فلسفة الوجود بين الشرق والغرب

فلسفة الوجود بين الشرق والغرب

الفلسفة هي النظر إلى ماهية الأشياء ،ومحاولة إدراك كنه الأمور وما وراء الظواهر ولكل مسألة في الوجود أوجه فلسفية مختلفة حسب المناظير المختلفة التي ينظر منها البشر إلى هذه المسألةفلكل إنسان فلسفته التي تميزه ،ولكل مجتمع فلسفته التي تميزه ،ولكل مذهب في كل دين فلسفته التي تميزه ..

وتعد فلسفة الوجود من أهم الرؤى الفكرية والحياتية للأفراد والمجتمعات على مختلف درجاتها الحضارية والفكرية فلا يوجد إنسان أو مجتمع إلا وله تصوره الخاص عن الوجود ،سواء الوجود الإنساني في الحياة الدنيا ، أم بعدها، أم الوجود الكوني بشكل عام ..

وحينما نقول فلسفة الوجود لا نعني فقط تصور الوجود الكوني ، وإنما نعني أيضاً تصور الإنسان لعلاقته مع الحياة ومع الجسد الذي يحوي نفسه ، ومع خالقه ، ونعني أيضاً تصور الإنسان لمصيره المستقبل ، ومدى عمق عقيدة الإنسان لهذا المصير ..

وفي هذه المحاضرة سنتعرض بالنسبة لفلسفة الوجود هذه إلى الفلسفة الهندية والفلسفة اليونانية ، وبالتالي نكون قد ألقينا الضوء على طرفي الفلسفة العالمية بالنسبة لهذه المسألة بين الشرق والغرب ..ثم ننتقل بعد ذلك إلى النظر لهذه المسألة من منظار العلم الحديث ،ثم ننتقل إلى التصوير القرآني لهذه المسألة ..

لنبدأ بالفلسفات الهندية ، وبالتالي لنبدأ بالديانات الهندية ، لأن الفلسفة الهندية وليدة لهذه الديانات، إن لم تكن هي ذاتها ..

توجد في الهند أكثر من(300) لغة ولهجة ، وتوجد فيها أكثر من (3000) طبقة داخل الطبقات الأربعة كما سنرى التي خُلقت حسب زعمهم من جسد الآلهة ،وعلينا أن نعلم أنه في الفكر الهندي لا يوجد فصل بين الفلسفة والدين والأخلاق والطقوس والعلم والسياسة ..

ومن أهم ميزات الفلسفات الهندية أننا لا نجد فيلسوفاً يطلب الفلسفة لذاتها ،كما هو الحال في الفلسفات اليونانية وغيرها ،فقيمة الفرد في الفكر الهندي أقل وأدنى من أن تؤدي به إلى الشهرة ..

فالآداب والقصص والمواعظ كلها تُعد فلسفة ومن ميزات الفلسفات الهندية ،الغموض والضبابية الفكرية وعدم الاهتمام بالجسد البشري والتركيز على النفس التي تقطن هذا الجسد .

وحينما غزا الآريون الهند حوالي عام (1600) ق.م ،ألغوا سمات حضارة السكان الأصليين ونسخوا آلهتهم واستبدلوها بالآلهة التي كانوا يعبدونها في بلادهم ..

لقد نشأت الديانة الهندوسية مع الغزو الآري ،وهي ديانة لا تنتسب إلى نبي أو رسول ، وليس لها كتاب منزّل ،وهي عبارة عن دين يحتوي أفكاراً وشعائر وأدعية وترانيم يختلط فيها السحر بالحِكَم وبالشعوذات ..ويعد كتاب الفيدا (بمعنى المعرفة) أقدم كتاب يمثل أفكار الآريين وعقائدهم .

وأسفار الفيدا عبارة عن سجل فكري وتاريخي وحضاري لتصورات الآريين ولفلسفتهم الحياتية ولذلك فإن أسفار الفيدا لا تعود إلى شخص واحد ،فهي من وضع الكثيرين ،وبالتالي فهي تزداد مع الزمن عبر إضافة نظرات الأشخاص الدينية أثناء أعمالهم وتجاربهم ..

لقد نشأت الوثنية في الديانة البراهمية في الهند نتيجة عبادة الهنود لقوى الطبيعة ،ولتجسيد هذه القوى وحلولها كما يعتقدون في بعض الأجسام ،فعبدوا هذه الأصنام التي حلت فيها قوى الطبيعة، وأدى هذا الاعتقاد إلى تعدد الآلهة عندهم حيث وصلت إلى (33)إلهاً ،ولكن مع تغير هذه الديانة وتبدلها تم الاعتقاد أخيراً بالثالوث الإلهي المكون من :

1- الإله براهما : وهو الإله الخالق والمخلوق ،خلقته السماء ويحارب الأعداء ،وهو سيد الآلهة ومانح الحياة ،فنتيجة تأمل براهما وتفكيره الطويل نشأت فكرة مخصبة تطورت إلى بذرة ذهبية ،ومن تلك البيضة وُلد براهما .

