قصة نوح عليه السلام

هو: نوح بن لامك بن متوشلخ بن خنوخ، وهو إدريس، بن يرد بن مهلاييل بن قينن ابن أنوش بن شيث بن آدم أبى البشر عليه السلام، كان مولده بعد وفاة آدم بمائة سنة وست وعشرين سنة، فيما ذكره ابن جرير وغيره، وعلى تاريخ أهل الكتاب المتقدم يكون بين مولد نوح وموت آدم مائة وست وأربعون سنة، وكان بينهما عشرة قرون، كما قال الحافظ أبو حاتم بن حبان فى صحيحه حدثنا محمد بن عمر بن يوسف، حدثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه، حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، سمعت أبا سلام سمعت أبا أمامة، أن رجلا قال: يا رسول الله، أنبى كان آدم؟ قال: (نعم مكلم)، قال: فكم كان بينه وبين نوح؟ قال: (عشرة قرون). قلت: وهذا على شرط مسلم ولم يخرجه.

وفى صحيح البخارى عن ابن عباس قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام. فإن كان المراد بالقرن مائة سنة كما هو المتبادر عند كثير من الناس فبينهما ألف سنة لا محالة، لكن لا ينفى أن يكون أكثر، باعتبار ما قيد به ابن عباس بالإسلام، إذ قد يكون بينهما قرون أخر متأخرة لم يكونوا على الإسلام، لكن حديث أبى أمامة يدل على الحصر فى عشرة قرون، وزادنا ابن عباس: أنهم كلهم كانوا على الإسلام، وهذا يرد قول من زعم من أهل التواريخ وغيرهم من أهل الكتاب أن قابيل وبنيه عبدوا النار، والله أعلم.

وإن كان المراد بالقرن الجيل من الناس كما فى قوله تعالى: {وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح}، وقوله: {ثم أنشأنا من بعدهم قرونًا آخرين}، وقال تعالى: {وقرونا بين ذلك كثيرا}، وقال: {وكم أهلكنا قبلهم من قرن} وكقوله عليه السلام: (خير القرون قرنى) الحديث. فقد كان الجيل قبل نوح يعمرون الدهور الطويلة. فعلى هذا يكون بين آدم ونوح ألوف من السنين، والله أعلم.

وبالجملة: فنوح عليه السلام إنما بعثه الله تعالى لما عبدت الأصنام والطواغيت، وشرع الناس فى الضلالة والكفر، فبعثه الله رحمة للعباد، فكان أول رسول بُعث إلى أهل الأرض كما يقول له أهل الموقف يوم القيامة، وكان قومه يقال لهم: بنو راسب، فيما ذكره ابن جبير وغيره.

واختلفوا فى مقدار سنه يوم بعث، فقيل: كان ابن خمسين سنة، وقيل: ابن ثلاثمائة وخمسين سنة، وقيل: ابن أربعمائة وثمانين سنة، حكاها ابن جرير، وعزا الثالثة منها إلى ابن عباس.

وقد ذكر الله قصته، وما كان من قومه، وما أنزل بمن كفر به من العذاب بالطوفان، وكيف أنجاه وأصحاب السفينة، فى غير ما موضع من كتابه العزيز، ففى الأعراف ويونس وهود والأنبياء والمؤمنون والشعراء والعنكبوت والصافات واقتربت وأنزل فيه سورة كاملة، فقال فى سورة الأعراف: {لقد أرسلنا نوحًا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره انى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم قال الملأ من قومه إنا لنراك فى ضلال مبين قال يا قوم ليس بى ضلالة ولكنى رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربى وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون فكذبوه فأنجيناه والذين معه فى الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين}، وقال فى سورة يونس: {واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامى وتذكيرى بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلىّ ولا تنظرون فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجرى إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين فكذبوه فنجيناه ومن معه فى الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين}.

وقال تعالى فى سورة هود: {ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه إنى لكم نذير مبين أن لا تعبدوا إلا الله إنى أخاف عليكم عذاب يوم أليم فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرًا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى وآتانى رحمة من عنده فعميت علكيم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ويا قوم لا أسألكم عليه مالاً إن أجرى إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكنى أراكم قوما تجهلون ويا قوم من ينصرنى من الله إن طردتهم أفلا تذكرون ولا أقول لكم عندى خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إنى ملك ولا أقول للذين تزدرى أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما فى أنفسهم إنى إذًا لمن الظالمين قالوا يا نوح قد جادلتنا فاكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين ولا ينفعكم نصحى إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلى إجرامى وأنا برىء مما تجرمون وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا إنهم مغرقون ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها إن ربى لغفور رحيم وهى تجرى بهم فى موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان فى معزل يا بنى اركب معنا ولا تكن مع الكافرين قال سآوى إلى جبل يعصمنى من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين وقيل يا أرض ابلعى ماءك ويا سماء اقلعى وغيض الماء وقضى الأمر واستوت على الجودى وقيل بعدًا للقوم الظالمين ونادى نوح ربه فقال رب إن ابنى من أهلى وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إنى أعظك أن تكون من الجاهلين قال رب إنى أعوذ بك أن أسألك ما ليس لى به علم وإلا تغفر لى وترحمنى أكن من الخاسرين قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين}.

