دراسات أدبية

محمود رمـضان الطهطاوي

دراسات في أدب المرأة العربية

عندما تمردت شهر زاد

قراءة في رواية (( القلق السري )) للروائية / فوزية رشيد

شكل جديد مغاير لكل ما طُرح لفن الحكي ، تطرحه الكاتبة البحرينية ( فوزية رشيد )) في روايتها ( القلق السري ) والتي تحمل عنواناً ( من عذابات شهر زاد )والذي يفتح بعض مسامات نسيج هذه الرواية التي تمزج فيها الواقع بالأسطورة ، مجسدة عذابات شهر زاد وقلقها السري ، في قالب سريالي ، وكأن البطلة قابضة على الجمر في رحلة هروبها من ذاتها ، من كل مايحيط بها من حصار الأعراف والتقاليد ، تمتزج ، وتنفصم ، وتبابع ، وتتجول ، وتترحل ، وتغامر ، محاولة طرح ما يقلقها ، مايعذبها من الداخل ، تصارع الروح والجسد ، تقف على أعتاب الثقاليد الصارمة والمقيدة في محاولة للخروج منها .

تقسم الحكاءة روايتها إلى قسمين ، القسم الأول تطرح في واقع البطلة وما يعتيرها من صراع داخلي ، ورفضها لواقعها ، ونجحت الحكاءة في إبراز حالة البطلة النفسية ، مجسدة كل مايدور حولها من قلق . وفي الجزء الثاني ، تجسد لنا الحكاءة رحلة فرار البطلة من هذا الواقع التي ترفضه ، وتنقلنا معها في ترحالات متعددة ، وصدامها مع مشاهداتها لأنماط مختلفة من البشر ، مجسدة كل ما تراه من تقاليد وعادات وقيم ، مجسدة تمردها الدائم ، وتوترها المتوغل ، وتفاعلها مع ماتراه ، في لغة تقرب من الشعر في كثير من الأحيان ، وصورة هلامية ترمز ولاتشي ، تضع غلالة رقيقة أحيانا ، وسميكة تارة أخرى ، ومرة تقفز كالحكيمة المجربة طارحة رؤيتها .

لقد استطاعات الحكاءة في هذه الرواية بشكل مغايروجديد ، أن تقدم لنا شهر زاد في رحلة الماتعة مع ذاتها لنتعرف على قلقها وعذاباتها وصراعاتها ، شهر زاد هنا تختلف عن شهر زاد حكاءة شهريار الجهير ، شهر زاد هنا تحكي عن عوالهما هي ، عن تجربتها هي ، عن هروبها من واقعها ، من ذاتها ، إنفصامها ، إنفصام الروح عن الجسد ، تطرح نزواتاتها ونزقها ، تصارع قيودها التي كبلها بها مجتمعها ، تحاول الخروج على شرقيتها المكبلة .

وكما يقول الناشر عن هذه الرواية : (( هناك تداخلات عديدة تشتبك مع الوجود الإنساني في علاقته مع الذات والوجود ، والمرأة تحديداً تعيش صورة الوهم المرسوم لها وعنها أكثر مما تعيش حقيقتها وامكانياتها .. في ذلك الوهم تتداخل الأسطورة والموروث .. الخرافة والتاريخ .. في لعبة سريالية مغلفة بالعبث الجميل . في هذه الرواية تتحول غرائبية ألف ليلة وليلة إلى لغة سرية وارتحالات مختلفة ضمن عوالم غريبة . في كل مرة يأخذ الاتحال شكلاً آخر في متاس عميق في البحث المضني عن العلاقة بالذات وبالوجود . فليست شهر زاد هي الراوية التي تروض الرجل .. إنها هنا في محاولة لترويض مايحيط ذاتها من غموض . انها شهر زاد جديدة ، وقبل أن تقلقها علاقتها مع شهريار فإن قلقها السري هو قلق الذات . علاقة نفسية وفلسفية متداخلة تؤصل لرؤية مغايرة ، ومختلفة في سرد حداثي عميق وتقنية روائية عالية .. هي من الروايات التي لا تدرك إلا حين تقرأ لتفتح باب الأسئلة على مصراعيه )) .

الحدوتة

بعد فض اشتباك السرد المتشابك ، والتعمق في أحداث الرواية ، وفك طلاسم الحدوتة ، تعثر على مجمل الحكاية التي تتلخص في شهر زاد الأنثى الرافضة لما يدور حولها والتي تتوقع داخل ذاتها ، وعندما تصدم بواقعها ومايدور حولها وترفضه بعد أن يحاصرها ، تهرب ن تفضل الترحال ، إلى عوالم مغايرة تعايشها وتتصدام معها وتتفاعل مع صيرورتها ، وفي النهاسية تعود لتجد الأهل يواوا فعلها وخروجها على تقاليدهم ويقرورا حرقها أمام الجميع .

تلك المجمل ، أم مايحمله الباطن ، وماتفرز عن الرواية ، وماتتكئ عليه الحكاءة فغزير ومتعدد ومتناقض ، أنه الصراع بكل مافيه من إنفصام الشخصية التي تتصارع مع الجسد ومتطلباته ، والروح وسومقها .

تساؤلات

فتوقعنا الحكاءة في حيرة هل هروب البطلة من ذاتها ، من مجتمعها ، وإرتحالاتها المتعددة إلى عوالم أخرى للتمرد فقط على الواقع ، أم محاولة لإكتشاف ذاتها ، وتحريرها ؟؟.

هل هذا الهروب من الشرق إلى الغرب التي تتعاطف معه تارة وتنكره تارة ، هو محاولة لإيجاد معادلة وسطى ؟؟ .

ماذا إكسبتها تلك الترحالات إلى العوالم المختلفة ، هل إمدتها بتلك القوة الخارقة للتحول إلى طيف ، ينفصم عن الجسد الذي يحترق أمام الجميع ؟.

هل كل ماحدث لها كان مجرد حلم أثر صدمة كما ذكرت الحكاءة في اللسطور الأخيرة لرواية لتقول لنا في النهاية بكل بساطة إن كان في غيبوبة البطلة أثر إرتطامها بصخرة ، بعد أن خضنا معها عوالم أسطورية وواقعية ، وكأنها تبرر ماقدمته لنا من مزيج هلامي ، وعالم سريالي ، وتداخلات قد لاتحدث إلا في الحلم ؟

الرواية تحتمل الكثير ، وتطرح العديد من التساؤلات ، وقد نجحت الحكاءة في إدهاشنا ، وإدخالنا عالم البطلة المتمردة ، مازجة المعقول بالامعقول .