2- الإله فشنو : وهو اله الحب وهو النشيط الفعال ،وكثيراً ما ينقلب إلى إنسان يساعد البشر .

3- الإله شيفا : وهو اله الشر والقسوة والخراب ،وينسبون إليه النار فهو الملك المدمر .

فهذه الآلهة الثلاثة هي أقانيم لإله واحد هو الروح الأعظم الذي يسمونه (أتما) ،وهناك آلهة أخرى دون هذه الأقانيم هي أدنى قوةً وسلطاناً ..

وقبل الميلاد بثلاثة قرون اعتقد الهنود أن الإله براهما أوحى بتشريعات على (مانو) الأب الرباني للجنس البشري - ،وسميت بتشريع مانو الذي يتناول خلق العالم ،وواجبات الملك ،والتناسخ ، والقضايا الأخروية ،وأصول المحاكمات والمعاقبات ،وحتى الواجبات الزوجية .

وجاء في شرائع (مانو) أن الناس ليسوا سواسية في الديانة الهندوسية ،وأنهم يتكونون من الطبقات التالية :

1- طبقة البراهما : وهم رجال الدين وقد خُلقوا من فم الإله براهما أو من رأسه ،لذلك فهم أفضل الناس ،ولهم الحق في كل شيء.. ولننظر إلى النص التالي لنرى تعظيم هذه الطبقة في الديانة الهندوسية : (يجب تعظيم البرهمي في جميع الأحوال ،حتى لو مارس سائر الأعمال الدنيئة والسافلة ، ذلك أن البرهمي إله ).

2- طبقة الجنود : وقد خُلقوا من ذراع براهما ومن يديه .

3- طبقة التجار والزراع وقد خُلقوا من فخذي براهما ومن ركبتيه .

4- طبقة الخدم والأسرى وقد خُلقوا من قدمي الإله براهما .

وبعد هذه الطبقات الأربع تأتي طبقة المنبوذين المحرومين من أبناء الزنا ومن الأنجاس .

والنفس في اعتقاد الهندوس خالدة لا تفنى ،وهي تنتقل من جسم لآخر عن طريق تناسخ الأرواح

وتنتقل في الأجسام متدرجةً في الرقي من جسم إلى آخر ،حتى تصل إلى صفة الملائكة كروحانيات متجردة في مرتبة الكمال المطلق .

والهندوس يحرقون جسد الميت بالنار لكي يخلصوا الروح من حاجز الجسد تخليصاً كاملاً ، ولكي تصعد هذه الروح إلى السماء بشكلٍ عمودي إلى الملكوت الأعلى .. فبعد صعود هذه الروح أمامها ثلاثة احتمالات :

  1. عالم الملائكة : وهو العالم الأعلى .

  2. عالم الناس : وهو أن تعود في جسم إنسان أخر عبر مسألة التناسخ .

  3. عالم جهنم .

ويعتقد الهنود أن بعض آلهتهم حلت في إنسان وُلد حوالي سنة (4800) ق.م ،اسمه (كريشنه) ، ويصف الهنود (كريشنه) أنه مليء بالألوهية وأنه قدم شخصه فداءً للخليقة عن ذنبها الأول .. وقصة كريشنه عند الهنود تشابه ما يذكره الذين أوتوا الإنجيل عن المسيح عليه السلام ،ويقولون عن كريشنه إنه وُلد ولادة أحيطت بالمعجزات والعجائب من عذراء مخطوبة اسمها (ديفالي).

من أقوال كريشنه

(إن الجسد الذي تهبط إليه النفس شيءٌ زائل ،أما النفس التي لا تدركها العين فهي أبدية )

ومن أقواله

(إذا انحل الجسد بالموت ،طارت النفس التي تتغلب عليها الحكمة إلى الطبقات العليا التي يرى فيها الأتقياء الله ،ويدركون كماله ،وإذا كانت الشهوات متغلبة على النفس فإنها تُرد ثانيةً إلى الأرض )

والهندوسي لا يرى فارقاً بين الإنسان والحيوان ،فكل منهما مكون من روح تتنقل عبر طريق التناسخ بين الإنسان والحيوان ..لذلك فالحيوانات المقدسة عند الهندوسي كثيرة كالقردة والأفاعي والتماسيح والنمور والطواويس والببغاوات والفئران ..فعلى سبيل المثال يقيمون لأفعى تسمى(ناجا) وهي من أخطر الأفاعي احتفالاً دينياً كل عام يقدمون لها ولكل الأفاعي من نوعها قرابين من اللبن واللوز توضع عند جحورها اتقاءً لشرها ..

أما البقرة فهي خير معبود عند الهندوس ،ولا يحل عندهم أكل لحمها مهما كانت الأسباب ،ولها تماثيل في كل مكان وإذا ماتت دُفنت ضمن طقوس الدين بإجلال وتقدير .

