قال تعالى: {وتفقد الطير فقال ما لى لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لأعذبنه عذابًا شديدًا أو لأذبحنه أو ليأتينى بسلطان مبين فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين إنى وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شىء ولها عرش عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون ألا يسجدوا لله الذى يخرج الخبء فى السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين اذهب بكتابى هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون قالت يا أيها الملأ إنى ألقى إلى كتاب كريم إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علىَّ وأتونى مسلمين قالت يا أيها الملأ أفتونى فى أمرى ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظرى ماذا تأمرين قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون وإنى مرسلة إليهم بهدية فناظرة بما يرجع المرسلون فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتانى الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون}.

يذكر تعالى ما كان من أمر سليمان والهدهد، وذلك أن الطيور كان على كل صنف منها مقدمون يقومون بما يطلب منهم، ويحضرون عنده بالنوبة كما هى عادة الجنود مع الملوك، وكانت وظيفة الهدهد على ما ذكره ابن عباس وغيره، إنهم كانوا إذا أعوزوا الماء فى القفار فى حال الأسفار يجىء فينظر لهم، هل بهذه البقاع من ماء؟ وفيه من القوة التى أودعها الله تعالى فيه أن ينظر إلى الماء تحت تخوم الأرض، فإذا دلهم عليها حفروا عنه واستنبطوه وأخرجوه واستعملوه لحاجتهم، فلما تطلبه سليمان عليه السلام ذات يوم فقده ولم يجده فى موضعه من محل خدمته، {فقال ما لى لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين}، أى ما له مفقود من هاهنا، أو قد غاب عن بصرى فلا أراه بحضرتى {لأعذبنه عذابًا شديدًا} توعده بنوع من العذاب اختلف المفسرون فيه، والمقصود حاصل على كل تقدير، {أو لأذبحنه أو ليأتينى بسلطان مبين}، أى بحجة تنجيه من هذه الورطة.

قال الله تعالى: {فمكث غير بعيد}، أى فغاب الهدهد غيبة ليست بطويلة، ثم قدم منها، {فقال} لسليمان: {أحطت بما لم تحط به}، أى اطلعت على ما لم تطلع عليه، {وجئتك من سبأ بنبأ يقين}، أى بخبر صادق، {إنى وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شىء ولها عرش عظيم}، يذكر ما كان عليه ملوك سبأ فى بلاد اليمن من المملكة العظيمة والتبابعة المتوجين، وكان الملك قد آل فى ذلك الزمان إلى امرأة منهم، ابنة ملكهم، لم يخلف غيرها، فملكوها عليهم.

وذكر الثعلبى وغيره: أن قومها ملكوا عليهم بعد أبيها رجلاً، فعم به الفساد، فأرسلت إليه تخطبه فتزوجها، فلما دخلت عليه سقته خمرًا، ثم حزت رأسه ونصبته على بابها، فأقبل الناس عليها وملكوها عليهم، وهى: بلقيس بنت السيرح، وهو الهدهاد، وقيل: شراحيل بن ذى جدن بن السيرح بن الحرث بن قيس بن صيفى بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وكان أبوها من أكابر الملوك، وكان يأبى أن يتزوج من أهل اليمن، فيقال: إنه تزوج بامرأة من الجن اسمها ريحانة بنت السكن، فولدت له هذه المرأة، واسمها: تلقمة، ويقال لها: بلقيس. وقد روى الثعلبى من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم ، أنه قال: (كان أحد أبوى بلقيس جنيًا). وهذا حديث غريب وفى سنده ضعف.

وقال الثعلبى: أخبرنى أبو عبد الله بن قبحونة، حدثنا أبو بكر بن جرجة، حدثنا ابن أبى الليث، حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن أبى بكرة، قال: ذكرت بلقيس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة). إسماعيل بن مسلم هذا هو المكى ضعيف. وقد ثبت فى صحيح البخارى من حديث عوف، عن الحسن، عن أبى بكرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن أهل فارس ملكوا عليهم ابنة كسرى، قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة). ورواه الترمذى والنسائى من حديث حميد، عن الحسن، عن أبى بكرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم . وقال الترمذى: حسن صحيح.

وقوله: {وأوتيت من كل شىء}، أى مما من شأنه أن تؤتاه الملوك، {ولها عرش عظيم}، يعنى سرير مملكتها، كان مزخرفًا بأنواع الجواهر واللآلئ والذهب والحلى الباهر، ثم ذكر كفرهم بالله وعبادتهم الشمس من دون الله وإضلال الشيطان لهم وصده إياهم عن عبادة الله وحده لا شريك له {الذى يخرج الخبء فى السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون}، أى يعلم السرائر والظواهر من المحسوسات والمعنويات، {الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم}، أى له العرش العظيم الذى لا أعظم منه فى المخلوقات، فعند ذلك بعث معه سليمان عليه السلام كتابه يتضمن دعوته لهم إلى طاعة الله وطاعة رسوله، والإنابة والإذعان إلى الدخول فى الخضوع لملكه وسلطانه، ولهذا قال لهم: {ألا تعلوا علىَّ}، أى لا تستكبروا عن طاعتى وامتثال أوامرى، {وأتونى مسلمين}، أى وأقدموا علىَّ سامعين مطيعين بلا معاودة ولا مراودة.