تمرد

تكشف الحكاءة عن الصراع بين الرجل والمرأة ، وتطرحه على لسلان شخوص روايتها ، ونلمحه متأججا في الجزء الأول من الرواية ، فتقول : (( النساء في كل الأحوال ثكالى‍ اللاتي أحبن أو اللاتي لم يحظن بالحب . اللاتي تزوجن أو اللاتي عشن بلا زواج ، والرجال .. يالهم منكائنات غريبة ومكشوفة ، لاشئئ سوى أنانية معجوجة وسطوة يدوخون وراءها وفيها . حلقات مفرغة وغرائز لاتستوعب أبعد مما تحت السرة . لو كانوا غير ذلك لأصلحوا هذا الكون الفاسد بسيادتهم وقلوا من تبجحات سموهّم أو العشق الذي لايعرفون عنه شيئا . هذه المخلوقات لايليق بها سوى ما أكنه لها من ازدراء )) ص64

وتصرح شهراد لجدها كاتم اسرارها والمتعاطف معها :((ببساطة أني لا أريد أن أقترن برجل يقدم لي العلف كل صباح . وتضيف : (( أريد أن أخرج من متاهة انتظار الآخر وتعليق أحلامي عليه ..كأنني مجرد صندوق في هذا البيت ينتظر نقله إلى بيت آخر )) ص 79

إنها تتمرد على واقعها بكل مافيه ، تفرض أن تكون شهرلا زاد التي تغلبت على روح الجلاد بالتحاسيل وفن الحكايات ، وتقول لجدها صراحة : (( أنا لا أرغب في أن أروض الجلادين .. بل أرغب في أن أبني عالمي كما أشاء .. أن تنتشي روحي كما أشعر بنبضها .. إنني بحاجة إلى معرفة آخرين ولكن أولئك الآخرون الذين يشعرون ويفكرون مثلي ولا أجدهم هنا )) ص 77

ويصل تمردها أوجه عندما ترسم صورة الرجل المرتبط بأكثر من واحدة : (( لم تستطع أن تتبيَّن وجه أية واحدة منهن ، حتى بعد مرور سنوات طويلة ، على اشتراكهن في أقحوانة ذات الرجل . المعول يمارس نزواته الدورية المنضبطة بكل اطمئنان ، والهياكل المشروخة لايندّ عنها أي نثار . حوريات مسحورات بجسارة الحظوة ، التي يتمتع بها رجلهن المشترك ، يقين ثابت أن ذلك حق قدسي اكتسبه من السماء قبل وجودهن )) ص 242

ويصل تحديها وتمردها مداها وهي تقول :(( أيخطر لك في بال أن يشاركك أحد في جسدي وبشكل مشروع ومقننّ .. هذا إذا شطح بنا الخيال مثلاً . كالأزمنة الغابرة مثلما يقولون )) ص 243

إنفصام

تنقلنا الحكاءة للجزء الثاني من الرواية لنصتدم بشهرد زاد وقد إنقسمت إلى نصفين ، بل إلى شخصين ، شخص يخضع لكل متطلبات الجسد ، ويلبي نداء الطبيعة ن وشخص آخر مغايبر تماما يبحث عن روحه ، ذاته ، يسمو على متطلبات الجسد ، ويبحث عن لحظة سموق وسمو ، ويتصارع الضدان المتناقضان ، ليظهرا لنا قدرة الحكاءة الفائقة على صنع هذا الصدام .

هروب

وتستمر شهر زاد في محاولتها للتمرد ، فتهرب من لحظة الإنفصام ن إلى عوالم أخرى باحثة عنها وفيها عن ذاتها ، فترجل إلى الغرب ، أو (( خط الجليد )) كما تذكر ، لتقدم لنا صورة (( كاترينا )) رمز للمرأة الغربية بكل ماتحمله من حرية ، وضياع ، وتشتت ، وخواء، وتمزق روحي ، وتنجح الحكاءة في تصوير هذه الحياة رامزة لامصرحة .

تتساءل شهر زاد المتابعة لكاترينا :(( هل تمزثها لمجرد البحث عن سكينة داخلية لم تصل إليها؟‍ )) وتؤكد :(( أني لن أكون قادرة قط على أن أكون في موقعها العبثي ، رغم إدراكي ويقيني بعبثية كل ماحولنا ، لالسبب الا تردّد داخلي ، وذعر يسيطر حين أفكر في إمكانية أن أجسّد القلق بالشكل الذي يحاصرني به وتحاصرني هواجسه ، دون حوف من حكم الآخر أو توقّف أمامه .. حين يكون ذلك الآخر ، هو كل الآخرين معاً ..)) ص 196

نلحظ وهي ترسم لنا مجتمع كاترينا تحطيه بالضياع والتشتت ، تقول : (( وما إن اقترحت كاترينا أن يشاهدوا فيلما إباحياً ، حتى تصايحوا معا بالموافقة )) ، ثم تقول عن كاترينا :(( قد انغمست كلياً في غواية الجسد والبكيف )) ، ونجد مفردات (( الحرية المطلقة ، التمرد ، الاحتواء .. الخ )) تجسد لنا هذا المجمتع .

ورغم تمرد شهر زاد وهروبها من واقعها ، من مجتمعها ، إلا أنها لاتنجرف ، بل ترفض كلياً ما تفعله (( كاترينا )) وإن تعاطفت معها لأنها ممزقة مثلها .

وبعد :

لقد نجحت الحكاءة بأسلوب روائي جديد ومغاير ، ولغة شاعرية ، تتشابك مع الشكل السرياليي ، لترسم لنا بعضا من القلق السري لشهر زاد ، المرأة الرمز ، إنها شهر زاد الجديدة الرافضة ، المتمردة ، وكما تقول : (( أنا كامرأة أعيش ضعفي بشكل اعتيادي إنما قوتي هي التي يجب أن أداريها حتى ارضيكم معشر الرجال وهذا عكس مايحدث لكم )) ص 246

إن هذه التجربة الروائية العبثية الناهلة من الواقعية ، المتسربلة بالأسطورة ، النازحة إلى الحلم ، تعتبر إضافة جديدة لعالم الرواية بكل نزقها وخروجها ، لقد إستطاعت الحكاءة أن تنقلنا إلى عوالم الف لييلة وليلة بمستوى ارقى وشكل حداثي مغاير ، فالراوية هنا (( شهر زاد )) المتمردة ، لا الحكاءة ، شهر زاد الرافضة لا الخاضعة المسيسة ، شهراد زاد الهاربة ، المنطلقة . لا المقيدة المكبلة .