وفي عقيدة الهندوس فإن الأعمال التي يقوم بها الإنسان في حياته تتبعه إلى حياته الجديدة بعد التناسخ.. والعقيدة الهندوسية مبنية على فكرة الروح العالمية التي يحجب حقيقتها الروحية غطاء المادة الزائف ..

ومع تطور العقيدة الفيداوية ظهر كتاب الأوبانيشاد ما بين (1000) ق.م -(500) ق.م ،وهو عبارة عن نصوص نثرية تبحث في الجانب الباطني والخفي في العقيدة الفيداوية ،متناولةً الاتحاد مع المافوق طبيعي.. وهذه النصوص تسعى لتبسيط المتناقضات وتوحيدها ،ولفرض مفهوم الوحدة على ما هو متنوع ومتناقض.

وهكذا فالمذهب الأوبنيشادي هو مذهب صوفي يبحث في باطن العقيدة الفيداوية لفرض مفهوم التواصل والعلاقات بين جميع الكائنات من حيث التركيب والبنية ولاسيما التشابه الرقمي واللفظي..

ولنأخذ النصوص التالية من هذا المذهب :

-(هذه هي الحقيقة مثلما ينطلق بالألوف ،من النار المتأججة ،الشرر المماثل بطبيعته للنار ، فكذلك من الذي لا يزول تولد الكائنات المتنوعة ،وإليه تعود )

-(منه يُولد التنفس والعقل والحواس كلها والفراغ والهواء والنور والماء والتراب الحامل لكل شيء)

-(لا يدرك بالعين ،ولا بالكلام ،ولا بواسطة الآلهة الآخرين أو الحواس ،ولا بالزهد ،ولا بالعمل الطقسي ،بنعمة المعرفة ندركه .وإذا ما عكف الكائن النقي الطبيعة والمتطهر على التأمل فإنه يبصره، يبصر آنذاك ذلك الذي هو بلا أجزاء ولا يتجزأ)

-(يصل إليه أصحاب الرؤى الذين يقتنعون بالمعرفة كسبيل ،الذين هم ذوات كاملة ، أحرار من الانفعال وهادئون ،ويصل إليه وهو الموجود في كل مكان- هؤلاء الحكماء ذوو النفوس الورعة ، ويدخلون إلى الكل ذاته.)

-(هو مصدر كل شيء ،كالأنهار التي تنساب نحو المحيط ،لتغفو في المحيط تاركة أسماءها وأشكالها ،وكذلك فإن العارف إذ يتحرر من الرسم والصورة- يذهب إلى الشخص السماوي (بوروشا) الذي هو ما بعد المابعد (بارات بارام) ،أعلى من الأعلى ،ويتسامى فوق التسلمي من يعرف براهمان ،يصبح براهمان )

ولنأخذ النص الحواري التالي الذي يلقي الضوء على أساس التصوف الأوبنيشادي

المعلم :حسن يا بني ،احضر لي تينة من هناك .

الولد :هاهي يا سيدي .

المعلم : قسمها .

الولد :قسمتها يا سيدي .

المعلم :ماذا ترى في داخلها؟

الولد :أرى عدداً من البذور الصغيرة يا سيدي .

المعلم :حسنٌ ،قسّم تلك البذور .

الولد :قسمتها .

المعلم :ماذا ترى في داخلها؟

الولد :لاشيء أبداً .

المعلم :ذلك الجوهر الناعم الذي لا تراه ولا تدركه منه تنتصب شجرة التين المقدسة تلك ويتابع المعلم قائلاً :صدقني يا عزيزي إن هذا الجوهر اللطيف صُنع منه العالم كلهذلك هو الواقع ، ذلك هو الإتمانأنت هو ذاك يا شفيتاكيتو .

الولد :ثقفني يا سيدي

المعلم : حسنٌ يا عزيزي ضع هذا الملح في الماء ،وعد أدراجك إليّ غداً صباحاً . وفعل الولد ما طُلب منه ،بعد ذلك قال له

المعلم. :احضر لي الملح الذي وضعناه مساءً فتش عنه الولد ثم قال :لقد ذاب .

المعلم :ذق نقطة مأخوذة من وسط الماء .

الولد :إنها مالحة

المعلم :ذق شيئاً من قعره ،

الولد :إنه مالح ، إنه دائماً الماء عينه .

المعلم :الحق أقول لك يا بني إنك لا تدرك الكائن ،ومع ذلك فهو موجود هناك ،ذلك الجوهر اللطيف ،العالم كله مصنوع منه ،تلك هي الحقيقة ..ذلك هو الأتمان ..أنت نفسك تكون ذاك يا شفيتاكيتو .)