 

وأما مضمون ما جرى له مع قومه، مأخوذا من الكتاب والسنة والآثار، فقد قدمنا عن ابن عباس أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام رواه البخارى. وذكرنا أن المراد بالقرن الجيل، أو المدة، على ما سلف. ثم بعد تلك القرون الصالحة حدثت أمور اقتضت أن آل الحال بأهل ذلك الزمان إلى عبادة الأصنام، وكان سبب ذلك ما رواه البخارى من حديث ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس عند تفسير قوله تعالى: {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرا} قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التى كانوا يجلسون فيها أنصابا، وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت.

قال ابن عباس: وصارت هذه الأوثان التى كانت فى قوم نوح فى العرب بعد، وهكذا قال عكرمة والضحاك وقتادة ومحمد بن إسحاق.

وقال ابن جرير فى تفسيره: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، عن سفيان، عن موسى، عن محمد بن قيس، قال: كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا، قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر فعبدوهم. وروى ابن أبى حاتم، عن عروة بن الزبير، أنه قال: ود ويغوث ويعوق وسواع ونسر أولاد آدم، وكان ود أكبرهم وأبرهم به.

وقال ابن أبى حاتم: حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا يعقوب، عن أبى المطهر، قال: ذكروا عند أبى جعفر، هو الباقر، وهو قائم يصلى بزيد ابن المهلب، قال: فلما انفتل من صلاته، قال: ذكرتم يزيد بن المهلب، أما إنه قتل فى أول أرض عبد فيها غير الله. قال: ذكر ودًا رجلاً صالحًا وكان محببًا فى قومه، فلما مات عكفوا حول قبره فى أرض بابل، وجزعوا عليه، فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبه فى صورة إنسان، ثم قال: إنى أرى جزعكم على هذا الرجل، فهل لكم أن أصور لكم مثله فيكون فى ناديكم فتذكرونه؟ قالوا: نعم، فصور لهم مثله، قال: ووضعوه فى ناديهم وجعلو يذكرونه، فلما رأى ما بهم من ذكره، قال: هل لكم أن أجعل فى منزل كل واحد منكم تمثالاً مثله ليكون له فى بيته فتذكرونه؟ قالوا: نعم، قال: فمثل لكل أهل بيت تمثالاً مثله، فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به، قال: وأدرك أبناؤهم، فجعلوا يرون ما يصنعون به، قال: وتناسلوا ودرس أثر ذكرهم إياه، حتى اتخذوه إلهًا يعبدونه من دون الله أولاد أولادهم، فكان أول ما عبد غير الله ودًا، الصنم الذى سموه ودًا.

ومقتضى هذا السياق: أن كل صنم من هذه عبده طائفة من الناس، وقد ذكر أنه لما تطاولت العهود والأزمان جعلوا تلك الصور تماثيل مجسدة، ليكون أثبت لهم، ثم عبدت بعد ذلك من دون الله عز وجل، ولهم فى عبادتها مسالك كثيرة جدًا، قد ذكرناها فى مواضعها من كتابنا التفسير، ولله الحمد والمنة.

وقد ثبت فى الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه لما ذكرت عنده أم سلمة وأم حبيبة تلك الكنيسة التى رأينها بأرض الحبشة، يقال لها: مارية، فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، قال: (أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، ثم صوروا فيه تلك الصورة، أولئك شرار الخلق عند الله عز وجل).

 

أن الفساد لما انتشر فى الأرض وعم البلاء بعبادة الأصنام فيها، بعث الله عبده ورسوله نوحًا عليه السلام، يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وينهى عن عبادة ما سواه، فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، كما ثبت فى الصحيحين من حديث أبى حيان، عن أبى زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث الشفاعة، قال: (فيأتون آدم فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك الجنة، ألا تشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا؟ فيقول: ربى قد غضب غضبًا شديدًا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، ونهانى عن الشجرة فعصيت، نفسى نفسى، اذهبوا إلى غيرى، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحًا فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك الله عبدًا شكورًا، ألا ترى إلى ما نحن فيه، ألا ترى إلى ما بلغنا، ألا تشفع لنا إلى ربك عز وجل؟ فيقول: ربى قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، نفسى نفسى)، وذكر تمام الحديث بطوله كما أورده البخارى فى قصة نوح.