لقد نجحت الحكاءة من خلال هذا الحكي الأسطوري أن تعبر عن دواخل المرأة وقلقها السري وعذاباتها .

* الرواية صادرة عن روايات الهلال ، العد 615 - القاهرة

* الكاتبة في سطور :

كاتبة روائية من البحرين ، كتبت القصة القصيرة ونشرت أولى قصصها عام 1983في مجموعة بعنوان (( مرايا الظل والفرح )) ، نشرت مجموعتها الثانية (( كيف صار الأخضر حجرا)) عام 1986 ، ثم أعيد طبعهما في كتاب واحد بعنوان (( غابة في العراء)) ، نشرت روايتها الأولى (( الحصار )) عام 1983 ، وروايتها الثانية (( تحولات الفارس الغريب )) عام 1990 ، ثم (( رجل وامرأة )) عام 1997 ، تكتب وتنشر مقالات نقدية وثقافية وسياسية في عدد من الجرائد والمجلات العربية . ترجم العديد من قصصها إلى الانجليزية والألمانية واليابانية والدانماركية .

 

هدى الزيني

ويوميات امرأة عربية في باريس

" باريس مدينة الجن والملائكة " على حد تعبير بطل (( الأديب )) لطه حسين ، وأشهر من كتبوا عن باريس هو الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي في أوائل القرن التاسع عشر ، ومكث في فرنسا خمس سنوات من ( 1826- 1831م ، وكتب كتابه الجهير (( تخليص الابريز في تلخيص باريز )) ، وفيه يصف الحياة في فرنسا ويتحدث عن تفاصيل الحياة الاجتماعية والسياسية ويسهب في كثير من الموضوعات والمشاهدات .

ويعتبر كتاب الطهطاوي فريد من نوعه ، ولم يشتهر كتاب عن نفس الموضوع بنفس الدرجة ، وإن كان كثير من الأدباء تأثر بالوجه الثقافي الحضاري لفرنسا ،فبعد رحلة الطهطاوي الجهيرة إلى باريس ، توالت الرحلات ، وكثرت المؤلفات ، فكتب طه حسين روايته (( الأديب )) ، وتوفيق الحكيم كتب (( عصفور من الشرق)) ، وسهيل أدريس كتب روايته (( الحي اللاتيني )) ، وغيرهم .

والكاتبة السورية (( هدى الزيني )) تواصل مسيرة الانبهار بتلك المدينة الساحرة التي يحج إليها المبدعين من كل صوب وحدب ، تشدهم الحياة بها بكل متناقضاتها ، حلوها ومرها ، فماذا أضافت هدى الزيني إلى رصيد المبهورين؟ ، إنها في كتابها (( يوميات امرأة عربية في باريس )) الصادر عن مشروع مكتبة الأسرة بالقاهرة (2001م )هذا العنوان اللافت الذي سرعان مايذكرنا بتوفيق الحكيم وكتابه (( يوميات نائب في الأرياف )) فالأثنان يبدأن بتلك المفردة (( يوميات )) ولاعلاقة لليوميات للمحتوى ، فيوميات نائب للأرياف رواية تحمل حدثاً ، أما يوميات امراة عربية في باريس فهي مجرد مذكرات / ذكريات / مشاهدات ، وإن كان الجزء الأخير المعنون (( وجوه من باريس )) يحمل لنا حكايا وقصص تقترب في البناء من أسلوب القص ، ولكن المذكرات لاتزيد عن كونها تسجيل للواقع المعاش بشكل سردي لا يرقى إلى تقنية الرواية القصة بشكلها الحالي وإن جاءت لغة الكاتبة سردية وتحمل حبكة تقترب من القص .

و الكاتبة لا تشير من قريب ولا من بعيد عن متى كانت الرحلة ؟ومتى عادت؟وكم استغرقت؟ ، فقدت التأريخ الذي هو جوهر اليوميات ، وإن كان القارئ سيدرك من خلال القراءة أن الرحلة كانت في السنوات الأخيرة من القرن الواحد والعشرين .

هدى الزيني تقدم لنا تجربتها ، تجربة جريئة / طموحة ، وكما تقول في يومياتها : ((إنها بداية السفر ، وبداية الغربة لامرأة عربية أرادت أن تشق طريقها في عالم الغربة ولا تملك من سلاح سوى الإرادة والطموح احتارت باريس لأنها مدينة ذات عوالم غنية بالفن والفكر والثقافة وعمق التجربة الإنسانية )) ص13

تتميز هذه اليوميات بأنها تعطينا صورة رائعة للمرأة العربية / الشرقية ، التي تواجه ذاتها ومجتمعها وتعيش في بيئة مختلفة ومغايرة تماماً لواقعها العربي ، وتبرهن لنا كيف تستطيع أن تتكيف وأن تتعايش في بيئة متحررة من كل القيود وتحافظ على شرقيتها وعاداتها وتقاليدها العربية/ الشرقية / الإسلامية ، وسط هذا الخضم المتناقض ، وسط هذا الصراع الجاذب ، إنها مغامرة تستحق التوقف عندها ، بما تحمله من دلالات ورؤى ، وروح المغامرة ، وماتجسده من صراع داخلي تمتزج فيه دواخل المرأة الشرقية بما تعانيه من تلك الوحدة ، الغريبة ، الحرية المنفتحة ، التناقض ،.. الخ .

هذه المفردات تبرزها الكابة بوعي أو بدون عبر يومياتها ، وهي تمتطي المدينة ((الحلم التي تملأ مساحات عقلي )) ص7-على حد قولها- .

متاعب الرحلة

في السفر فوائد جمة ، ولكن فيه متاعب كثيرة ، سنتوقف أمام متاعب هدى الزيني قبل أن نلج فوائد رحلتها الباريسية ، وهي تدرك تماماً المتاعب قبل حدوثها فقد حذروها والرحلة مجرد فكرة ولكنها أصرت على خوض التجربة (( سأصمد )) وقفت هذه الكلمة سامقة تتحدى كل التحذيرات ، وتبدأ مشاق الرحلة منذ هبوطها من الطائرة والبحث عن سكن فتسكن في غرفة متواضعة في فندق فقير ثم في استديو متواضع ، وفيهما لاتشعر بطعم الاستقرار ، وتعيش على الوجبات السريعة الرخيصة حتى لاتفقد ما معها من مال ، فقد جاءت لتدرس في السوربون - كما طه حسين _ وتعمل حاضنة أطفال لتستطيع تكملة دراستها .

