hiwarat

 

TALAL MOUALLA

Talal Moualla's CV    Wrote about him    Virtual exhibition    About the exhibition    Poetry    Publications    photo album    Home page    meeting     arabic plastic arts    international plastic arts

 

  عوالم التشكيلية نازلي مدكور..كون يبحث عن شفافيته

الناقدة فاطمة اسماعيل: النقد علم وقناعة وابتكار

 الباحث التشكيلي التونسي علي اللواتي: التأثير المتوسطي لايعني التأثر بأوروبا

التشكيل والعمارة وجهان لفعالية واحدة   مهدي مطشر: لا أؤمن بوجود لون جميل وآخر قبيح

الباحث عفيف البهنسي الجنوب قدم للشمال أول أبجدية وأول نوتة موسيقية وأول مسكن

المجموعة الملكية الاسبانية في متحف التاريخ الطبيعي النحت النبيل في اندماج الحسي والمادي

الناقد والباحث الجمالي د. عفيف البهنسي: الرؤية التشكيلية العربية بحاجة إلى تنظير مستقل عن الجمالية الغربية

عميد كلية الفنون الجميلة في الشارقة: نطمح الى تخريج فنانين قادرين على التأثير في الحياة الثقافية

عوالم التشكيلية نازلي مدكور..كون يبحث عن شفافيته

 

طلال معلا

لا تتساوى قدرتنا على امتلاك نبض الشكل الغائب في اعمال التشكيلية نازلي مدكور، فتفاصيل هذا الغياب ترتبط بدرجات وعي العين بقدرات الغياب، والاتجاه الى مواقع عنف التقاء المواد المختلفة التي تنزف جهدا لتحقيق حدود الاشباح التعبيرية التي تثير الجدل حولها من جهة، وحول الدفق التجريدي الغارق في يأس الانتماء الى الصورة المحرضة المخلوطة باجزاء ذاكرة الفنانة، والمصبوغة باختلاف الانتماء الى التأثير في حضور المتلقي، وتحديد الحقول المفتوحة على حضور رؤيته البصرية للمادة المرئية المنسوخة من عدة مستويات توصلت نازلي لاشادتها في المشهد التشكيلي المصري المعاصر.

ومهما حاولت الفنانة الاشارة الى التحولات الطارئة على اعمالها بين فينة واخرى، وما يحدث من تحولات باتجاه هيمنة الرموز والمضامين الاجتماعية على اعمالها بنتيجة الهجمة المتخلفة التي تتعرض لها المرأة والثقافة والبلاد، الا ان فردوس التجريب سيبقى يشير الى اهمية ما تفعله لخلخلة المشهد البصري السائد في التعاطي مع الواقع وخاصة فيما يهم الزمن المتلاشي الحدود الذي يؤطر وقائع الواقع من الناحية الشكلية او ما يحلو لنا ان نسميه تشخيصا حتى في ظل غياب اثر الشخص من العمل الفني.

لهذا نجد ان حضور الشكل يحقق غيابه، عبر الحساسية المنبثقة من المادة اولا ومن الخفة في بناء حركة اللون التي تشير الى حدسية تؤكد نظاما منفردا لقراءة اللون بعيدا عما كان يعتقده كثير من الباحثين في اعمال الفنانة من ان توازنها الروحي والنفسي سيبقى خاضعا للتوازنات الهندسية في اعمالها، اذ ان سيادة الفراغ المانح لامكانيات التمرد هو ما يقودنا لمنطق الفيض الخلاق في التعامل مع هذا الفراغ..

انه يشكل مستودعا شاسعا للحرية يمكن ان يتحول الى مجال معرفي للتعاطي مع مسائل الكشل الروحي التي تعيد صياغة المكان وفق اسس ذاتية، بعيدة عن اي تأسيس مسبق، سواء أكان هذا التأسيس معرفيا، أم اجتماعيا، حيث يقود هذا التأطير ـ عادة ـ الى الانقاص من شمولية تجربة الفنانة، واقصاء توتراتها البصرية.

ان الكتابات الادبية حول اعمال الفنانة نازلي مدكور، قد غيبت الكثير من خصائص اعمالها الفنية، اضافة الى ان هذه الكتابات قد ضللت العديد من المشاهدين في اضافة الموقف الفكري والسلوكي والاجتماعي وتحميل تجربتها سيرا حياتية لا ننفي اهمية الفنانة في التعاطي معها كمثقفة لها دورها في الحركة النسائية والاجتماعية، الا ان خلطا واضحا كان يعيق دائما تطور الفنانة وحيويتها التجريبية التي جهدت لتحقيقها سواء كان ذلك على صعيد البيئة او المنظر او محاكاة الواقع او غير ذلك مما يقفز على الحلم الخاص بالفنانة والذي اشار له بيكار حين كتب عنها وهي في فترة الشباب منذ عشر سنوات تقريبا بين الوجود والعدم، والحقيقة والوهم خيط رفيع يتدرج بين قطبيه المتباعدين من الوضوح الشديد الى الخفوت العدمي..

والحلم شيء من هذا القبيل، موجود في لحظات الغفوة، ومعدوم في دنيا اليقظة والوقائع.. ولكنه مع ذلك حقيقة مؤكدة لها وجود ذاتي.

قد نشير الى اهمية التحولات في اعمال الفنانة، وقد نحمل هذه التحولات السيرة المجازية للزمن الذي تحياه، ويمكن ان يتعدى هذا الزمن كافة عناصر البحث التي تلهب الذاكرة الجوهرية المكونة لذرات العلاقة بين الفنانة والارض والنور المنبثق فيما بينهما والمشكل لتاريخها الابداعي الذي تختصر فيه كل مراحل وجودها في حوار نسيجي متداخل تعكسه سبل استخدام العجائن الحاملة لظلالها البسيطة والمركبة والتي توازي دائما حركة انشاء الوقائع او تنوع ما يتركه الجسد من اثر على المجال المشتق من مجال اوسع يمكن ان يكون الحياة بشمولها

واذا كانت الطبيعة تفسر حالة من حالات حضور الزمن في تجربة الفنانة الا انها بقيت تكشف عن سر يرتبط بالوعي اكثر من ارتباطه بالرؤية المباشرة التي تفعلها العين في مواجهة تقلبات المنظر الحسي، وهذا السر هو حقيقة استمرار التجريب القلق في تحولات نازلي من زمان الى زمان اخر لفتح آفاق المكاشفة بين طموحها اللحظي وغايتها التأملية المتجلية بانعكاس نبض قلبها على مرآة انخطافها بالاستقلال عن مفردات الحالة الراهنة للتشكيل في مصر، والخروج على حدود عادية التعامل مع الظواهر اي بتغييب سيطرة العقل المهندس على رؤياها المنفصلة عن وجودها المحدود.

في هذه النقطة سنتمكن من تحديد المرئي واللا مرئي في كون نازلي البصري الباحث عن شافيته، عبر الابتعاد عن توصيف اشياء العالم، والاكتفاء باحالة وعي المشاهد الى جوهر معرفي سيكون دليلا شعريا يلهم بنية المتلقي بمزيد من تحقيق رسالته الرؤوية، المقابلة لرسالة الفنانة المتلخصة بخلق عوالم متوازنة للرؤية، تشهد بقيمة البصر وحقيقة وجوده وتجليه في اكثر من حالة ومستوى.

وقد اضيف الى ما قلت شيئا اذا خرجت عن هذا التقديم النظري لتجربة الفنانة الى ما يدعمه في اجابات الفنانة على مجموعة من التساؤلات كنت قد طرحتها عليها.

* من يفاجئ الاخر.. انت ام اللوحة؟

ومن يمحو الاخر.. انت، ام اللوحة؟

ـ بعد ا ن يمتلك سطح اللوحة حياته الخاصة به، ندخل معا حلبة المصارعة، حيث يحاول كل طرف منا ان يحرز البطولة المطلقة على الاخر، ونتيجة للالفة التي تنمو بيننا اثناء الممارسة، قد تفطن اللوحة الى توجهاتي، وان كنت قد اباغتها بالمفاجأة.. او قد تفاجئني هي!!

وليس هناك من رأي او تصميم نهائي امثل او ثابت للوحة، فاللوحة ديناميكية خاصة تتيح لها تعديل مسارها عدة مرات، وعندما تنتهي اللوحة يكون ذلك بمثابة مقترح قابل للتغيير من دون الاخلال برؤية الفنان، مثل الكاتب الذي يستطيع ان يغير من سياق روايته عدة مرات دون ان يصيب من رؤيته.

وقد يبدو ان النص الجديد يمحو النص السابق تماما، ولكن الذي يحدث هو ان النص الجديد ينبع من كنف النص السابق ويستمد وجوده منه ولهذا فانني كثيرا ما ابقى في لوحاتي بقايا للنص القديم، وهذا اسلوب الحياة، طبقات تعلوها اخرى ولا تمحوها تماما.

* هل هناك حسابات مسبقة لانشاء سياقات بصرية وذهنية في اعمالك، وما هي الاركان المشكلة لمتحفك الخيالي؟

ـ الطبيعة وتكويناتها اساس اعمالي، ومصدر الهامي الاول، وبحسب رأيي فإن ارتباط الانسان بالطبيعة ليس ارتباطا عضويا فقط، بل هو ارتباط انطولوجي ايضا.. وهذا ما احاول التعبير عنه في معظم اعمالي.

وانا لا اقوم بحسابات مسبقة لانشاء السياقات البصرية والذهنية لأعمالي، بل اقوم بالتحاور مع مفردات العمل في لحظة الصنع ذاتها وهناك بالتأكيد جهاز دقيق بداخلي يقوم بعملية تبدو تلقائية لضبط هذه السياقات وتوجيهها.

وتتزايد كفاءة وتلقائية هذا الجهاز مع تزايد خبرتي البصرية والمعلوماتية والتقنية. ومن اهم اركان هذه الخبرة هو متحفي الخيالي الذي كونته ذاكرتي الابستمولوجية والبصرية والحسية والمشاعرية... اي مجموع ما حفظ وتبقى في داخلي من كل ما رأيت وقرأت وسمعت ولامست وشممت او شعرت به في ازمنة وامكنة متفرقة.

وهو متحف انتقائي لا يحتفظ بكل مدخلاته مثل الحاسب الالي، وانما لاسباب مركبة جدا يختار ما يشاء ويلقي بعيدا بغير ذلك. وبدون شك فإن ما يحويه هذا المتحف هو صورة ذاتية تكونت لدي عن العالم، وهي تتصل اتصالا وثيقا بعلاقتي الخاصة به، وباتزاني النفسي الداخلي.

* هل تشكل مستويات الادراك مستويات اللوحة لديك؟ وهل ينتهي دورك حين يبدأ المشاهد دوره؟

ـ لكل لوحة مستويات مختلفة من الادراك، يقوم كل مشاهد لها تبعا لحساسيته وثقافته باختيار المستوى او المستويات

التي تعنيه.

وينتهي دور الفنان حيث يبدأ دور المشاهد، وانا لا ارى ان الخيط النفعي قد انقطع فيما بين الفنان وعمله او بين المتلقي والعمل الفني، ولكن الذي تغير هو تفسير كلمة المنفعة ذاتها. حقا لم يعد الفن هو الوسيط بين الانسان والعالم الاخر او إلهه كما لم يعد ينحصر دوره في تزيين الحياة الدنيا فقط وانما حصل الفن على استقلاليته الخاصة بحيث لا يكون وسيطا لشيء اخر. وبذلك اكتسب ثراء خاصا ككيان مستقل يستطيع ان يعكس روح العصر في تجلياتها المختلفة، كما يستطيع ان يحقق مستويات من الاشباع الروحاني، اذ يستطيع الانسان من خلاله ان يحلق وذلك في عالم تجذبنا بشاعة ممارساته دائما الى اسفل.

* ما هي الوظيفة التي يحددها الجمهور لأعمالك؟

ـ يفور الجمهور في العمل الفني، لأن تعريفه لماهية واهداف العمل الفني تختلف عن تعريف الفنان له. وهناك خلط لا يقوم احد بتفسيره وتوضيحه فيما بين الانواع المختلفة من الفنون كالفنون الشعبية والتلقائية والفنون التزيينية والفنون النقلية او الهندسية والفنون الوطنية والفنون الرفيعة، اذ يحكم عليها جميعا بنفس المقاييس والمعايير. وبشكل عام فالجمهور العريض لا يرى وظيفة للفن سوى التزيين!.

* هل تتحقق حريتك بالهروب من عمارة الشكل الى المعنى المجرد؟

ـ في رأيي ان الحرية لا تتحقق بالضرورة بالهروب من عمارة الشكل نحو المعنى المجرد، وانما هي ان يستطيع الفنان ان يعبر عن ذاته في سلاسة وقوة وتنوع. والحرية ليست بهدف في حد ذاتها، وانما هي وسيلة يتمكن الفنان من خلالها ان يحسن ويثري تعبيره.. ومن هنا فإن مصادقة المجهول تصبح من امتع الممارسات للحرية. فالمجهول غامض ومثير ويفوق التوقعات. ولذلك قد يتطلب التعامل معه كثيرا من الجرأة، ومن الحذر.

* ما الذي تنشدينه من العمل الفني؟

ـ انا لا انشد آمالا معينة، وليس لي مطالب اريد الحصول عليها نتيجة لممارساتي الفنية، وانما لي اهداف اود ان احققها وهي تنحصر بالاستمرار في صقل طاقاتي الفنية، حتى يتسنى لي طرح لغة وصياغات تحمل بصورة افضل ما يعتمل في داخلي من افكار ومشاعر.

 

الناقدة فاطمة اسماعيل: النقد علم وقناعة وابتكار

طلال معلا

 

لم يزل النقد يوجهنا الى تألق المادة الحسية, وعمق الشكل, وطريقة بناء اللوحة في العمل الفني, ومقصده, وطريقة انتاجه. وهو الذي يجعل التجربة الجمالية افضل, بوضعها في مسارها الصحيح, وهو أيضا المعني بأدب تذوق الفنون, برصدها وربطها بعصورها وظروف نشوئها, ويبقى الفنان خزان قلق وحساسية مطلقة.

عالمنا يتغير باستمرار, أي ان المعايير تختلف بما فيها معايير الفنون الجميلة, كالايقاع والتوافق, التكوين, الملمس, المفهوم, المصطلح, والتوازن... وغيرها من الأمور التي تتضافر لتجعل اللامرئي مرئيا... معايير الأمس تضيع, وتتضح معايير اليوم.

كيف يحكم النقاد على الابداع التشكيلي أو النتاج البصري هذه الأيام, وبعد مرور قرن على البداية, إلى أين نمضي؟ لقد كان هذا القرن حافلا بما أبدعه منتجنا البصري على مساحة الوطن العربي... كيف يقيم النقد هذا التراكم المعرفي؟

تجاوز الاقليمية

* التقيم مسألة صعبة, أو لنقل بأنها الى جانب صعوبتها فوقية ايضا, يمكن ان نحدد, أو أن نقرأ, أو كيف نقرأ الحالة العربية... اننا نقرؤها في مستويين, المنتج البصري المبدع بالفعل في المستوى الأول, اما المستوى الثاني فيشتمل على الابداع التنظيري المواكب للحركة الفنية العربية. وهل كان هناك فعلا مستوى تنظيريا مواكبا للعطاء التشكيلي العربي أم ما زالت الحركة الفنية العربية كإبداعات تفوق هذا التنظير؟

ـ الحركة التشكيلية العربية معقدة الى حدود بعيدة اذ يمكن قراءتها داخل دولها وخارج هذه الدول أيضاً وهناك العديد من الفنانين العرب المقيمين في الخارج حققوا مستويات دولية وعالمية واعتقد انهم يمتلكون مساحة في الساحة العالمية ويمكن ان نتذكر ضياء الفراوي وبلكاهية وعرابي ومروان وبلاطة وآدم حنين وحامد عبدالله... هناك مجموعة كبيرة ولا يمكن حصرها... انهم فنانون اجتهدوا لتحقيق المكانة التي وصلوا اليها... اما داخل الحدود فلا يمكن ان نقرأ مستويات متقاربة بين الدول, ويمكن ان أكون منطقية أكثر بالاقتراب من القراءة المصرية...

ومصر الآن تتجاوز الحدود الاقليمية الى العالمية وقد بدا ذلك واضحا فيما حصلت عليه مصر في بينالي فينيسيا, الجائزة الذهبية عن الجناح المصري متكاملا حيث شاركنا بمجموعة تتألق من معماري ومصور ونحات وواضع للموسيقى, هذه التوليفة وإن دلت على شيء فإنما تدل على حضور عربي ممثلا في مصر, حقق في خضم التسابق العالمي مكانة ما... وهذا يعني أيضا ان المجموعات الابداعية العربية داخل دولها ما زالت مكتومة, ولم تحقق وجودها المنتظر لها على الصعيد العالمي.

* لماذا؟

ـ السبب يعود إلينا بالتأكيد, كوننا لا نملك حركة تنظير مواكبة, النقاد يعتمدون على (الفهلوة). وما زال هناك من يحاولون اقامة قواعد علمية للنقد وهم قلة في عالمنا, اما ما عداهم فلا يمكن ان نطلق عليهم اكثر من صفة (نشيطين) يمارسون النقد, ويجتهدون... انما النقد ليس اجتهادا ولا نشاطا, النقد علم وقناعة وابتكار واذا لم يتوفر ذلك فعلى الحركة التشكيلية العربية السلام.

ما نعاني منه انه لا توجد حركة نقدية تستطيع ان تقدم الفنان العربي الى الساحة العالمية... لأن ذلك يعتمد على تصنيع النجم أو الفنان, كيف تحول الفنان الى منتج نجمي, كالنجم السينمائي بالضبط.

في مجموعة (ترانز آفانجارد) تم التصنيع على يد النقد الايطالي الذي قدمهم بما هو أكثر مما لديهم, والدخول في الجوانب التحليلية لظهور هذه المجموعة يثبت ذلك, بويز, بازيلتيز, كوكلي, بالادين, انهم يعرفون تماما كيف يحققون نجومية الفنان... نحن لا نستطيع ان نقدم نجومنا بذات الطريقة الى الساحة العالمية. وتقديم النجم يسأل عنه نظام له علاقة بالسوق والتنظير والتقيديم وبكم الانتاج النظري الذي قدم حول الفنان.

في حضوري للبينالي الرابع في اسطنبول بتركيا اطلعت على تجربة بدري يايكام الفنان التركي وقد فوجئت بأنه قد كتبت عنه عشرة كتب, وعمره 38 سنة فقط, مَنْ من الفنانين المصريين الذين حصلوا على جوائز ذهبية يمتلك اكثر من (كتالوج).