ففي حين ميز الفكر الهندي بين الأتمان جوهر الفرد- وبين براهمان جوهر الوجود- فإن المذهب الصوفي الأوبنيشادي هو طريق الوصول إلى الاتحاد بين هذين الجوهرين .. وهكذا فالبراهمان جوهر الوجود-هو النفس الكونية الشاملة الموجودة في كل كائن ،وبناءً على ذلك فالإنسان عينه يكون موجوداً في كل كائن من النبات حتى الإله.. لنأخذ المقتطفات التالية :

-(نفس المخلوقات نفسٌ واحدةٌ ،إلا أنها ماثلة في كل مخلوق ،وهي في الآن عينه وحدة وتعدد ، كالقمر الذي يتلألأ على صفحة المياة .)

-(يُستخدم البراهمن كمسكن للكائنات قاطبة ،ويسكن هو في الكائنات كلها ،إن الذي يرى ذاته في جميع الكائنات ،ويرى جميع الكائنات في ذاته ،يصبح بذلك هو والبراهان الأسمى واحداً .)

-(للحقيقة إن المبدأ الذي تُولد منه جميع الكائنات ،والذي تعيش فيه عندما ترى النور والذي تدخل فيه عندما تموت ،ينبغي عليك معرفته ،ذلك هو البرهمن .)

واحتجاجاً على المعتقدات الهندوسية القديمة نشأت الديانة الجينية ،حيث أنكرت النظام الطبقي ، ولم تعترف بسلطة الفيدا .. وفي هذه الديانة يعتقد أن كل ما هو موجود في الكون أزلي حتى المادة ، وهي في ذلك تتشابه مع البوذية .. وفي هذه الديانة يمكن للنفس أن تصل إلى (النيرفا) أي الخلاص من الجسد والمادة بعد تسعة تقمصات .. والجينيون كلهم نباتيون لا يأكلون أبداً لحوم الحيوانات .

ونشأت البوذية في الهند في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد ،لإزالة الفوارق الطبقية ، ولإضافة جرعات رياضية روحية واصلاحية .. ويزعم البوذيون أن زعيمهم بوذا الذي عاش ما بين (563-483) ق.م تقمصت روحه (530) جسداً قبل أن يصبح الرجل المستنير ،منها (42) حالة تقمص في أجساد الآلهة وَ(80) حالة تقمص في أجساد ملوك ،وأنه في بعض حالات التقمص ربما كان لصاً أو ثعباناً أو ضفدعة .. ومع ذلك كان دائماً في كل هذه الدورات عاقلاً حكيماً ..

والبوذية ليست ديناً بالمعنى الدقيق لكلمة دين ،وإنما رياضة روحية هدفها الاصلاح والسمو بالنفس والأخلاق ،ولذلك لم تتعرض للألوهية لا من قريب ولا من بعيد ،لا بالنفي ولا بالتأكيد ،ولا تهتم بالطقوس الدينية ولا بشعائر العبادات..

ويعتقد البوذيون أن ولادة بوذا سبقتها معجزات ،وأن الإله حلّ فيه ، على الرغم من أن بوذا لم يدّع أنه رسول أو نبي مرسل ،بل كان ينهى أتباعه عن زعمهم بأن الآلهة تتجسد فيه ..

واخر العقائد التي ظهرت في الهند هم السيخ .. ولا يصل تاريخهم إلى (500) سنة ، فالسيخ تأثروا بالهندوسية وأخذوا منها فكرة التقمص ،وتأثروا بالدين الإسلامي وأخذوا منه فكرة التوحيد المطلق الخالص تماماً .فالذي أسس مذهب السيخ هندوسي ولد عام (1469) م ،وزعم أنه حينما بلغ (35) عاماً من عمره تجلى الله تعالى عليه ،وكأن صوتاً يناديه قائلاً :(اذهب وردد اسمي واجعل الناس يرددونه ،ثابر على الصراط المستقيم في الاسم والصدقات والطهارة وذلك خدمة لي ولاسمي ولذكري .)

هذه هي أهم ينابيع الفلسفة الهندية على مرّ العصور ،والتي يختلط فيها كما نرى- الدين بالمجتمع بالقيم بالخرافات بالسحر بالتاريخ

ولنبحر الآن في بحر الفلسفة اليونانية مستعرضين الرؤى اليونانية للوجود ،مبتدئين بنموذج عن الفلسفة السفسطائية ،ومنتهين بفلسفة أفلاطون ..

الفيلسوف السفسطائي بروتاجوراس الذي يُعد من أهم الفلاسفة السفسطائيين تلتصق عنده مشكلة وجود الآلهة بمشكلة المعرفة ،فلا نستطيع الجزم بأن هذا الفيلسوف يشكك في وجود الآلهة ،أم يشكك في معرفتهم .. لننظر إلى قوله التالي من كتابه (في الآلهة) : (فيما يخص الآلهة فإني غير قادر على قول شيء ،لا أنهم موجودون،ولا أنهم غير موجودين ،فعوامل كثيرة تحول دون هذه المعرفة ،منها غموض الموضوع ،ومنها كذلك قصر الحياة الإنسانية .)