وتواجه إعصار الحياة ، وتقف شامخة متحدية الأعاصير ، فهاهو صديق عربي تتعرف عليه على المقهى ولكن سرعان ما يطلب منها أن يتناول معها القهوة في بيتها ، تصدمها كلمات الرجل ومداعباته السخيفة ودعوته الماجنة ، وتتساءل : (( لماذا طلب مني هذا الرجل أن أتخلى عن شرقيتي وأصولي . وتربيتي التي شربتها من لبن أمي ، وتعرفت على خطوطها في المدرسة والحارة والمجتمع لماذا لم يمد جسور الألفة والصداقة بيننا . زنحن كغرباء بحاجة لبعض .. من أجل أن نزيل عن كاهلنا مرارة الحياة اليومية التي يعيشها الجميع بلا استثناء الباريسيين والغرباء )) ص49

واستطاعت أن تعبر عن هذه اللحظة القاسية التي تجسد صلابة المرأة العربية/ المثقفة بعنوان هذا المقطع اللافت من اليوميات (( كبوة الفارس عند أعتاب امرأة شرقية )) ، ربما هذه الصدمة التي جعلتها تكتب بوعي أو بدون المقطع الثاني : (( مساءات باريس والضياع العربي )) ، لتقدم لنا من خلاله صورة لهذا الترف العربي في باريس في مقابل العمالة العربية المشردة ، تعبر عن هذه المفارقة في كلمات موجزة ترسم صورة هذا الوجع / النقيض :(( أموال العرب تبعثر على موائد اللهو المجاني بأباحية وأسراف بينما يسقط العمال العرب المهاجرون تحت أنياب الالات الشرسة وفي فك العنصرية والتهميش من أجل لقمة العيش الغموسة بالدم وملوحة العرق )) ص 54

باريس عالم المتناقضات

تقدم لنا الكاتبة لوحات باريسية تحمل متناقضات ومفارقات عجيبة ، باريس الحلم الجميل مدينة الفن والثقافة والحرية ، فيها من الغرائب والعجائب الكثير ، تسجله عين الفنانة / الصحفية ، الباحثة عن الجديد والمبهر والمتعب ، فتذكر أن ((الكلب في باريس مدلل ، وأمبراطور وهود دائما على صواب )) وهناك صالونات تجميل لقص شعر الكلاب وتقليم أظافرهم ، وبوتيكات لأدواتهم ولعبهم وأطعمة خاصة ينتجها (34 ) مصنعا مخصصاً لهم يقدم بمعدل (500) ألف طن من الطعام سنوياً ، وتذكر الاحصائيالت أن عدد الكلاب في فرنسا يشير إلى معدل كلب لكل خمسة أشخاص ، أي يصل عدد الكلاب حوالي 8 ملايين كلب ، و6 ملايين قطة .

وتحكي لنا الكاتبة عن جارتها الفرنسية التي وكيف تبالغ في تدليل كلبها إلى الحد أنها صادقتها وتدعوها لتناول فنجان قهوة في منزلها بمجرد أن رببت على كلبها ، وتخبرها أنها تبحث لكلبها عن عروس ، وبالفعل تدعوها لحضور هذا العرس بعد أن وجدت العروس سلسلة الحسب والنسب .

وتقدم لنا لوحة أخرى من لوحة المتناقضات الباريسية ، وهو عالم (( الكلوشار )) ، وهم فئة من البشر ترفض كل الانتماءات ، (( هؤلاء البشر يعيش في داخلهم هاجس الخوف والاغتراب واللانتماء .. فالمجتمع والوطن لم يقدم لهم في النهاية سوى زجاجة خمر رخيصة .. ومستقبل غامض بلا ملامح )) وهؤلاء ( الكوشار) يتواجدون في محطات المترو والأنفاق ، وفي الطقس الدافئ يتواجدون في الساحات العامة يتسولون الفرنكات لييشتروا بها زجاجات الخمر ، و(( تلجأ البلديات الباريسية إلى جمعهم قصراً وبالقوة في حافلات خاصة لتجبرهم على حمام ساخن خوفا من أن ينقلوا الجراثيم إلى الآخرين))ص68

هم خليط من البشر العجيب وتروي ا لكاتبة قصة أحدهم نقلاً عن رواية صديق : ((عرف عنه أنه كان رجلاً غنيًا .. لكن أسلوب الحياة المادية المليئ بالنفاق الاجتماعي وعلاقات المصالح المادية جعلته يفضل أسلوب الاحياة البوهيمية المليئة بالحرية بلا قيود ولا ضوابط .. قال الصديق : " أنظر إلى هذه العصا التي أحملها .. أن في داخلها مجموعة من النقود الذهبية من نوع " نابليون " تكفيني كي أعيش في أفضل حال وأهنئ بال حتى نهاية العمر .. ولكن أنا سعيد بحياتي هكذا إنسان حر قبل كل شيء))ص71

أنها متناقضات الحياة الباريسية بكل مافيها من متعة .. جنون .. صخب .. حرية ..

تواصل الكاتبة / الشاهدة ، إظهار المتناقضات ، فتقدم لنا صورة للوجه الآخر لباريس في الليل ، فتصور لنا المشهد بتكثيف قصصي : (( القلب الباريسي لا يهدأ عن الحركة ليل نهار ، لعشاق السهر حيث تتشابك الأحلام الرومانسية مع الأجواء الصاخبة )) ص 75

هذا القلب يسع جميع المتناقضات ، من شارع الشانزلية العريق بمقاهيه التي يحتشد فيها العرب بصورة لافتة ،إلى حارات " بلفيل " وكر العصابات والعاطلين .