فلما جاءها الكتاب مع الطير، ومن ثم اتخذ الناس البطائق، ولكن أين الثريا، من الثرى، تلك البطاقة كانت مع طائر سامع مطيع فاهم عالم بما يقول ويقال له. فذكر غير واحد من المفسرين وغيرهم: أن الهدهد حمل الكتاب وجاء إلى قصرها، فألقاه إليها وهى فى خلوة لها، ثم وقف ناحية ينتظر ما يكون من جوابها عن كتابها، فجمعت أمراءها ووزراءها وأكابر دولتها إلى مشورتها، {قالت يا أيها الملأ إنى ألقى إلىَّ كتاب كريم}، ثم قرأت عليهم عنوانه أولاً {إنه من سليمان}، ثم قرأته {وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علىَّ وأتونى مسلمين}، ثم شاورتهم فى أمرها وما قد حل بها، وتأدبت معهم وخاطبتهم وهم يسمعون، {قالت يا أيها الملأ أفتونى فى أمرى ما كنت قاطعة أمرًا حتى تشهدون} تعنى ما كنت لأبت أمرًا إلا وأنتم حاضرون، {قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد}، يعنون لنا قوة وقدرة على الجلاد والقتال ومقاومة الأبطال، فإن أردت منا ذلك، فإنا عليه من القادرين، {و} مع هذا {الأمر إليك فانظرى ماذا تأمرين}، فبذلوا لها السمع والطاعة، وأخبروها بما عندهم من الاستطاعة، وفوضوا إليها فى ذلك الأمر لترى فيه ما هو الأرشد لها ولهم، فكان رأيها أتم وأسد من رأيهم، وعلمت أن صاحب هذا الكتاب لا يغالب ولا يمانع ولا يخالف ولا يخادع {قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون}، تقول برأيها السديد: إن هذا الملك لو قد غلب على هذه المملكة، لم يخلص الأمر من بينكم إلا إلىَّ، ولم تكن الحدة والشدة والسطوة البليغة إلا علىَّ {وإنى مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون}، أرادت أن تصانع عن نفسها وأهل مملكتها بهدية ترسلها وتحف تبعثها، ولم تعلم أن سليمان عليه السلام لا يقبل منهم والحالة هذه صرفًا ولا عدلاً؛ لأنهم كافرون وهو وجنوده عليهم قادرون، ولهذا {فلما جاء سليمان قال اتمدونن بمال فما آتانى الله خيرًا مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون}.

هذا وقد كانت تلك الهدايا مشتملة على أمور عظيمة كما ذكره المفسرون، ثم قال لرسولها إليه ووافدها الذى قدم عليه والناس حاضرون يسمعون: {ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون}، يقول: ارجع بهديتك التى قدمت بها إلى من قد مَنَّ بها، فإن عندى مما قد أنعم الله علىَّ وأسداه إلىَّ من الأموال والتحف والرجال ما هو أضعاف هذا وخير من هذا الذى أنتم تفرحون به وتفخرون على أبناء جنسكم بسببه {فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها}، أى فلأبعثن إليهم بجنود لا يستطيعون دفاعهم ولا نزالهم ولا ممانعتهم ولا قتالهم، ولأخرجنهم من بلدهم وحوزتهم ومعاملتهم ودولتهم أذلة {وهم صاغرون} عليهم الصغار والعار والدمار.

فلما بلغهم ذلك عن نبى الله، لم يكن لهم بد من السمع والطاعة، فبادروا إلى إجابته فى تلك الساعة، وأقبلوا بصحبة الملكة أجمعين سامعين مطيعين خاضعين، فلما سمع بقدومهم عليه ووفودهم إليه، قال لمن بين يديه ممن هو مسخر له من الجان ما قصه الله عنه فى القرآن: {قال يا أيها الملأ أيكم يأتينى بعرشها قبل أن يأتونى مسلمين قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإنى عليه لقوى أمين قال الذى عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرًا عنده قال هذا من فضل ربى ليبلونى أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربى غنى كريم قال نكروا لها عشرها ننظر أتهتدى أم تكون من الذين لا يهتدون فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم ن قبلها وكنا مسلمين وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين قيل لها ادخلى الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إنى ظلمت نفسى وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين}.

لما طلب سليمان من الجان أن يحضروا له عرش بلقيس، وهو سرير مملكتها التى تجلس عليه وقت حكمها قبل قدومها عليه، {قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك}، يعنى قبل أن ينقضى مجلس حكمك، وكان فيما يقال: من أول النهار إلى قريب الزوال، يتصدى لمهمات بنى إسرائيل وما لهم من الأشغال، {وإنى عليه لقوى أمين}، أى وإنى لذو قدرة على إحضاره إليك وأمانة على ما فيه من الجواهر النفيسة لديك، {قال الذى عنده علم من الكتاب}، المشهور أنه آصف بن برخيا، وهو ابن خالة سليمان، وقيل: هو رجل من مؤمنى الجان، كان فيما يقال: يحفظ الاسم الأعظم، وقيل: رجل من بنى إسرائيل من علمائهم، وقيل: إنه سليمان، وهذا غريب جدًا، وضعفه السهيلى بأنه لا يصح فى سياق الكلام.