لغة العالم

* خارج مسئولية الفنان, وخارج مسئولية النقد, هناك مسئولية المؤسسة الثقافية, كيف تنظرين من موقعك النقدي الى هذه المؤسسة المهتمة بهذه القضايا, والتي يشكل الابداع مبررا لوجودها اصلا؟

ـ المؤسسات مسئولة مسئولية تامة عن عدم الوعي لصناعة الفنان النجم في السوق العالمية سواء عن طريق الكتب المكثفة, والمسألة تتعلق بأن تؤمن بطاقات الفنان, والمراهنة عليه... وهذا دور الناقد, أما دور المؤسسة ان يكون لديها ايمان وثقة بهذا النقد الذي يتولى الترشيح فتتولى اقتصاديات التصنيع والدفع سواء بالاشهار بواسطة الكتب والوسائل المختلفة في اطار الوعي والثقافة والتواصل مع الواقع من جهة والعالم الآخر من جهة اخرى, اذ لا يمكن ان نعيش ونعمل في دوائر مغلقة, يجب ان ننتبه الى اللغة التي يتحدث بها العالم اليوم فيما نحن قد اقفل علينا.

لغة الفن لغة مختلفة ـ على الأقل ـ في مجال اللوحة البصرية, التي ما زالت تعيش منذ قرن ونيف, وما زلنا نستمر بها, وفنون الحضارات أمر آخر, لذلك فإن اغلب النقاد والمشتغلين في هذا المجال قد عانوا من التوجه الى جذور وأصول هذه الاعمال في منطقتنا العربية, كما ان مبدعنا عانى من عقد نقص تجاه اللوحة الغربية والمنتج الهائل لبصريات الغرب.

لقد بدأ المتحف لديهم منذ عصر الرومان الذين جمعوا ارث اليونان في المتحف ليستمتعوا ليس بالفرض الديني وحسب وانما لغرض جمالي, والمتحف الذي تطور في الغرب الى مؤسسة مستمرة يمكن ان نقول انها تعيش حالتها منذ ما قبل التاريخ وحتى اليوم, بالنسبة لنا, لدينا انقطاعات واسعة ومتعددة, ولا أريد ان ادافع عن النقد, الا ان الغرب يتهمنا بأننا اصحاب حضارة كلمة, وهناك ما ندعوه ادب التذوق الفني, ونحن اهل لأن نكون اصحاب هذه الدعوات, لكن الواقع يقول إن اغلب من تصدى بالنقد للتشكيل لم يترك شيئا من هذا الأدب... هناك بدايات... فما الذي يجري الآن؟

اللغة أداة * نحن لسنا اصحاب حضارة لفظية فقط كما يزعمون, نحن اصحاب حضارة بصرية, والهرم بداية هذه الحضارة... الحضارة الاسلامية بصرية ايضا, وجميع الحضارات التي ظهرت في مناطقنا كانت بصرية, الحضارة اللفظية اتت تعضيدا لهذه البصريات... أما لماذا لم يستطع النقد ان يكون عند حسن الظن به كوننا لفظيون... المسألة لا تتعلق باللغة وحسب... لابد من التسليم بأن اللغة اداة نترجم بها, الصوت ناقل أما المصدر فتتشابك فيه مجموعة من الثقافات والمهم في هذا المصدر انه لا يمكننا الحديث مثلا عن الفنانة ـ جاذبية سري ـ بالتلاعب بالألفاظ كأن نقول فنانة جميلة أو مبدعة أو... الخ.

* لابد ان نقول انها فنانة تعمل في التعبيرية الجديدة التي ظهرت في شمال أوروبا وقد ارسى دعائمها فلان وفلان... الى ما هنالك من مواصفات تكنيكية... يجب ان نقدم معلومة للناس وهذا هو المنطق.

* هل من الضروري سرد المرجعية الغربية لأحدد موقع الفنانة جاذبية سري أو أي فنان عربي؟

ــ طبعا, هذا ينسحب على كل التجربة العربية طالما اعترفنا بأن اللوحة المؤطرة غريبة المصدر... لقد استفدنا من كافة الاتجاهات والمذاهب الغربية الانطباعية واللوجستية والسوريالية والبقعية وغيرها والآن نأخذ الطليعية والتنصيبات وفنون الجسد والمفاهيمية والتصغيرية لقد اضافت جاذبية سري حسها الخاص على التعبيرية المحدثة. عندما نتكلم عن ثقافة الناقد, هذا يعني ان علاقته بتاريخ الحضارات يجب ان تكون متينة ولابد انه قد قطع فيها مسافات... لابد ان يترافق العلم بتاريخ الفن بما يحدث ويقدم الآن ولابد ان يمتلك وجهة نظر وامكانية ربط ما يجري في العالم العربي بما يجري في العالم, ما الذي اخذناه, وما الذي تركناه, وهل اعدنا صياغة اشياء دون غيرها. اننا اليوم وبعد ما نلمسه في وسائل الاتصال والتقنيات الحديثة لابد ان ننوه بمدى التلاقح فيما يجري بين الحركات الفنية, اننا نرى الحدث الفني في لحظته وهو يقدم في اصقاع العالم...

الفنان يعمل في العالم العربي وقد ينتج فنان في امريكا اللاتينية عملا متزامنا معه ومقاربا لمعطياته... كيف نفسر ذلك اليوم... بالتأكيد هذا ليس تداعيا, انه تراكم ثقافي يقدم نتائجه... طبخة ثقافية تقدم شخصا, ولو اردنا ان نضرب مثالا, لنقل (بنيك) الذي عرفه النقد في نهايات القرن الماضي تحت مسمى ما بعد الطليعية وهو يرسم عرائس طفولية... خطوط... دوائر وتخرج منها الأيدي والاقدام اضافة الى حشوات زخرفية وبعض الالوان, التحليلات تقول انه متأثر بالفن الافريقي... هناك تداخل حضاري... والاسبقية لمن استفاد... والمصداقية اليوم لهذا التلاقح.

ومع نجومية الفنان الغربي والمكانة التي حققها الفن الغربي اضحت المرجعية له وليس لفنون الآخرين, بول كلين استفاد من المغرب, بيكاسو استفاد من افريقيا, ما نريد قوله ان المصادر باتت غير محددة المعالم, وهناك عملية اختلاط ثقافي وتاريخي وهذا يعطي الحق والمشروعية ان ترث هذا التراث, بل وتعتبره تراثك, ما بعد الطليعية اليوم تراثي بالتأكيد لأن هذا الاتجاه فرعوني اساسا وقد استفاد الغرب من (المينيمال) الفرعوني لانشاء طليعيته, وهذا يبرر لي ان آخذ منه وأعمل عليه مرة اخرى وأحقق نتائجي... هذا التداخل يجعل كل ما هو غير عربي في حل من التهم الموجهة اليه بالاستفادة من الغرب.

المصطلح مستويات

* في الفنون الجميلة, وخاصة التشكيل نرى فرقا شاسعا بين الخطاب والواقع وخاصة ما يهم المتلقي لفهم العملية الابداعية, وإذا كان الفن في أزمة, فالنقد ايضا في ازمة, وازمات النقد التشكيلي كثيرة ولعل ابرزها المصطلح, ماذا قدم النقد لهذه القضية في الفن التشكيلي العربي المعاصر؟

ـ نحن لا نتفق على المصطلح, لأننا ما زلنا نأخذ المصطلح ونحاول تعريبه أو ترجمته أو ان نصفه أو نشرحه, ما زلنا نستقبل المصطلح في مستويات لم نتفق عليها. عفيف بهنسي في سوريا وهو علامة وناقد مشهور قد قام بمجهودات وتراجم أرى ـ للأسف انها غير موفقة, في مصر قمنا بترجمتها على نحو مخالف له مرة اخرى, ولو ان احدهم في لبنان قام بذلك فسيقدم المصطلح بشكل مخالف ايضا.

لو اخذنا مثال (Expzelionism) نجدها في القاموس اللغوي التعبيرية, وقد تكون كمصطلح في القاموس الفني ذات دلالة مخالفة, ايهما تختار... هل نبقيها على مسماها الاجنبي. كما فعلنا مع البوب آرت, أو الأوب آرت الذي لا يعني الجماهيري ولا الشعبي ولا العوامي... لأن مدلول البوب كمصطلح تشكيلي اوسع من ذلك.. ان خطأ مشاعا افضل من صحيح لم يشع, وترجمة الفاهيمية او الفكرة او غير ذلك مما يطلق مصطلحا على (الكونسبشوال آرت) سيكون محط اختلاف الباحثين حين يجتمعون وكل منهم يمتلك مفهوما مخالفا للمصطلح ذاته.. بمعنى اننا لانملك اساسا لغة اتصال التي من المفروض ان تحدد سمات خطابنا لبعضنا, انا افضل استخدام المصطلح كما جاء في لغته المبدعة له, ولست مع التعالي على المصطلح ترجمته وتعريبه. الفنون الثقيلة

* النشر احدى الوسائل التي تسهم بصنع الثقافة بعامة والفنون بخاصة وللنشر الفني طريق واساليب, الكتاب البحثي, الكتاب التعريفي, الكتب الفنية واساليب عرضها, الصالات الفنية والمتاحف المتنوعة.. كل ذلك يدعم الصلة مابين الناس والعمل الفني في الحياة الابداعية الفنية والمفروض ان تكون الصالات العامة او الخاصة او تلك التي تمتلكها المؤسسات الثقافية.. المفروض ان تكون ذات هدف حضاري ماهو واقع هذه الصالات؟

ـ انا اعمل وكيلة لمجمع الفنون وهي احدى قاعات الدولة في مصر ومع ذلك احس بالاسى حين المس ان القاعات الخاصة ضمن المواصفات الدولية لاتقوم بمهامها كما يجب لان مهمة القاعة الخاصة دفع حركة الفن ومهمة القاعة الحكومية تشبه الصناعات الثقيلة, نحن نقدم مثلا الحفر في الفن الالماني في الثمانينيات, وهذا ماقصدته بمعارض الصناعة الثقيلة, نحن لانخضع لتحركات السوق او طرح ودفع حركة ما.. قدمنا النحت البريطاني, بربرهيروس, مور, دالي جنتليني ومجموعات اخرى.. وكل ما يخضع لتصنيفات الصناعة الثقيلة.

اما دور القاعة الخاصة فهو دفع الحركة الفنية, هل هناك فنان مصري قدمته الصالة الخاصة, بالتأكيد لا, لسببين السبب الاول وهو مسئولية الدولة والآخر من مسئولية الافراد.. القاعات الخاصة لابد ان تقام في اطار مستوى علمي وتكنولويجي ووسائل اتصال آنية بالعالم اضافة الى الناقد والعين الثاقبة ووضع الامكانيات لخلق السوق للفنان وتصعيد الاهتمام به.. لابد ان تعرف الصالة كيف تسعر اعمال الفنان ضمن قانون السوق وامكانيات المبدع وخبرته.. وهذا ما قصدته بالعملية.. اي ايجاد القوانين وحين تنتفي هذه القوانين تنتفي مشروعية الالتقاء.

لابد ان تقدم الصالة الخاصة الفنان الى العالم وتتبناه وتحتكر انتاج مجموعة خاصة بها يعتمدهم ناقد يربطهم بالساحة الفنية.. الصالات التي تفتح لتبيع يكون عملها عمل هواة يمزحون ويقبلون بالمكاسب الآنية دون ان يرسموا سياسة طويلة لغاياتهم.. في المنطقة العربية ليس هناك اتصال بين (الفاليريهات) ولهذا نقوم في الصالة الحكومية بعملهم, نحن نقدم الفنانين والحركة المصرية داخل مصر وخارجها وفي الوقت ذاته نقوم بالمهام الثقيلة باستجلاب المعارض والخبرات لنشر الوعي.. الادوار لم تقسم بشكل صحيح كما ترى.. وعلى الحكومة او المؤسسة الحكومية ان تعزز دورها وتدعمه بالمحاضرات والنشر الفني والتنظيري الى جانب المعارض لبناء حالة الوعي وعليها ان تؤمن التسهيلات بما فيها الجمركية والضريبية ولن ينتشر الفن العربي او يخرج من قمقمه الا عبر القاعات الخاصة.

فاطمة اسماعيل في سطور

* وكيلة مجمع الفنون بالزمالك قاعات اخناتون

* السكرتير العام للاتحاد العالمي لنقاد الفن التشكيلي ــ القسم المصري

* ماجستير في نقد الفنون التشكيلية عن بحثها (مصادر الابداع عند سيف وانلي) دراسة مقارنة مع دييجا 1990 اكاديمية الفنون ــ القاهرة

* منحة وزارة الثقافة المصرية لدراسة تاريخ الفن الايطالي المعاصر جامعة روما 1988 ــ 1989.

* ليسانس آداب ــ جامعة القاهرة مع تمهيدي ماجستير في الحضارات السامية

* الاشتراك في المؤتمر الدولي الاول للنقد بالقاهرة تحت عنوان (الفردية وازمة المصطلح الفني بعد عام 1945 في اطار بينالي القاهرة الدولي الرابع 1993

* اسست مجموعة 93 للفنانيين الشباب

* بحث عن المسرح التجريبي في مصر خلال فترة الشباب

* بحث عن المسرح التجريبي في مصر خلال فترة الستينيات ــ دراسة موسعة عن مسرح (المائة كرسي) الذي اسسه الفنان احمد فؤاد سليم سنة 1968

* الاشتراك في مؤتمر كازابلانكا الدولي للمسرح الحديث ــ المغرب يونيو 1995

* الاشتراك في المؤتمر الدولي الثاني الموازي لبينالي القاهرة الدولي الخامس 1994 تحت عنوان (التحول وتحول التحول في الفن الحديث) في الثلاثين سنة الاخيرة.

* سكرتير التحرير لمجلة (فنون تشكيلية) وتشارك بالكتابة الدورية في عدة مجلات وجرائد يومية وشهرية وفصلية.

 

الباحث التشكيلي التونسي علي اللواتي: التأثير المتوسطي لايعني التأثر بأوروبا

طلال معلا:

تشير معظم الدراسات بشكل غير مباشر الى اهمية الثقافة التقليدية, العربية والاسلامية في احياء الفنون التشكيلية المعاصرة في المنطقة العربية بينما يتوجه القسم الاكبر منها الى التبعية للغرب والاشارة الى النزوع للتقليد منذ المراحل الاولى لمختلف الاتجاهات الفنية, ما يؤدي على الاغلب الى فصل حاد بين المحافل التشكيلية العربية وجذورها من جهة, وتكبيل هذه المحافل بقيود التبعية والانتماء لا حواض مستوردة, وبدلا من تجذير محاولات التفكر والتأمل في الارث البصري بموضوعاته واساليبه وخاماته ورؤاه وتأهيلها وبناء مناهجها اتجهت الكتابات لالغائها وبتر العلاقة بها بدعاوى كثيرة منها اولويات الغرب في ابتكار المساند التشكيلية واعتبار القطيعة التي مازالت تحتاج الى عميق الدراسة الغاء للتعبير ووسائله وادواته في المجتمع العربي سواء في مشرقه او مغربه واذ لاننكر الدور الذي لعبه الفنان الغربي في احياء الفنون المسندية في المناطق العربية نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وما اسسوه في ظل الانتدابات والاحتلالات الاستعمارية للمناطق العربية ما انعكس لاحقا على انفتاح الفن على الاتجاهات التي كانت سائدة في الفنون آنذاك بل انها واكبتها في مختلف المدارس والنزعات.

الشرق الذي اجتذب الروح الرومانسية لدى الفنان الغربي اتاح دون شك السبل المختلفة امام هذا الفنان لاكتشاف اساليب جديدة, وقيما فنية وجمالية اسست لثورة اسلوبية طالت فنونه المختلفة, ولاينكر احد حتى اليوم ماقام به ديلاكروا وديكان وفرومنتان وشاسيريو وغيويه من انقلابات قاسية في مجالات التمهيد للانطباعية الضوئية والخروج على المفاهيم التقليدية في التعامل مع النور. الناقد والباحث التونسي علي اللواتي والذي بحث في الجوانب الاستشراقية لايرى هذه التجربة اللونية المبتكرة الا في اعمال كبار الفنانين امثال كلي وماكي وموالييه الذي ساعدتهم تونس في التعرف على حقيقتهم الباطنة حول هذه الامور وغيرها التقى بيان الثقافة الباحث علي اللواتي في هذا الحوار.

*يقال ويكتب في النقد ان التشكيل في المشرق وان جمعته بعض السمات بالتشكيل في المغرب العربي, مازالت تحكمهما شقة من التغيير لاسباب بعضها يتعلق بأنماط الثقافات او الايديولوجيات او التبعية ان جاز القول وان حاولنا التركيز اكثر فإن المشروع الذاتي للفنان في كلا الطرفين يبدو مشروعا لم يستطع ان يتحقق كيف يمكن ان تفسر ذلك؟

ـ اعتقد ان الفرق المشار اليه بين مدرسة مشرقية واخرى مغربية لايتطابق مع الواقع, انا على قناعة ان التجربة التشكيلية العربية في المشرق والمغرب متشابهة الى حد بعيد, وتختلف فقط في مواقيت البدايات, هناك اقطار بدأت فيها التجربة التشكيلية الحديثة وما يسمى بالفنون الحديثة قبل غيرها, وخاصة ما نعنيه في البدايات وفق اللوحة المسندية, لنباعد في اواسط القرن التاسع عشر

كما في تونس وفيما اعتقد انهما اقدم من مارس الفن التشكيلي على الطريقة الغربية, اما ماعدا ذلك فإن صيرورة هذه التجربة تتشابه الى حد بعيد كونها محكومة بقانون تاريخي واحد, اذ نشأت التجربة التشكيلية على هامش ثقافة تقليدية الثقافة العربية الاسلامية التي نلمس مناخاتها وفنونها التشكيلية التقليدية, الزخرف والعمارة واشكال من التشخيص كانت معروفة على ضفاف البحر الابيض المتوسط كالرسم على الزجاج والغريب ان تطور هذه التجربة, لايختلف كثيرا من بلد الى اخر فهي مراحل.

والمرحلة الاولى هي مرحلة الانبهار بالفعل الابداعي على الطريقة الغربية من خلال خامات جديدة ومواد جديدة ورؤية جديدة هي رؤية اللوحة المستخدمة التي هي نافذة على العالم والمتصلة بنزوع فردي ذاتي للتعبير. مرحلة الانبهار عرفها الرواد في كل البلاد العربية, وقد تحول هذا الانبهار الى نوع من التأمل ومحاولة تجذير الخامات والرؤية الجديدة في التربية الثقافية التقليدية, وقد حدث هذا بطرق عديدة منها ان بدأ اتجاه تسجيلي, فنحن نخشى ان يمر الزمان وننسى التقاليد والعادات واللوحة حاولت ان تنقل هذا الهم كأن تثبت المناظر الطبيعية والحضارية وغير ذلك مما يطال العادات والتقاليد واغلب الفنانين العرب الرواد مروا في هذه المرحلة التي تمتاز بالسطحية وكأن الرواد كانوا يخشون الافتراق عن تربتهم الثقافية الأم, انه تبرير ذاتي لاختيار هذه الرؤية الفردية بخامات مستوردة.