فلما بعث الله نوحًا عليه السلام دعاهم إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وأن لا يعبدوا معه صنما ولا تمثالاً ولا طاغوتًا، وأن يعترفوا بوحدانيته، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، كما أمر الله تعالى من بعده من الرسل الذين هم كلهم من ذريته، كما قال تعالى: {وجعلنا ذريته هم الباقين}، وقال فيه وفى إبراهيم: {وجعلنا فى ذريتهما النبوة والكتاب} أى كل نبى من بعد نوح فمن ذريته، وكذلك إبراهيم قال الله تعالى: {ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت}، وقال تعالى: {واسئل من أرسلنا قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون}.

وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} ولهذا قال نوح لقومه: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم}، وقال: {ألا تعبدوا إلا الله إنى أخاف عليكم عذاب يوم أليم}، وقال: {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون}، وقال: {يا قوم إنى لكم نذير مبين أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون قال رب إنى دعوت قومى ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائى إلا فرارا وإنى كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم فى آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا ثم إنى دعوتهم جهارا ثم إنى أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا ما لكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا} الآيات الكريمات، فذكر أنه دعاهم إلى الله بأنواع الدعوة فى الليل والنهار والسر والإجهار، بالترغيب تارة والترهيب أخرى، وكل هذا فلم ينجح فيهم، بل استمر أكثرهم على الضلالة والطغيان وعبادة الأصنام والأوثان، ونصبوا له العداوة فى كل وقت وأوان، وتنقصوه، وتنقصوا من آمن به، وتوعدوهم بالرجم والاخراج ونالوا منهم وبالغوا فى أمرهم: {قال الملأ من قومه} أى السادة الكبراء منهم، {إنا لنراك فى ضلال مبين قال يا قوم ليس بى ضلالة ولكنى رسول من رب العالمين} أى لست كما تزعمون من أنى ضال، بل على الهدى المستقيم، {رسول من رب العالمين}، أى الذى يقول للشىء كن فيكون، {أبلغكم رسالات ربى وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون} وهذا شأن الرسول أن يكون بليغًا أى فصيحًا ناصحًا أعلم الناس بالله عز وجل، وقالوا له فيما قالوا: {ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين} تعجبوا أن يكون بشرًا رسولاً وتنقصوا بمن اتبعه ورأوهم أراذلهم.

وقد قيل: أنهم كانوا من أقياد الناس وهم ضعفاؤهم، كما قال هرقل، وهم أتباع الرسل، وما ذاك إلا لأنه لا مانع لهم من اتباع الحق، وقولهم: {بادى الرأى} أى بمجرد ما دعوتهم استجابوا لك من غير نظر ولا روية، وهذا الذى رموهم به هو عين ما يمدحون بسببه، رضى الله عنهم، فإن الحق الظاهر لا يحتاج إلى روية ولا فكر ولا نظر، بل يجب اتباعه والانقياد له متى ظهر، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مادحا للصديق: (ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت له كبوة، غير أبى بكر فإنه لم يتلعثم)، ولهذا كانت بيعته يوم السقيفة أيضًا سريعة من غير نظر ولا روية، لأن أفضليته على من عداه ظاهرة جلية عند الصحابة، رضى الله عنهم، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يكتب الكتاب الذى أراد أن ينص فيه على خلافته، فتركه وقال: (يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر رضى الله عنه).

وقول كفرة قوم نوح له ولمن آمن به: {وما نرى لكم علينا من فضل} أى لم يظهر لكم أمر بعد اتصافكم بالإيمان ولا مزية علينا {بل نظنكم كاذبين قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى وآتانى رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون}، وهذا تلطف فى الخطاب معهم، وترفق بهم فى الدعوة إلى الحق، كما قال تعالى: {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى}.