قال: وقد قيل فيه قول رابع، وهو: جبريل. {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك}. قيل: معناه قبل أن تبعث رسولاً إلى أقصى ما ينتهى إليه طرفك من الأرض ثم يعود إليك، وقيل: قبل أن يصل إليك أبعد من تراه من الناس، وقيل: قبل أن يكل طرفك إذا أدمت النظر به قبل أن تطبق جفنك، وقيل: قبل أن يرجع إليك طرفك إذا نظرت به إلى أبعد غاية منك ثم أغمضته، وهذا أقرب ما قيل.

{فلما رآه مستقرًا عنده}، أى فلما رأى عرش بلقيس مستقرًا عنده فى هذه المدة القريبة من بلاد اليمن إلى بيت المقدس فى طرفة عين، {قال هذا من فضل ربى ليبلونى أأشكر أم أكفر}، أى هذا من فضل الله علىَّ وفضله على عبيده، ليختبرهم على الشكر أو خلافه {ومن شكر فإنما يشكر لنفسه}، أى إنما يعود نفع ذلك عليه {ومن كفر فإن ربى غنى كريم}، أى غنى عن شكر الشاكرين ولا يتضرر بكفر الكافرين. ثم أمر سليمان عليه السلام أن يغير حلى هذا العرش وينكر لها، ليختبر فهمها وعقلها، ولهذا قال: {ننظر أتهتدى أم تكون من الذين لا يهتدون فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو}، وهذا من فطنتها وغزارة فهمها؛ لأنها استبعدت أن يكون عرشها؛ لأنها خلفته وراءها بأرض اليمن، ولم تكن تعلم أن أحدًا يقدر على هذا الصنع العجيب الغريب.

قال الله تعالى إخبارًا عن سليمان وقومه: {وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين}، أى ومنعها عبادة الشمس التى كانت تسجد لها هى وقومها من دون الله، اتباعًا لدين آبائهم وأسلافهم، لا لدليل قادهم إلى ذلك ولا حداهم على ذلك، وكان سليمان قد أمر ببناء صرح من زجاج، وعمل فى ممره ماء، وجعل عليه سقفًا من زجاج وجعل فيه من السمك وغيرها من دواب الماء، وأمرت بدخول الصرح وسليمان جالس على سريره فيه {فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إنى ظلمت نفسى وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين}، وقد قيل: إن الجن أرادوا أن يبشعوا منظرها عند سليمان، وأن تبدى عن ساقيها ليرى ما عليها من الشعر فينفره ذلك منها، وخشوا أن يتزوجها؛ لأن أمها من الجان، فتتسلط عليهم معه.

وذكر بعضهم: أن حافرها كان كحافر الدابة، وهذا ضعيف، وفى الأول أيضًا نظر، والله أعلم. إلا أن سليمان قيل: إنه لما أراد إزالته حين عزم على تزوجها سأل الإنس عن زواله، فذكروا له الموسى، فامتنعت من ذلك، فسأل الجان، فصنعوا له النورة، ووضعوا له الحمام، فكان أول من دخل الحمام، فلما وجد مسه قال: أوه من عذاب أوه أوه قبل أن لا ينفع أوه. رواه الطبرانى مرفوعًا وفيه نظر.

وقد ذكر الثعلبى وغيره: أن سليمان لما تزوجها أقرها على مملكة اليمن وردها إليه، وكان يزورها فى كل شهر مرة، فيقيم عندها ثلاثة أيام ثم يعود على البساط، وأمر الجان فبنوا له ثلاثة قصور باليمن: غمدان وسالحين وبيتون، فالله أعلم. وقد روى ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه: أن سليمان لم يتزوجها، بل زوجها بملك همدان، وأقرها على ملك اليمن، وسخر زوبعة ملك جن اليمن فبنى لها القصور الثلاثة التى ذكرناها باليمن، والأول أشهر وأظهر، والله أعلم.

وقال تعالى فى سورة ص: {ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب إذ عرض عليه بالعشى الصافنات الجياد فقال إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربى حتى توارت بالحجاب ردوها علىَّ فطفق مسحًا بالسوق والأعناق ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدًا ثم أناب قال رب اغفر لى وهب لى ملكًا لا ينبغى لأحد من بعدى إنك أنت الوهاب فسخرنا له الريح تجرى بأمره رخاء حيث أصاب والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين فى الأصفاد هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب وان له عندنا لزلفى وحسن مآب}. يذكر تعالى أنه وهب لداود سليمان عليهما السلام، ثم أثنى الله عليه تعالى، فقال: {نعم العبد إنه أواب}، أى رجاع مطيع لله.