* هل يصح القول ان الفنان في المغرب العربي كان اكثر اتباعية؟

ـ لقد انتهى الامر بمسارات الحركة التشكيلية في الوطن العربي الى التشابه لحد بعيد هل نقول بأن هناك تشكيلا مشرقياً ينزع الى الحس بإطار الاصالة بينما اتجه الفنانون في المغرب العربي وانغمسوا في الاتباعية هذا قول غير صحيح تاريخيا كون المغاربة حرصوا على تقريب الشقة ومصالحة الرؤية الفنية الفردية الجديدة مع الثقافة العربية التقليدية.

* يشار في الفنون العربية الى الفنون التقليدية التي سادت من انسجة واوان وما يطال تزيين الجدران وسجاد وبسط, وغير ذلك, وقد اشرتم الى ذلك, والمتابع للحركة التشكيلية في المغرب العربي يلاحظ التلاحم الفعلي بين الحركات الفنية التي انتجت اللوحة المسندية, فن النسيج مثلا على ارتباط وثيق بما ينتج في المغرب العربي, كتونس والجزائر والمغرب بينما يلحظ غيابا لهذا في المشرق, حتى ان المذهب العفوي في الفنون (الناييف) فهناك صعود لهذه الاتجاهات في المغرب العربي وظهور العديد من الفنانين في اطار هذا التوجه بينما نلحظ ندرة هذه التوجهات في المشرق العربي.. ماهي الاسس التي يمكن قراءة هذا التوجه من خلالها, وبا الدواعي للارتباط بهذا التأصيل بعد مرور قرن على اللوحة المسندية العربية.

ـ بالنسبة للمغرب العربي, كان الاتجاه نحو التأصيل دائبا ومستمرا وانما في اشكال مختلفة, ونلاحظ ان احد الرواد في تونس كالخياشي او احمد عثمان احد ابناء الضباط في ذلك الوقت, عهد ألبايات وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر ارسل في بعثة الى ايطاليا وتعلم وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر ارسل بعثة الى ايطاليا وتعلم كيف يرسم على الطريقة الكلاسيكية الاكاديمية وحتى انه نقل اعمال لفنانين من عصر النهضة, انه تأهيل ونوع من التدريب واقتصر عمله على رسم صورة شخصية لأعيان المملكة والحكام وهذا لم يمارس النشاط الفني بالمعنى الحديث كأن نقول انه عرض اعماله في اروقة وقاعات متجها نحو الجمهور لقد عمل في بيته والمقاصير وبعيدا عن الجماعة او الجمهور, ثم اتى اخرون اكثر تحررا في النظرة واكثر حرية ارتباطا بالزبائن الذين يطلبون الصور الشخصية امثال الجيلاني والخياشي ممن درسوا في مدارس افتتحها بعض الاجانب, انها مدارس فنون جميلة جنينية, بمعنى انها نواة ثم اتى امثال يحيى

التركي في العشرينيات وهو ابو الرسم التونسي.

* لماذا تدعونه كذلك؟

ـ لم يكن الأول بالطبع بل قد يكون الثالث او الرابع.. لكنه طرح بشكل واضح قيم التراث في اللوحة, ليس بشكل تسجيلي اثتوجرافي وانما من خلال استشفاف روح الالوان والاشكال مع تبسيطه لهذه الاشكال واستلهامه لقضايا من فناني مدرسة باريس مثل ماركسية المهتم بالمغرب العربي فهو ليس مستشرقا بالمعنى الحرفي للكلمة, انها بدايات المفهوم للفنان التشكيلي الذي يعول على ذاته ويجعل من الرسم مورد رزقه وقد ذهب للعرض في الصالونات والاروقة ولمواجهة الجمهور.

اذن هناك نظام جنيني جديد اسسه التركي للفنان, وبهذه الاعتبارات نسمية أبا التشكيل التونسي, بعده اتي امثال علي بن سالم الذي تقدم خطوة اخرى بالفنون لاعتباره قضية الانتماء الثقافي اكثر تاريخانية او تاريخية فقد رجع الى المنممات الاسلامية وطريقة تمثيل الاشخاص واستخدام اللون واساليبها بالابتعاد عن الواقعية نحو الوان متخيلة بحيث نعطي قيمة اكثر للوجود الذاتي للعمل او استقلالية هذا الوجود التي كانت من اصول الجمالية الفنية الاسلامية, فالفنان المسلم القديم لم يكن يطرح نقل الواقع حسب النمط الغربي في عصر النهضة وماقبله, ففي الغرب هناك نزوع نحو تمثيل الاشياء كما هي في الواقع, وكما هي في الحيز بينما كانت العبارة لدى الفنان المسلم عبارة عن مرموز, لقد حاول ان يصل من خلالها الى معان روحية الى تجربة جماعية ذاتية, وقد كانت المنمنمة الاسلامية مؤثرة الى حد بعيد عند علي بن سالم وقد فعل ذلك عن وعي كبير.

* المرحلة الاخرى تأتي مع مدرسة تونس اذن؟

ـ نعم انهم جماعة من الفنانين استطاعوا بعد الحرب العالمية الثانية تعميق هذه الرؤية التأصيلية واكتشاف قيم جمالية في البيئة من خلال الحياة الشعبية بحس تشكيلي مبدع وبعيدا عن التسجيلية التي كانت سائدة في ذهن الفنانين المستشرقين فيما قبل الحرب الثانية.

المرحلة الاكثر تقدما في الستينيات يتزعمها نجيب بلخوجة, وقد قال ان تكون اصيلا لا ينبغي ان تعود الى التسجيل تشخيصيا وانما الى طرح خصوصيات الخير الجمالي القديم الزخرفي والتأصيل لدى بلخوجة متقدم على التجارب السابقة منها انه قد عاد الى قيم الخير الجمالي في ذاته اي في مستوى اللوحة, ليس كاشارة الى البيئة او الاشخاص او التشخيص وانما الى القيم التشكيلية البحثة التي تعني الخير الجمالي, فاللوحة ذات البعدين (طول وعرض) ننظر الى التكوين الزخرفي الاسلامي القديم من خلال طريقة معالجة الفراغ, وشغل المساحات على نطاق واسع, والنفور من الفراغ باعتماد وحدات متكررة ومتحركة زخرفية كالطبقات النجمية والرقشات وما يسمى بالعربسات وهذه القيم مجتمعة هي اعمق من ان تكون مجرد زخرفة.

* ما الذي تقصده بالزخرفة؟

ـ نحن نقول زخرفة بالمعنى الجيد, الغرب كان يعتبر في بدايات تلمسه للفنون الاسلامية ان الزخرفة هي التنميق والواقع ان هذا الفن يحيل الى معان عميقة وخصوصية روحية وهذا ما حاول نجيب بلخوجة اعادة اكتشافه فأضحى منجزه الفني ولوحته الفنية طرح جديد وحداثوي باطار الروح التي تستند الى الزخرفة العربية القديمة.

عندما نرى لوحته نرى علاقته تتجدد كبناء بين المنحنيات والمستقيمات الى ان تصل الى مايوحي

بنائيا بالمدينة العربية, ليس بالاسواق والمعايير والطرقات وانما بإيقاع المدينة الذي يحيل الى ايقاع روحي واحيانا نتفطن الى بعض الحروف التي تشبه الحروف العربية.. لقد خلص الى حروفية لاتهتم بالحرف وانما بالانتقال اليه عبر دراسة الحيز كمساحة وهذا مهم في مسار نجيب بلخوجة الذي يعتبر طرحا ذكيا وعميقا لمسألة الهوية في اللوحة.

* هل واكب بلخوجة من اختار محامل اخرى؟

ـ طبعا هناك من جيل بلخوجة من اختار (الديكوراتيف) الزخرف والتنميق كأن يلجأ الى الموتيفات الخاصة بالانسجة او غيرها بطرح بصري سطحي وبالمرور على المراحل المختلفة للفن التشكيلي التونسي ترى كيف حاول ان يبرر اختياره للخامة الغربية وللوحة المسندية كعنصر مستورد وقد انتهى به الى تأصيل تدريجي في اطار ظروف كل فنان والمرحلة التي تخصه.

* الى جانب المشاريع الزخرفية في تونس ومحاولة الانتقال بالمفردات البصرية من وضعها الجنيني والشعبي احيانا الذي يمتلك مفرداته الخاصة كان هناك فن النسيج الذي شكل انعكاسا للبيئة كنسيج الصحراء الذي يختلف عن نسيج المدن او نسيج الجبل, وهناك غنى ملحوظ لهذه الاتجاهات حبذا لو تشير كيف تم الانتقال في الاستفادة منه بصريا الى عالم اللوحة.

ـ بموازاة ماقام به بخلوجة في الستيينيات كان هناك فنانون تلمسوا طريقهم بالنسبة للتأصيل باتجاهات اخرى امثال علي بن لاغا الذي يعد احد عناصر مدرسة تونس ممن اهتموا بتكريس جماليات البيئة الشعبية وعاداتها وتقاليدها على نحو متقدم وليس تسجيليا وقد استطاع بن لاغا ان يختبر الطاقات التعبيرية للخامة الشعبية المتوفرة في البيئة كالخشب والاواني القديمة ليفيد تشكيلها بحس حديث, انه يحفر ويصور على الخشب بتقنيات الرسم على الزجاج ويجب ان يلاحظ دائما الرؤية المتطورة للفنان في هذا المجال وصفية فرحات من ذات الجيل باعتبار انها احست بأهمية فنون النسيج وبخاصة فن السجاد, وكل البلاد العربية لها ماض عريق في هذا المجال, وكذلك تونس وهناك ثراء شعبي كبير في هذا المجال في اطار ما نجده في القيروان وقابس وكل ماينتج من زرابي وحايك وغيره وقد انطلقت من هذا الموروث لانجاز اعمالها وجردت كل ما اخذته من هذا الموروث وارتقت به الى رؤية شخصية كثيرة التميز, وبذا يلتقي الحسي التشكيلي الحر وابداع الاشكال بروحية استقاء الخامات من البيئة, وتعتبر صيغة فرحات تشكيلية متميزة وكان لها مريدون وطلبة لانها كانت تدرس في معهد الفنون الجميلة وما ندعوه اليوم المعهد العالي وقد ادارته لفترة طويلة.

* صفية فرحات اتجهت الى الخامة التسيجية وهناك من اتجه الى الخزف؟

ـ نعم, خالد سليمان انجز اعمالا مهمة انطلاقا من كونه لايقلد الخزف الشعبي القديم بل يرقى به الى مستوى الرؤية الخاصة.

* هل للموقع الجغرافي للمغرب العربي في الاطار الافريقي اثر على هذا الاهتمام بالخامات التقليدية, الخزف, النسيج, الزجاج, الجلد.. الخ.

ـ نعم, ونلاحظ ان النحت في بلاد المغرب عامة يكاد يكون مفقودا وهذا مفهوم تاريخي, فالمذهب المالكي هو الشائع في بلادنا وهو ان مفهوم تاريخيا, فالمذهب المالكي هو الشائع في بلادنا وهو وان سمح بالتشخيص في مجالات محددة الا ان الذهنية الشعبية لم تكن ميالة للنحت او للصور ذات الظلال والبيئة التي ثبت ان لها ارتباط تاريخي بالنحت مثل مصر لم تكن موجودة عندنا, والتونسيون عير ميالين الى النحت رغم تواجد الاسم المهم للمرحوم الهادي السلمي في هذا

المجال اضافة الى فنانين اخرين, ولم يواجههم او ينكر عليهم احد اي شيء انها بطبيعة الناس لاتجد ميلا نحتيا جغرافيا حق التواصل مع خامات كالخزف وغيره جعلت الرجوع الى المورث هنيا وسهلا ويحقق نجاحا اوسع.

* الى جانب الاهتمام الافريقي هناك اهتمام متوسطي وخاصة الاطار المعماري الموجود في تونس الذي يبقى شاهدا على الصلة الحضارية بحوض المتوسط.

ـ العمارة في المغرب العربي مرحلة من اهم مراحل العمارة العربية الاسلامية ولنقل ان التأثير المتوسطي لايعني التأثر بأوروبا مثلا, نعم هناك تأثيرات ايطالية متأخرة, فمنذ القرن الثامن عشر دخلت الينا موتيفات ايطالية في ألبيوت التي بنيت آنذاك وهي بيوت تستعمل انواعا من السواري وتزويقات ايطالية وتركية واندلسية, وعمارتنا مطبوعة بالارث الاندلسي الى حد كبير, ناهيك ان ما يحقق المشهد الجمالي التونسي هو اندلسي وفي العمق فإن الفن في المغرب العربي هو سليل من القيروان.

* وما الذي يميزه؟

ـ من القيروان من فنون بلاد الرافدين, فلو نظرنا الى حشوات المنابر (منبر جامع عقبة بالقيروان) الذي يشكل مرجعا للتأثيرات الساسانية والبيزنطية (شجرة الحياة) تم في مراحل اخرى وبذات الجامع نجد بوادر تطور الفن الاسلامي (المربعات الخزفية ذات البريق المعدني) وهذه انت من بلاد الرافدين, وهذا جامع عقبة في القيروان بني ببقايا الاطلال الرومانية ولكن كان هناك حيز جديد وخاص في منتهى الابداع انطلاقا من خامات اخذت ربما من الاسلاف هذا الفن القيرواني شع على كل المغرب العربي, الجزائر والفن الموحدي والمرابطي وكل مآذن مساجد بلاد المغرب التي تنطلق من القيروان ثم انتقل هذا الفن الى الاندلس وتألف مع تأثيرات مشرقية ايضا مثل ما يرى في قرطبة ثم انتهى الى خصوصية الفن العربي الاسلامي في بلاد المغرب ممثلا في قرطبة ومن ثم في غرناطة.

* وماهي العلاقة البصرية والجمالية فيما بين التشكيل لديكم وهذه العمارة؟

ـ اليوم تختلط الامور ولهذا ايجابياته ايضا وقد جربنا التأصيل بأشكاله المختلفة, التأصيل التسجيلي التأصيل الرومانطيقي ثم بالرجوع الى الخير الجمالي الزخرفي وقد طالب الفنانون بعدم تكبيلهم او تحميلهم اكثر مما يحتملون كونهم يسعون الى تجربة فنية ذاتية وعندما يترك المبدع لذاته يبدع وقد يكون متبعا, يجب ان نرفع وصاية الماضي ووصاية التراث, هؤلاء ان ابدعوا دون صلة بالمجموعة او انهم قد لايعبرون عما نريد لكنهم صادقون وهناك من اكل مطابخ الغير, وقد وصلنا الى عالم تنتفي فيه الاستعارات التي كانت سائدة في حين من الاحيان.

كان التجريد ملجأ لجل الفنانين لقد ذهبت وانتهت موجة التجريد, والمطروح هو كيف نتعامل مع المعاصرة, العالم في مستهلك الكلام قرية صغيرة عولمة ونحن نتلمس الطريق اذ لابد ان نواجه الجديد وتحول مفهوم الفن من مجرد واقع بصري او شبكي (وهو يسمى الفن الشبكي) لان البصر يمر عبر الشبكية في العين, والفن الشبكي اضحى استعراضيا (بيرفورفانس) يحكي عن العنصر المسرحي والخير.. الحيرة تطال الشباب ولك ما يدور في العالم في اطار التحولات التي تطال الشبكية والبصر ليتحول الى المفهوم والذهن والتعامل مع الاشياء لا من خلال تمثيلها وانما من خلال تقديمها كما هي, وهنا نفهم التنصيبات وتجميع البقايا والنفايات وكل مايسهم في بناء تشكيلات فنية.

أهذا يدل على حيرة؟

هذا يدل على حيرة, والحيرة في اغلب الاحيان مخلصة وانا ليس لدي اعتراض, فالفن والفنان لابد ان يكون حرا ومبدعا وسنرى ما سيئول اليه هذا الامر على انه لا ينبغي ان نؤثم فنانينا فنقول انت لاتزال متخلفا تمارس الفن البصري المعين او التشكيل المسندي وقلة من يحاولون البحث.. هذه الحيرة ستفضي الى الوعي, والمهم هو ان نجدد موقفنا مما يجري على الساحة العالمية فنيا لا بالنظر والاحتراز وانما بالمشاركة وتمتين العلاقة بفنون الآخر, وقد تكون لنا وشائج وعلاقات مع امريكا اللاتينية او افريقيا ونحن ندير ظهورنا لافريقيا ـ لابد ان نفيد من هذا الزخم العجيب من الابداع الافريقي وغيره, اننا امام ثراء متنوع قد يصيبنا بالحيرة لكن علينا الا نحجم بل ان نتقدم.

* الاسوار والابراج المربعة والبوابات.. كلها تخلو من موتيفات زخرفية الا في المغرب الاقصى احيانا (بوابة المنصور في مكناس) وهذا عكس ما نراه في مدينة صفاقس واسوار المدينة القديمة العارية من الموتيفات, وفي مواجهة مدينة وازقة حية واختلاط مفاهيمي للانتماء هل يمكن ان تشيروا الى الحروفيات العربية في اطار التقشف والغنى وما انعكس على استخدام الحرف العربي في اللوحة المسندية البصرية التي بدأت منذ الستينيات وآلت الى الفشل.

ـ الحركة الحروفية مرحلة من مراحل التشكيل العربي والاسلامي فالحروفية انتشرت من اندونيسيا الى بلاد المغرب, وقد كانت استجابة لبحث ما, ولعل ما افقدها ـ تقريبا ـ تأثيرها هو كثرة التهافت عليها, هناك مجيدون وهذا واضح ولكن في الكثرة والاستسهال ولما تركه الاجداد وما يظن انه مباح للاستعمال ظهرت تجارب ضعيفة, اذ ان التعامل مع ما تركه الاجداد يجب ان يكون على سوية ما تركه الاجداد وبالطريقة التي تعاملوا فيها مع الحرف وروحة ومادته الاصلية ولا بد ان نتفق ان الحروفية ليست نتاجا عربيا وحسب, فالغرب استعمل الحروفية ولدى (كلي) اشكال حروف عربية, والتكعيبية استخدمت الحرف اللاتيني وبيكاسو وغيره, وهناك نزعة غريبة في الاربعينيات استخدمت الحرف اللاتيني وكذلك العلامة كون الحرف علامة ايضا (كابوروسي) وفي اطار الانبهار بمزج الخطوط الغرافيكية بالحروف في البدايات كان ذلك مقبولا ثم انزلق او انزاح التوجه نحو التزيين وهذا يستغل تعلقنا العميق بالحرف العربي وفي نهاية الامر انحسر الاهتمام بهذا المد الحروفي.