وقال تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن}، وهذا منه يقول لهم: {أرأيتم إن كنت على بينة من ربى وآتانى رحمة من عنده} أى النبوة والرسالة، {فعميت عليكم} أى فلم تفهموها ولم تهتدوا إليها، {أنلزمكموها} أى انغضبكم بها ونجبركم عليها {وأنتم لها كارهون} أى ليس لى فيكم حيلة والحالة هذه {ويا قوم لا أسألكم عليه مالاً إن أجرى إلا على الله} أى لست أريد منكم أجرة على إبلاغى إياكم ما ينفعكم فى دنياكم وأخراكم إن أطلب ذلك إلا من الله الذى ثوابه خير لى وابقى مما تعطوننى أنتم، وقوله: {وما أنا بطارد الذين آمنوا أنهم ملاقوا ربهم ولكنى أراكم قوما تجهلون} كأنهم طلبوا منه أن يبعد هؤلاء عنه، ووعدوه أن يجتمعوا به إذا هو فعل ذلك، فأبى عليهم ذلك، وقال: {إنهم ملاقوا ربهم} أى فأخاف إن طردتهم أن يشكونى إلى الله عز وجل، ولهذا قال: {ويا قوم من ينصرنى من الله إن طردتهم أفلا تذكرون} ولهذا لما سأل كفار قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن يطرد عنه ضعفاء المؤمنين كعمار وصهيب وبلال وخباب وأشباههم نهاه الله عن ذلك، كما بيناه فى سورتى الأنعام والكهف: {ولا أقول لكم عندى خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إنى ملك} أى بل أنا عبد رسول لا أعلم من علم الله إلا ما أعلمنى به، ولا أقدر إلا على ما أقدرنى عليه، ولا أملك لنفسى نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله {ولا أقول للذين تزدرى أعينكم} يعنى من أتباعه {لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما فى أنفسهم إنى إذا لمن الظالمين} أى لا أشهد عليهم بأنهم لا خير لهم عند الله يوم القيامة، الله أعلم بهم، وسيجازيهم على ما فى نفوسهم، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، كما قالوا فى المواضع الأخر: {أنؤمن لك واتبعك الأرذلون قال وما علمى بما كانوا يعملون إن حسابهم إلا على ربى لو تشعرون وما أنا بطارد المؤمنين إن أنا إلا نذير مبين}.

وقد تطاول الزمان والمجادلة بينه وبينهم، كما قال تعالى: {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا فأخذهم الطوفان وهم ظالمون} أى ومع هذه المدة الطويلة فما آمن به إلا القليل منهم وكان كل ما نقرض جيل وصوا من بعدهم بعدم الإيمان به ومحاربته ومخالفته، وكان الوالد إذا بلغ ولده وعقل عنه كلامه وصاه فيما بينه وبينه أن لا يؤمن بنوح أبدا ما عاش، ودائمًا ما بقى، وكانت سجاياهم تأبى الإيمان واتباع الحق، ولهذا قال: {ولا يلدوا إلا فاجرًا كفارًا}، ولهذا قالوا: {قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين} أى إنما يقدر على ذلك الله عز وجل، فإنه الذى لا يعجزه شىء، ولا يكترثه أمر، بل هو الذى يقول للشىء كن فيكون {ولا ينفعكم نصحى إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون} أى من يرد الله فتنته فلن يملك أحد هدايته، هو الذى يهدى من يشاء، ويضل من يشاء، وهو الفعال لما يريد، وهو العزيز الحكيم العليم بمن يستحق الهداية ومن يستحق الغواية، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة {وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} تسلية له عما كان منهم إليه {فلا تبتئس بما كانوا يفعلون} وهذه تعزية لنوح عليه السلام فى قومه أنه لن يؤمن منهم إلامن قد آمن، أى لا يسوأنك ما جرى، فإن النصر قريب والنبأ عجيب {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا إنهم مغرقون} وذلك أن نوحا عليه السلام لما يئس من صلاحهم وفلاحهم ورأى أنهم لا خير فيهم، وتوصلوا إلى أذيته ومخالفته وتكذيبه بكل طريق من فعال ومقال، دعا عليهم دعوة غضب، فلبى الله دعوته، وأجاب طلبته.

قال الله تعالى: {ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ونجيناه وقومه من الكرب العظيم}، وقال تعالى: {ونوحًا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم}، وقال تعالى: {قال رب إن قومى كذبون فافتح بينى وبينهم فتحًا ونجنى ومن معى من المؤمنين}، وقال تعالى: {فدعا ربه أنى مغلوب فانتصر}، وقال تعالى: {قال رب انصرنى بما كذبون}، وقال تعالى: {مما خطيآتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفار} فاجتمع عليهم خطاياهم من كفرهم وفجورهم ودعوة نبيهم عليهم، فعند ذلك أمره الله تعالى أن يصنع الفلك، وهى السفينة العظيمة التى لم يكن لها نظير قبلها، ولا يكون بعدها مثلها، وقدم الله تعالى إليه أنه إذا جاء أمره، وحل بهم بأسه الذى لا يرد عن القوم المجرمين أنه لا يعاوده فيهم ولا يراجعه، فإنه لعله قد تدركه رقة على قومه عند معاينة العذاب النازل بهم، فإنه ليس الخبر كالمعاينة، ولهذا قال: {ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا إنهم مغرقون ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه} أى يستهزئون به استبعادًا لوقوع ما توعدهم به، قال: {إن تسخورا منا فانإ نسخر منكم كما تسخرون} أى نحن الذين نسخر منكم، ونتعجب منكم، فى استمراركم على كفركم وعنادكم، الذى يقتضى وقوع العذاب بكم، وحلوله عليكم {فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم} وقد كانت سجاياهم الكفر الغليظ والعناد البالغ فى الدنيا.