أعياد فرنسية

حتى الأعياد شاذة وملفتة ، فيها من الجنون الكثير ، أنهم يعبرون عن لحظات المرح والسعادة بطريقتهم الخاصة ، فتحدثنا الكاتبة عن أحد الأعياد : (( مع بداية فصل الربيع من كل عام ، يعيش الفرنسيون عيداً دينيا يسمونه بالفرنسية ( المارديفرا ) وبالعربية " الثرثاء المدهن " ... هذا العيد الفرنسي هو يوم شقاوة باريسية يخرج فيها الشباب من حياتهم الجادة إلى العبث والتكيل بالعباد من المارة الذين يتحولون إلى هدف حي لقذائف صاروخية تطالهم من حيث لا يعلمون ... في هذا النهار الصاخب تتحول الفيترينات الأنيقة إلى حالة يرثى لها من الوساخة ..)) ص 85 ومابعدها ( بتصرف ) .

أما العيد الآخر هو عيد الموسيقى التي تتحول فيه شوارع باريس إلى مسرح متجول تقدم فيه العروض الموسيقية الراقصة ، والمواهب من كل نوع ، والسرادق الفنية تسد الشواترع ، وتنقطع حركة المرور ، أنه يوم 21 يونيو/ حزيران عيد الموسيقى العالمي ، تتوالى الفرق تقدم عروضها : مغنو الروك وفرق الجاز والغجر والمارتينيك والكلاسيك ..الخ .

مقاهي باريس

المقاهي في باريس هي جزء من ذاكرة المدينة .. جزء من تاريخها وعراقهتها وثقافة شعبها وتقاليده ومنها خرجت مدارس الشعر والأدب والفن من رسم وموسيقى ومسرح .. ومنها انطلقت بوادر الحركات الفكرية التي طبعت باريس بطابعها الخاص كمدينة للثقافات والعلوم والفن العالمي ص 133

وتتجول الكاتبة لتقدم لنا صورة حية ونابضة بالحياة لمقاهي باريس مثل مقهى اليماغو فيي منطقة السان جرمان بشكله الكلاسيكي وفيه كتب جان بول سارتر كتب القسم الأكبر من أعماله مع رفيقة عمره سيمون دو بوفوار .

وبين منطقة مونبارناس والسان جرمان وحي مونمارتر الشهير تتنوع المقاهي التي شهدت منذ أواسط القرن الثامن عشر ولادةأدباء وتيارات فكرية أثرت على الحركة الأدبية والاجتماعية في فرنسا والعالم ، ففي مقهي الكوبول في منطقة المنونبارناس ولدت السريالية على يد بيكاسو ، ومن العظماء الذين التي تخرجوا من هذه المقاهي - كما تذكر الكاتبة - الشاعر الكبير أبولبفير وماكس جاكوب وكوكتو وبراك جان وغيرهم ، ومن أدباءنا العرب طه حسين وتوفيق الحكيم ولويس عوض وعبد الرحمن بدوي ومحمدمندور وسهيل أدريس وغيرهم.

 

وجوه في باريس

مجموعة حكايا واقعية تنقلها لنا الكاتبة في قالب قصصي يحمل عناوين قصصية ( وجه في المقهى - مشروع زواج - رجل داخل الشرنقة - قرار من المنفى - ثعلب تحاصره الغربة - امرأة من البنفسج في آنية باريس ) ، وكل هذه الحكايا تعبر عن الوجه المادي للحضارة الغربية ، جمود المشاعر الإنسانية ، المجتمع النفعي ، كأن الكاتبة في النهاية تريد أن تقدم لنا النموذج للإنسان الغربي بكل ماديته ، وقد نجحت الكابة في إبراز الرمز من خلال هذه الحكايا / القصص ، وهي التي تقول في يومياتها : (( أنا كعربية .. صدمني الغرب ، ولم أتعود بعد على مفاجآته ، كان بالنسبة لي قبل الرحيل ساحراً .. غامضا حلمت به وتصورت أن الحياة هنا جنة وكأن الحياة الباريسية هي " مغاور زمرد وياقوت " .

وبعد ..

وبعد هذه الرحلة بكل مافيها من متعة ، وتحدي ، ومغامرة ، تلخص الكاتبة جوهرها في كلمات معبرة :(( وها أنا أبحث بلهفة عن صديق حقيقي .. عن أخت وأم وحبيب يملأ فراغ الوحشة التي اعانيها . الغربيون إقتنعوا في النهاية بمعايشة الأمر الواقع . وأصبحوا مجرد أرقام تتحرك وتتنفس بروتين ممل .. )ص110

ان يوميات امراة عربية في باريس تجربة جديرة بالتوقف عندها لأنها تعبر عن المرأة العربية / الشرقية ، وصمودها وقدرتها على التكيف ومواجهة الصعاب من أجل الوصول إلى هدفها . دون الحاجة إلى رقيب يحسب سكناتها وحركاتها ، أو موجه يرشدها ويرسم لها الطريق كما يحب ، لا كما تحب.

فهي كائن / بشر / إنسان ، قبل أن تكون امرأة .

 

 

القاصة (( وفاء البحر )) وفلسفة الحزن

القاصة (( وفاء البحر )) تركب بقلمها أمواج الحزن ، وتكوف في بحر الألم والهزيمة ، وعنما يلتقي الحزن مع الهزيمة ، ينضح الألم جلياً ، فيترك بصماته في مداد القلم الذي يرسم لنا بفنية رائعة لوحة الحزن الدفين .

ويحفر هذا الحزن مكانهه في أوردو القلب ، ويتربع في حجراته ، وعندما يحاول القلب طرده ، تجلبه التداعيات ، ولحظات التوجد مع الذات . لذلك نجد بطل قصص ( وفاء البحر ) .. ذكرا كان أو أنثى - هو ذلك الإنسان المهزوز في أحاسيسه ، المقهور في ذاته ، الساكن في قوقعة الجزن ، المتأقلم مع مرارة الحياة رغم تذمره من هذه المرارة .

تقول الكاتبة ذات الأسلوب الرشيق (سلطانة العبدلله ) عن القاصة ( وفاء البحر ) : ((إن القاصة تحاول أن تكون ملتصقة بالبيئة التي نشأت فيها النشاة الأولى وتصورها تصويراً دقيقاً )) .. وتضيف : (( دائما تكسو الموقف النهائي للحدث غلالة سوداء قاتمة وحزينة ، وتصويرها للمرأة دائماً منهزمة منكسرة وحزينة ضائعة )) .

وهذا الحزن المتوغل في أحداث قصصها ، وفي حياة أبطالها .. له مبرره وأسانيده وفلسفته .

ويقابله محاولة للخروج من العتمة إلى النور ، من الحزن إلى الفرح .. الخ .