 

 

التشكيل والعمارة وجهان لفعالية واحدة - مهدي مطشر: لا أؤمن بوجود لون جميل وآخر قبيح

: طلال معلا

منذ عامين ونيف، وأنا أحاول تحقيق هذا الحوار مع الفنان العراقي مهدي مطشر، ولظروف طبيعية وتقنية فقد طالت الفترة دون انجاز هذا الحوار، ونظراً لأهمية الفنان مطشر التي تأتي من منهجيته الواضحة التوجه في عمله وتجربته بمجملها فقد بقي الاصرار يتفاعل في داخلي لتحقيق بعض التواصل الواجب ما بين الناقد والفنان ـــ وعلى الأقل من ناحية وظيفية ـــ تساعد غالباً على ابراز الموقف الانساني للفنان من قضايا الحياة وفضاءاتها الحضارية، والفنان مطشر إذ يعي أهمية الممارسة التشكيلية كفعالية انسانية تتكامل فيها توجهاته إلى الفن والشعر والرياضيات والعمارة والفلسفة والتاريخ، فإنه قد حقق عبر هذه المعادلة تواجداً وحضوراً لتوجهه التجريدي الهندسي المرتبط بالرقش والزخرفة الاسلامية بمعناها الشمولي.

ولد الفنان مهدي مطشر في الهيلا ببابل العراق في العام 1943 وقد درس الفن في الاكاديمية العليا للفنون الجميلة ببغداد والمدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة بباريس، إذ أقام منذ العام 1967 في مدينة باريس ثم انتقل الى مدينة آرل ليستقر فيها في العام ،1974 لكنه بقي محاضرا في المدرسة الوطنية العليا للفنون الزخرفية بباريس حتى الآن.

أقام الفنان مطشر العديد من المعارض الفردية في العراق وفرنسا والسويد والدانمارك والولايات المتحدة والمانيا وبريطانيا وغيرها من دول العالم كما شارك في معارض دولية جماعية مهمة، وقد اقتنت مجموعاته متاحف مهمة كمتحف فن الجرافيك الاسكندنافي في السويد، ومتحف الفن المعاصر ببغداد والمكتبة الوطنية بباريس ومتحف الفنون الجميلة بشارتر ومتحف الفن الحديث في تونس، ومعهد العالم العربي بباريس، وقد دعي للعمل مع المعماري العراقي المعروف رفعت الشادرجي والمعماري الفرنسي بيرتي بوشي وغيرهما .. وكان مطشر قد نفذ ورشة تجريبية في احدى دورات بينالي الشارقة الدولي للفنون توضح طريقته ومنهجه في بناء التصور اعتماداً على التوقيع الموسيقي للخط واللون والبناء.

التشكيل حاجة اجتماعية * التشكيل طريق الى الداخل الانساني، شكلاً وفكراً، قل أبعد من ذلك بكثير .. هل يمكن تحديد مفهوم معاصر للتشكيل، وأي تشكيل نقصد وقد تنوعت مراميه وأنواعه، وفي أي مجتمع من المجتمعات الانسانية يمكن أن نقف على هذا المفهوم؟

ـــ ممارسة الفنون بكل مكوناتها المختلفة، شرقاً وغرباً، مرهونة ومرتبطة بشكل من الأشكال بتاريخ الممارسة الغربية، ومدارسها، ومكوناتها العضوية، اللوحة القماشية، الألوان الزيتية، فكرة المتحف وأشكالها الاستمتاعية

ـــ أي صلة هذه الممارسة بالجمهور المتجهة اليه .. انها صلة استمتاعية، سردية المكونات، ومن خلال هذه المكونات تريد أن تطرح (شاعريتها) ... والتساؤل الذي يهمني هو: هل هذه الممارسة الغربية هي أفضل صيغة لسد الحاجة إلى التشكيل، أم هناك فضاءات أخرى وسبل (ليس بالضرورة متناقضة معها) تملأ وظيفة التشكيل بشكل أوسع، وأكثر عمقاً.

الممارسة التشكيلية حاجة في كل مجتمع، وفي كل زمان .. حاجة للجماعة الانسانية وللفرد الانساني، الجماعة لتستقرئ أبعاد تصورها، وثراء تطلعها من خلال تنوع وثراء التساؤلات الفردية وما فيها من ابداع، وثورة، وتأمل، فما بين الحاجة للتعبير عن أمور آنية وانفعالات حياتية، والحاجة في البحث والتفكر أو البناء والتركيب، تجمع الجانبين (الحسي والفكري) في آن واحد، ثم لا ننسى الجوانب العملية في الصياغة واستخدام الخامات، وأخيراً الجانب الفني الاقتصادي .. كل هذه الأمور تدخل في حساب الممارسة التشكيلية وما يطرحه التشكيل من مفاهيم.

* لكن مفهوم التشكيل مرتبط بمفهوم الابداع بصورته العامة، سواء اعتبرناه نزوعاً ذاتياً خالصاً .. أو نزوعا يعتمد على التجربة الانسانية بمجملها، هل بامكانكم تحديد مفهوم معاصر لهذه الممارسة التشكيلية؟

ــــ المفهوم يتضح بتلاقي الحاجة الفردية، وقدرتها على أن تكون منطلقاً انسانياً صادقاً للتساؤل والتفكير، وثم الحاجة الجماعية، وتمكنها من استيعاب وهضم هذا التساؤل الفردي، وما يمكن أن يؤديه من وظيفية في اتساع فضاء المعرفة الانسانية (المعرفة البحتة أولاً، والمعرفة العملية ثانيا) .. ثم في توافق التطلعات الوظيفية، والخامات، وطريقة اعادة صياغتها، أو ابداع خامات ومجالات جديدة، يمكن بها فتح آفاق تساؤل أخرى.

تحديد مفهوم معاصر للممارسة التشكيلية هو ايضا اخراجها من جانبها الصوري الأيقوني، لكي تستعيد طاقتها الحسية ـــ البنائية في واجهات الحياة الحضرية .. الحديقة ومكوناتها النباتية، العمارة وموادها الصلدة، الكتاب وفضاؤه اللغوي ـــ الشاعري ـــ الشخصي .. لكل هذا علاقة بهذه الممارسة، ليس على شكل ديكور يضاف، بل بصلة جوهرية تعيد تصور المبنى (بمعنى ما يفعله الانسان وما ينتجه) .. هكذا نخرج الممارسة التشكيلية من تأزماتها النفسانية لنعيد لها بعدها الفعال في الحياة اليومية .. أي في الثقافة الفعلية للمجتمع.

العمارة والتشكيل * علاقة التشكيل بالعمارة، علاقة قديمة ترجع الى بدايات الحضارة الانسانية .. حتى ان الفاصل بينهما لم يكن اضحا إلا بعد نمو عصر النهضة الايطالية، وبروز النزعة الشخصية لامتلاك العمل الفني كصورة مستقلة بذاتها، ما أدى إلى ظهور الحاجة المتحفية كمكان لتخزين النتاج الفني .. لماذا تؤكد في تجربتك على هذه العلاقة بين العمارة والتشكيل؟

ـــ لو تفحصنا التاريخ لوجدنا ان التشكيل والعمارة كانا دائماً وجهين لفعالية واحدة مهمتها بناء فضاء الجماعة البشرية بكل احتياجاتها الحسية والفكرية .. وبالتأكيد الوظيفية.

الحيز المعماري هو الفضاء الفعلي للانسان بكل مكونات المجتمع وخصوصياته .. فهو اذن المرآة الفعلية ولهذا يكون محيطا وحيزاً، شكلاً وكتلة، لوناً وظلاً ونوراً .. يجمع كل خاصيات التشكيل فهو اذاً أهل لأن يكون فضاء الفعالية التشكيلية ـــ هذا من الجانب العملي ــ أما من الجانب المعنوي فالعملية تأخذ أهمية جديدة:

عندما نتطلع إلى الصورة المتحفية فإن علاقتنا بها تظل علاقة مسافة أي علاقة بُعْد استمتاعية وحسب، لكن علاقة الانسان مع محيطه الجغرافي أو المعماري هي علاقة تفاعل وفعل ... علاقة تواشج لا تقبل البعد، انها علاقة حسية، فكرية، جسدية، أي فضائية .. وأخيراً فهي استمتاعية، من هنا يتضح أن اعادة التفكير بالممارسة التشكيلية مرهونة بالعمارة .. أي ضمن فضاء الفعالية البشرية بشكلها المتكامل .. وهي استعادة لأهمية الممارسة الفنية في الحياة الانسانية، وما يمكن أن يمنحه هذا الانفتاح من امكانات جديدة للتشكيل.

* بالعودة الى تجربتك، وبعد مرور ما يزيد على الثلاثين عاما في أحضان الغرب ومعارفه ومواقفه، كيف تنظر اليوم إلى ما تمكنت من انجازه، وهل نأيت عن مرجعتيك الذهنية بانقطاعك الفردي؟

ــــ كل تجربة هي تجربة ذاتية بالطبع، تخضع لمؤثرات متعددة، ولو نظرت الى تجربتي فمن خصوصياتها محاولة التوفيق بين متناقضات عدة، ومن ثم جمعها في متكاملات واضحة .. كاهتمامي بالشعر والرياضيات، العمارة، الشرق، والغرب، أما من الناحية الحديثة فأجدني بعد أكثر من ثلاثين عاماً مضت في أوروبا، أكثر شرقية (ذهنياً) مما كنت عليه عندما قدمت لأول مرة إلى باريس في الستينيات بانبهاري كأي شرقي أمام الحضارة الغربية، والذي ينعكس الآن تماماً ليصبح عملية تعادل، ومحاولة توفيق بين وجهتي نظر للعالم والوجود.

فضل هذا التواجد هو في امكان قياسي الأفكار والتوصلات والتاريخ بمعايير موضوعية، وبحرية ودون عقد .. كان همي ـــ ولا يزال ـــ في ايجاد منفذ خاص بي خالٍ من عمى الموضة وبهرجة التقليد .. لدي اهتمامات شخصية منذ طفولتي، العلاقة بالخط المستقيم والشكل الهندسي (المربع بالذات)، والعلاقة باللون الصافي غير الممزوج .. العلاقة مع العمارة .. هذه تساؤلات وانبهارات لم تتركني منذ طفولتي ... وقد ساعدني تواجدي في أوروبا بالتعرف عليها والحوار مع ماهياتها من خلال عملي ومن ثم صياغة منهج واضح وتحرك شخصي أعطى تجربتي بعض الخصوصية وان كانت بطيئة الحركة، ولو أردت اعطاء تعريف بسيط لها، فهي مرتبطة وبشكل غير مباشر بالحركة التجريدية الهندسية (بالنسبة للمتعارفات التاريخية الغربية) وهي مرتبطة بمضمونها الفعلي بالرقش والزخرفة الاسلامية بمعناها الشمولي الموضعي وأقصد منحى الزخرفة.

اللون تجربة وممارسة * إذا تركنا التقسيمات المصطلحية جانباً، وبقينا في اطار العملية التشكيلية ذاتها كقيمة ذاتية وتعبيرية، كيف تنظر الى علاقة التجاذب والتنافر مع محيطك كونه الوعاء الأشمل لذاتك المتحركة في الزمان .. والمكان؟

ـــ العملية التشكيلية معادلة كيماوية، أو سيميائية متشعبة الأطراف والمكونات، بامكاننا أن نقول بأن نتائجها هي غير ما كان متوقعاً منها .. وكل فرد انساني خزان أحاسيس بدائية تتكون من مجموع الصور والتخيلات والأحاسيس التي اجتمعت في دواخله منذ ولادته بعلاقته مع العالم، هذا من الناحية المبدئية، يختلط هذا المخزون مع مجموع أشكال الوعي الذي يتوصل اليه خلال تفاعله في الحياة مع ما يحيط به، عندما يكون (فنانا) وأقصد (الوعي الحسي بهذا المخزون والحاجة للتعبير عنه) تزداد حدة هذا المخزون إلى آلاف المرات وتتضح لدى الفنان الحاجة إلى طرحه في أشكال الممارسة الفنية .. هناك عدة مراحل لهذا الطرح كأن يكون سلسلة من التصورات والعلاقات بتعبيرية بدائية للتخلص من ثقل زحمتها في دواخله .. وهذه أولى الحالات التعبيرية المستخدمة .. عندما يدرك الفرد بأن هناك معادلة بين طريقة طرح المخزون والمادة أو الخامة المستخدمة والحاجة لهذا الطرح .. آنذاك يتعرف على ماهية هذه الحاجة .. ويبدأ التعبير كفن وفعالية قائمة بذاتها .. وعندما يذهب إلى أبعد من ذلك للنفاذ إلى قراءة ماهية هذا المخزون من خلال وعي جديد للعالم وما تعرف عليه من خلال ملاحظته له واستقراء موقفه الوجداني بين الحركتين (حركة من الداخل نحو العالم، وحركة من العالم نحو الداخل) ..

ومن ثم بناء تحرك قائم على هذه المعرفة .. آنذاك نجد أهمية الابداع في الممارسة الفنية ... هذه المعادلة مهمة بالنسبة لي، ومحاولتي فهم عملي وارتباطه بفهمي للعالم وموقفي منه متعلق بهذه المعادلة .. إذ ان العمل الفني يكون مهماً في هذا الموقف وليس في الموضات والمدارس والهامشيات الأخرى.

* هل تترجم هذه المعارف إلى قيم لونية كونك تشكيلياً أولاً، أم ان الاهتمام النظري والتجريدي الهندسي يتجاوز اهتمامك باللون؟

ـــ في مجال اللون لا أؤمن بوجود لون جميل وآخر قبيح، بل هناك استخدام أمثل أو خاطئ لهذا اللون .. الألوان خامات وامكانات حسية ضوئية، بها نبين العمل الفني .. والمهم أولاً فهم علاقتنا الشخصية بها أو مع متعدد العلاقة اللونية ومعادلتها بما يطرحه كل لون من امكانات ضوئية وتكوينية والتي بها ندفع تحركاً صافيا ومخلصا خاليا من أي تشويش خارجي عنا .. بذلك ندرك جانبي اللون وامكاناته ـــ الجانب الحسي الشخصي أولاً، ومن ثم الامكان الثري الكامن في الطاقة التشكيلية للون، والقدرة على بناء حالات وتحولات في علاقة هذين الجانبين ..

وهنا تتضح خصوصية استعمال اللون، وتظهر انسانية الفنان. * اللون امتداد لمخزون الطفولة الأول، وهو ثقافة تنمو بفعل الزمن يمكن صقلها وتغذيتها بالمعارف .. واللون عبور الى روح الانسان .. كيف تختار ألوانك؟

ـــ كلما تمتع الفنان بحرية التعبير حقق المشاهد رغبة أشمل للنفاذ إلى العمل الفني حيث يتعرف عليه من أبواب واسعة تنفتح على مخزونه الشخصي .. هكذا تلتقي انسانية المشاهد بانسانية الفنان فالمرء مرآة أخيه. شخصياً أنا مرتبط بهذه العلاقة أو هذه المعادلة، وعلاقتي مع اللون تمتد إلى طفولتي فهي بدائية من جهة، وهي ايضا وعي للطاقة التشكيلية الكامنة في اللون ـــ أي علاقة (تجربة وممارسة) ـــ وبنفس الوقت لدي من خلال الشطر الأول علاقة أكثر عفوية مع بعض الألوان، الأسود والأبيض، الأزرق النيلي، الأصفر البرتقالي .. انها علاقة انبهار، والمعادلة تتم وفق هذين الوعيين وقدرتي على التوفيق بينهما لبناء طرح خاص بي.

التكرار ديمومة * التكرار في التشكيل من أقدم القواعد الحضرية، نجده في فنون الكهوف، في التعبير البدائي، وفي الفنون الشعبية وفنون الحضارة الاسلامية .. وقد استفدت من معاني التكرار في تجربتك .. كيف انتبهت الى هذه الحركة؟

ـــ بدأ اهتمامي بالتكرار ـــ وبشكل واعٍ ــ في نهاية الستينيات ـــ عندما شرعت لأول مرة بتقسيم السطح التصويري إلى وحدات متشابهة ومتكررة الشكل ولكنها مختلفة المضمون، عمودية أو مربعة، فيكون السطح التصويري جزءاً من ديمومة مستمرة في كل لحظة، تتغير هوية الوحدات المتكررة بتحركها داخل السطح التصويري وفق ما أردته لها، هذه المحاولات، والتي بدأتها بالأسود والأبيض ستستمر في استخدام اللون، ولكنه سيبقى صافياً من أي خلط .. كنت أحصل على حركة استمرارية الواقع.

وهذا الذي دفع بعض النقاد لزجي في تيار الفن البصري، والذي ليس لي به أية علاقة مباشرة، ما عدا معرفتي الشخصية لبعض رواده، وقد كان لاهتمامهم صدى في ذهني بالتأكيد.

التكرار هو طريقة تثبيت الزمن في التشكيل، الزمن بمعناه الديمومي، الزمن كشاهد على تحول الفضاء، وهو بذاته حيز لهذه الديمومة .. انه فضاء مقترح في المادة التشكيلية، وزمان مثبت بها أيضاً .. أي انه ديمومة متكونة ومحتواه في المادة التشكيلية لحقيقة متفاعلة مع حسنا وتفكيرنا.

* الضوء أو النور هو اللون، ومحاولة الفنان التعامل مع اللون هو تثبيت هذا النور والحوار معه واكتشاف علاقتنا به كبشر (حسياً) .. والعمل الفني هو مرآة هذه العملية؟

ـــ الضوء يحمل في ماهيته، وضوح العالم المرئي، للنفاذ الى اللامرئي، فهو الخيط الذي يربطنا بهذه الماهية .. فك لغز، تحليل، تقييم، انه وسيلة نحت معرفتنا بالعالم والتعرف بعد ذلك على ذاتنا الانسانية كمرآة لهذه الهوية (هوية الوجود) .. وتبقى علاقتي الشخصية باللون ـــ الضوء ـــ النور، كعلاقة أي شرقي، انها علاقة انبهار من حدة الضوء إذ يكاد المرئي يختفي من حدة الضوء، والعملية معكوسة عند الغربي الذي يبحث عن الضوء لايضاح العالم .. الشرقي يحجب بعضاً من قسوة الضوء ليتمكن من الوضوح .. ألا ترى انها معادلة مهمة.

التصور والتصوير * ما ينتجه المبدع صورة .. والصورة ليست شكلاً مطلقاً وليست فكرة مطلقة .. انها ظاهرة يحققها الخيال عن المتصور، بماذا تهتم أكثر بالصورة أم بالتصور؟

ـــ في كل واجهات عملي، يتضح بأني غير مهتم بالتصوير بمعناه التقليدي Pinting وانما الذي يهمني هو بناء قاعدة تصور لممارسة تذهب أبعد من ذلك، ممارسة ذات فضاءات أوسع للتعبير الشخصي أولاً ومن ثم أكثر ثراء وقدرة لبناء صلة ايجابية مع الواقع الحضري لتكون أكثر نفعاً للجماعة البشرية .. هذا ما ابدعه الرقش الاسلامي .. انه نوع من التشكيل الذي يمكن أن يشابه التركيب الموسيقى أو اللغوي الشعري، فعند سماعنا علاقة صوتية في الموسيقى، انها لا تمت بأي صلة كما هو (واقعي أو مرئي) من الاصوات الطبيعية، لكنها تحرك في دواخلنا فرحاً بدائياً يربطنا بوثوق إلى العالم، حينها نشعر بخفة مافينا من حس، ونكتشف أيضاً بأننا جزء من الموجود، وهو جزء منا، ومخيلتي هي صدى لهذه الحقيقة في الترابط.