ثم ذكر تعالى ما كان من أمره فى الخيل الصافنات، وهى التى تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة. الجياد: وهى المضمرة السراع، {فقال إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربى حتى توارت بالحجاب}، يعنى الشمس، وقيل: الخيل على ما سنذكره من القولين. {ردوها علىَّ فطفق مسحًا بالسوق والأعناق}، قيل: مسح عراقيبها وأعناقها بالسيوف، وقيل: مسح عنها العرق لما أجراها وسابق بينها وبين يديه على القول الآخر، والذى عليه أكثر السلف الأول، فقالوا: اشتغل بعرض تلك الخيول، حتى خرج وقت العصر وغربت الشمس. روى هذا عن علىَّ بن أبى طالب وغيره، والذى يقطع به أنه لم يترك الصلاة عمدًا من غير عذر، اللهم إلا أن يقال: إنه كان سائغًا فى شريعتهم، فأخر الصلاة لأجل أسباب الجهاد، وعرض الخيل من ذلك.

وقد ادعى طائفة من العلماء فى تأخير النبى صلى الله عليه وسلم صلاة العصر يوم الخندق: أن هذا كان مشروعًا إذ ذاك حتى نسخ بصلاة الخوف. قاله الشافعى وغيره. وقال مكحول والأوزاعى: بل هو حكم محكم إلى اليوم أنه يجوز تأخيرها بعذر القتال الشديد، كما ذكرنا تقرير ذلك فى سورة النساء عند صلاة الخوف.

وقال آخرون: بل كان تأخير النبى صلى الله عليه وسلم صلاة العصر يوم الخندق نسيانًا، وعلى هذا فيحمل فعل سليمان عليه السلام على هذا، والله أعلم. وأما من قال: الضمير فى قوله: {حتى توارت بالحجاب} عائد على الخيل، وأنه لم تفته وقت صلاة، وأن المراد بقوله: {ردوها علىَّ فطفق مسحًا بالسوق والأعناق}، يعنى مسح العرق عن عراقيبها وأعناقها، فهذا القول اختاره ابن جرير، ورواه الوالبى، عن ابن عباس فى مسح العرق.

ووجه هذا القول ابن جرير بأنه ما كان ليعذب الحيوان بالعرقبة ويهلك مالاً بلا سبب ولا ذنب لها، وهذا الذى قاله فيه نظر؛ لأنه قد يكون هذا سائغًا فى ملتهم، وقد ذهب بعض علمائنا إلى أنه إذا خاف المسلمون أن يظفر الكفار على شىء من الحيوانات من أغنام ونحوها، جاز ذبحها وإهلاكها لئلا يتقووا بها، وعليه حمل صنيع جعفر بن أبى طالب يوم عقر فرسه بمؤته، وقد قيل: إنها كانت خيلاً عظيمة، قيل: كانت عشرة آلاف فرس، وقيل: عشرين ألف فرس، وقيل: كان فيها عشرون فرسًا من ذوات الأجنحة.

وقد روى أبو داود فى سننه: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا سعيد بن أبى مريم، أنبأنا يحيى بن أيوب، حدثنى عمارة بن عزية، أن محمد بن إبراهيم حدثه عن محمد بن أبى سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة قالت: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أو خيبر، وفى سهوتها ستر، فهبت الريح، فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة تلعب، فقال: (ما هذا يا عائشة؟)، فقالت: بناتى، ورأى بينهن فرسًا له جناحان من رقاع، فقال: (ما هذا الذى أرى وسطهن؟)، قالت: فرس، قال: (وما الذى عليه هذا؟)، قالت: جناحان، قال: (فرس له جناحان؟)، قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلاً لها أجنحة؟ قالت: فضحك حتى رأيت نواجذه صلى الله عليه وسلم . وقال بعض العلماء: لما ترك الخيل لله، عوضه الله عنها بما هو خير له منها، وهو الريح التى كانت غدوها شهرًا ورواحها شهرًا، كما سيأتى الكلام عليها.

كما قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن أبى قتادة وأبى الدهماء، وكانا يكثران السفر نحو البيت، قالا: أتينا على رجل من أهل البادية، فقال البدوى: أخذ بيدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل يعلمنى مما علمه الله عز وجل، وقال: (إنك لا تدع شيئًا اتقاء الله عز وجل إلا أعطاك الله خيرًا منه).

وقوله تعالى: {ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدًا ثم أناب}. ذكر ابن جرير وابن أبى حاتم وغيرهما من المفسرين هاهنا آثارًا كثيرة عن جماعة من السلف، وأكثرها أو كلها متلقاة من الإسرائيليات، وفى كثير منها نكارة شديدة، وقد نبهنا على ذلك فى كتابنا التفسير، واقتصرنا هاهنا على مجرد التلاوة. ومضمون ما ذكروه: أن سليمان عليه السلام غاب عن سريره أربعين يومًا ثم عاد إليه، ولما عاد أمر ببناء بيت المقدس، فبناه بناء محكمًا، وقد قدمنا أنه جدده، وأن أول من جعله مسجدًا إسرائيل عليه السلام كما ذكرنا ذلك عند قول أبى ذر: قلت: يا رسول الله، أى مسجد وضع أول؟ قال: (المسجد الحرام)، قلت: ثم أى؟ قال: (مسجد بيت المقدس)، قلت: كم بينهما؟ قال: (أربعون سنة).

