هكذا رأيته فى كتابهم، ولعل هذا هو من الذى حمل محمد بن كعب القرظى على زعمه، أن مريم بنت عمران أم عيسى هى أخت هارون وموسى مع قوله: {يا أخت هارون}. وقد بينا غلطه فى ذلك وأن هذا لا يمكن أن يقال ولم يتابعه أحد عليه، بل كل واحد خالفه فيه، ولو قدر أن هذا محفوظ فهذه مريم بنت عمران أخت موسى وهارون عليهما السلام، وأم عيسى عليها السلام، وافقتها فى الاسم واسم الأب واسم الأخ، لأنهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمغيرة بن شعبة لما سأله أهل نجران عن قوله: يا أخت هارون، فلم يدر ما يقول لهم حتى سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: (أما علمت أنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم). رواه مسلم. وقولهم: النبية كما يقال للمرأة من بيت الملك ملكة، ومن بيت الإمرة أميرة، وإن لم تكن مباشرة شيئًا من ذلك، فكذا هذه استعارة لها، لا أنها نبية حقيقة يوحى إليها، وضربها بالدف فى مثل هذا اليوم الذى هو أعظم الأعياد عندهم، دليل على أنه قد كان شرع من قبلنا ضرب الدف فى العيد، وهذا مشروع لنا أيضًا فى حق النساء، لحديث الجاريتين اللتين كانتا عند عائشة تضربان بالدف فى أيام منى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجع مولى ظهره إليهم ووجهه إلى الحائط، فلما دخل أبو بكر زجرهن، وقال: أبمزمور الشيطان فى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: (دعهن يا أبا بكر، فإن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا). وهكذا يشرع عندنا فى الأعراس، ولقدوم الغياب، كما هو مقرر فى موضعه، والله أعلم.

وذكروا أنهم لما جاوزوا البحر وذهبوا قاصدين إلى بلاد الشام مكثوا ثلاثة أيام لا يجدون ماء، فتكلم من تكلم منهم بسبب ذلك، فوجدوا ماء زعاقًا أجاجًا لم يستطيعوا شربه، فأمر الله موسى فأخذ خشبة فوضعها فيه فحلا وساغ شربه، وعلمه الرب هنالك فرائض وسننا ووصاه وصايا كثيرة. وقد قال الله تعالى فى كتابه العزيز المهيمن على ما عداه من الكتب: {وجاوزنا ببنى إسرائيل البحر فاتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا الها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون} قالوا هذا الجهل والضلال، وقد عاينوا من آيات الله وقدرته ما دلهم على صدق ما جاءهم به رسول ذى الجلال والإكرام، وذلك أنهم مروا على قوم يعبدون أصنامًا، قيل: كانت على صور البقر، فكأنهم سألوهم لم يعبدونها، فزعموا لهم أنها تنفعهم وتضرهم ويسترزقون بها عند الضرورات، فكأن بعض الجهال منهم صدقوهم فى ذلك، فسألوا نبيهم الكليم الكريم العظيم أن يجعل لهم آلهة كما لأولئك آلهة، فقال لهم مبينًا لهم أنهم لا يعقلون، ولا يهتدون: {إن هؤلاء متبر ما فيه، وباطل ما كانوا يعملون}، ثم ذكرهم نعمة الله عليهم فى تفضيله إياهم على عالمى زمانهم بالعلم والشرع، والرسول الذى بين أظهرهم وما أحسن به إليهم، وما امتن به عليهم، من إنجائهم من قبضة فرعون الجبار العنيد، وإهلاكه إياه وهم ينظرون، وتوريثه إياهم ما كان فرعون وملؤه يجمعونه من الأموال والسعادة، وما كانوا يعرشون، وبين لهم أنه لا تصلح العبادة إلا لله وحده لا شريك له، لأنه الخالق الرازق القهار، وليس كل بنى إسرائيل سأل هذا السؤال بل هذا الضمير عائد على الجنس فى قوله: {وجاوزنا ببنى إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة} أى قال بعضهم، كما فى قوله: {وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا} فالذين زعموا هذا بعض الناس لا كلهم.

وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهرى، عن سنان بن أبى سنان الديلى، عن أبى واقد الليثى، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حنين، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها، فقال النبى صلى الله عليه وسلم : (الله أكبر هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، إنكم تركبون سنن الذين من قبلكم). ورواه النسائى عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به. ورواه الترمذى عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومى، عن سفيان بن عيينة، عن الزهرى به. ثم قال: حسن صحيح. وقد روى ابن جرير من حديث محمد بن إسحاق ومعمر وعقيل، عن الزهرى، عن سنان بن أبى سنان، عن أبى واقد الليثى، أنهم خرجوا من مكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، قال: وكان للكفار سدرة يعكفون عندها، ويعلقون بها أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط، قال: فمررنا بسدرة خضراء عظيمة، قال: فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط. قال: (قلتم: والذى نفسى بيده، كما قال قوم موسى لموسى: {اجعل لنا إلها كما لهم آلهةً قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون}).

والمقصود: أن موسى عليه السلام لما انفصل من بلاد مصر وواجه بلاد بيت المقدس، وجد فيها قومًا من الجبارين من الحيثانيين والفزاريين والكنعانيين وغيرهم، فأمرهم موسى عليه السلام بالدخول عليهم ومقاتلتهم وإجلائهم إياهم عن بيت المقدس، فإن الله كتبه لهم، ووعدهم إياه على لسان إبراهيم الخليل، أو موسى الكليم الجليل، فأبوا ونكلوا عن الجهاد، فسلط الله عليهم الخوف وألقاهم فى التيه يسيرون ويحلون ويرتحلون ويذهبون ويجيئون فى مدة من السنين طويلة هى من العدد أربعون، كما قال الله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما أدخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون قال رب إنى لا أملك إلا نفسى وأخى فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون فى الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين} يذكرهم نبى الله نعمة الله عليهم، وإحسانه عليهم بالنعم الدينية والدنيوية، ويأمرهم بالجهاد فى سبيل الله، ومقاتلة أعدائه، فقال: {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم} أى تنكصوا على أعقابكم، وتنكلوا على قتال أعدائكم {فتنقلبوا خاسرين} أى فتخسروا بعد الربح، وتنقصوا بعد الكمال {قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين} أى عتاة كفرة متمردين {وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا فإنا داخلون} خافوا من هؤلاء الجبارين، وقد عاينوا هلاك فرعون، وهو أجبر من هؤلاء وأشد بأسا وأكثر جمعا وأعظم جندا، وهذا يدل على أنهم ملومون فى هذه المقالة ومذمومون على هذه الحالة من الذلة عن مصاولة الأعداء ومقاومة المردة الأشقياء.

وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا آثارا فيها مجازفات كثيرة باطلة يدل العقل والنقل على خلافها من أنهم كانوا أشكالا هائلة ضخامًا جدًا، حتى أنهم ذكروا أن رسل بنى إسرائيل لما قدموا عليهم تلقاهم رجل من رسل الجبارين فجعل يأخذهم واحدًا واحدًا ويلفهم فى أكمامه وحجزة سراويله، وهم اثنا عشر رجلاً، فجاء بهم فنثرهم بين يدى ملك الجبارين، فقال: ما هؤلاء؟ ولم يعرف أنهم من بنى آدم حتى عرفوه، وكل هذه هذيانات وخرافات لا حقيقة لها، وأن الملك بعث معهم عنبا كل عنبةً تكفى الرجل، وشيئًا من ثمارهم ليعلموا ضخامة أشكالهم، وهذا ليس بصحيح وذكروا هاهنا أن عوج ابن عنق خرج من عند الجبارين إلى بنى إسرائيل ليهلكهم، وكان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة ذراع وثلاثة وثلاثين ذراعا وثلث ذراع، هكذا ذكره البغوى وغيره وليس بصحيح كما قدمنا بيانه عند قوله صلى الله عليه وسلم : (إن الله خلق آدم طوله ستون ذراعًا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن). قالوا: فعمد عوج إلى قمة جبل، فاقتلعها ثم أخذها بيديه ليلقيها على جيش موسى، فجاء طائر فنقر تلك الصخرة فخرقها فصارت طوقًا فى عنق عوج بن عنق، ثم عمد موسى إليه فوثب فى الهواء عشرة أذرع، وطوله عشرة أذرع وبيده عصاه، وطولها عشرة أذرع، فوصل إلى كعب قدمه فقتله، يروى هذا عن عوف البكالى، ونقله ابن جرير عن ابن عباس وفى إسناده إليه نظر. ثم هو مع هذا كله من الإسرائيليات، وكل هذه من وضع جهال بنى إسرائيل، فإن الأخبار الكاذبة قد كثرت عندهم ولا تمييز لهم بين صحتها وباطلها، ثم لو كان هذا صحيحا لكان بنو إسرائيل معذورين فى النكول عن قتالهم، وقد ذمهم الله على نكولهم، وعاقبهم بالتيه على ترك جهادهم، ومخالفتهم رسولهم، وقد أشار عليهم رجلان صالحان منهم بالإقدام، ونهياهم عن الإحجام، ويقال: إنهما يوشع بن نون وكالب بن يوقنا، قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطية والسدى والربيع بن أنس وغير واحد. {قال رجلان من الذين يخافون} أى يخافون الله وقرأ بعضهم: (يخافون) أى يهابون {أنعم الله عليهما} أى بالإسلام والإيمان والطاعة والشجاعة {ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} أى إذا توكلتم على الله واستعنتم به ولجأتم إليه نصركم على عدوكم، وأيدكم عليهم، وأظفركم بهم {قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} فصمم ملاؤهم علىالنكول عن الجهاد، ووقع أمر عظيم، ووهن كبير، فيقال: إن يوشع وكالب لما سمعا هذا الكلام شقا ثيابهما، وإن موسى وهارون سجدا إعظامًا لهذا الكلام وغضبًا لله عز وجل، وشفقة عليهم من وبيل هذه المقالة {قال ربِّ إنى لا أملك إلا نفسى وأخى فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} قال ابن عباس: اقض بينى وبينهم {قال فإنها محرمةٌ عليهم أربعين سنة يتيهون فى الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين} عوقبوا على نكولهم بالتيهان فى الأرض، يسيروا إلى غير مقصد ليلا ونهارا وصباحا ومساء، ويقال: إنه لم يخرج أحد من التيه ممن دخله، بل ماتوا كلهم فى مدة أربعين سنة، ولم يبق إلا ذراريهم سوى يوشع وكالب عليهما السلام، لكن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر لم يقولوا له كما قال قوم موسى لموسى، بل لما استشارهم فى الذهاب إلى النفير تكلم الصديق فأحسن وغيره من المهاجرين، ثم جعل يقول: (أشيروا علىَّ). حتى قال سعد بن معاذ: كأنك تعرض بنا يا رسول الله، فوالذى بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن يلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر فى الحرب صدق فى اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله. فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد وبسطه ذلك.

وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن مخارق بن عبد الله الأحمسى، عن طارق، هو ابن شهاب، أن المقداد قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: يا رسول الله، إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون. وهذا إسناد جيد من هذا الوجه، وله طرق أخرى. قال أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا إسرائيل، عن مخارق، عن طارق بن شهاب، قال: قال عبد الله بن مسعود: لقد شهدت من المقداد مشهدًا، لأن أكون أنا صاحبه أحب إلىَّ مما عدل به، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين، قال: والله يا رسول الله، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} ولكنا نقاتل عن يمينك، وعن يسارك ومن بين يديك، ومن خلفك، فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرق لذلك، وسر بذلك. رواه البخارى فى التفسير والمغازى من طرق عن مخارق به.

وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا على بن الحسن بن على، حدثنا أبو حاتم الرازى، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصارى، حدثنا حميد، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سار إلى بدر استشار المسلمين، فأشار عليه عمر، ثم استشارهم فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار، إياكم يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالوا: إذًا لا نقول له كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} والذى بعثك بالحق إن ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك. رواه الإمام أحمد عن عبيدة بن حميد، عن حميد الطويل، عن أنس به. ورواه النسائى عن محمد بن المثنى، عن خالد بن الحارث، عن حميد، عن أنس به نحوه. وأخرجه ابن حبان فى صحيحه عن أبى يعلى، عن عبد الأعلى بن حماد، عن معتمر، عن حميد، عن أنس به نحوه.