ـــ عبر دراستك المتنوعة، يلاحظ المتتبع اهتمامك بالقيمة الجرافيكية للخط ومدى استيعاب هذا الخط للكتلة ومواصفات الفراغ الذي تحققه، إلى جانب عنايتك بالخط العربي، هل هناك أسباب محددة لهذا الاهتمام؟

ــــ يرجع اهتمامي بالخط الى التساؤل التالي: إذا كان تاريخ الفن الغربي (بمتاحفه ومخزونه الكبير والثري) يشكل المرجع والخلفية الثقافية للفنان الغربي، فما هي إذن خلفية أو مرجع الفنان الشرقي، أو العربي بالذات وربما المسلم؟

لم أجد جوابا كافيا يقنعني، وفي حديث مع أحد الأصدقاء تطرقت الى المتعارفات الثقافية في الحضارة الاسلامية، اتضح الجواب في ذهني على ان الخط العربي بثرائه وأهميته التاريخية والفنية يشكل أحد أهم الأركان الثقافية للحضارة الاسلامية، فذهبت محاولاً فهم السبب ووجدت ان بدايات الخط العربي في نهاية القرن السابع وبداية القرن الثامن الميلادي تشكل ثورة ثقافية وتشكيلية بكل معنى الكلمة.

أبدع الأولون طريقة لبناء الفضاء التشكيلي، منطقية، وحكيمة وذات شاعرية قاعدتها فهمهم بأن الفضاء التشكيلي هو أولاً فضاء ذهني (أي لا يمت للواقع المرئي بصلة)، ولكي يكون فعلاً انسانيا ذا مدلول وأهمية، عليه أولاً أن يبدع قوانينه الخاصة بدقة وحكمنة، وقد أوجدوا لتلك القوانين والقواعد، خصوصيتها انها وثيقة الصلة بالثورة المعرفية التي سادت في تلك الفترة وخاصة في العلوم والرياضيات والفلسفة .. هذا من الناحية التكوينية أما من ناحية الفحوى، فقد أوجدوا منهجاً يجمع بين موسيقية الشعر العربي وقدسية النص القرآني التي شكلت بداية الحاجة وشمولية الموضوع بمعناه التشكيلي .. فتقسيم الورقة (السطح التشكيلي) الى فضاء يقاس بما فيه من حروف وامتدادات وفضاء أبيض بحسب جزء مكون هو النقطة ـــ المربع المعيني ـــ كوحدة قياسية، من هنا نظر الى الابداع الكبير، جمال الكل مرتبط بجزئية البعض وحكمته، ليكون المملوء والفارغ بنفس الأهمية ـــ الخارج والداخل ـــ الحرف وما يحيطه .. النتيجة ان لدينا سيمفونية تشكيلية اسمها المخطوطة لها قوانينها التي تحكمها ودقة ترصد علاقات مكوناتها، لا تحتاج الى خداع أو تأزمات نفسية (بالمعنى الغربي) إذ ان جماليتها في هذه الدقة البنائية والحركة الدائمة المتكاملة الوجود، من الصغير الى الشامل وبالعكس .. وكل ما نمى بعد ذلك من استخدامات كان مبنياً على هذا التواصل، من تعدد الخطوط وتشعب الابداعات، ولعل الجزء الوظيفي في هذا التوصل هو ادخال الخط في كافة فضاءات الحياة اليومية كفعل تشكيلي وليس فقط كمدلول لغوي .. الإناء، السجادة، العمارة، الكتاب، فراح فضاء المخطوطة يبني جزءا مهماً من فضاء الجماعة البشرية، سواء أكان هذا الفضاء مفتوحاً عاماً أو فضاء شخصياً ذاتياً.

إني أجد في هذه التجربة أهمية بالغة، لأنها سمت بالحاجة والضرورة الأولية الى موقع مثالي، رائع التكوين، فتخطى الزمن والحدود، حتى الحدود الثقافية فظلت مفتوحة الامكانية على التجديد والابداع.

* يقال انك أحد ثلاثة فنانين عراقيين اعطاهم البعد فرصة للحكم على عواطفهم وقياسها وهم فائق حسين في مدريد ومحمود صبري في براغ وأنت في آرل .. هذا البعد بلور معاني كثيرة زادتك ارتباطاً بهويتك .. هل يمكن أن توجز في نهاية هذا اللقاء نظرتك إلى الفن؟

ــــ الفن عملية فكرية، حسية، ومهنية ايضاً .. انه حالة دائمة للرصد المعرفي، أي من خلال الممارسة والحكمة من هذه الممارسة، بربطها بالضرورات الشخصية أولاً ومن ثم توصيلها بالحاجة الجماعية لتصبح ظاهرة ثقافية .. إذن فهي مسألة وعي وحوار مستمر .. هناك فن للراحة، وفن للتساؤل، فن للبحث والاختبار، ونحن بحاجة إلى كل أشكال الممارسة وخصوصياتها المختلفة بتفاوت التجارب والأمزجة فالحاجة الى الفن تدفعنا دائماً لأن نكون أكثر انسانية مما كنا عليه .. هذا الحوار الواعي بالحاجة المختلفة وبالثقافات المحيطة هو الذي يعطي للتجربة الفنية أهميتها .. انها تمتد تكبر، تنمو على شاكله الحياة التي لا تنحصر في شكل جامد .. انه فعل انساني يكبر وينمو ويتعمق بالمواصلة والتساؤل على كافة المستويات .. نموه كسلسلة واحدة تربط أجيال ومجتمعات وثقافات مختلفة، يؤكد شمولية الوعي الانساني في تحركه للنفاذ الى أبعد نقطة ممكنة يرصدها الحس والذكاء البشري.

 

 

 

الباحث عفيف البهنسي الجنوب قدم للشمال أول أبجدية وأول نوتة موسيقية وأول مسكن

طلال معلا

يرى الباحث عفيف البهنسي ان الوظيفة الاساسية للفن هي الدلالة الفكرية او الادبية، وبهذا المعنى يصبح الفن لغة تشكيلية لأفكار عامة، ولكن الفن العربي يبدو على النقيض متحرراً من هذه الوظيفة، مستقلاً بذاته. ولهذا فقد انطلق في كتابه الاخير شمال .. جنوب،

حوار في الفن الإسلامي عبر مجموعة من التوضيحات والمواقف التي تدعم جهة الحوار وتمتن مواقعها، ويمكن تلمس ذلك في الفصول الخمسة التي احتواها الكتاب الذي طبع في اطار موضوعة الندوة الدولية الموازية لبينالي الشارقة الدولي الخامس للفنون حوارات الفن.. حوار الجهات وباعتبار الناقد الدكتور عفيف البهنسي الناقد المكرم من قبل البينالي على كامل جهده النقدي، البحثي والنظري الذي دعم أسس الحوار بين الشمال والجنوب.

فصول الكتاب تعرف بهوية الفن الإسلامي التي اعتمدت أسساً جمالية مختلفة عن جماليات الفن في الشمال والتي يعتبرها الباحث ابداعات تشكيلية نراها موزعة على اشياء استعمالية أو زخرفية تجميلية الخزف والنسيج والقراطيس والمخطوطات والسجاجيد والأدوات المعدنية أو الأعمال الفسيفسائية.. وهي في عمقها تتبع مفهوم التوحيد لتقوم على أسس روحية وفلسفة متميزة تكشف عن شخصية فنية متكاملة لابد ان تأخذ مكانها عند فهم اسباب العزوف عن النسبية والفراغ والمنظور الخطي الهندسي، وعند الكشف عن الخصائص المعمارية والزخرفية والخطية التي تجعله فناً مختلفاً في شكله ومضمونه وجمالياته عن فنون الشمال.

ـ شمال جنوب، قطبان يفترضان التعادل، لبناء حوار قديم جديد، حوار التلاقح والاستفادة، التأثر والتأثير، السيطرة والضعف، السلب والايجاب، كيف تنظر إلى استمرارية هذا الحوار؟ ـ نحن نؤمن بأن هذا العصر هو عصر الحوار، وليس عصر الصدام كما يتصوره بعض المفكرين الغربيين، انه عصر الحوار بين شرق وغرب وعلى الاقل في منطقتنا العربية، بين شمال وجنوب بالنسبة لمنطقة البحر المتوسط، هذا الحوار ليس حديثاً، انه حوار قديم، وعندما كان هذا الجنوب يقدم

للشمال كثيراً من المعطيات الحضارية لم يكن الشمال الا بحالة انتعاش.. مع ذلك، فمنذ عصر النهضة تغيرت الأمور لأن العصر الصناعي ادى إلى سيطرة اقتصادية على الجنوب وبالتالي أدى إلى سيطرة ثقافية..

ـ انفتاح أوروبا على العالم، سياسياً واقتصادياً حقق حملات استشراقية للبحث عن أسرار الحضارات، هل يمكن اعتبار ذلك جزءاً من الحوار؟ ـ في عصر انفتاح أوروبا على العالم سياسياً واقتصادياً كان الجنوب العربي أقرب المناطق جاذبية، وخصوصاً للباحث الأوروبي الذي مضى يبحث عن أسرار الحضارة من خلال الآثار والتراث ومن خلال البيئة الاجتماعية التي كانت غامضة وغريبة، وأخذ هذا التوسع الثقافي شكل الاستشراق الفني كشكل من اشكال النهضة والتنوير الثقافي في أوروبا، وان رافق غالباً التوسع السياسي والعسكري.. وسيطرة الشمال على الجنوب لم تمنع من الاستشراق كما لم يمنع ذلك التمغرب، فالاستشراق هو اتجاه لدراسة اسرار هذا الشرق العقائدية والحضارية، وكل ما يتضمن من وجهات النظر التي لا تخلو احياناً من الانحراف أو النظرة ـ وحيدة الجانب والاتجاه ـ ونحن نستطيع ان نأخذ من الاستشراق بعض الأمور الايجابية ونترك السمات السلبية لكي نرى بأن هناك من اهتم لاحقاً اهتماماً قوياً فيما يتعلق بهذا التراث، لقد كنا نمارسه دون ان نتعمق في أهميته أو في مستقبليته.

ـ كيف استطاع الشمال ان يبني نظرياته المعرفية والجمالية عبر هذا الاستشراق؟ ـ في نطاق الاستشراق الفني بشكل خاص، كان هاجسي ان احدد إلى أي مدى استطاع الغرب أو الشمال بمعنى أوروبا كلها ان يستفيد من المعطيات الجمالية التي انتشرت عبر فترة طويلة في منطقة الجنوب.

ابتدأت فعلاً من الحضارات الأولى التي قامت في الشمال، وقد استفادت من الأسس والمنطلقات الحضارية الكثيرة، لنأخذ مثلاً الاكتشافات التي أبانت ان هذه المنطقة التي نعيش عليها ضمن نطاق ما سميناه بالجنوب، لقد قدمت أول أبجدية في عام 1933 عثر في مدينة أوغاريت برأس شمرة قرب اللاذقية على رقيم صغير الحجم يحوي عدداً من الصيغ المسمارية ماهي إلا حروف أبجدية لم يعرف لها نظير، بل لقد تأكد للباحثين ان هذه الابجدية هي الأولى في العالم وانها ترجع إلى منتصف الالف الثاني قبل الميلاد.

وكانت هذه المنطقة قد قدمت أول نوتة موسيقية.. وجدت في رأس شمرة اوغاريت وتحوي أول أغنية في العالم، اذ ترجع إلى عام 1400 ق. م، أي قبل ألف عام من اقدم قطعة موسيقية عرفها الغرب أي قطعة اوريستيس المسرحية الموسيقية التي ألفها يوربيدس أعظم شعراء المأساة الاغريقية، ولقد ابانت ألواح رأس شمرة الموسيقية انها أساس علم الموسيقى الغربي الذي اقامه فيثاغورث عام 500 ق. م.

وكانت هذه المنطقة قد قدمت أول مسكن منذ العصور الحجرية، في الوقت الذي كان يعيش فيه الانسان في المغاور أو البيوت البحرية، لقد قدم الجنوب حتى اسم اوروبا، من خلال الأميرة بنت الملك آجينور التي انتقلت حسب الاسطورة على ظهر زيوس وقد انقلب إلى ثور، فأصبح هذا الثور هو رمز أوروبا، وأضحت الأميرة رمز انتقال منطقة الجنوب إلى الشمال.. وفي المكتبة المركزية في باريس ميدالية من العهد الروماني تمثل ادونيس الذي كان يبحث عن اخته الضائعة في الشمال، وهو في هذه الصورة يعلم الابجدية الأولى التي كانت قد انتشرت في جبيل كما انتشرت ايضاً في اوغاريت.. وعلى الساحل الذي نعيش على ارضه كانت بداية الابجدية الأولى، الحضارة الاغريقية المتقدمة، والتي تطورت فيما بعد لتكون الابجدية في الحضارة الاغريقية اللاتينية الرومانية، وبنفس الوقت.. هذه الابجدية تحولت حتى وصلت إلى الابجدية النبطية، ومنها الابجدية العربية التي نمارسها اليوم.

ـ هذا الموضوع أساس لدراسة تطور الكتابة، هل يمكن القول ان هذا الحوار الثقافي كان سبباً في اظهار الشرق بمظهر المتقدم حضارياً؟ ـ نعم، فليس من كتاب يتعلق بالحضارات الانسانية أو بفنونها إلا وصفحاته الأولى مرتبطة بهذه المنطقة، سواء الحضارة المصرية أو الحضارة الرافدية أو الحضارة السورية القديمة، فكل الصفحات الأولى من تاريخ الحضارة العالمية والانسانية هي في هذه المنطقة، انه اعتراف بأن هناك اسبقية في تكوين حضارة الانسان في هذه المنطقة.. نحن لم نستفد من هذه الاسبقية، ولم نقم بتكوين ثقة بالذات على الاقل، ولكننا نحاول الآن ان نوضح مع علماء الاثار ان هذه المنطقة كانت معطاءة وننتظر ان تكون العلاقة بيننا وبين الشمال والجنوب قائمة على هذا التفاهم في الاخذ والعطاء.

ـ هل استطاع كتابك الاخير تبيان ذلك بوضوح؟ ـ في كتابي الاخير شمال جنوب، حوار في الفن الإسلامي بينت فعلاً ان المستشرقين قاموا بجهد جيد فيما يتعلق بالكشف عن أهمية الفن العربي،

سواء من حيث كونه اثراً قديماً أو من حيث كونه جمالية مستقلة عن الجمالية في الغرب، وهناك امثال بابا دوبولو من المستشرقين ممن قدموا مفهوماً يتعلق بالمنظور، وفي حوار مستمر بين بابا دوبولو وبيننا أوضحنا ان هذا المنظور اللولبي الذي كان عماد نظريته لايقوم على أسس الفكر الإسلامي.. نحن لا نستنكر هذه النظرية، ولكنها نظرية فينوفيولوجية ظواهرية ولم تكن نظرية عميقة قائمة على الفكر الإسلامي.

نحن نعتقد اننا نستطيع ان نستخلص من الفكر الإسلامي الكثير الكثير من العلاقات التي تبين لنا ماذا يعني الفكر الجمالي، لقد وجدنا في خضم بحثنا عن الفكر الجمالي بأننا لا نستطيع تأويل الفكر العربي لكي يكون فعلاً لغة هذا الحوار المتبادل بيننا وبين الشمال.. اذن كانت الجمالية العربية تقوم على الفكر العربي، وكانت الجمالية العربية دليلاً لمقدرة الفكر العربي ان يكون معاصراً بنفس الوقت..

ـ انت تعتبر كتابك شمال.. جنوب مقدمة متأخرة لكثير من الانجازات التي قمت بتقديمها عن جماليات الفن الإسلامي وجماليات العمارة وجماليات الخط والزخرفة، ماهي التقسيمات الأساسية لهذا المؤلف؟ ـ الكتاب احتوى على خمسة فصول ومدخل، تعرضت في الفصل الأول للشرق وحضارة الغرب وبه تكلمت عن اصل الابجدية والموسيقى الغربية واسم أوروبا والأسرة السورية ـ الليبية التي حكمت روما ثم المعماريون الشرقيون في أوروبا القديمة والعرب والمسيحية وأخيراً شواهد اثرية قديمة في أوروبا، وهذا الفصل فاتحة تاريخية للحوار الذي اردت ان أبدأه في الفصل الثاني تحت عنوان: اشعاع الابداع الإسلامي وبه كتبت عن تكون الفن الإسلامي واشكال الفن الإسلامي والإسلام والفن ثم الفنون التشبيهية والتصوير المجرد الرقش، والخط وأشهر الخطاطين ثم بين الفن الإسلامي والفن الأوروبي وختمته بالفن بعد الحداثة.

الفصل الثالث الفن بين مفهومين تضمن مفهوم الفن الإسلامي ومعاييره واشكاليات الفن الإسلامي وبين الفن والفكر الإسلامي، معنى المدينة الإسلامية، مفهوم العمارة الإسلامية، الابداع في الصنائع.. ثم انطلقت في الفصل الرابع لأثير قضايا مختلفة تحت عنوان الفن بين التمغرب والاصالة وضم المحلية والعالمية، الموقف من الاصالة، الماضي والتراث الثقافي، الاغتراب والاصالة، الاصالة والابداع، تعريف الاصالة ومنهاج التأصيل، اتجاهات التأصيل في الفن الحديث،مسألة الالتزام، المؤتمرات وتخطيط التأصيل.

الفصل الخامس والأخير جاء تحت مسمى المنظور في الفن الشرقي والغربي واحتوى على الخصائص الروحية للفن الإسلامي، أنواع المنظور، المنظور الروحي في الفن الإسلامي، المنظور اللولبي، المنظور الروحي للفن الحديث، وقد اشرت في الأخير إلى ما تم من انقطاع بين الفن الحديث وتقاليد الفن الغربي وجماليته وهذا ما اطلق عليه رينيه هويج تغيير القيم فقد أصبح الفن وسيلة للتعبير عن القلق والتعب عوضاً عن ان يكون وسيلة لاثارة الفرح مما دفع ببعض الفنانين ان يتجهوا إلى الشرق حيث يقدم مشهداً جديداً مختلفاً عن مشهد الغرب وحياته المحمومة ويقدم لوحة الهدوء والاستقرار كما كان يقول جوستاف لوبون.. الفنان العربي يحاول ان يخطط لمنظور روحي يقوم على مفهوم الوجود الازلي، وتأمل التصوير الإسلامي مهما كان نوعه، ومن أي عصر كان، يبين لنا ان هذا الفن لم يعتمد في تأليفه على أي عنصر من عناصر المنظور الخطي، فلا وجود لخط افق معين، ولا تحديد لزاوية رؤية، كما لا محل لنقطة هروب، بل ان كل عنصر من عناصر صورة ما يقع على خط أفق خاص، واذا جاز لنا ان نتحدث عن اشعة اسقاط فإننا في الفن الإسلامي على العكس نرى نقاط اشعاع تنتشر في انحاء اللوحة كلها، فكأنما الاشياء ذاتها هي مصدر الرؤية.