ومعلوم أن بين إبراهيم الذى بنى المسجد الحرام، وبين سليمان بن داود عليهما السلام أزيد من ألف سنة دع أربعين سنة. وكان سؤاله الملك الذى لا ينبغى لأحد من بعده إكماله البيت المقدس، كما قال الإمام أحمد والنسائى وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والحاكم بأسانيدهم، عن عبد الله بن فيروز الديلمى، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن سليمان لما بنى بيت المقدس سأل ربه عز وجل خلالاً ثلاثًا فأعطاه اثنتين، ونحن نرجو أن تكون لنا الثالثة، سأله حكمًا يصادف حكمه فأعطاه إياه، وسأله ملكًا لا ينبغى لأحد من بعده فأعطاه إياه، وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة فى هذا المسجد خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه، فنحن نرجو أن يكون الله قد أعطانا إياها)، فأما الحكم الذى يوافق حكم الله تعالى، فقد أثنى الله تعالى عليه وعلى أبيه فى قوله: {وداود وسليمان إذ يحكمان فى الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكمًا وعلمًا}.

وقد ذكر شريح القاضى وغير واحد من السلف: أن هؤلاء القوم كان لهم كرم نفشت فيه غنم قوم آخرين، أى رعته بالليل، فأكلت شجرة بالكلية، فتحاكموا إلى داود عليه السلام، فحكم لأصحاب الكرم بقيمته، فلما خرجوا على سليمان، قال: بما حكم لكم نبى الله؟ فقالوا: بكذا وكذا، فقال أما لو كنت أنا لما حكمت إلا بتسليم الغنم إلى أصحاب الكرم فيستغلونها نتاجًا ودرًا، حتى يصلح أصحاب الغنم كرم أولئك ويردوه إلى ما كان عليه، ثم يتسلموا غنمهم، فبلغ داود عليه السلام ذلك، فحكم به.

وقريب من هذا ما ثبت فى الصحيحين من حديث أبى الزناد، عن الأعرج، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (بينما امرأتان معهما ابناهما، إذ عدا الذئب فأخذ ابن إحداهما، فتنازعتا فى الآخر، فقالت الكبرى: إنما ذهب بابنك، وقالت الصغرى: بل إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود، فحكم به للكبرى، فخرجتا على سليمان، فقال: ائتونى بالسكين أشقه نصفين، لكل واحدة منكما نصفه، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها، فقضى به لها)، ولعل كلا من الحكمين كان سائغًا فى شريعتهم، ولكن ما قاله سليمان أرجح، ولهذا أثنى الله عليه بما ألهمه إياه ومدح بعد ذلك أباه، فقال: {وكلاً آتينا حكمًا وعلمًا وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون}، ثم قال: {ولسليمان الريح عاصفة}، أى وسخرنا لسليمان الريح عاصفة {تجرى بأمره إلى الأرض التى باركنا فيها وكنا بكل شىء عالمين ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملاً دون ذلك وكنا لهم حافظين}.

وقال فى سورة ص: {فسخرنا له الريح تجرى بأمره رخاء حيث أصاب والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين فى الأصفاد هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب}، لما ترك الخيل ابتغاء وجه الله، عوضه الله منها الريح التى هى أسرع سيرًا وأقوى وأعظم، ولا كلفة عليه لها {تجرى بأمره رخاء حيث أصاب}، أى حيث أراد من أى البلاد. كان له بساط مركب من أخشاب، بحيث إنه يسع جميع ما يحتاج إليه من الدور المبنية والقصور والخيام والأمتعة والخيول والجمال والأثقال والرجال من الإنس والجان وغير ذلك من الحيوانات والطيور، فإذا أراد سفرًا أو مستنزهًا أو قتال ملك أو أعداء من أى بلاد الله شاء، فإذا حمل هذه الأمور المذكورة على البساط أمر الريح، فدخلت تحته فرفعته، فإذا استقل بين السماء والأرض أمر الرخاء فسارت به، فإن أراد أسرع من ذلك أمر العاصفة فحملته أسرع ما يكون، فوضعته فى أى مكان شاء، بحيث إنه كان يرتحل فى أول النهار من بيت المقدس فتغدو به الريح فتضعه بإصطخر مسيرة شهر، فيقيم هناك إلى آخر النهار، ثم يروح من آخره، فترده إلى بيت المقدس، كما قال تعالى: {ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرًا وقليل من عبادى الشكور}.

قال الحسن البصرى: كان يغدو من دمشق فينزل بإصطخر فيتغدى بها، ويذهب رائحًا منها، فيبيت بكابل، وبين دمشق وبين اصطخر مسيرة شهر، وبين إصطخر وكابل مسيرة شهر. قلت: قد ذكر المتكلمون على العمران والبلدان، أن إصطخر بنتها الجان لسليمان، وكان فيها قرار مملكة الترك قديمًا، وكذلك غيرها من بلدان شتى، كتدمر وبيت المقدس وباب جبرون وباب البريد اللذان بدمشق على أحد الأقوال.