وهكذا فى الآخرة فإنهم يجحدون أيضًا أن يكون جاءهم رسول، كما قال البخارى: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا الأعمش، عن أبى صالح، عن أبى سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يجىء نوح عليه السلام وأمته، فيقول الله عز وجل: هل بلغت؟ فيقول: نعم أى رب، فيقول لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا، ما جاءنا من نبى، فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته فتشهد أنه قد بلغ). وهو قوله: {وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا}، والوسط العدل.

فهذه الأمة تشهد على شهادة نبيها الصادق المصدوق بأن الله قد بعث نوحًا بالحق، وأنزل عليه الحق، وأمره به، وأنه بلغه إلى أمته على أكمل الوجوه وأتمها، ولم يدع شيئًا مما ينفعهم فى دينهم إلا وقد أمرهم به، ولا شيئًا مما قد يضرهم، إلا وقد نهاهم عنه وحذرهم منه، وهكذا شأن جميع الرسل، حتى أنه حذر قومه المسيح الدجال، وإن كان لا يتوقع خروجه فى زمانهم حذرًا عليهم وشفقة ورحمة بهم. كما قال البخارى: حدثنا عبدان، حدثنا عبد الله، عن يونس، عن الزهرى، قال سالم: قال ابن عمر: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال، فقال: (إنى لأنذركموه، وما من نبى إلا وقد أنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه، ولكنى أقول لكم فيه قولاً لم يقله نبى لقومه: تعلمون أنه أعور وأن الله ليس بأعور).

وهذا الحديث فى الصحيحين أيضًا من حديث شيبان بن عبد الرحمن، عن يحيى بن أبى كثير، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن، عن أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أحدثكم عن الدجال حديثا ما حدث به نبى قومه إنه أعور، وإنه يجىء معه بمثال الجنة والنار، والتى يقول عليها الجنة هى النار، وإنى أنذركم كما أنذر به نوح قومه)، لفظ البخارى.

 

وقد قال بعض علماء السلف: لما استجاب الله له أمره أن يغرس شجرًا ليعمل منه السفينة، فغرسه وانتظره مائة سنة، ثم نجره فى مائة أخرى، وقيل: فى أربعين سنة، فالله أعلم. قال محمد بن إسحاق عن الثورى: وكان من خشب الساج، وقيل: من الصنوبر، وهو نص التوراة. قال الثورى: وأمره أن يجعل طولها ثمانين ذراعًا، وعرضها خمسين ذراعًا، وأن يطلى ظاهرها وباطنها بالقار، وأن يجعل لها جؤجؤًا أزور يشق الماء، وقال قتادة: كان طولها ثلثمائة ذراع فى عرض خمسين ذراعا، وهذا الذى فى التوراة على ما رأيته.

وقال الحسن البصرى: ستمائة فى عرض ثلثمائة ذراع. وعن ابن عباس: ألف ومائتا ذراع فى عرض ستمائة ذراع، وقيل: كان طولها ألفى ذراع وعرضها مائة ذراع، قالوا كلهم: وكان ارتفاعها ثلاثين ذراعا، وكانت ثلاث طبقات، كل واحدة عشر أذرع، فالسفلى للدواب والوحوش، والوسطى للناس، والعليا للطيور، وكان بابها فى عرضها، ولها غطاء من فوقها مطبق عليها، قال الله تعالى: {قال رب انصرنى بما كذبون فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا} أى بأمرنا لك، وبمرأى منا لصنعتك لها، ومشاهدتنا لذلك لنرشدك إلى الصواب فى صنعتها {فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا إنهم مغرقون} فتقدم إليه بأمره العظيم العالى، أنه إذا جاء أمره وحل بأسه أن يحمل فى هذه السفينة من كل زوجين اثنين من الحيوانات، وسائر ما فيه روح، ومن المأكولات وغيرها لبقاء نسلها، وأن يحمل معه أهله، أى أهل بيته {إلا من سبق عليه القول منهم} أى إلا من كان كافرًا فإنه قد نفذت فيه الدعوة التى لا ترد ووجب عليه حلول البأس الذى لا يرد، وأمر أنه لا يراجعه فيهم إذا حل بهم ما يعاينه من العذاب العظيم الذى قد حتمه عليهم الفعال لما يريد، كما قدمنا بيانه قبل.