طلال معلا د. عفيف بهنسي

 

المجموعة الملكية الاسبانية في متحف التاريخ الطبيعي النحت النبيل في اندماج الحسي والمادي

طلال معلا

المادة، الحس، حيوية الطبيعة، وروح التكوينات التي تعكس نزوع الإنسان للتوازن مع محيطه وعالمه الداخلي، والاهتمام بالأشكال التي يتكيف معها لا شعور المتلقي بالاستجابة لها، إنها سيطرة المعرفة الفنية لإبداع ما يوازي خيالات الفنانين وتحقيق لهفتهم للإضافة والاكتشاف والتعبير عن المغزى الإنساني للوجود. المادة، شهادة أولى يتبناها المبدع ليعيد اكتشاف الحياة وهذا ما يمارسه الفنان كمبدأ أهم من قبل مختلف الحضارات، الشكل الذي تعبر عنه المادة لتوصيل الاحاسيس ولتحقيق حيوية العمل الفني الذي تمتزج فيه المادة بالاحساس لإبراز ما ندعوه القيمة الابداعية أو الفنية وبهذا يركز النقد على أهمية الخبرة المعرفية للاقتراب من روح الابداع.

في المعرض النحتي المقام في المتحف الطبيعي للمجموعة الملكية الاسبانية يلحظ المتأمل الاختيار النبيل للمواد التي نفذت بها الأعمال الفنية، وهي تعكس بحق اللغز الخفي للمادة وأهمية الاحترام الكبير الذي يكنه الابداع للطبيعة وهو يسعى لإبراز الحس الإنساني، جوهر الوجود وما تقدمه الأعمال النحتية المتنوعة من رؤية مؤثرة تظهر علاقة المتلقي بها من جهة وتعاطفه مع وجودها الجمالي الذي يحاكي الفراغ المتحقق بوجودها والذي يزداد غموضا وتأثيرا كلما اقتربنا منها بسبب ما تؤلفه العواطف والأحاسيس وما يخلفه المتخيل على المرئي المباشر كمادة ثابتة ملحقة بذات العمل الفني.

ليست كل ظواهر الفن الحديث تستدعي التشاؤم والقنوط، ولا يشكل الاغتراب عن حقائق الإنسان الجانب الأساسي فيما دعاه هربرت ريد في النحت الحديث (هندسة الخوف) وبرغم ما يعكسه القلق من ظلال على الفن الحديث، إلا أن الشعور بعظمة الإنسان وقدرته على توليد الوظائف الابداعية للفنون مازال مسيطرا على الجانب التفاؤلي في قراءة الأعمال الفنية، وما يمكن أن نعتقد بأنه الوجه الوحيد لفن معين سيبدو متعددا فيما لو اختلفت زاوية التلقي له أو محاولة إعادة رؤيته بمعايير جديدة، ولعل مختلف المبدعين المشتركين في هذا المعرض يسلطون الضوء على مواضيع عصرهم باعتبارها الطاقة التي تدفعهم للإبداع والتواصل مع التطور الانساني، الزمني والحيوي والمعرفي في النحت الحديث.

تندمج مجموعة المنحوتات في إطار التنوع الأسلوبي النحتي في الفنون الحديثة، وهي تتعايش مع بعضها لاستكمال صورة تطابق إلى حد كبير الاهتمام بالنحت الحديث في اسبانيا، وبرغم ما تشير إليه بعضها من انبعاثات تمثل تيارات عاشت أو مازالت تعيش في أوروبا إلا أنها تؤكد على الجذور الأسلوبية معها وعلى الوظيفة التي تقوم بها المنحوتة الصغيرة أو التوصيف الذي تقدمه للعمل المعدني في مواجهة ما قدمه العصر من مواد صناعية مغايرة لروح الطبيعة التي تبقى وفية للبرونز والفولاذ والحديد والألمنيوم والذهب والفضة وغيرها مما يتحمل الخلود والبقاء.

ويشكل تنظيم معرض المجموعة الملكية في المتحف العلمي بأسبانيا حدثا ثقافيا في إمارة الشارقة وتجسيدا لاستراتيجيتها الثقافية وكل ما يعني بناء جسور للتواصل والحوار والتعاون مع المؤسسات والهيئات الثقافية الدولية لتبادل القدرات الابداعية والعلمية والتقنية إذ يضم هذا المعرض أعمالا نحتية لمجموعة من الفنانين الاسبان المعاصرين أمثال جوزيف ماريا وسبيراجز ستجار وموسيس فايليلا وجون فاينيز ومانولو مارتينيز هيوجو، انطونيو جوديا كورنيت ودومنيك فيتا والفنانة كارفيا جبيرتا فورتيت وسيسيليا بانيوارنالدو والفنان مانويل الفريز، فرانشيسكو انجلس جارساي، بيونا فينتورا أنسون، جون كارالوروميرو، نارسيز كوستا بوفال، وتعكس هذه المعروضات الخبرات النحتية في مجالات صب وصياغة المعادن النبيلة باعتبارها مادة لتحويل الأشكال إلى أوعية تحتضن الابداع الانساني، إضافة إلى أن هذا المعرض احتوى على عرض خاص لتحف فنية من الأحجار الكريمة إذ ضم أكبر حجارة توباز في العالم.. سعادة سفير اسبانيا مانويل بومبو، الصحفي والفنان، حدثنا عن هذا المعرض عبر اهتمامه الشخصي ومتابعته لإحياء الحوار الابداعي العربي الاسباني بعد أن سألناه عن الجهة المنظمة وأسباب تنظيم هذا المعرض قائلا: ـ تكونت مؤسسة المقتنيات الملكية أثناء الألعاب الأولمبية التي أقيمت في برشلونة باسبانيا، وهي تقيم هذا المعرض المختلف بإشراف من ولاية فالانسيا والمؤسسة العالمية للأحجار والمعادن الثمينة، وقد اختارت في عرضها هذا بعض دول الخليج العربي، قطر والبحرين، والمملكة العربية السعودية، وحرصنا بخاصة على عرض هذه المجموعة في العاصمة الثقافية العربية بحق، الشارقة التي تعكس ليس اهتمام هذه الامارة وحسب بل وكامل اهتمام المنطقة بالثقافة.

المجموعة المعروضة في المتحف الطبيعي أعمال شهيرة ومهمة لكبار الفنانين الاسبان، وما نعرضه جزء من مجموعة أشمل تضم فنانين كبيكاسو ودالي وغيرهم، وتقوم المؤسسة في أحد جوانب اهتمامها بالتعاون مع مؤسسة تجارية عالمية تسوق مثل هذه الأعمال لمن يرغب باقتنائها.. إنها المجموعة الأكبر والأثمن في العالم.

وهذا ليس غريبا على المنتج الفني الاسباني. فالفنانين والنحاتين الاسبان بدأوا كحرفيين مهرة في صياغة الذهب ثم انتقلوا إلى الحديد وتاريخ الفن في اسبانيا يذكر بدايات العديد من الفنانين واهتمامهم بالمعادن الثمينة ومن ثم لابد أن نذكر أن بدايات تطويع الحديد للنحت كانت في اسبانيا.

* كيف ينظر اليوم إلى قيمة هذه الأعمال؟ ـ قيمة الأعمال لا تتركز في كونها من المعادن الثمينة، الذهب الأبيض الخالص، أو الذهب الأصفر الخالص أو كونها مطعمة بأنبل أنواع الأحجار الكريمة، قيمة هذه الأعمال اللامحدودة تأتي من الجانب الابداعي والاكتشافي في الفن، تماما كالنظرة إلى أعمال أي فنان مهم، أعمال بيكاسو مثلا ليست من الذهب أو غيره من المواد الثمينة، إنها رائعة وتعبر بصراحة قيمتها الابداعية عن مكانتها.. وإذا كانت الأعمال المعروضة في الشارقة من الذهب أو الفضة فلأن هذا النوع من النحت اشتهر في القرن التاسع عشر في بلادنا وكذلك في القرن العشرين المنصرم، ولم يكن دالي وحيدا كما يظن البعض في اهتمامه بتنفيذ منحوتاته بالمعادن الثمينة وانما هناك أسماء أخرى عديدة يمكن أن نذكر منها بيروكان الاسباني الأصل والذي يعيش في ايطاليا إذ اهتم بهذا النوع الابداعي الرفيع الذي ورثه عن آبائه وأجداده ومن الممكن أن نقول ان هؤلاء المبدعين قد تأثروا بالعرب لشغفهم بهذه الفرائد الثمينة وحبهم للأعمال الفنية المصنوعة من الذهب والمجوهرات والأحجار الكريمة.

* لكن هذا لا ينفي عنها قيمتها المادية، كيف تقدرون ذلك؟ ـ المجموعة المعروضة في هذه الصالةليست للبيع وانما للعرض فقط.. اننا نعرض القيمة الابداعية التحتية التي أنجزها المبدع الاسباني بدقة وكما أشرت سابقا فالقيمة المادية أيضا لا يمكن ربطها بكون هذه الأعمال من الذهب

أو الفضة.. انها تعكس قيمة الابداع، وهذه الأعمال التي نعرضها لا يمكن لأحد أن يحدد سعرا لها فهي إلى جانب الكشف الذي تقدمه في الفن تحتوي على أحجار كريمة نادرة كالتوباز الأبيض وهناك قطة تزن أكثر من خمسة كيلوجرامات، لقد طلب مني أن أسعرها، لكن باعتقادي أن لا أحد يستطيع فعل ذلك لأنها باهظة الثمن.

* ما هو موقع مثل هذه الأعمال في مضمار النحت اليوم؟ ـ في إطار الحديث عما يجري اليوم في عالم النحت نعتبر هذه الأعمال تقليدية فالفن اليوم يجري في طريقين، الأول في القيمة الشرائية وهو ما ندعوه بالفن التجاري، والثاني فنون البحث التي تعتمد في قيمتها على الابداع، هل يمكن أن نحدد قيمة مادية لسيمفونية بيتهوفن.. هكذا يجب أن ننظر إلى هذه، المجموعة الملكية الاسبانية التي نعتبرها متحفا متنقلا لأعمال الفنانين الاسبان والفن الاسباني الحديث.. انها فكرة رائعة أن نتمكن من نقل هذه المجموعة للمشاهدين في كافة أنحاء العالم. للاطلاع على القيمة الحرفية والابداعية والفنية التي تعرف بحقيقة ومهارة المبدع وهذا ما يدفعنا للاحتفاظ بها والاستفادة منها في اعداد المطبوعات التي تساعد على ترويجها ثقافيا لا غير.

تكمن قيمة الابداع الفني في الخلق والابتكار، نتذكر غرنيكا بيكاسو والدور العظيم الذي لعبته، إنه من أفضل وأثقل المنجزات الفنية المعاصرة التي حركت قضايانا ونحن نعول كثيرا على دور الفن ووظيفته ولهذا لم يكن اختيارنا للشارقة محض صدفة، بل هو اختيار منطقي لمكان يحتضن الثقافة والابداع عبر اهتمام حاكمها الذي يؤكد دائما على مكانتها الثقافية والمعرفية، انها بالنسبة لنا من أهم المحطات الثقافية والفنية.

* مفاهيم الفنون في انزياح دائم، وأوروبا فقدت مركزيتها بعد موت بيكاسو أليس كذلك؟ ـ منطقي ما يحدث من انزياحات في فنون العالم، وما تقوله عن انتقال الفن من أوروبا إلى أمريكا ليس مرتبطا بموت بيكاسو وابتعاد باريس عن لعب الدور الذي قامت به، كما أن الأمر غير مرتبط بانتهاء دالي أو ميرو أو غيرهما، فالمنطق يتحدث ان من يمتلك القوة الشرائية اليوم هو القادر على صياغة مشروع الفن، وقد أضحى لأمريكا فضل على الفن باعتراف الثقافات المختلفة، إذ تمكنت القوة الشرائية من استقطاب الأعمال الفنية للجهات الفنية والمتاحف لتشكيل حركة ثقافية رائدة.

في هذا الاطار، فالحركة الفنية في اسبانيا اليوم في حراك مستمر وبصحة ثقافية جيدة، ونلحظ على المستوى التشكيلي مختلف المدارس والاتجاهات، كما يمكن للمتابع أن يلحظ ظهور العديد من الفنانين الجدد الذين يقدمون أعمالا إبداعية فنية رائعة، ومن سمات الصحة أن الحياة الفنية تتغير باستمرار وبسرعة، ويمكن أن نتنبأ بأنه بعد عشر سنوات على الأقل سنكون قادرين على الحكم بجدوى هذا التغيير والحكم عليه بموضوعية.

لقد استطاع الاحتكاك الثقافي الذي عاشته اسبانيا في الماضي وما حدث من تفاعل بينها وبين العرب وما تم أيضا في الأمريكتين وما نلحظه في حاضرنا من هجرة إليها، كل ذلك يثري الحركة الثقافية الاسبانية ويفتح فيها نوافذ جديدة على الابداع.. أما إن سألتني كيف سيتم ذلك فأقول لك إني لا أعرف حقا كيف سيتم ذلك.

 

الناقد والباحث الجمالي د. عفيف البهنسي: الرؤية التشكيلية العربية بحاجة إلى تنظير مستقل عن الجمالية الغربية

: طلال معلا

لا أعتقد ان الفن العربي الاسلامي غاب عن الساحة العالمية، فمعارض هذا الفن الاسلامي التي اقيمت في عواصم العالم وروائعه مازالت اغلى ما اقتنته المتاحف العالمية، ويجب ان أقول: ان تدريس هذا الفن في باريس أو شيكاغو أو في كامبردج، وهارفارد واكسفورد. تأريخاً وفلسفة هو أوسع واقوى من أية دراسة تتم في أية جامعة عربية أو اسلامية، وان المؤلفات والمراجع التي كتبها المؤرخون والفلاسفة والنقاد عن الفن العربي والاسلامي باللغات العالمية، مازالت وحدها هي المرجع لكل باحث، وان عددها باللغة العربية ضئيل جداً، وفي البداية لم نقرأ إلا ترجمات لهذه المراجع الاجنبية، مما دفعني الى تأليف كتب تراثية في الفن الاسلامي والعمارة العربية.

عديدة وجهات نظر الباحث الدكتور عفيف البهنسي في العلاقة الحوارية بين الذات والآخر، الشمال والجنوب، التشكيل العربي وانتمائه وتاريخيته، ولقد حاول عبر مؤلفاته التي زادت على الخمسين بناء أسس للحوار مع الفنون الانسانية من قواعد تحدث عبرها عن التأصيل والتراث وتعريب الفنون، معتبراً ان الانسان كائن تاريخي وليس كائناً سلفياً غير موجود في الحاضر والمستقبل، ولهذا فإن سمة الانتماء للأصالة والتاريخ والأمة وأحداثها أساس مهم في وعي منهج الحوار والتأسيس له بموازاة ارتباط المعاصرة بالهوية العربية كي يتمكن الفن العربي المعاصر من احتلال المكانة العالمية والتقدير اللازم في المحافل الدولية كجزء من آلية الحوار، النظري والتقني.

حول هذه الموضوعات، وانطلاقاً من المباديء التي أسس لها الدكتور البهنسي في مؤلفاته، وتأكيداً للدور والأهمية التي لعبتها الفنون العربية والاسلامية في انجاز مشروع الحداثة الأوروبية في مجالات التشكيل حين انفتحت أوروبا على العالم سياسياً واقتصادياً.. لكل ذلك التقى بيان الثقافة الباحث العربي عفيف البهنسي مثيراً معه موضوع الحوار بين الأطراف الحضارية الانسانية سواء ما يتعلق بالكيانين المستقلين والمتناقضين، وكيان الشخصية الذاتية، والكيان العالمي الذي يراه الباحث مخزوناً عاماً للمعرفة والثقافة والعقائد التي تقدمها وتتعامل معها الأمم التي تعيش في العالم، وهدف النظام العالمي السعي لتنظيم العلاقة بين الذاتيات القومية والثقافية التي تتفاعل في العالم، وهو نظام حضاري، بدأ تعسفياً يعتمد على سيطرة الأقوى، وعلى وسائله في الهيمنة على مقدرات الآخرين واستعبادهم، وانتهى لكي يصبح ـ ولو نظرياً ـ معتمداً على حقوق الانسان واحترام شخصية الآخر وكرامته.

ـ قد يكون الفكر الجمالي نقطة خلاف رئيسية في مباديء الحوار بين الشمال والجنوب، ذلك لاختلاف الجماليات العربية والاسلامية عن تلك الغربية، ما هي اللغة التي يمكن ان يبنى عبرها هذا الحوار؟ ـ نحن نريد ان نتكلم مع الغرب بلغة العصر لا بلغة الماضي ولذلك كان جهدنا عندما درسنا

أبا حيان التوحيدي وجدنا أننا امام علم جمال قائم بذاته، فقدمناه بلغة العصر، ووجدنا ان علم الجمال الذي كثيراً ما تحدث عنه كانت أو بايية أو غيرهم من علماء الجمال في الغرب نجد أن هذا العلم كان كامناً في ثنايا فلسفة ابي حيان التوحيدي وكتبه المقابسات أو الامتاع والموآنسة، عرضناه في كتاب الفكر الجمالي عند ابي حيان وعرضناه في دراسات اخرى وبعضها موسع أكثر من الآخر، هذا النموذج لما يمكن ان يسمى بحوار ـ أيضاً ـ بين مفهومين للجمالية، ففي مدارسنا جميعاً، وفي جميع مدارس الفنون الجميلة في العالم العربي الان والاسلامي أيضاً انما يدرس علم الجمال الغربي ولهذا يجب الا نقف عند هذا الادغام الثقافي، عندما كشفنا ان هناك من يفكر بتأسيس جمالية عربية اسلامية، وهذه الجمالية قادرة ان تجادل وتحاور الجمالية الغربية وان تبرر الفن العربي عمارة أو زخرفة أو خطاً فكان من الضروري جداً ان نسهم مع المستشرقين في تقديم مفهوم أكثر علمية وأكثر موضوعية لما ندعوه الخلفية النظرية للفن العربي الاسلامي.