وأما القطر، فقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وغير واحد: هو النحاس. قال قتادة: وكانت باليمن، أنبعها الله له. قال السدى: ثلاثة أيام فقط أخذ منها جميع ما يحتاج إليه للبنايات وغيرها، وقوله: {ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير}، أى وسخر الله له من الجن عمالاً يعملون له ما يشاء، لا يفترون ولا يخرجون عن طاعته، ومن خرج منهم عن الأمر عذبه ونكل به، {يعملون له ما يشاء من محاريب}، وهى الأماكن الحسنة وصدور المجالس، {وتماثيل}، وهى الصور فى الجدران، وكان هذا سائغًا فى شريعتهم وملتهم، {وجفان كالجواب}. قال ابن عباس: الجفنة كالجوبة من الأرض. وعنه: كالحياض، وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم، وعلى هذه الرواية يكون الجواب جمع جابية، وهى الحوض الذى يجبى فيه الماء، كما قال الأعشى:

تــروح علــى آل المحلـق جفنـــة

كجابيــة الشيــخ العراقــى يفهـق

وأما القدور الراسيات، فقال عكرمة: أثافيها منها، يعنى أنهن ثوابت لا يزلن عن أماكنهن، وهكذا قال مجاهد وغير واحد، ولما كان هذا بصدد إطعام الطعام والإحسان إلى الخلق من إنسان وجان، قال تعالى: {اعملوا آل داود شكرًا وقليل من عبادى الشكور}، وقال تعالى: {والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين فى الأصفاد}، يعنى أن منهم من قد سخره فى البناء، ومنهم من يأمره بالغوص فى الماء لاستخراج ما هنالك من الجواهر والآلئ، وغير ذلك مما لا يوجد إلا هنالك.

وقوله: {وآخرين مقرنين فى الأصفاد}، أى قد عصوا فقيدوا مقرنين اثنين اثنين، فى الأصفاد وهى القيود. هذا كله من جملة ما هيأه الله وسخر له من الأشياء التى هى من تمام الملك الذى لا ينبغى لأحد من بعده ولم يكن أيضًا لمن كان قبله.

وقد قال البخارى: ثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن محمد ابن زياد، عن أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (إن عفريتًا من الجن تفلت علىَّ البارحة ليقطع على صلاتى، فأمكننى الله منه فأخذته، فأردت أن أربطه إلى سارية من سوارى المسجد حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخى سليمان: {رب اغفر لى وهب لى ملكًا لا ينبغى لأحد من بعدى}، فرددته خاسئًا). وكذا رواه مسلم والنسائى من حديث شعبة.

وقال مسلم: حدثنا محمد بن سلمة المرادى، حدثنا عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح، حدثنى ربيعة بن يزيد، عن أبى إدريس الخولانى، عن أبى الدرداء، قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى، فسمعناه يقول: (أعوذ بالله منك ألعنك بلعنة الله) ثلاثًا، وبسط يده كأنه يتناول شيئًا، فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله، سمعناك تقول فى الصلاة شيئًا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك، قال: (إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله فى وجهى، فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات، ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة، فلم يستأخر ثلاث مرات، ثم أردت أخذه، والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقًا يلعب به ولدان أهل المدنية). وكذا رواه النسائى، عن محمد ابن سلمة به.

وقال أحمد: حدثنا أبو أحمد، حدثنا مرة بن معبد، ثنا أبو عبيد، حاجب سليمان، قال: رأيت عطاء بن يزيد الليثى قائمًا يصلى، فذهبت أمر بين يديه فردنى، ثم قال: حدثنى أبو سعيد الخدرى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فصلى صلاة الصبح وهو خلفه، فقرأ فالتبست عليه القراءة، فلما فرغ من صلاته قال: (لو رأيتمونى وإبليس، فأهويت بيدى، فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين إصبعى هاتين، الإبهام والتى تليها، ولولا دعوة أخى سليمان، لأصبح مربوطًا بسارية من سوارى المسجد يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل). روى أبو داود منه: (فمن استطاع) إلى آخره، عن أحمد بن سريج، عن أحمد الزبيرى به.

وقد ذكر غير واحد من السلف: أنه كانت لسليمان من النساء ألف امرأة، سبعمائة بمهور وثلاثمائة سرارى. وقيل: بالعكس، ثلاثمائة حرائر وسبعمائة من الإماء، وقد كان يضيق من التمتع بالنساء أمرًا عظيمًا جدًا. قال البخارى: حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبى الزناد، عن الأعرج، عن أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، تحمل كل امرأة فارسًا يجاهد فى سبيل الله، فقال له صاحبه: إن شاء الله، فلم يقل، فلم تحمل شيئًا إلا واحدًا ساقطًا أحد شقيه). فقال النبى صلى الله عليه وسلم : (لو قالها لجاهدوا فى سبيل الله). وقال شعيب وابن أبى الزناد: تسعين، وهو أصح، تفرد به البخارى من هذا الوجه.