دخول بنى إسرائيل التيه وما فيه من الأمور العجيبة

قد ذكرنا نكول بنى إسرائيل عن قتال الجبارين، وأن الله تعالى عاقبهم بالتيه، وحكم بأنهم لا يخرجون منه إلى أربعين سنة، ولم أر فى كتاب أهل الكتاب قصة نكولهم عن قتال الجبارين، ولكن فيها أن يوشع جهزه موسى لقتال طائفة من الكفار، وأن موسى وهارون وخور جلسوا على رأس أكمة، ورفع موسى عصاه فكلما رفعها انتصر يوشع عليهم، وكلما مالت يده بها من تعب أو نحوه، غلبهم أولئك، وجعل هارون وخور يدعمان يديه عن يمينه وشماله ذلك اليوم إلى غروب الشمس، فانتصر حزب يوشع عليه السلام. وعندهم أن يثرون كاهن مدين وختن موسى عليه السلام، بلغه ما كان من أمر موسى، وكيف أظفره الله بعدوه فرعون، فقدم على موسى مسلمًا ومعه ابنته صفورا زوجة موسى، وابناها منه جرشون وعازر، فتلقاه موسى وأكرمه واجتمع به شيوخ بنى إسرائيل وعظموه وأجلوه، وذكروا أنه رأى كثرة اجتماع بنى إسرائيل على موسى فى الخصومات التى تقع بينهم، فأشار على موسى أن يجعل على الناس رجالاً أمناء أتقياء أعفاء يبغضون الرشاء والخيانة، فيجعلهم على الناس رءوس ألوف، ورءوس مئين، ورءوس خمسين، ورءوس عشرة، فيقضوا بين الناس، فإذا أشكل عليهم أمر جاءوك ففصلت بينهم ما أشكل عليهم، ففعل ذلك موسى عليه السلام، قالوا: ودخل بنو إسرائيل البرية عند سيناء فى الشهر الثالث من خروجهم من مصر، وكان خروجهم فى أول السنة التى شرعت لهم، وهى أول فصل الربيع، فكأنهم دخلوا التيه فى أول فصل الصيف، والله أعلم، قالوا: ونزل بنو إسرائيل حول طور سيناء، وصعد موسى الجبل فكلمه ربه وأمره أن يذكر بنى إسرائيل ما أنعم الله به عليهم من إنجائه إياهم من فرعون وقومه، وكيف حملهم على مثل جناحى نسر من يده وقبضته، وأمره أن يأمر بنى إسرائيل بأن يتطهروا ويغتسلوا ويغسلوا ثيابهم وليستعدوا إلى اليوم الثالث، فإذا كان فى اليوم الثالث فليجتمعوا حول الجبل ولا يقتربن أحد منهم إليه، فمن دنا منه قتل، حتى ولا شىء من البهائم ما داموا يسمعون صوت القرن، فإذا سكن القرن، فقد حل لكم أن ترتقوه، فسمع بنو إسرائيل ذلك وأطاعوا واغتسلوا وتنظفوا وتطيبوا، فلما كان اليوم الثالث ركب الجبل غمامة عظيمة، وفيها أصوات وبروق وصوت الصور شديد جدًا، ففزع بنو إسرائيل من ذلك فزعًا شديدًا، وخرجوا فقاموا فى سفح الجبل، وغشى الجبل دخان عظيم فى وسطه عمود نور، وتزلزل الجبل كله زلزلة شديدة، واستمر صوت الصور، وهو البوق، واشتد وموسى عليه السلام فوق الجبل والله يكلمه ويناجيه، وأمر الرب عز وجل موسى أن ينزل، فأمر بنى إسرائيل أن يقتربوا من الجبل ليسمعوا وصية الله، ويأمر الأحبار، وهم علمائهم، أن يدنوا فيصعدوا الجبل ليتقدموا بالقرب، وهذا نص فى كتابهم على وقوع النسخ لا محالة، فقال موسى: يا رب، إنهم لا يستطيعون أن يصعدوه وقد نهيتهم عن ذلك، فأمره الله تعالى أن يذهب فيأتى معه بأخيه هارون وليكن الكهنة، وهم العلماء، والشعب، وهم بقية بنى إسرائيل، غير بعيد، ففعل موسى وكلمه ربه عز وجل فأمره حينئذٍ بالعشر كلمات.

وعندهم: أن بنى إسرائيل سمعوا كلام الله، ولكن لم يفهموا حتى فهمهم موسى، وجعلوا يقولون لموسى: بلغنا أنت عن الرب عز وجل فإنا نخاف أن نموت، فبلغهم عنه فقال: هذه العشر الكلمات، وهى الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والنهى عن الحلف بالله كاذبا، والأمر بالمحافظة على السبت، ومعناه تفرغ يوم من الأسبوع للعبادة، وهذا حاصل بيوم الجمعة الذى نسخ الله به السبت، أكرم أباك وأمك ليطول عمرك فى الأرض، الذى يعطيك الله ربك لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد على صاحبك شهادة زور، لا تمد عينك إلى بيت صاحبك، ولا تشته امرأة صاحبك، ولا عبده، ولا أمته، ولا ثوره، ولا حماره، ولا شيئًا من الذى لصاحبك، ومعناه النهى عن الحسد، وقد قال كثير من علماء السلف وغيرهم: مضمون هذه العشر الكلمات فى آيتين من القرآن، وهما قوله تعالى فى سورة الأنعام: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلك وصاكم به لعلكم تذكرون وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه} الآية، وذكروا بعد العشر الكلمات، وصايا كثيرة وأحكامًا متفرقة عزيزة، كانت فزالت، وعملت بها حينا من الدهر، ثم طرأ عليها عصيان من المكلفين بها، ثم عمدوا إليها فبدلوها وحرفوها وأولوها، ثم بعد ذلك كله سلبوها، فصارت منسوخة مبدلة بعدما كانت مشروعة مكملة، فلله الأمر من قبل ومن بعد، وهو الذى يحكم ما يشاء، ويفعل ما يريد ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين.