والمراد بالتنور عند الجمهور: وجه الأرض، أى نبعت الأرض من سائر أرجائها حتى نبعت التنانير التى هى محال النار. وعن ابن عباس: التنور عين فى الهند، وعن الشعبى بالكوفة، وعن قتادة بالجزيرة. وقال على بن أبى طالب: المراد بالتنور: فلق الصبح، وتنوير الفجر، أى إشراقه وضياؤه. أى عند ذلك فاحمل فيها من كل زوجين اثنين. وهذا قول غريب.

وقوله تعالى: {حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل} هذا أمر بأن عند حلول النقمة بهم أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين، وفى كتاب أهل الكتاب أنه أمر أن يحمل من كل ما يؤكل سبعة أزواج، ومما لا يؤكل زوجين ذكرا وأنثى، وهذا مغاير لمفهوم قوله تعالى فى كتابنا الحق: {اثنين} إن جعلنا ذلك مفعولاً به، وأما إن جعلناه توكيدًا لزوجين والمفعول به محذوف فلا ينافى، والله أعلم.

وذكر بعضهم ويروى عن ابن عباس: أن أول ما دخل من الطيور الدرة، وآخر ما دخل من الحيوانات الحمار، ودخل إبليس متعلقًا بذنب الحمار. وقال ابن أبى حاتم: حدثنا أبى، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنى الليث، حدثنى هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لما حمل نوح فى السفينة من كل زوجين اثنين، قال أصحابه: وكيف نطمئن، أو كيف تطمئن المواشى ومعنا الأسد، فسلط الله عليه الحمى، فكانت أول حمى نزلت فى الأرض، ثم شكوا الفأرة، فقالوا: الفويسقة تفسد علينا طعامنا ومتاعنا، فأوحى الله إلى الأسد فعطس، فخرجت الهرة منه، فتخبأت الفأرة منها)، هذا مرسل. وقوله: {وأهلك إلا من سبق عليه القول} أى من استجيبت فيهم الدعوة النافذة ممن كفر، فكان منهم ابنه يام الذى غرق، كما سيأتى بيانه، {ومن آمن} أى واحمل فيها من آمن بك من أمتك، قال الله تعالى: {وما آمن معه إلا قليل} هذا مع طول المدة والمقام بين أظهرهم، ودعوتهم الأكيدة ليلاً ونهارًا بضروب المقال وفنون التلطفات والتهديد والوعيد تارة والترغيب والوعد أخرى.

وقد اختلف العلماء فى عدة من كان معه فى السفينة: فعن ابن عباس: كانوا ثمانين نفسًا معهم نساؤهم. وعن كعب الأحبار كانوا اثنين وسبعين نفسًا، وقيل: كانوا عشرة، وقيل: إنما كانوا نوحًا وبنيه الثلاثة، وكنائنه الأربع بامرأة يام الذى انخزل وانعزل وتسلل عن طريق النجاة، فما عدل إذ عدل، وهذا القول فيه مخالفة لظاهر الآية، بل هى نص فى أنه قد ركب معه غير أهله طائفة ممن آمن به، كما قال: {ونجنى ومن معى من المؤمنين} وقيل: كانوا سبعة، وأما امرأة نوح وهى أم أولاده كلهم، وهم: حام، وسام، ويافث، ويام، وتسميه أهل الكتاب كعنان وهو الذى قد غرق وعابر، وقد ماتت قبل الطوفان، قيل: إنها غرقت مع من غرق، وكانت ممن سبق عليه القول لكفرها، وعند أهل الكتاب: أنها كانت فى السفينة، فيحتمل أنها كفرت بعد ذلك، أو أنها أنظرت ليوم القيامة، والظاهر الأول لقوله: {لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا}.

قال الله تعالى: {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذى نجانا من القوم الظالمين وقل رب أنزلنى منزلاً مباركًا وأنت خير المنزلين} أمره أن يحمد ربه على ما سخر له من هذه السفينة، فنجاه بها، وفتح بينه وبين قومه، وأقر عينه ممن خالفه وكذبه، كما قال تعالى: {الذى خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون} وهكذا يؤمر بالدعاء فى ابتداء الأمور أن يكون على الخير والبركة، وأن تكون عاقبتها محمودة، كما قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم حين هاجر: {وقل رب أدخلنى مدخل صدق وأخرجنى مخرج صدق واجعل لى من لدنك سلطانا نصيرا} وقد امتثل نوح عليه السلام هذه الوصية: {وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربى لغفور رحيم} أى على اسم الله ابتداء سيرها وانتهاؤه {إن ربى لغفور رحيم} أى وذو عقاب أليم مع كونه غفورًا رحيمًا، لا يرد بأسه عن القوم المجرمين، كما أحل بأهل الأرض الذين كفروا به وعبدوا غيره.