وقال أبو يعلى: حدثنا زهير، حدثنا يزيد، أنبأنا هشام بن حسان، عن محمد، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على مائة امرأة، كل امرأة منهن تلد غلامًا يضرب بالسيف فى سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله، فطاف تلك الليلة على مائة امرأة، فلم تلد منهن امرأة، إلا امرأة ولدت نصف إنسان)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لو قال: إن شاء الله، لولدت كل امرأة منهن غلامًا يضرب بالسيف فى سبيل الله عز وجل). إسناده على شرط الصحيح، ولم يخرجوه من هذا الوجه.

وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، ثنا هشام، عن ابن سيرين، عن أبى هريرة قال: قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على مائة امرأة، تلد كل واحدة منهن غلامًا يقاتل فى سبيل الله ولم يستثن، فما ولدت إلا واحدة منهن بشق إنسان. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لو استثنى لولد له مائة غلام كلهم يقاتل فى سبيل الله عز وجل). تفرد به أحمد أيضًا.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة بمائة امرأة، تلد كل امرأة منهن غلامًا يقاتل فى سبيل الله)، قال: (ونسى أن يقول: إن شاء الله، فأطاف بهن). قال: (فلم تلد منهن امرأة إلا واحدة نصف إنسان). فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لو قال: إن شاء الله، لم يحنث، وكان دركًا لحاجته). وهكذا أخرجاه فى الصحيحين من حديث عبد الرزاق به مثله.

وقال إسحاق بن بشر: أنبأنا مقاتل، عن أبى الزناد وابن أبى الزناد، عن أبيه، عن عبد الرحمن، عن أبى هريرة، أن سليمان بن داود كان له أربعمائة امرأة وستمائة سرية، فقال يومًا: لأطوفن الليلة على ألف امرأة، فتحمل كل واحدة منهن بفارس يجاهد فى سبيل الله، ولم يستثن، فطاف عليهن، فلم تحمل واحدة منهن، إلا امرأة واحدة منهن جاءت بشق إنسان، فقال النبى صلى الله عليه وسلم : (والذى نفسى بيده، لو استثنى فقال: إن شاء الله، لولد له ما قال فرسان، ولجاهدوا فى سبيل الله عز وجل). وهذا إسناد ضعيف لحال إسحاق بن بشر، فإنه منكر الحديث، ولا سيما وقد خالف الروايات الصحاح.

وقد كان له عليه السلام من أمور الملك واتساع الدولة وكثرة الجنود وتنوعها ما لم يكن لأحد قبله، ولا يعطيه الله أحدًا بعده كما قال: {وأوتينا من كل شىء} {وقال رب اغفر لى وهب لى ملكًا لا ينبغى لأحد من بعدى إنك أنت الوهاب}، وقد أعطاه الله ذلك بنص الصادق المصدوق، ولما ذكر تعالى ما أنعم به عليه وأسداه من النعم الكاملة العظيمة إليه قال: {هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب}، أى أعط من شئت واحرم من شئت، فلا حساب عليك، أى تصرف فى المال كيف شئت، فإن الله قد سوغ لك ما تفعله من ذلك ولا يحاسبك على ذلك.

وهذا شأن النبى الملك، بخلاف العبد الرسول، فإن من شأنه أن لا يعطى أحدًا ولا يمنع أحدًا إلا بإذن الله له فى ذلك، وقد خير نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه بين هذين المقامين، فاختار أن يكون عبدًا رسولاً، وفى بعض الروايات أنه استشار جبريل فى ذلك، فأشار إليه أن تواضع، فاختار أن يكون عبدًا رسولاً، صلوات الله وسلامه عليه، وقد جعل الله الخلافة والملك من بعده فى أمته إلى يوم القيامة، فلا تزال طائفة من أمته ظاهرين حتى تقوم الساعة، فلله الحمد والمنة.

ولما ذكر تعالى ما وهبه لنبيه سليمان عليه السلام من خير الدنيا، نبه على ما أعده له فى الآخرة من الثواب الجزيل، والأجر الجميل، والقربة التى تقربه إليه، والفوز العظيم والإكرام بين يديه، وذلك يوم المعاد والحساب، حيث يقول تعالى: {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب}.

 

وفاته ومدة ملكه وحياته

قال الله تبارك وتعالى: {فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا فى العذاب المهين}. روى ابن جرير وابن أبى حاتم وغيرهما من حديث إبراهيم بن طهمان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (كان سليمان نبى الله عليه السلام إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه، فيقول لها: ما اسمك؟ فتقول: كذا، فيقول: لأى شىء أنت؟ فإن كانت لغرس غرست، وإن كانت لدواء أنبتت، فبينما هو يصلى ذات يوم، إذ رأى شجرة بين يديه، فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخروب، قال: لأى شىء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت، فقال سليمان: اللهم عم على الجن موتى حتى تعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، فنحتها عصا، فتوكأ عليها حولاً والجن تعمل، فأكلتها الأرضة، فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولاً فى العذاب المهين).

قال: وكان ابن عباس يقرؤها كذلك. قال: فشكرت الجن للأرضة، فكانت تأتيها بالماء. لفظ ابن جرير وعطاء الخراسانى فى حديثه نكارة، وقد رواه الحافظ ابن عساكر من طريق سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس موقوفًا، وهو أشبه بالصواب، والله أعلم.