القصة عند وفاء ترتكز على الصراع الداخلي لأبطالها لذلك نجد الحدث مشحوناً بالدراما .

نجدها في قصتها ( حب بلا عطر ) ، تصور الصراع بين النقيضين عندما تقول : (( عبثاً تحاول أيها المختمر في رأسيأن توقفني .. الركض يرهقني .. حذائي القديم يزداد تمزقاً .. يخذلني .. إصلاحه بيد مرتجفة ليس سهلاً . . الشمس متوهجة والرمل الأحمر وقدماي تخاف السير فوق النار .. أيها الحذاء اللعين ساعدني سنصل الظل عما قريب ، لا تخشى أيها الرأس المحموم الهجير ، وأصوات الريح .. هناك عصفور يهجع فوق النخلة يغني )) .

مدخل قصصي مكثف ، ترسمه القاصة بلغة (( تلغرافية )) ، ولكنه يصور المشهد تصويراً كلياً وجزئياً ، وهذا ما يؤكد لنا مدى قدرات الكاتبة وإمكاناتها .

وفي قصتها (( عدي والقمر )) تتضح فلسفة الحزن العميق ، من خلال البطل ، الذي يجلس مع ذاته ، وتتداعى له تلك الأيام البعيدة ، الساكنة في أعماقه ، وأحاديث جدته عن الليل والمطر والقمر وحكاياتها المتوارثة ، وخلال هذه التداعيات تجتاحه نوبة حزن (( لماذا أشعر أن في أعماقي شجوناً تؤرقني في تلك الليلة .. أجلس بهدوء الحزين المستسلم )) .

نجد الحزن متشعباً ومتفرعاً في كيانه ، حزين لأنه فقد حبيبته (سعدي ) التي أحبها ليلة زفافها .

حزين على تلك الأيام الجميلة التي عاشها مع جدته بذكرياتها وأحاديثها العذبة والممتعة .

حزين لأنه يرى الناس يحكمون على غيرهم من خلال الرؤية الخارجية .

وهذا الحزن يصاحبه في كل اللحظات حتى في صلاته : (( بخشوع وابتهال أكملت صلاتي .. أحسست دمعاً في عيني وأنا أدعو لسعدي تلك الكحلاء التي رحلت )) .

أما في قصة : (( الغرفة الأخرى )) .. فبرغم تلك السعادة التي تظهرها الزوجة لتخلصها من زوجها الذي يتزوج من أخرى .. لأنه يعاملها بقسوة وخشونة رغم كل محاولاتها لإسعاده .

إلا أن هذه السعادة نابعة من مرارة وحزن وهزيمة وألم دفين ساكن في كل كيانها .

هذه الأحساسيس تطلق عليها الكاتبة سلطانة العبد الله ( الانتصار المهزوم ) وهذا الانتصار المهزوم .. استطاعت القاصة أن تخرجه من أعماق البطلة ، وتطرحه على الورق عندما تقول : (( هناك وجعاً مكللاً بالزهر الأبيض ينتظره على أحر من الجمر .. وجههاً آخر مبللاً بالدمع يختلس النظر إليه من فتحة في السور .. امرأة ما .. مهزومة التعابير تحمل قدماها على نعش حزنها المدفون في صدر خافق جريح .. نظرات خارقة تلسعها .. تقفز مذعورة .. تبتسم بهدوء .. تحمل مبخرتها في يدها وتدور من جديد مرددة كلمات الترحيب للمدعوات )) .

نلحظ أن القاصة قد تمكنت من تجسيد الصراع النفسي للبطلة وتصوره تصويراً دقيقاً .

وعبر خاطرتها : (( إياك أن تذهبي !! ) . نجد صورة أخرى من الصراع النفسي .. وتتضح أكثر فلسفتهاا الحزينة وهي تناجي حبيبها :(( أغمض عيني أحاول طردك .. لكن الصورة تبرز أكثر من الظلام .. فيبدو وجهك منحوتاً في القلب الدامي .. وجروح الأمس تتجدد وعالم مسحور أنجذب إليه .. تشدني قيودك نحو الأعماق أهوي على أرضك الجدباء .. أفتش فيها عن ملاذ جوع يمزق أحشائي )) .

هذا الصراع بين النقيضين .. الهروب إلى الحبيب ، والهروب منه ، هو قمة عذابها وقلقها وتوترها .

وهذه الفلسفة العميقة توضح لنا .. أن إهتزاز الأحاسيس .. هو السبب الرئيسي في هذا الصراع .

وتتضح المرارة ، ويظهر الألم .. عبر رسالتها التي تبثها إلى ( اليد البيضاء ) التي انتشلتها من دياجير الوحدة واللم والصراع : (( يد بيضاء كالبلور من الغيب قدمت .. فجرت في داخلي ينابيع فرح داخلي ينابيع فرح ألقت جزءاً من أحزاني وعذابات السنين التي تمضغني .

وتضيف :(( يد بيضاء تحملني من القاع الموحل ببقايا قاذورات صنعها الزمن في عمري ، تحملني تحلق بي في أجواء النور ))) .

نلحظ شفافية الكاتبة تقفز من بين الأحرف ، وعبر السطور ، وصراحتها الجريئة التي تضفي على الكلمات مصداقية .

الكاتبة تستخدم خيالها الثري ، وحساسيتها المفرطة ، في محاولة لإصلاح ذاتها وإنتزاعها من قوقعة الحزن والعتمة .. إلى الفرح والنور .

وقمة الألم والحزن والشقاء والتناقض نجده في قصة :(( وأنا من يرسم على وجهي ابتسامة )) ، من خلال بطلها ذلك الطفل البائس .. الفقير .. الذي يسكن الشارع ومن القمامة يأخذ طعام يومه .

والقاصة وضعت نهاية مؤثرة لهذه القصة .. معتمدة على تصاعد الحدث المستمر .

ولنقرأ هذه النهاية التي تدور بين الأخوين الصغيرين ومحاولتهما الذهاب إلى النادي ليشاركا الأطفال الاحتفال .. ولكن يدركهما التعب قبل الوصول : (( الطريق طويلة ، الشمس شارفت على الأفول .. تنهيدة عميقة .. دعنا نستريح قليلاً .. نهنه طفل موجوع .. رأسه الصغير يختبئ بين ركبتيه ..متى سنصل ومتى نعود .. ثم متى ننام .. وغداً وراءنا عمل كالعادة ياحسن ..