إن بروتاجوراس يعلن مبدأ اللاأدرية ،ولا يعلن صراحة مبدأ الشك ،فرؤيته إلى هذه المسألة أنه لا سبيل إلى معرفة الآلهة كما ندرك الشمس والأصوات ،فالموضوعات التي لا يتم إدراكها في وضوح تسمى أشياء غامضة ،وقد اتخذ بروتاجوراس موقف رفع الحكم في هذه المسائل وعدم اتخاذ قرار ..

وما دفع بروتاجوراس إلى عدم اتخاذ قرار في هذه المسألة هو أن فلسفته تعتبر الإنسان مقياس كل شيء ،مقياس وجود الأشياء الموجودة ،ومقياس عدم وجود الأشياء غير الموجودة .. ومشكلة اليقين عنده ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحدود المعرفة الإنسانية ،ولما كانت المعرفة الإنسانية محدودة ،فإنه لا سبيل إلى اليقين في مسائل معرفتها خارج حدود المعرفة ..

وفي حين أن السفسطائيين مالوا إلى المذهب النسبي في مسألة الوجود ،فإن سقراط كان على خلاف ذلك ،فكان يعتقد بحقيقة ثابتة ،لذلك كان يعتبر نفسه مبعوثاً من الآلهة ومكلفاً لتنبيه الناس أنهم يدّعون الحكمة وليسوا حكماء ..

وفكرة النفس كحقيقة موجودة مستقلة هي فكرة تولدت في البداية عند سقراط فالإنسان الحقيقي عند سقراط هو النفس وليس الجسم ، فالنفس عند سقراط تتعدى مفهوم الحياة والحركة إلى مفهوم الجوهر الأخلاقي للإنسان .

ونستشف تصور مبدأ الحقيقة المجردة للإنسان والتي يشترك في تصورها كل من سقراط وأفلاطون ،نستشفها من محاورة سقراط وأوطيفرون حينما يسأله سقراط قائلاً :(والآن قل لي أي شيء في رأيك التقوى ،وما هو الضلال سواء كان في حالة القتل أو في حالة أخرى؟ أوليست التقوى هي هي ذاتها في كل الأفعال ؟وأليس الضلال كذلك ضد كل تقوى ولكنه في ذاته مشابه لذاته ويحتفظ بطبيعة معينة واحدة وذلك إذا نظرنا إلى الأمر من حيث خاصية الضلال ذاته ومهما يكن الشكل الذي ستكون عليه في كل الحالات واقعة الضلال .)

ويتابع قوله فيقول :(إن ما طلبت منك أن تعلمنيه ليس شيئاً واحداً أو شيئين من بين عشرات الأشياء التقية بل تلك الصورة التي بها يصير كل شيء تقيٍ تقياً حيث أنك قلت فعلاً إن هناك شكلاً وحيداً تكون به الأشياء غير التقية غير تقية ،والتقية تقية .)

من خلال هذه المحاورة نرى أن سقراط يريد الوصول إلى الجوهر المجرد عن تجلياته ليستخدمه كنموذج ومعيار .

فكرة الجوهر الثابت المجرد هذه التقى بها أفلاطون متأثراً بالمدرسة الفيثاغورية التي قفزت فوق فلسفات الطبيعيين التي أعادت أصل الكون وجوهره إلى مادة هي الماء أو الهواء أو النار أو .. فشقت المدرسة الفيثاغورية طريقاً جديداً في فلسفة الوجود ،هو تفسير الكون تفسيراً رياضياً ..

هذا التصور المجرد عن الحس شمل كل الأشياء ،فالدائرة التي تدور حولها البراهين ،ليست هي الدائرة المحسوسة ،بل هي الدائرة بطبيعتها العقلية بأذهاننا ،والتي تتصف بالكمال والثبات ،وما الدائرة التي نحسها ونرسمها بأيدينا إلا تجسيداً للدائرة المجردة التي بأذهاننا ..

وهكذا وضع أفلاطون مبدأ الثنائية في الوجود ،حيث ميّز تمييزاً قاطعاً بين النفس والجسد .. لننظر إلى النصوص التالية التي تبين فلسفته بهذه النصوص :

-(النفس تشبه أقرب الشبه ،الإلهي والخالد والمعقول وذا الطبيعة الواحدة -أي البسيط غير المركب - الذي لا يتحلل والذي هو هو ذاته ودائماً على نفس الحال ،أما الجسد يشبه أقرب الشبه ما هو إنساني وهو متعدد الطبيعة وغير معقول ولا يبقى هو هو على نفس الحال .)

-(فهناك أشياء جميلة وأخرى عادلة وغير ذلك ولكن من الضروري أن نقول إن هناك إلى جانبها أو فوقها الجمال في ذاته ،والعدل في ذاته ،وهكذا ،وكل جوهر من هذه الأشياء في ذاتها واحد غير متعدد ،بل إن الفرق الأساسي بين الجمال في ذاته مثلاً وبين الأشياء الجميلة المتعددة يكمن في واحدية الجوهر الأول ،بينما تندرج الأخرى في عالم المتعدد .)