قال الله تعالى: {وهى تجرى بهم فى موج كالجبال} وذلك أن الله تعالى أرسل من السماء مطرًا لم تعهده الأرض قبله، ولا تمطره بعده، كان كأفواه القرب، وأمر الأرض فنبعت من جميع فجاجها وسائر أرجائها، كما قال تعالى: {فدعا ربه أنى مغلوب فانتصر ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر وحملناه على ذات ألواح ودسر} والدسر السائر {تجرى بأعيننا} أى بحفظنا وكلائتنا، وحراستنا، ومشاهدتنا لها، {جزاء لمن كان كفر}.

وقد ذكر ابن جرير وغيره: أن الطوفان كان فى ثالث عشر من شهر آب فى حساب القبط، وقال تعالى: {إنا لما طغى الماء حملناكم فى الجارية} أى السفينة {لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية} قال جماعة من المفسرين: ارتفع الماء على أعلى جبل بالأرض خمسة عشر ذراعا، وهو الذى عند أهل الكتاب. وقيل: ثمانين ذراعا، وعم جميع الأرض طولها والعرض، سهلها وحزنها وجبالها وقفارها ورمالها، ولم يبق على وجه الأرض ممن كان بها من الأحياء عين تطرف، ولا صغير ولا كبير.

قال الإمام مالك عن زيد بن أسلم: كان أهل ذلك الزمان قد ملأوا السهل والجبل، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لم تكن بقعة فى الأرض إلا ولها مالك وحائز، رواهما ابن أبى حاتم. {ونادى نوح ابنه وكان فى معزل يا بنى اركب معنا ولا تكن مع الكافرين قال سآوى إلى جبل يعصمنى من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بنيهما الموج فكان من المغرقين} وهذا الابن هو: يام أخو سام وحام ويافث، وقيل: اسمه كنعان، وكان كافرًا عمل عملاً غير صالح، فخالف أباه فى دينه ومذهبه فهلك مع من هلك، هذا وقد نجا مع أبيه الأجانب فى النسب، لما كانوا موافقين فى الدين والمذهب {وقيل يا أرض ابلعى ماءك ويا سماء اقلعى وغيض الماء وقضى الأمر واستوت على الجودى وقيل بعدا للقوم الظالمين} أى لما فرغ من أهل الأرض ولم يبق منها أحد ممن عبد غير الله عز وجل، أمر الله الأرض أن تبلع ماءها، وأمر السماء أن تقلع أى تمسك عن المطر {وغيض الماء} أى نقص عما كان {وقضى الأمر} أى وقع بهم الذى كان قد سبق فى علمه وقدره من إحلاله بهم ما حل بهم {وقيل بعدًا للقوم الظالمين} أى نودى عليهم بلسان القدرة، بعدًا لهم من الرحمة والمغفرة، كما قال تعالى: {فكذبوه فأنجيناه والذين معه فى الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين}.

وقال تعالى: {فكذبوه فنجيناه ومن معه فى الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين}، وقال تعالى: {ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين}، وقال تعالى: {فأنجيناه ومن معه فى الفلك المشحون ثم أغرقنا بعد الباقين إن فى ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم}، وقال تعالى: {فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين}، وقال تعالى: {ثم أغرقنا الآخرين}، وقال: {ولقد تركناها آية فهل من مدكر فكيف كان عذابى ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر}، وقال تعالى: {مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارًا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارًا وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدو إلا فاجرا كفارا} وقد استجاب الله تعالى، وله الحمد والمنة، دعوته فلم يبق منهم عين تطرف.

وقد روى الإمامان أبو جعفر بن جرير وأبو محمد بن أبى حاتم فى تفسيريهما من طريق يعقوب بن محمد الزهرى، عن قائد، مولى عبد الله بن أبى رافع، أن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبى ربيعة أخبره أن عائشة أم المؤمنين أخبرته، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فلو رحم الله من قوم نوح أحدًا لرحم أم الصبى). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (مكث نوح عليه السلام فى قومه ألف سنة، يعنى إلا خمسين عامًا، وغرس مائة سنة الشجر فعظمت وذهبت كل مذهب، ثم قطعها، ثم جعلها سفينة، ويمرون عليه ويسخرون منه، ويقولون: تعمل سفينة فى البر، كيف تجرى؟ قال: سوف تعلمون، فلما فرغ ونبع الماء وصار فى السكك، خشيت أم الصبى عليه وكانت تحبه حبا شديدا، خرجت به إلى الجبل حتى بلغت ثلثه، فلما بلغها الماء خرجت به حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بيديها، فغرقا، فلو رحم الله منهم أحدًا لرحم أم الصبى). وهذا حديث غريب، وقد روى عن كعب الأحبار ومجاهد وغير واحد شبيه لهذه القصة، وأحرى بهذا الحديث أن يكونا موقوفًا متلقى عن مثل كعب الأحبار، والله أعلم.