ضحكة مشوبة بالم رجل صغير .. أرجوك ياصديقي لاتبكي .. لو تعلم ماذا سنجد ، علب بيبسي كثيرة .. هناك كثيرة .. وجهه الناحل يتهلل .. أصحيح ماتقول ياحسن لكن .. ليس معي كيس )) .

ويتضح مدى تعمقها في النفس البشرية من خلال قصتها : (( الشك )) .. فبرغم بساطة الفكرة .. إلا أن طريقتها المتميزة في تطويع الحدث .. تخلق جواً وأحداثاً مفعمة بالدراما.

فمن خلال بطلة القصة تصور لنا صراعها النفسي بين حبيبها الذي يحبها ، وخوفها المتجسد داخلها لأنها ترى هذا الحب حلماً لاحقيقة ، فتلوذ بالفرار .. ولكن بصيص الأمل يتراءى لها في النهاية ، تقول : ((( ربما ذات يوم سنلتقي )) .

ويتكرر في هذه القصة مفردتا ( الأسود .. الليل ) لما يحملانه من دلالة على أحزان البطلة وحيرتها .

أما قصة (( الأحلام الوردية )) .. رغم عنوانها المبهج .. إلا أن أحداثها وفكرتها يجسدان مأساة فتاة أحبت وقدمت تضحيات عديدة من أجل حبيبها ولكن في النهايةيغدر بها ويتزوج من غيرها .

وتغوص الكاتبة أكثر في أعماق النفس البشرية عبر قصة :(( رجل لا يعرف الشمس )) .. ، والبطل الذي يواجه نفسه في المرآة ، ويحاول الخروج من ثنائية الذات إلى التوحد .. ولكن عبثاً فضعفه يقف خائلاً .. ويسائل نفسه :(( لماذا لاأمارس النهار كما يمارس هؤلاء الذين حولي .. هذه المرأة التي اسمها زوجتي تمارس الليل والنهار .. بعكسي أنا .. أنا أحب الليل أمارسه .. أمتطيه وأخاف النهار .. )) .

رجل يخشى الخروج إلى النور .. يعشق العتمة .. والكاتبة تمكنت من رسم المواجهة .. وأظهرت الشخصية المهزومة .. المهزوزة .

 

 

قراءة نقدية لرواية (( عبث ))

للروائية ( هدى الرشيد )

تقول الكاتبة في مقدمة روايتها : (( كل نجاح أساسه المجموع ماعدا النجاح في الحب .. فأساسه المرأة والرجل والمحاولة الصادقة والإخلاص والتفاني دون كلل أو ملل في تحطيم قيود النفس ظاهرها وباطنها من كل عبث )) .

ومن هذا المنطلق تقدم لنا هدى الرشيد من خلال روايتها (( عبث )) شخصيتين لامرأتين : الأولى هي شخصية بنت البلد التي تحمل بداخلها كل معاني الصدق والإخلاص والتفاني متمثلة في شخصية (( نوف )) .

والثانية شخصية المرأة الدخيلة على المجتمع الذي تدور فيه أحداث الرواية .. وهي شخصية متسلطة لاتفكر إلا في مصالحها وامتلاك كل شئ لإرضاء نزواتها .. ومتمثلة في شخصية (( نهى )) .

ملخص الرواية

يرسل (( عبد الرحمن ) برسالة إلى أخته (( منيرة )) لكي تحضر لتعيش معه ، هو وزوجته ، وتصطدم منيرة عندما تشاهد (( نوف )) زوجة عبد الرحمن ، فهي غير جميلة وداكنة الون ، ولكنها تحبها بعد أن تعاشرها وتعيش معها .

تحلم نوف بالأمومة لأنها تعتقد أن الطفل سيجعل الزوج يرتبط بها أكثر ، ويطمئنها الطبييب ، وبالفعل جاء الطفل الأول (( خالد )) وغمرت السعادة الأسرة ، وكانت سعيدة وبدأ عبد الرحمن يخطو بسرعة إلى قمة المجد والشهرة ، ورغم انشغاله وسفره الكثير ، إلا أن تعلقه بخالد سيطر على وجدانه .

وبدأت نوف تهتم بنفسها لتظهر بمظهر زوجة الطبييب الناجح ، فبدأت تحضر اجتماعات جمعيات النساء ، وتتغيب كثيراً عن المنزل .

وظهرت (( نهى )) الممرضة ، التي استطاعت أن تلفت نظر الدكتور عبد الرحمن بجرأتها وجمالها وأنوثتها ، واهتمت به ، وتقربت منه ، وارتاح إليها واعترف بحبه وعرض عليها الزواج .

في نفس الوقت ، اعترفت نوف لزوجها بأنها حامل ، وضايقه هذا كثيراً ، وعندما قال لنهى ، ثارت وهاجت وتركته ، ثم عادت إليه ، وتمادى في علاقته معها ، في الوقت نفسه ظل على علاقة حسنة بنوف التي رضعت مولودها الثاني ,

وتزوج عبد الرحمن نهى رغم اعتراض الجميع ، وحملت منه ، وأنجبت طفلها (( رائد )) واستطاعت أن تسيطر على عبد الرحمن ، لكنه لم ينس نوفا وولديها ، كان يزورهم بين الحين والحين ، ونوف ترقب مايحدث في صمت ، وتستقبله عندما يأتي إليها بترحاب ، وتعطيه عن طيب خاطر .

ويظل عبد الرحمن في صراع نفسي مع عقله وقلبه ، وعلى علاقة بزوجتيه الأولى تعطيه في صمت وحب بنت البلد ، والثانية تعطيه من أجل أن تحقق أهدافها وترضي غرورها .

شخصية الزوجة الأولى :

نوف نشأت وتربت في السعودية ، وهي قنوعة ، وقفت بجوار زوجها في مشوار حياته ، منذ أ، كان طالباً ، حتى أصبح طبيباً مشهوراً .

وبعد أن تزوج عليها ، رضيت بالواقع ، وظلت مخلصة له ، رغم تجاهله لها ، إلا أنه عندما يأتي لزبارتها تستقبله بترحاب وود وتعطيه مايريد .

والمتأمل شخصية (( نوف )) سيجد فيها ، شخصية البنت العربية الأصيلة .. التي تقف بجوار زوجها وقت الشدة ، ولا تحاسبه على مايصنع ، وإنما تحاول أن تمد له يد العون والمساعدة .