-(من جهة ثانية فإن هذه الأشياء المتعددة تخضع أيضاً للتغيير وتجري بين طرفي الوجود .)

-(بل إنها يمكن أن تتصف بالصفة ونقيضها ،فهذا الشيء قد يبدو جميلاً من جانب وقبيحاً من جانب آخر ،كبيراً وصغيراً .. أما الجمال في ذاته فإنه يبقى دائماً هو هو ،ولا يأتي عليه أيّ تغيير .)

وهكذا نرى في فلسفة أفلاطون أن الحسيات ليست هي الوجود الحقيقي ،إنما هي تجليات هذا الوجود في عالم الحس ،وارتسامه في مادة هذا العالم .. فالمحسوسات عند أفلاطون تحتل مركزاً وسطاً بين الوجود والعدم ،فهي ليست عدماً خالصاً ،وليست وجوداً مطلقاً ،لأنها تفنى بعد أن تكون ..

فخواص العالم العقلي المكون من الأشياء في ذاتها <عالم المثل>هي: الواحدية ،الثبات ،الطبيعة العقلية ،وخواص عالم الحس هي: التعدد ،التغير ،المحسوسية.. وهناك مبدأ أول مطلق هو فوق الوجود العقلي نفسه .. هذا المبدأ وصفه أفلاطون على أنه مبدأ الخير في ذاته ،وهو يؤدي عند أفلاطون دور أقرب ما يكون إلى الآلهة ..

يقول أفلاطون :(الجوهر أي الوجود الحقيقي الذي لا لون له ولا شكل ،الذي لا يصل إليه الحس وإنما تدركه النفس وحدها بوسيلة العقل ، هذا الجوهر ،وهو موضوع العلم ،يُوجَد في ذلك العالم ، وهكذا تستطيع النفس التي وصلت إليه أن تتأمل العدل في ذاته والحكمة في ذاتها وغير ذلك ،وأن تصل إلى العلم الذي موضوعه الوجود المطلق ، هذا هو سهل الحقيقة ، مقام الآلهة والموجودات الحقيقية والأنفس السعيدة .)

وهكذا ففلسفة أفلاطون أثبتت مسألتين :

  1. وجود العالم العقلي والتأكيد أنه هو الوجود الحقيقيي ..

  2. الفصل التام بين العالم العقلي وبين عالم الحس ..

ولم يكتف أفلاطون بالفصل بين النفس والجسد بل تعدت فلسفته إلى وظائف النفس وعلاقتها مع الجسد ،فأقام تعارضاً بين النفس والجسد معتبراً كل ما يخص الجسد يحمل بذور الشر والتعاسة، واعتبر أفلاطون أن المعرفة هي إحدى الوظائف الجوهرية للنفس .. فالنفس عنده- كيانٌ مفكرٌ، كانت تعرف المثل الجوهرية قبل حلولها في الجسد ،وعندما تحل في الجسد ،فإنها لا تكون على حقيقتها في عالم المثل إلا عندما تبتعد عن متطلبات الجسد وتغرق في حالة فكرية مجردة عما يفرضه عليها هذا الجسد ..

وهكذا فعلاقة النفس بالجسد عند أفلاطون- ليست علاقة ارتباط عضوي بل علاقة صراع ،وكل معرفة للنفس هي تذكر لأشياء كنا نعرفها ونحن موجودون في عالم المثل قبل حلول أنفسنا في هذه الأجساد ..

على الرغم من أن أفلاطون قد اعتبر النفس لا تتحلل ولا تتجزأ إلا أنه اعتبرها مكونة من ثلاثة أقسام : 1- المبدأ العاقل .

2- المبدأ الغضبي .

3- مبدأ الشهوة .

وما دفع أفلاطون إلى هذا التغيير في نظرته إلى طبيعة النفس ووظائفها ،هو أنه رأى أن النفس تقوم بوظائف ثلاث تتعارض أحياناً ،وهذه الوظائف هي أن النفس تعرف وتريد وتشتهي ،فرأى من غير المعقول أن يقوم بهذه الوظائف الثلاث العضو نفسه في النفس .

وقد أوجد أفلاطون حلاً وسطاً بين قوله بعدم تجزأ النفس وعدم تحللها من جهة ،وبين قوله إنها مكونة من أقسام ثلاثة من جهة أخرى .. أوجد هذا الحل بقوله إن مبدأ العقل يسيطر على المبدأين الآخرين ،ومال أخيراً إلى أن القوة العاقلة في النفس هي وحدها الجديرة باسم النفس .. فالإنسان الحقيقي عند أفلاطون هو العقل ،والنفس خالدة بقسمها العاقل فقط ..