وقد قال الله تعالى: {يا بنى إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبى ومن يحلل عليه غضبى فقد هوى وإنى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى} يذكر تعالى مِنّته وإحسانه إلى بنى إسرائيل بما أنجاهم من أعدائهم وخلصهم من الضيق والحرج، وأنه وعدهم صحبة نبيهم إلى جانب الطور الأيمن، أى منهم لينزل عليه أحكامًا عظيمة فيها مصلحة لهم فى دنياهم وأخراهم، وأنه تعالى أنزل عليهم فى حال شدتهم وضرورتهم فى سفرهم فى الأرض التى ليس فيها زرع ولا ضرع مَنّا من السماء يصبحون فيجدونه خلال بيوتهم، فيأخذون منه قدر حاجتهم فى ذلك اليوم إلى مثله من الغد ومن ادخر منه لأكثر من ذلك فسد، ومن أخذ منه قليلاً كفاه أو كثيرًا لم يفضل عنه، فيصنعون منه مثل الخبز وهو فى غاية البياض والحلاوة، فإذا كان من آخر النهار غشيهم طير السلوى، فيقتنصون منه بلا كلفة ما يحتاجون إليه حسب كفايتهم لعشاهم.

وإذا كان فصل الصيف ظلل الله عليهم الغمام، وهو السحاب الذى يستر عنهم حر الشمس وضوءها الباهر، كما قال تعالى فى سورة البقرة: {يا بنى إسرائيل اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم وإياى فارهبون وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتى ثمنا قليلا وإياى فاتقون}، إلى أن قال: {وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}، إلى أن قال: {وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا فى الأرض مفسدين وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} فذكر تعالى إنعامه عليهم، وإحسانه إليهم بما يسر لهم من المن والسلوى طعامين شهيين بلا كلفة، ولا سعى لهم فيه، بل ينزل الله المن باكرًا ويرسل عليهم طير السلوى عشيًا، وأنبع الماء لهم بضرب موسى عليه السلام حجرًا كانوا يحملونه معهم بالعصا، فتفجر منه اثنتا عشرة عينًا، لكل سبط عين منه تنبجس، ثم تنفجر ماءًا زلالاً فيستقون ويسقون دوابهم ويدخرون كفايتهم، وظلل عليهم الغمام من الحر، وهذه نعم من الله عظيمة وعطيات جسيمة، فما رعوها حق رعايتها، ولا قاموا بشكرها وحق عبادتها، ثم ضجر كثير منها وتبرموا بها، وسألوا أن يستبدلوا منها ببدلها، مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، فقرعهم الكليم ووبخهم وأنبهم على هذه المقالة وعنفهم، قائلاً: {أتستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خير اهبطوا مصرًا فإن لكم ما سألتم} أى هذا الذى تطلبونه وتريدونه بدل هذه النعم التى أنتم فيها حاصل لأهل الأمصار الصغار والكبار موجود بها، وإذا هبطتم إليها أى ونزلتم عن هذه المرتبة التى لا تصلحون لمنصبها تجدون بها ما تشتهون، وما ترومون مما ذكرتم من المآكل الدنية، والأغذية الردية، ولكنى لست أجيبكم إلى سؤال ذلك هاهنا ولا أبلغكم ما تعنتم به من المنى، وكل هذه الصفات المذكورة عنهم الصادرة منهم تدل على أنهم لم ينتهوا عما نهوا عنه، كما قال تعالى: {ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبى ومن يحلل عليه غضبى فقد هوى} أى فقد هلك وحق له والله الهلاك والدمار، وقد حل عليه غضب الملك الجبار، ولكنه تعالى مزج هذا الوعيد الشديد بالرجاء لمن أناب وتاب، ولم يستمر على متابعة الشيطان المريد، فقال: {وإنى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى}.

 

التالى

1