وذكر ابن جرير، عن محمد بن إسحاق: إن عيسى عليه السلام قبل أن يرفع وصى الحواريين بأن يدعو الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وعين كل واحد منهم إلى طائفة من الناس فى إقليم من الأقاليم من الشام والمشرق وبلاد المغرب، فذكروا أنه أصبح كل إنسان منهم يتكلم بلغة الذين أرسله المسيح إليهم.

وذكر غير واحد أن الإنجيل نقله عنه أربعة: لوقا، ومتى، ومرقس، ويوحنا، وبين هذه الأناجيل الأربعة تفاوت كثير بالنسبة إلى كل نسخة ونسخة وزيادات كثيرة ونقص بالنسبة إلى الأخرى، وهؤلاء الأربعة منهم اثنان ممن أدرك المسيح ورآه، وهما: متى ويوحنا، ومنهم اثنان من أصحاب أصحابه، وهما: مرقس ولوقا، وكان ممن آمن بالمسيح وصدقه من أهل دمشق رجل يقال له: ضينا، وكان مختفيًا فى مغارة داخل الباب الشرقى قريبًا من الكنيسة المصلبة خوفًا من بولس اليهودى، وكان ظالمًا غاشمًا مبغضًا للمسيح، ولما جاء به وكان قد حلق رأس ابن أخيه حين آمن بالمسيح وطاف به فى البلد ثم رجمه حتى مات رحمه الله.

ولما سمع بولس أن المسيح عليه السلام قد توجه نحو دمشق، جهز بغاله وخرج ليقتله، فتلقاه عند كوكبا، فلما واجه أصحاب المسيح جاء إليه ملك فضرب وجهه بطرف جناحه فأعماه، فلما رأى ذلك وقع فى نفسه تصديق المسيح، فجاء إليه واعتذر مما صنع وآمن به فقبل منه، وسأله أن يمسح عينيه ليرد الله عليه بصره، فقال: اذهب إلى ضينا عندك بدمشق فى طرف السوق المستطيل من المشرق فهو يدعو لك، فجاء إليه فدعا فرد عليه بصره، وحسن إيمان بولس بالمسيح عليه السلام أنه عبد الله ورسوله، وبنيت له كنيسة باسمه فهى كنيسة بولس المشهورة بدمشق من زمن فتحها الصحابة رضى الله عنهم حتى خربت فى الزمان الذى سنورده إن شاء الله تعالى.

فصل

اختلف أصحاب المسيح عليه السلام بعد رفعه إلى السماء فيه على أقوال كما قاله ابن عباس وغيره من أئمة السلف، كما أوردناه عند قوله: {فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين}. قال ابن عباس وغيره: قال قائلون منهم: كان فينا عبد الله ورسوله فرفع إلى السماء، وقال آخرون: هو الله، وقال آخرون: هو ابن الله، فالأول هو الحق، والقولان الآخران كفر عظيم كما قال: {فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم}.

وقد اختلفوا فى نقل الأناجيل على أربعة أقاويل ما بين زيادة ونقصان وتحريف وتبديل، ثم بعد المسيح بثلاثمائة سنة حدثت فيه الطامة العظمى والبلية الكبرى، اختلف البتاركة الأربعة وجميع الأساقفة والقساوسة والشمامسة والرهابين فى المسيح على أقوال متعددة لا تنحصر ولا تنضبط، واجتمعوا وتحاكموا إلى الملك قسطنطين بانى القسطنطينية وهم المجمع الأول، فصار الملك إلى قول أكثر فرقة اتفقت على قول من تلك المقالات، فسموا الملائكة ودحض من عداهم وأبعدهم، وتفردت الفرقة التابعة لعبد الله بن أديوس الذى ثبت على أن عيسى عبد من عباد الله ورسول من رسله، فسكنوا البرارى والبوادى وبنوا الصوامع والديارات والقلايات وقنعوا بالعيش الزهيد ولم يخالطوا أولئك الملل والنحل، وبنت الملائكة الكنائس الهائلة عمدوا إلى ما كان من بناء اليونان، فحولوا محاريبها إلى الشرق وقد كانت إلى الشمال إلى الجدى.

 

بيان بناء بيت لحم والقمامة

وبنى الملك قسطنطين بيت لحم على محل مولد المسيح، وبنت أمه هيلانة القمامة، يعنى على قبر المصلوب، وهم يسلمون لليهود أنه المسيح، وقد كفرت هؤلاء وهؤلاء، ووضعوا القوانين والأحكام، ومنها مخالف للعتيقة التى هى التوراة، وأحلوا أشياء هى حرام بنص التوراة ومن ذلك الخنزير، وصلوا إلى الشرق ولم يكن المسيح صلى إلا إلى صخرة بيت المقدس وكذلك جميع الأنبياء بعد موسى، ومحمد خاتم النبيين صلى إليها بعد هجرته إلى المدينة ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، ثم حول إلى الكعبة التى بناها إبراهيم الخليل، وصوروا الكنائس ولم تكن مصورة قبل ذلك، ووضعوا العقيدة التى يحفظها أطفالهم ونساؤهم ورجالهم التى يسمونها بالأمانة وهى فى الحقيقة أكبر الكفر والخيانة.

وجميع الملكية والنسطورية أصحاب نسطورس أهل المجمع الثانى، واليعقوبية أصحاب يعقوب البرادعى أصحاب المجمع الثالث، يعتقدون هذه العقيدة ويختلفون فى تفسيرها، وها أنا أحكيها وحاكى الكفر ليس بكافر؛ لأبث على ما فيها ركة الألفاظ وكثرة الكفر والخبال المفضى بصاحبه إلى النار ذات الشواظ، فيقولون: نؤمن بإله واحد ضابط الكل خالق السماوات والأرض، كل ما يرى وكل ما لا يرى، وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الأب قبل الدهور، نور من نور إله حق من إله حق مولود غير مخلوق، مساو للأب فى الجوهر الذى كان به كل شىء من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من روح القدس ومن مريم العذراء، وتأنس وصلب على عهد ملاطس النبطى، وتألم وقبر وقام فى اليوم الثالث كما فى الكتب وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الأب، وأيضًا فسيأتى بجسده ليدبر الأحياء والأموات الذى لا فناء لملكه وروح القدس الرب المحيى المنبثق من الأب مع الأب والابن مسجود له، وبمجد الناطق فى الأنبياء كنيسة واحدة جامعة مقدسة يهولية، واعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا، وأنه حى قيامة الموتى وحياة الدهر العتيد كونه آمين.

* * *

1