والمقصود: أن الله لم يبق من الكافرين ديارًا، فكيف يزعم بعض المفسرين أن عوج ابن عنق، ويقال: ابن عناق، كان موجودًا من قبل نوح إلى زمان موسى، ويقولون: كان كافرًا متمردًا جبارًا عنيدًا، ويقولون: كان لغير رشدة، بل ولدته أمه عنق بنت آدم من زنا، وإنه كان يأخذ من طوله السمك من قرار البحار ويشويه فى عين الشمس، وإنه كان يقول لنوح وهو فى السفينة: ما هذه القصيعة التى لك؟ ويستهزئ به، ويذكرون: أنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاث مائة وثلاثة وثلاثين ذراعا وثلثا، إلى غير ذلك من الهذيانات التى لولا أنها مسطرة فى كثير من كتب التفاسير وغيرها من التواريخ وأيام الناس لما تعرضنا لحكايتها لسقاطتها وركاكتها، ثم إنها مخالفة للمعقول والمنقول.

أما المعقول: فكيف يسوغ فيه أن يهلك الله ولد نوح لكفره، وأبوه نبى الأمة وزعيم أهل الإيمان، ولا يهلك عوج بن عنق، ويقال: عناق، وهو أظلم وأطغى على ما ذكروا، وكيف لا يرحم الله منهم أحدا، ولا أم الصبى، ولا الصبى، ويترك هذا الدعى الجبار العنيد الفاجر الشديد الكافر الشيطان المريد على ما ذكروا.

وأما المنقول: فقد قال الله تعالى: {ثم أغرقنا الآخرين} وقال: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} ثم هذا الطول الذى ذكروه مخالف لما فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن).

فهذا نص الصادق المصدوق المعصوم الذى لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحى يوحى، أنه لم يزل الخلق ينقص حتى الآن، أى لم يزل الناس فى نقصان فى طولهم من آدم إلى يوم أخبره بذلك، وهلم جرا إلى يوم القيامة.

وهذا يقتضى أنه لم يوجد من ذرية آدم من كان أطول منه، فكيف يترك هذا ويذهل عنه ويصار إلى أقوال الكذبة الكفرة من أهل الكتاب الذين بدلوا كتب الله المنزلة وحرفوها وأولوها ووضعوها على غير مواضعها، فما ظنك بما هم يستقلون بنقله، أو يؤتمنون عليه، وما أظن أن هذا الخبر عن عوج بن عناق إلا اختلاقًا من بعض زنادقتهم وفجارهم الذين كانوا أعداء الأنبياء، والله أعلم.

ثم ذكر الله تعالى مناشدة نوح ربه فى ولده وسؤاله له عن غرقه على وجه الاستعلام والاستكشاف، ووجه السؤال أنك وعدتنى بنجاة أهلى معى وهو منهم وقد غرق، فأجيب: بأنه ليس من أهلك، أى الذين وعدت بنجاتهم، أى أما قلنا لك: {وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم} فكان هذا ممن سبق عليه القول منهم بأن سيغرق بكفره، ولهذا ساقته الأقدار إلى أن انحاز عن حوزة أهل الإيمان، فغرق مع حزبه أهل الكفر والطغيان، ثم قال تعالى: {قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم} هذا أمر لنوح عليه السلام لما نضب الماء عن وجه الأرض وأمكن السعى فيها والاستقرار عليها أن يهبط من السفينة التى كانت قد استقرت بعد سيرها العظيم على ظهر جبل الجودى، وهو جبل بأرض الجزيرة مشهور، وقد قدمنا ذكره عند خلق الجبال {بسلام منا وبركات} أى اهبط سالما مباركًا عليك، وعلى أمم ممن سيولد بعد، أى من أولادك، فإن الله لم يجعل لأحد ممن كان معه من المؤمنين نسلاً ولا عقبًا سوى نوح عليه السلام، قال تعالى: {وجعلنا ذريته هم الباقين} فكل من على وجه الأرض اليوم من سائر أجناس بنى آدم ينسبون إلى أولاد نوح الثلاثة وهم: (سام، وحام، ويافث).

 

1