ـ هذه قضية هامة، تقتضي ان يكتشف المبدع تراثه، وان يفعل علاقته بهذا التراث وقد اشرتم الى ذلك في غير بحث أو كتاب، ما هو واقع النظرة الى جماليات هذا التراث؟ ـ عندما ننادي ونطلب من الفنان المعاصر ان يكون أيضاً أكثر ارتباطاً بالتراث أو أكثر ارتباطاً بالاصالة فيجب ان نقدم له ماذا تعني كلمة التراث أو كلمة الأصالة، ولايجوز ان نقحمه هو بعملية اعادة كل التراث لكي يستخلص منه جمالية لممارسة الجمالية الفنية المعاصرة. اردنا ان تكون المكتبة العربية قد قدمت نتائج هذا الحوار ما بين الجمالية الغربية والجمالية العربية الاسلامية، وقد تم هذا الحوار على لسان كبار الكتاب الغربيين، وركزنا على الغربيين لكي نقول ان ذلك انما هو حوار. أما على الساحة العربية أو ما نسميه ساحة الجنوب فلا يوجد الآن منظرون قادرون فعلاً ان يجلسوا على مائدة واحدة مع المستشرق الغربي كي يجادلوا فيما يتعلق بتأسيس الجماليات والمقارنة فيما بين الجماليات. ولكننا نعتقد بأننا وضعنا اللبنة على لسان أبي حيان التوحيدي التي تستطيع ان تقود.. ان تجابه التأويلات الجمالية التي يقوم بها هؤلاء المستشرقين.

ففي كتاب حوارات في الفن الاسلامي اعترفنا بأن الغرب قدم ما هو مفيد بالنسبة لنا لنعرف أكثر من خلال حفرياته الاثرية ومن خلال دراساته الفلسفية وان كانت أحياناً متحيزة أو أحياناً ذات بعد واحد، ولكننا مع ذلك أن كل ما يقدم قابل للحوار واردنا فعلاً ان نسهم في هذا الحوار من جانبنا العربي وأملنا دوماً ان يتسع على طاولة الحوارات كل ما يتعلق بجمالية الفن العربي. هذا الكتاب مشروع بل يمكن تسميته مقدمة لمشروع كبير أرجو أن أكون قد أنجزت بعض جوانبه.

ـ انت انجزت المحاولة الاساسية التي تشكل مركز الحوار، ما هي المحاور الاساسية التي تضمنها هذا البحث؟ ـ ابحاثي التي تخرج عن هذا الكتاب أو تلك التي اعتبر كتابي هذا مقدمة لها ولو أتت متأخرة عما انجزته فعلاً، فأنجزت أولاً كتاباً في جمالية الفن، ثم انجزت كتاباً في جمالية العمارة ثم انجزت كتاباً في جمالية الخط وأخيراً انجزت كتاباً في جمالية الزخرفة العربية، وهذا الكتاب اتميز به كما اتميز بباقي الكتب التي أرجو أن تكون قد سدت فراغاً في المكتبة العربية، هذه الكتب مجتمعة تستطيع فعلاً ان تقدم لنا بحثاً تفصيلياً لما يمكن ان نسميه الجمالية مطبقة على التراث، فلا نتحدث عن الجمالية مجردة كما لو كانت هي عبارة عن ميتافيزيقا، وانما نتحدث عن جمالية العمارة، كيف نبرر هذه الجمالية وكيف حافظت هذه الجمالية على وحدتها على الرغم من التنوع، لان الوحدة دليل على أنها ذات اطار ومرتبطة بفكر محدد ومعنى ذلك ان هذه الممارسة الابداعية تتمتع بحرية تجعلنا نرى الاساليب المختلفة ضمن نطاق الوحدة. فمثلاً كتاب العمارة الذي صدر في روما عنوانه العمارة العربية ـ الجمالية، الوحدة والتنوع تحت هذه العناوين كانت كل أبحاثي التي صدرت في نطاق الحديث عن الجماليات، تتبنى هذه الجماليات، في اطار الوحدة والتنوع، لماذا نرى ان المستشرقين وفي أول كلمة يقولونها (مارسيه أو غيره): أي نظرة تلقيها على سيف أو على نافورة مياه أو تطريز للثياب أو على عمارة أو على خط فانك لن تخطيء في تحديد هوية

هذا العمل من انه يعود الى الفن العربي الاسلامي.

الوحدة التي يتفق كل العلماء الغربيين المستشرقين على انها قائمة ولامجال لنكرانها يقابلها أيضا تنوع هائل بالخط العربي الذي يشكل حاملاً لمعنى.. لذكرى، لفكرة.. أصبح فعلاً ومع الايام خطاً ابداعياً، فان البواب قدم لخط الثلث انواعاً وأنواعاً، وان كنا نتحدث اليوم عن سبعة خطوط فقد احصيت أكثر من ثمانين نوعاً، أو اسلوباً من أساليب الخط العربي.. إذن هذا التنوع دليل المقدرة الابداعية، ودليل الحرية، صحيح اننا ارتبطنا بنظرية غير واضحة، ولكنها ضمن منطق العقيدة والايمان وتجلت من خلال الممارسة الحرة الابداعية بشكل واضح حتى انهم قالوا: لانخطيء أبداً بتحديد هوية هذا العمل أياً كان شكله، أياً كانت وظيفته.

ـ متفقون بالمطلق، ولكن ماذا يمكن ان يقال للذين يرون في الوحدة ضعفاً وتراجعاً، بل قد يكون ظاهرة عكستها ديكتاتورية بعض المراحل أو الفترات، كما ان ذلك قد ادى الى فقر توليدي وفي حين كانت تبنى مثلاً الابنية الحكومية الكبيرة والقلاع والقصور كان الشعب دون مأوى ودون هوية معمارية؟ ـ أنا لست مع هذا الرأي اطلاقاً، ودراستي لكل التراث العربي الاسلامي تبين ان هذا العلم لم تقم به السلطة، فجامع مدرسة الحسن، هذه الآية الرائعة جداً في القاهرة، لم يصنعها السلطان وانما بناه آلاف العمال الذين نعتبرهم المبدعين والفنانين فعلاً، وهؤلاء من نعني حين نتكلم، ولانعني السلطة، السلطان انطق ووجه ولكنه لم يكن ديكتاتوراً، على العكس فقد كان مشجعاً وافسح في المجال لآلاف من هؤلاء العمال ان يقدموا هذا العمل، واليوم حين نرى جامع الملك الحسن في الدار البيضاء الذي اشترك فيه أكثر من عشرة آلاف عامل وابدعوا بكل ما لديهم من اتقان.. هل تقول ان شخصاً واحداً انجز هذا العمل أو أن هذا الشخص استخدم كل هؤلاء العمال كي يقوموا ببناء هذا الصرح.. نحن لانريد ان نسقط ما تم في عصر الفراعنة على الأعمال التي قام بها هؤلاء الفراعنة الذين كانوا يفرضون آراءهم بحكم كونهم أنصاف آلهة على هؤلاء العمال الذين كان يمارسون مهامهم وكأنهم يتعبدون.. أما أنا فأرى ان هذا التنوع الذي تحدثنا عنه دلالة على ان الانسان الذي كان يقوم بعمله دون توجيه بل بتلقائية يبدع دون ان يكون توقيعه مكافأة على عمله.. وهذا الأمر لايحتاج الى تبرير واسع، فالقضية واضحة وسواء أسمينا المباني بأسماء السلاطين أو بأسماء العهود التي تتباعت فإن هذه العهود أو هؤلاء السلاطين لايعني انهم انجزوا هذا العمل.

ـ هل تعتقد ان حوار الثقافات اليوم ضروري، كون الحوار السياسي والاقتصادي هو المسيطر على العالم، وتكاد تكون لغة الهيمنة أعلى من أية لغة اخرى، حضارية، ثقافية، فكرية؟ ـ الحوار الاقتصادي والسياسي باعتقادي ليس متكافئاً، ولا يوجد حوار بين فريق قوي وفريق ضعيف، أنا أؤمن بالحوار الثقافي كونه متكافئاً، فما لدينا من تراث ومقدرات ابداعية كامنة قادرة على ان تجابه الامكانية الموجودة في الغرب، ولعلها تتفوق اذا احسنت استخدام ورقة التراث، ولكنني اريد ان أقول ان الاعلام الذي يتم في الساحة الثقافية في الشمال وهذا الاعلام إما ان يكون موجهاً من قبل السلطة أو من قبل رجال الاعمال وأصحاب الصالات (الفاليريهات) التي كانت تصنع الفنانيين في الغرب. والمجلات التي تصدرها المؤسسات الخاصة هي التي تصنع الفنانين.. اذن نحن وفي جميع أجهزة الاعلام، وفي اعلام الصورة وما كان للفن التشكيلي في هذا الاعلام الصوري الذي يؤمن لقاء التشكيلي العربي بالغربي، فالفن التشكيلي العربي الذي يحتاج لإعلام صوري يسعفه كان يمكن ان يلعب دوراً أبرز من خلال لقاء الفنان العربي بالفنان الغربي وارى فعلاً ان الفنان العربي يحتاج لإعلام يعينه ولو تحقق له ذلك لتقدم على الفنان في أوروبا.. القضية واضحة تماماً، انه وعلى الرغم من ان الفنان الأوروبي استطاع ان يؤسس فنه على تراث تشكيلي طويل المدى وأننا نحن قد دخلنا على هذه الفنون، فنون الصورة، وفنون المسند متأخرين في حين كان لنا فننا وتراثنا الخاص سواء أكان في المرقنات أو المنمنمات أو غيرها من المصادر، نحن نستطيع فعلاً ان نحاور ونجابه، ولعل البيناليات ومن أبرزها بينالي الشارقة الذي اطلعت على محتوياته هذا العام ووجدت أن كثيراً من أعمال الفنانين العرب تتفوق على أعمال زملائهم، ولو أتيحت لنا

الفرصة في البيناليات الدولية (ساو باولو، فينسيا، أو غيرها).. ولو كان وراء هذا الجهد الفردي جهد نظري واعلامي منظم لتحقق ما نريد وأسوق مثالاً انه حين اتيحت الفرصة للمشاركة في بينالي ساوباولو في احدى دوراته حين كانت الوحدة قائمة بين سوريا ومصر، وارسلنا أعمالاً على مستوى عال جداً، واذ بأحد التجار الممولين من أصحاب مصانع الورق في ساوباولو حين وجد ان لانصيب للفريق الاسرائيلي المشارك في أي من الجوائز قد قام بإحداث جائزة خاصة اضافية ومنحها لفنان اسرائيلي، لكن السؤال الأهم، ما هو العمل الذي فاز بهذه الجائزة؟ انه عبارة عن عمل كنت اراه في سوق المكتبات حول المسكية وهو عبارة عن لوحة مسطحة مجزأة الى جزئين مقصوصة بشرائط قائمة، وانت ترى اولاً اللوحة المسطحة، ثم اذا نظرت اليها من اليمين فانك ترى صورة اخرى وكذلك من اليسار.. حين كنت صغيراً كنت ارى ذات الصورة ذات التقنية كانت اللوحة تتضمن ثلاث آيات واحدة على السطح ومن اليسار كتابة الحمد لله وكتابة اخرى من اليمين، هذا تقليد.. منحوه على اساسه جائزة دولية وكتبت الصحافة ودعمها اللوبي الاسرائيلي في ساوباولو واتجهت كل الانظار آنذاك نحو هذا العمل.

الالعام يلعب دوره كاملاً في رفع مستوى الفنان لكي يستطيع فعلاً ان يحقق ان الثقة بالنفس ولكي تبقى مصانة من أية تأثيرات أو اجهاضات يقوم بها الاعلام المعادي، لكي نحقق التكافؤ في الحوار.

ـ يثار أحياناً في التأسيس للحوار قضايا متنوعة، منها على سبيل المثال الحرية، كيف يمكن ان تنظر الى حرية الجنوب في بناء حوار ثقافي مع الشمال رغم كل ما يفرضه الواقع الاقتصادي والسياسي والعسكري ومفرزات القوة التي تهدد روح الابداع لدى الشعوب؟ ـ في نطاق الفن ارى ان كل المؤسسات الحكومية والنقابية لاتفرض وصاية على العمل الفني حتى ان نداء الأصالة الذي ينطلق من كل المحافل لايفرض نفسه على الفنان وانما هذه الاصالة، يجب ان تكون فعلاً غرسة تنبت في وجدان الفنان دون ان يكون هناك ضغط خارجي عليه، وهكذا لا أرى الحرية إلا مصانة في جميع المحافل التشكيلية في العالم العربي.. أنا ضد أية عملية إكراهية، وعندما نقوم بعملية (فرض) فاننا نقوم بالقضاء على الابداع، والابداع لايمكن ان يتحقق إلا من خلال الحرية الكاملة، بعد ممارسة العمل بكل حرية وبكل تلقائية يأتي الحكم عليه، فالحكم لايكون سابقاً للعمل بل لاحقاً له. وجميع المدارس التي ظهرت في العالم وخاصة في القرن العشرين أبرزت ان التطور كان انفجارياً بالنسبة للعمل الفني.. جميع المدارس كانت تسير بشكل تلقائي وبعد ان تفرض نفسها على الساحة التشكيلية كان يأتي النقاد والصحفيون للتنظير للعمل والتجربة ولكي يعطوا العمل عنواناً كالانطباعية والوحشية والسوريالية والدادائية.. الصحفيون هم الذين اطلقوا هذه التسميات وجعلوا من هذه المدارس ذات جمالية محددة، وبرروا من خلال نظرياتهم وآرائهم هذا الاتجاه أو ذاك.

ان من الخطأ ان تقول ان هناك مدرسة انطباعية وأننا ندرس هذه المدرسة لكي يكون هناك اتجاهاً.. أو أي مدرسة من المدارس.. التأصيلية أو الحروفية أو الرقشية.. ثم نفرض ذلك على الفنان.. باعتقادي ان هذا الأمر غير مقبول.

ـ نقول انه كان يجب ان يقود الحوار الذي تشير اليه (النقد) أو المؤسسات والمراكز التي كان يمكن ان ترعى النقد باعتباره اتجاهاً وليس باعتباره ممارسة فردية مزاجية، وهناك مبدعون قدموا جهوداً فردية ممتازة ترقى الى مستوى المؤسسة، لكن الطموح ان يكون هناك توجهات نقدية في اطار رعاية المؤسسة التي يمكن ان تقيم أركان هذا الحوار، ما هو واقع النقد التشكيلي العربي الذي كان عليه ان يلعب دوره في حوار الشمال والجنوب؟ ـ النقد يحتاج الى ساحة، وساحة النقد هي المجلة المتخصصة وليس صفحات الجرائد اليومية، فقاريء الصحيفة اليومية لايهمه الخبر الفني، أو النقد الفني، فالصحف في العالم كله تخصص صفحة أو فصل اسبوعي للأدب وللفن وهناك مجلات وبالمئات ذات علاقة بالفن فقط.. لنتساءل ماذا بقي على الساحة العربية من مجلات تخدم النقد.. للناقد مهمة، وللصحافي مهمة ونحن بحاجة لكليهما، فالصحفي يعرف ويضع سهماً واذا تجاوز حدوده الصحفية ليدخل في اطار النقد فإن ذلك يشكل خطورة لأن النقد يجب ان يكون

صادراً عن انسان عارف بكل تفاصيل ودقائق العملية الفنية ويكون ملماً بتاريخ الفنون واتجاهاتها ومدارسها وتقنياتها.. العملية ليست قائمة على عرض العضلات والبلاغة اللفظية، وقد يكون حسن النية مقتلة أو مفسدة ويكون بذلك خطيراً على مهمة الناقد من جهة وعلى الفنان من جهة اخرى.

أحياناً.. كبريات المجلات، لوموند على سبيل المثال، انها تختار أكبر استاذ في مدرسة اللوفر أو السوربون أو غيرها ليكون له دور ريادي في تحريك الاجواء الفنية، وقد يكون هناك الناقد الفني الذي توليه الصحيفة كل الصلاحية لكي يكتب كتابه نقدية صحيحة، وعلى أساس هذه الكتابة يكون هناك حكم لصالح الحركة الفنية أو لصالح الفنان، لكن المجلة تبقى أمرا هاما جداً.. لان هذه المجلة محكمة والمجلة الفنية الحقيقية يجب ان تكون كذلك بمعنى ان الابحاث الموجودة فيها هي لصالح النقد، هدف النقد هو تقويم الخطأ وتوضيح اسرار العمل الفني، هو ان تكون أنت كناقد واسطة ما بين المتلقي وما بين الفنان واسطة يثق بها المتلقي والفنان، عند ذلك نقول ان هناك نقد فني.

عدم وجود المجلة المتخصصة، وعدم وجود الناقد الاستاذ المختص بالنقد في المجالات الكبرى، كل هذا يسبب أيضاً خللاً في آلية النقد وأهدافه.

قد نقول بأنه لايوجد نقد لأنه لايوجد مجلة وعندما توجد المجلة توجد كل أسباب قول الرأي الصحيح والقراءة الصحيحة للعمل الفني مما يساعد القاريء، فالمجلة ليست للفنان انها أولا للقاريء، أي المتلقي ثم بالتالي للفنان.

ـ يتجاوز الحوار اليوم المحامل التقليدية (المجلة والصحيفة والصالة) الى وسائل الاتصال الحديثة التي اتيحت للناس (الكمبيوتر والانترنت والفضائيات والاعلام الموجه بالأقمار الفضائية)، كيف يمكن للنقد ان ينخرط في آليات هذه المحامل لبناء الحوار المستقبلي؟ ـ الصورة دون ناقد لا معنى لها، فوراء الصور لابد من الناقد المحلل الذي يمكن ان يعرض العمل الفني بالدخول إلى أعماقه، كنت سعيداً وانا استمع الى (روجيه جارودي) وهو ينتقل مع العدسة في مختلف جوانب التراث الاسلامي وهو يتحدث من عين المكان بلغة الانسان القادر، بلغة سليمة جداً.. ولابد ان يكون هناك غير روجيه جارودي، ناقد من البلاد العربية مثلاً، ينتقل وينتقد حاملاً معه ضمير التشكيل العربي لكي يستطيع ان يحكم ويبرر هذا الاتجاه أو ذاك.