هذه هي أهم الرؤى في الفلسفة اليونانية لمسألة الوجود ..لنبدأ بالتعرض لمسألة الوجود من زاوية الفلسفة العلمية الحديثة التي ألقت الضوء على المكونات الأساسية للمادة ،وأخضعتها للتجربة الحسية ، بعيداً عن مجرد التصورات الذهنية التي لا تستند إلى أي برهان حسي تجريبي ..

الوجود المحسوس في هذا الكون مكون من ذرات ،والذرة كما أثبت العلم مكونة من النواة التي تحتوي البروتونات والنيوترونات ،ومن الإلكترونات التي تدور حول النواة بسرعة عشرات الألوف من الأميال في الثانية ..

والمسافة النسبية ما بين النواة والإلكترونات كبيرة جداً لدرجة تعدّ فيها الذرة عبارة عن فراغ تتخلله خطوط مغناطيسية وكهربائية ..فنسبة قطر النواة إلى قطر الذرة لا تختلف كثيراً عن نسبة قطر الأرض إلى قطر الكرة التي ترسمها الأرض في دورانها حول الشمس ..

إن الفارق بين ذرة عنصر وآخر ،يعود إلى الفارق في عدد البروتونات والنيوترونات الموجودة في النواة ،وإلى عدد الإلكترونات وطريقة تنظيمها ..وإن الأنواع الكثيرة من المواد المختلفة تتألف من جزيئات كهربائية ليست إلا مجرد صورٍ أو مظاهر من الطاقة ..

فحركة الإلكترونات حول النواة هي التي تعطي الماهية الحسية الظاهرية للذرة وبالتالي للمادة .. وبالتالي فإن الطاقة المودعة في جسم الذرة والتي تؤدي إلى دوران الإلكترونات هي السر الخفي الذي يعطي هذه المادة حيثيات وجودها في عالم المكان والزمان ..

إذاً المادة محتاجة إلى هذه الطاقة التي تحرك مكوناتها ،لكي تبقى موجودة في عالم الحس المحكوم لقانون الزمان والمكان ..وحين سحب هذه الطاقة ستخرج المادة من عالم المكان والزمان .. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن ..هل هذه الطاقة من ذات المادة؟ أم معطاة للمادة من خارج ذاتها؟..

إن المقولة بأن هذه الطاقة من ذات المادة ،وبأن دوران مكونات المادة يكون دون أي احتكاك يُنقص هذه الطاقة مع الزمن ..هذه المقولة مرتبطة مع مقولة أخرى هي أزلية المادة ..وقد أسقط العلم الحديث هذه المقولة سقوطاً كاملاً ..فقد ثبت أن الكون حادث بعد أن لم يكن موجوداً ،وقد ذهب العلماء إلى وضع مقدار لمدة حدوثه ،وكل الأرقام التي وُضعت لهذه المدة لا تتجاوز (15) مليار سنة ..

وإن القول بأن هذا الدوران لمكونات المادة هو دون أي احتكاك ،هو قول لا برهان عليه ،فلا بد من وجود قوة احتكاك ما تؤدي مع الزمن إلى تباطؤ هذه الحركة ..وإذا اعتبرنا أزلية المادة قانوناً سليماً فلا بد من تلاشي هذه الحركة ،لأنه مع الزمن الأبدي لا بد من انتهاء الحركة مهما كانت قوى الاحتكاك ضئيلة ..

ولو سلمنا فرضاً أن المكونات تتحرك دون أي احتكاك ،وأن الطاقة هي من ذات المادة ،فمن أين أتت المادة بهذه الطاقة؟..إذا كان وجود المادة مرهوناً بهذه الطاقة وبحركتها ،أي أن المادة عدمٌ قبل وجود هذه الطاقة ،والطاقة هي التي أعطت المادة حيثياتها المكانية والزمانية ،فكيف يوجد العدم من ذاته حيثيات الوجود ؟!

وهكذا نرى أن المقولة بأن الطاقة من ذات المادة ،لا تختلف عن المقولة بأن المادة من ذات الطاقة ..وكلا المقولتين بحاجة إلى مقولة أخرى تقر بالحاجة إلى مؤثر خارجي أعطى المادة طاقتها التي بحركتها تعطي هذه المادة حيثياتها المكانية والزمانية ..هذا ـ كما قلنا ـ إذا سلمنا بأن مكونات المادة تتحرك دون أي احتكاك ..

وبعد أن تحدثنا عن الفلسفات الشرقية والغربية بالنسبة لمسألة الوجود ،وإلى الفلسفة العلمية الحديثة ،لنقف قليلاً عند القرآن الكريم وقوله في هذه المسألة ...

يؤكد القرآن الكريم الحقيقة العلمية بأن مكونات المادة تتحرك بطاقة ليست من ذات المادة ،وأنه لو تم سحب هذه الطاقة لزالت المادة من عالم الوجود المكاني الزماني ..فالوجود بسماواته وأرضه محتاجٌ في كل لحظة إلى قدرة الله تعالى التي تعطيه حيثيات بقائه في هذا العالم ..