وقال السدى فى خبر ذكره عن أبى مالك، وعن أبى صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن أناس من الصحابة: كان سليمان عليه السلام يتجرد فى بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين وأقل من ذلك وأكثر، يدخل طعامه وشرابه، فأدخله فى المرة التى توفى فيها، فكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا نبتت فى بيت المقدس شجرة، فيأتيها فيسألها: ما اسمك؟ فتقول الشجرة: اسمى كذا وكذا، فإن كانت لغرس غرسها، وإن كانت نبتت دواء، قالت: نبت دواء لكذا وكذا، فيجعلها كذلك، حتى نبتت شجرة يقال لها: الخروبة، فسألها: ما اسمك؟ فقالت: أنا الخروبة، فقال: ولأى شىء نبت؟ فقالت: نبت لخراب هذا المسجد، فقال سليمان: ما كان الله ليخربه وأنا حى، أنت التى على وجهك هلاكى وخراب بيت المقدس، فنزعها وغرسها فى حائط له، ثم دخل المحراب، فقام يصلى متكئًا على عصاه، فمات ولم تعلم به الشياطين، وهم فى ذلك يعملون له، يخافون أن يخرج فيعاقبهم.

وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب، وكان المحراب له كوى بين يديه وخلفه، فكان الشيطان الذى يريد أن يخلع يقول: الست جليدًا إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب، فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر، فدخل شيطان من أولئك فمر، ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان عليه السلام وهو فى المحراب إلا احترق، ولم يسمع صوت سليمان، ثم رجع فلم يسمع، ثم رجع فوقع فى البيت ولم يحترق، ونظر إلى سليمان عليه السلام قد سقط ميتًا، فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات، ففتحوا عنه فأخرجوه، ووجدوا منسأته، وهى (العصا) بلسان الحبشة، قد أكلتها الأرضة، ولم يعلموا منذ كم مات، فوضعوا الأرضة على العصا، فأكلت منها يومًا وليلة، ثم حسبوا على ذلك النحو، فوجدوه قد مات منذ سنة، وهى قراءة ابن مسعود، فمكثوا يدأبون له من بعد موته حولاً كاملاً، فأيقن الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبون، ولو أنهم علموا الغيب لعلموا بموت سليمان، ولم يلبثوا فى العذاب سنة يعملون له، وذلك قول الله عز وجل: {ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا فى العذاب المهين}.

يقول: تبين أمرهم للناس أنهم كانوا يكذبونهم، ثم إن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنت تأكلين الطعام لأتيناك بأطيب الطعام، ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب، ولكنا سننقل إليك الماء والطين. قال: فإنهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت. قال: ألم تر إلى الطين الذى يكون فى جوف الخشب، فهو ما يأتيها بها الشيطان تشكرًا لها، وهذا فيه من الإسرائيليات التى لا تصدق ولا تكذب.

وقال أبو داود فى كتاب القدر: حدثنا عثمان بن أبى شيبة، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن خيثمة قال: قال سليمان بن داود عليهما السلام لملك الموت: إذا أردت أن تقبض روحى فأعلمنى، قال: ما أنا أعلم بذاك منك، إنما هى كتب يلقى إلىَّ، فيها تسمية من يموت. وقال: أصبغ بن الفرج وعبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم، قال: قال سليمان لملك الموت: إذا أمرت بى فأعلمنى، فأتاه فقال: يا سليمان، قد أمرت بك، قد بقيت لك سويعة، فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحًا من قوارير ليس له باب، فقام يصلى، فاتكأ على عصاه.

قال: فدخل عليه ملك الموت فقبض روحه وهو متوك على عصاه، ولم يصنع ذلك فرارًا من ملك الموت. قال: والجن تعمل بين يديه وينظرون إليه يحسبون أنه حى. قال: فبعث الله دابة الأرض، يعنى إلى منسأته، فأكلتها، حتى إذا أكلت جوف العصا ضعفت وثقل عليها فخر، فلما رأت الجن ذلك انفضوا وذهبوا. قال: فذلك قوله: {ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا فى العذاب المهين}. قال أصبغ: وبلغنى عن غيره: أنها مكثت سنة تأكل فى منسأته حتى خر. وقد روى نحو هذا عن جماعة من السلف وغيرهم، والله أعلم.

قال إسحاق بن بشر، عن محمد بن إسحاق، عن الزهرى وغيره: أن سليمان عليه السلام عاش ثنتين وخمسين سنة، وكان ملكه أربعين سنة. وقال إسحاق: أنبأنا أبو روق، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن ملكه كان عشرين سنة، والله أعلم. وقال ابن جرير: فكان جميع عمر سليمان بن داود عليهما السلام نيفًا وخمسين سنة.

وفى سنة أربع من ملكه ابتدأ ببناء بيت المقدس، فيما ذكر، ثم ملك بعده ابنه رحبعام مدة سبع عشرة سنة فيما ذكره ابن جرير، وقال: ثم تفرقت بعده مملكة بنى إسرائيل.

* * *

1