أنا لا أشير الى ان هناك تمايزاً، ولكني اقول ان هناك هويات، صحيح ان لغة الفن التشكيلي عالمية، فالناس جميعاً يتفهمون العمل الفني بصرف النظر عن جنسية صاحبه، وهذا الأمر هو الذي يسهل الحوار، لكن الفن لايمكن ان يكون مغفلاً، بمعنى ان يكون شمولياً، موحداً في العالم كله، ونقول بأن العولمة تفرض بنودها على الفن.. لا.. أنا أؤمن بالعالمية ولا أؤمن بالعولمة فالعولمة تيار اقتصادي يسحق كل الهويات الثقافية، أما العالمية فهي الوعاء الذي تتحرك وتتفاعل ضمنه جميع الفعاليات الثقافية، ولابد ان يكون لنا حضور في هذا الوعاء الكبير والا لايمكن ان يسمى عالمياً. فما كان يقال عن الفن الأوروبي والفن العالمي خطأ، فالفن العالمي يدخل في اطاره الفن الأوروبي والصيني والهندي والعربي وهذا ما حدث في القرن العشرين حين تخلت أوروبا عن أن تسمى نفسها هي صاحبة العالم، ووجدت انه لابد زن تخرج من الايثار الذي وضعته لنفسها لكي تتعامل مع الفنون الاخرى الهندية والأفريقية والصينية والعربية، وهذا ما نراه في تيارات الفن الأوروبي الحديث، والذي اريد ان اقوله ان الرؤية التشكيلية أضحت بعد هذا التوسع الهائل في نطاق ابداعات الفنانيين على الساحة العربية أصبحت تحتاج فعلاً وأولاً الى التنظير، بمعنى انه لابد ان نبني رأينا على أسس جمالية استيتيكية مستقلة عن الجالية الغربية، وإلا فإننا في كل مرة نخضع فيها للجمالية الغربية التي تخلى عنها الغرب اليوم بعد أن وصل الى العدمية.. لم يعد هناك علم جمال غربي اليوم يبرر هذه الاتجاهات. واذا كان الناقد الفني والفنان والجمهور لم يعتمد أي منهم على نظرية جمالية واضحة كل الوضوح وتبرر تماماً الموقف الانساني والبعد الانساني والمقياس الانساني سواء أكان في العمارة أو الخط أو التصوير فإننا لن نستطيع ان نفهم من نحن

أو نستطيع ان نحاور الاخر.

وعلمية التركيز على الهويات ليست هي انغلاقية بل على العكس.. انها انفتاحية لان العالم كله ينشد الحوار، والفن ذاته لايمكن ان يعيش إلا بالتفاعل. وعلى هذا الاساس فعندما يكون هناك حواراً ضمن نطاق بينالي دولي فإن هذا الحوار يحتاج فعلاً الى هويات مختلفة لاتبيع نفسها الى هوية اخرى، هذا هو الموضوع.. لقد دعوت مرة استاذي (رينيه ويك) لزيارة المتحف الوطني بدمشق فأعجب ببعض اللوحات، وقال عن بعضها هذه بضاعتنا، وانا لا أريد للنقد الغربي ان يقول هذه بضاعتنا لأننا لانكون قد قدمنا شيئاً، بل اريد ان يقول هذه خصوصيتكم.. تعالوا لنتحاور! وفعلاً فإننا لانستطيع أن نحاور أحداً ببضاعته بل ببضاعتنا نحن.

تعريف

أ. د. عفيف البهنسي (1928 ـ دمشق)

ـ باحث ومؤرخ وفنان.

ـ درس الفن في معهد اندره لوت عام 1958 ـ باريس.

ـ دكتوراه في تاريخ الفن (جامعة باريس ـ السوربون 1964 ـ ودكتوراه الدولة 1964).

ـ مدير الفنون الجميلة في سوريا (1962 ـ 1971).

ـ استاذ تاريخ الفن والعمارة منذ 1960 في جامعة دمشق.

ـ عمل مستشاراً وخبيراً ومؤسساً ونقيباً للفنون الجميلة ومديراً عاماً للآثار والمتاحف في سوريا.

ـ مساهم في هيئات ولجان الاليسكو واليونسكو وحماية صنعاء واللجنة الدولية لحماية التراث الحضاري الاسلامي.

ـ يعتبر من أشهر المنظرين للفن العربي الاسلامي وكتابة تاريخ الحضارة الاسلامية.

ـ له ما يقارب خمسين كتاباً عن فنون العمارة والآثار والفنون منها: (الفن عبر التاريخ، قضايا الفن، أثر العرب في الفن الحديث، الأسس النظرية للفن العربي والاستشراق، العمارة العربية، معجم العمارة والفن، معجم الخط والخطاطين، موسوعة التراث المعماري وترجم عددا منها الى اللغات الحية).

ـ يعد الان لموسوعة العمارة الاسلامية ولمعجمين (معجم العمارة، عربي انجليزي)، و(معجم الخط والخطاطين ويضم جميع المصطلحات التي لها علاقة بالخط العربي).

ـ استاذ محاضر في سبع وثلاثين جامعة سورية وعربية ودولية.

ـ شارك في معارض فنية وطنية ودولية وصمم العديد من الشعارات وأسهم في تأسيس متاحف مختلفة في سوريا.

نال العديد من الاوسمة والميداليات داخل سوريا وخارجها.

 

عميد كلية الفنون الجميلة في الشارقة : نطمح الى تخريج فنانين قادرين على التأثير في الحياة الثقافية

 

ـ طلال معلا

توصف الحياة بانها تراكم خبرات وتجارب، تتطور وتتفاعل بفعل الزمن لبناء الافكار وتنظيمها، وهذا ما يحاول الفن ان يفعله في المجتمعات لايضاح ملامح تجربتها وتحويل ظروف الابداع وانتاج الفنون الى لمسات تمنح الاجيال قوتها وتزيد من شغفها ببناء الحياة وتحسين صورة حلمها عنها بحيث تنبض التفاصيل بمتعة تلقيها ويتثقف العقل والعين بلغة الجمال. ولكي تكتمل الخبرات الفنية فان جانبا اكاديميا يبقى ملحا الاعتماد عليه لتطوير الاحاسيس وتفعيل علاقتها بالوجود الاجتماعي من جهة وبالوظيفة المعرفية التي تقدمها الفنون لتوطيد القيم والمرجعيات البصرية.

في الشارقة، واستمرارا لنهج التأسيس وتثبيت البنى التحتية للمؤسسة الفنية التشكيلية، اعلن عن تأسيس كلية الفنون الجميلة التي تعتبر اول كلية من نوعها على المستوى الخليجي، وكان قد اسس معهد الشارقة للفنون قبل سنوات والذي حقق دورا بارزا في تأهيل هواة الفنون، ما يسهل توضيح العلاقة في الادوار التي ستلعبها المؤسسة التعليمية العليا المتمثلة بكلية الفنون الجميلة التي سيكون على عاتقها تأهيل الكوادر الابداعية في المنطقة وربط الابداع بالمجتمع عبر تفعيل صلة الطلبة بالفنانين الممارسين في الدولة .. حول هذه الامور وغيرها التقيت الفنان بيتر ويللر عميد الكلية وكان الحوار التالي: ـ ماهي تصوراتكم لكلية الشارقة للفنون؟ ـ نؤسس اول كلية للفنون الجميلة، متخصصة، واكاديمية في الشارقة بدولة الامارات، وهي الاولى في منطقة الخليج العربي، وسوف تبدأ مرحلتها الاولى بالفنون الجميلة، مع التخطيط المستقبلي لان تشمل التخصصات الاخرى مثل التصميم وغيره، والهدف هو توفير الفرص للطلبة لدراسة الفنون بمستوى متخصص دون الحاجة الى السفر للخارج، واتاحة الفرصة للشباب والشابات لاكتشاف مواهبهم، وليصبحوا فناينن مؤهلين بالشهادات اللازمة، وللاستفادة من تطبيق مادرسوه من مهارات في كافة مجالات الحياة، الاقتصادية، والعملية.

ـ كانت الحاجة دائما لمثل هذا المشروع، خاصة وان الفنون جزء من العملية الثقافية بشكل عام ولابد من تواصل جيلي يدعم انتاج هذه الفنون، ولكي تنجح مثل هذه المشاريع لابد من تكامل دورها مع المنشآت الاخرى ثم متابعتها من قبل المسئولين او الذين يحققون وجودها بفعل ايمانهم بدور الفنون والجمال في التأسيس الحضاري.

ـ لم التحق بهذا المشروع منذ بدايته، لكنني اعلم ان صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة كان القوة المحركة لهذا المشروع، فهو الذي اسسها وتعهد برعايتها، ووفر سبل تحقيقها بهدف توفير الفرص للدراسات المتخصصة للطلاب وللفنانين الذين بدأوا

 

ممارسة الفنون في عمر مبكر لتطوير قدراتهم بالدراسات المعمقة والحصول على مؤهلات عليا، وان يتدرج الحاصلون على درجة البكالوريوس في الفنون الجميلة في استمرار تلقي العلوم، وسوف تركز الكلية في هذه المرحلة على تأهيل طلابها لنيل درجة الدبلوم، ومن ثم الدرجة الجامعية،

لقد اتيت في شهر سبتمبر لمدة اسبوع للاطلاع ثم اتيت لتسلم مهمتي كمدير للكلية، وقد اطلعت على النشاط الفني في الشارقة وعلمت بنشاط بينالي الشارقة الدولي للفنون الذي يطلع بمهمة عرض الاعمال الفنية والترويج لها محليا وعربيا وعالميا،

واطمح ان تساهم كلية الفنون الجميلة في هذه الانشطة، وتلعب دورا كبيرا في النشاط الثقافي بتخريج فنانين قادرين على اعطاء الفن العربي بعدا عالميا ويساعدهم على ذلك اننا نعيش في زمن تلعب فيه الثقافة دورا هاما كمؤثر حضاري نهضوي.

ـ هل ستسهم الكلية في الانشطة الاجتماعية والثقافية في خطة السنوات القادمة كاعداد المعارض والمشاركة فيها او دعوة الفنانين المعروفين لاقامة المعارض والزيارة وتدعيم الانشطة الفنية، ام ستكتفي الكلية برأيكم بدورها الاكاديمي؟

ـ اطمح في ان اوفر لطلبة الكلية فرصا كبيرة للاحتكاك بالفنانين الممارسين القادرين على العطاء والتأثير محليا ودوليا، لان هذا الاحتكاك يساعد الطلاب في اكتساب خبرات هائلة تساعدهم على التجديد، وتحفزهم على المزيد من الممارسة ولذا فانني اطمح ان يزور طلابي كل المعارض التي تقع في نطاق قدرة الكلية وامكانات تنظيم الرحلات،

واعلم ان هناك طرقا كثيرة لتدبير امر الرحلات والسفر، ففي بريطانيا تستطيع الكلية في لندن تدبير زيارات لطلاب يبعدون اكثر من 300 كيلومتر عن لندن، واظن ان الامر ممكن لارسال طلبة الكلية للمشاهدة او الاشتراك في معارض في الخارج.

كما انني اتوقع من طلبتي الرغبة الفعالة في عرض اعمالهم على الجمهور بانتظام، لان نظام تقييم الطلاب وتحديد درجة نجاحهم ليست عملا محصورا داخل الفصول يتقدم به الممتحنون فقط، بل هو تقييم يشكل العمل كفريق وكمجموعة ويشارك الجمهور في هذا التقييم، اذ يجب ان يعتاد الطلاب اثناء دراستهم على عرض اعمالهم على الجمهور باعتبار ان الفن ليس نتاجا في الفراغ، بل هو انتاج وجهد يشارك فيه جمهور الفن بالتقييم والنقد.

ـ باعتقادك كفنان، هل تخرج كليات الفنون فنانين ام متعلمي الفنون فقط؟

ـ اهداف كلية الفنون الجميلة ان يتعلم الطلاب خلال فترة دراسية مدتها اربع سنوات المهارات العملية والفنية وان يألفوا التعامل مع المواد والمراحل. واهم من كل ذلك المهارات الذهنية والثقافية بحيث يتمكن الطالب من التعبير عن نفسه بوسيلة تعبير جميلة وامتلاك مهارات تسمى المهارات التحويلية، وهي غير المهارات المطلوبة لان يكون الطالب نحاتا مثلا، انها مهارات تدل على ان صاحبها قد اصبح مفكرا وقادرا على ايجاد حلول للمشاكل وانه قادر على الابداع والتجديد، وهي مهارات عندما يمتلكها الطالب يستطيع تطبيقها في مجالات الحياة الاخرى.

ـ ماهي بنية الكلية، او ما الاقسام التي تنضوي عليها بتقديركم؟

مبدئيا يمر الطلاب في برنامج تأسيسي لمدة سنة او سنتين، يلحقون بعد ذلك ببرنامج مدثة ثلاث سنوات لدراسة الفنون الجميلة حيث يتخصص الطالب في الرسم او الطباعة او النحت وسوف يقتصر التخصص حاليا على هذه المواد لكن في كلية الفنون انشطة بينية متداخلة كثيرة مثل اعمال التشكيل على الاجهزة الحديثة والتصميم باجهزة نظرية كالفيديو والتصوير بالحاسوب وخلافهما،

وقد عرفت خلال خبرتي القصيرة في الشارقة بان هناك مجالا واسعا في السوق المحلية للتصميم في مجالات الديكور (التصميم الفني) وتصميم الملابس، وسوف نقوم باجراء مسح للسوق واحتياجاته للتصميم بانواعه بحيث نهدف مستقبلا لتطوير الكلية الى كلية للفنون الجميلة والتصميم.

ـ هل تعتمدون أسسا محددة في اضافة الانشطة الجديدة للكلية وهل ستأخذون بعين الاعتبار الاحتياج الطلابي او اية اسس موضوعية اخرى؟

ـ نحن نؤسس ـ اولا ـ بناء على وفق احتياجاتنا والدراسة جارية في ذلك الآن، ثم لابد من انهاء اجراءات التراخيص وبناء هيكلية الكوادر التدريسية وما الى ذلك من اوليات، والاتفاق الذي تم بين الجهات المختلفة هو على تأسيس كلية فنون جميلة يتخرج فيها الطلاب بعد دراسة تستمر لمدة ثلاث سنوات، وهو شعار مرفوع ونحن نطمح ان تكبر الاهداف وتشتمل مستقبلا كل الانشطة ولابد ان يستغرق ذلك وقتا، فالمشروع هو لمدة ثلاث سنوات

وسيتخرج بعد ذلك في كل عام ما يقارب العشرين طالبا بحيث يكون عدد المتخرجين خلال الخطة الخمسية مئة طالب وطالبة ممن درسوا الفنون الجميلة، واذا كانت الدولة ترغب في توسيع الكلية او اذا ارادت الجامعة تأسيس كلية فنون بالمستوى الدولي فان كل ذلك يحتاج الى دراسات واعتبارات اخرى .. نحن نعمل الآن وفق خطة على المدى القصير.

البناء الآن يتكون من استديوهات ، اي امكنة مخصصة لكل طالب لممارسة نشاطه الابداعي ايضا، وسوف تشتمل الكلية على اماكن مخصصة للورش لممارسة اعمال النحت والطباعة وسوف نوفر المعامل اللازمة للتصوير وكل ما يلزم لممارسة الاعمال الفنية المختلفة.

ـ هناك احتياجات بيئية واعتبارات فنية وفكرية واجتماعية محلية بل وظروف ثقافية، هل اخذت مثل هذه الامور بالاعتبار؟

ـ صمم المنهج من قبل زملائي في بريطانيا، وقد لا يكونوا ملمين كثيرا بالمناخ الثقافي والاجتماعي لبلادكم، وهنا يأتي دوري في تنسيق برامج تستجيب كثيرا للبيئة الاماراتية ومناخاتها الثقافية والاجتماعية بقدر الامكان، وتطويع كل المفاهيم الغربية لتناسب المفاهيم العربية، ولن يكون ذلك ابتسارا او نقلا حرفيا، ولن يكون عبر برنامج مفصل،

بمعنى ان يخضع بكل تفصيلاته ليجهز في الخارج ثم ينقل الى الامارات، سوف اسعى ـ وانا سعيد بهذه المهمة ـ في نقل المعلومات والمفاهيم بعد اخضاعها للمزاج الخليجي.

ـ ماهو التصور الموضوع للهيكل الاداري لهذه الكلية؟

ـ لدينا خطة للتعاقد مع هيئة تدريسية وقد تم التعاقد مع بعض الاساتذة والامور تجري بالتدريج للتعاقد مع مختلف الاساتذة والفنيين والاداريين وقد جرى الاتفاق بين حكومة الشارقة ممثلة في شخص صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة وبين شركائي

وزملائي في بريطانيا.

ـ هل تعتقد ان الهيئة التدريسية وكوادر الكلية والاكاديميون سيشاركون في نشاطات الحركة التشكيلية المحلية؟

ـ لم اكن لاسمح لهيئة التدريس وكوادرنا بالانضمام الى الكلية لو كانوا غير مؤهلين ومستعدين للاسهام في الحياة الثقافية هنا، ولا اظن ان فنانا مؤهلا يأتي الى هنا كي يبقى حبيسا بين جدران حرم الكلية وفصولها، ولا اظن ان احدا يجد فرصة للمشاركة في الحياة الثقافية في الشارقة ولا يقبل عليها فرحا.

ـ هل تتوقعون ان يتم نوع من التبادل الثقافي كالزيارات الدورية وتبادل الخبرات والتبادل الاكاديمي بين كلية الفنون بالشارقة وبين جامعة لوبورو مثلا؟ كونها احدى الجهات المشاركة في انشاء الكلية.

ـ في بريطانيا مؤسستان تعملان في هذا المجال، جامعة لوبورو اي مدرسة الفنون والتصميم والاكاديمية الملكية البريطانية، وكلاهما ترغبان في تبادل الخبرات الاكاديمية فالسيد البروفيسور نيلاند عميد الاكاديمية الملكية، وهي اكاديمية للدراسات العليا فوق الجامعية،

قد قام بجهود لاحلال المتخرجين من الكلية في وظائف تعليمية وسوف يكون مسرورا في التعاون مع كلية الشارقة، كما سيساعد الكثيرين من خريجي كلية الفنون في الشارقة للاستمرار في الدراسات العليا، هذا بالاضافة الى تبادل المعارض الفنية، ويمكننا وقبل ان يشتد ساعد الكلية ارسال معرض ليتم عرضه في صالات الكلية الملكية في لندن.

ـ هل يدخل في خططكم المستقبلية تدريس مادة النقد الفني؟

ـ يحتوي المنهج على عشرين بالمئة تقريبا من الدراسات النقدية والنظرية والتاريخية، فالفنون ليست مادة عملية للممارسة فقط بل تدعمها جوانب فكرية، ابداعية، تحليلية، بحثية، ويحتاج الطالب الكثير من البحث والاستفسار والاستشارة، واذا لم يكن الطالب قادرا على التحصيل النقدي فانه لن يتمكن حتى من تقييم عمله وابداعه.

ـ كيف تنظر الى هذا التغيير في حياتك الاكاديمية بانتقالك الى الشارقة؟ ـ انا سعيد جدا بدرجة الحماس التي لمستها لدى الكثيرين هنا، وقد وجدت تشجيعا واستعدادا للمساعدة بشتى الطرق، ثم انني سعيد جدا بالتحديات التي ستواجهني خلال مهمتي، ولعلها فرصة طيبة لمواجهة التحدي الذي يتمثل في تأسيس اول كلية فنون جميلة في المنطقة.

البروفيسور بيتر ويللر درس الرسم وتاريخ الفنون، وعمل عميدا لكية الفنون الجميلة في جامعة لوبورو ثم نائبا لمدير كلية لوبورو للفنون الجميلة والتصميم، والتي اصبحت جزءا من جامعة لوبورو في العام 1998 حيث اشرف على منهج الفنون الجميلة وتقدير انسجامه مع البرامج العامة للجامعة كما كان مسئولا عن نوعية البرامج والمناهج فيها.

Home page

1