ولو سحب الله تعالى الطاقة التي يعطيها للمادة من أجل بقائها في عالم الوجود المكاني الزماني لزالت هذه المادة ،وحين ذلك لايمكن لغير الله تعالى أن يعيد المادة إلى عالم الوجود المكاني الزماني.. والأية الكريمة التالية تلقي الضوء على هذه المسألة بشكلٍ واضحٍ جليًّ.. (إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليماً غفوراً ) ]فاطر :35\41 [

إننا نرى أن النص القرآني يصف هذه المسألة بصيغة الاستمرارية ،فكلمة (يمسك) دليلٌ على أن هذا الإمساك مستمرٌ في كل زمان ..فالله تعالى لم يُعط المادة حيثيات وجودها ،بعيداً عن القيومية المستمرة لله تعالى على هذا الوجود ..إنما تحيط قيومية الله تعالى بالوجود المكاني والزماني للكون في كل لحظة ..أي أن الكون بحاجة في كل لحظة إلى أمر الله تعالى حتى يخرج لعالم الوجود المكاني الزماني .. قال الله تعالى : (ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ) ]الروم:30/25[

وقد تناول القرآن الكريم النفس في الكثير من آياته ،وبين أنها بجوهرها مستقلة عن الجسد .. لننظر إلى قول الله تعالى .. (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقومٍ يتفكرون ) ]الزمر:39/42[

وهكذا نرى من خلال هذه الآية الكريمة أن النفس تكون أثناء النوم خارج الجسد ..

والنفس في القرآن الكريم لم تأتِ مرتبطة بأي مخلوق آخر سوى الإنسان ،فلا يوجد نصٌّ قرآني واحد يشير مجرد إشارة إلى أن النفس ترتبط بباقي المخلوقات ..وبالتالي فالنفس هي ما تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات ..ومن هنا نستنتج أن القوى التي تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات من إرادة وعقل وغير ذلك إنما تصدر عن النفس ...

فالنفس هي جوهر الإنسان الممتحن في الحياة الدنيا عبر الجسد ،وبالتالي فالجسد هو وعاء النفس ..ولذلك فالنفوس موجودة قبل حلولها في الأجساد ،وقد أخذ الله تعالى عليها العهد والميثاق في ذلك العالم ـ غير المادي ـ قبل حلولها في هذه الأجساد ..لننظر إلى قوله تعالى : (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنا عن هذا غافلين (172)أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون) ]الأعراف 7/172ـ173[

وقد ميز القرآن الكريم بين الموت والوفاة ..فالوفاة تعني خروج النفس من الجسد مع بقاء الحياة فيه ،لننظر إلى قوله تعالى: ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجلٌ مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون ) ]الأنعام 6/60[

أما الموت فهو خروج النفس من الجسد خروجاً نهائياً لا عودة إليه ،ولا إلى أي جسد آخر حتى يوم القيامة ..لننظر إلى قوله تعالى :( إن الذين كفروا يُنادَون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون (10) قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل (11) ذلكم بأنه إذا دُعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير (12) ) ]غافر 40/11-13[

فالموتة الأولى هي خروج النفس من الجسد أثناء خروج الحياة منه ،والموتة الثانية تكون أثناء الصعقة بعد قيام الساعة ..لننظر إلى قوله تعالى .. (ونفخ في الصور فصَعِق من في السموات ومن في الأرض إلا ما شاء الله ثم نُفخ فيه أخرى فإذا هم قيامٌ ينظرون ) ]الزمر 39/68[ (فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون (45) يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئاً ولا هم ينصرون ) ] الطور 52/45-46[

وهكذا فالنفس كما بينها القرآن الكريم جوهر غير مادي وغير محكوم للمكان والزمان ، وعندما تحل النفس في الجسد تصبح محكومة لقانون المكان والزمان ، لأن الجسد مادة محكومة لهذا القانون .. ودليلٌ آخر على أن النفس ليست مادية ، هو أننا أثناء النوم حين تخرج النفس من الجسد لا نحس بالزمان والمكان ..

وهكذا نرى أن الفلسفات شرقية كانت أم غربية بالنسبة لمسألة الوجود وغيرها من المسائل ، بحاجة إلى أحد برهانين أو لكليهما معاً :

  1. الفهم الحقيقي لدلالات النص القرآني .

  2. الوقوف على حقيقة المسائل بالتجربة والبرهان العلمي .

عبر هذين البرهانين فقط يمكن الإبحار باتجاه شواطئ الحقيقة مبتعدين عن هلوسة الخيال البشري وتخبطه في ظلمات الجهل والضياع ..

المهندس عدنان الرفاعي

سورية درعا تل شهاب هاتف 252300

 

 

1