ولكن نجد نوف قامت بدور المتفرج فقط ، والكاتبة قصدت ذلك .. فالموقف يجبرها على الصمت ، فلو تحدثت .. أو فعلت أي شئ لتفاقمت المشاكل ، وكانت ستخسر الكثير ، ولكن بصمتها استطاعت أن تواجه خصمها ، فهو سلاحها الوحيد .

واعتقد الكاتبة تعمدت أن تجعل من (( نوف )) المرأة الضعيفة .. الهادئة .. الوديعة ، ولكننا لم نشعر بضعفها ، فقد كانت قوية بضعفها ، ثائرة بهدوئها ، مشاكسة بوداعتها .

شخصية الزوجة الثانية :

( نهى )) جميلة واثقة من نفسها ، مغرورة وجريئة ، استطاعت أن توقع الدكتور عبد الرحمن في شباكها بسهولة ن فتزوجها ، وسيطرت على عقله وقلبه .

وشخصية نهى شخصية ذكية جداً ، وماكرة .. استطاعت بدهاء ، التعرف على نقاط الضعف في عبد الرحمن واستغلتها في السيطرةة عليه وهي واثقة انها ستحقق ماتطمح إليه .

وهناك شخصيات أخرى هي منيرة أخت الدكتور عبد الرحمن ، ود . صلاح طبييب العيون ، ود . هدى أستاذ عبد الرحمن وهي شخصيات ثانوية غير فاعلة في الرواية .

أسلوب الرواية :

لغة الرواية .. مزيج من الفصحى والعامية . وبالأدق كان السرد بالفصحى والحوار باللهجة العامية .

وهذا الشكل القصصي بدأه يوسف أدريس في قصصصه ، وأعتقد - وهذه وجهة نظر خاصة - أن هذا الشكل غير مستحب ، لأن معظم القراء لايفهمون اللجات المحلية لكثير من البلاد العربية ، وهذا يعوقهم على فهم العمل الأدبي .

والكاتبة تخوض تجربتها الروائية بجرأة لم نعهدها من قبل في كثير من الكاتبات السعوديات . ورغم أن هذه الجرأة أفادت الرواية كثيراً إلا أنها وصلت في كثير من الأحاديث ، إلى الإباحية المقززة ، وهذا شئ لم نعهده عند كاتب سعودي ، فكيف بكاتبة يفترض أن تكون أكثر محافظة في إسلوبها وطرحها وإن استطاعت الكاتبة وبمهارة .. أن تخوض في أعماق النقس البشرية إلا أن ما أسلفته من مآخذ له أثره السلبي الذي قلل من قيمة هذا العمل .

 

 

الصراع في قصص (( بثينة إدريس ))

القاصة ( بثينة إدريس ) .. كاتبة تغوص بقلمها وفكرها في أعماق العلاقات الإنسانية ، وتكرحها على الورق بكل قسوتها ومرارتها وحلاوتها .

تتأقلم مع هذه العلاقات .. فتنقل بفنية مقاطع من المجتمع الذي نعيشه ، والذي تحتويه بخيالها الخصب ، وفكرها المستنير .

وهي كاتبة واقعية .. تتخذ من البيئة المحيطة بها مسرحاَ لأبطال قصصها ، ونجد أن ثقافتها الإسلامية تؤثر تأثيراَ مباشراَ على فكرة القصة عندها ، وكثيراَ ما توظف التراث الإسلامي لخدمة العمل الأدبي ، بل في بعض قصصها نجد أن هذا التراث الإسلامي موظفاً لخدمة العمل الإدبي ، بل في بعض قصصها نجد أن هذا التراث هو المحور الرئيسي للحدث .. وعليه تقوم الفكرة ، كما في قصة : (( ليست هي الصورة ولكن ؟! )) .

واللافت للنظر أن معظم كتاباتها تغوص في الجانب الإنساني تكشف الحقائق .. لذلك نجد الصراع يسيطر على مفردات الحدث .

وقبل أن ندلف إلى أعمال القاصة ( بثينة إدريس ) .. نتوقف عند رؤية الكاتب ( على القحطاني : في ( أزمة القصة الإسلامية )، يقول القحطاني : (( تعاني القصة الإسلامية من ازورار وانصراف الكُتاب عنها وكأنها لاتعني لهم شيئا في دنيا التأليف )) . ويضيف موضحا : (( إن كًتاب هذه القصة غالبا ماينصرفون عنها بعد كتابة عدد محدود من القصص إلىالوان أخرى من الكتابة . والكُتاب الذين يواصلون الكتابة القصصية - وهم قلة - يذهبون إلى مذهبين : الأول : كتاب يكتبون بذات المستوى الذي كتبوا به قصصهم الأولى ، ولايبرحون مكانهم الأول فالأدوات هي الأدوات .. والثاني : الذين يتخلون عن كثير من النماذج القصصية التي يزعم أصحابها إسلاميتها وهي مستغرقة في الكثير من الشبهات والمواقف غير الإسلامية ....)) .

ولا أختلف كثيرا مع الأستاذ القحطاني ، وللحقيقة أقول : بعد بحث في عطاء الكاتبات السعوديات .. وجدت أن هناك كاتبات لهن محاولاتهن في القصة الإسلامية ، وأشرنا إلى بعضهن في هذا الكتاب مثل القاصة ( مقبولة مصلح صالح ) وقد قلنا عنها من قبل أنها تعد من كاتبات القصة الإسلامية ، و ( بهية بوسبيت ) والتي تعطي للواقعية شفافية والقاصة ( حصة إبراهيم العمار ) والتي يعتمد بناء القصة عندها على الصراع الإنساني .. في محاولة منها للكشف عن أسرار الواقع بدلالاته . والقاصة ( بثينة إدريس ) .. محور دراستنا هنا .. لها أسلوبها الذي يبشر بامتلاكها الخطوة الأولى ، ولو استمرت لأصبحت من كاتبات القصة الإسلامية .. فهذه من الخصائص التي تتميز بها ، وإن كانت لم تجدد عوالمها بعد ..

شئ آخر تركز عليه القاصة ، وهو الحالة النفسية للبطل ، ومن خلالها تبلور التجربة الفنية .. مع عملية المزج بين الواقع والخيال .. واقع بكل ثقله ، وخيال بكل شاعريته ورومانسيته ، وهذا واضح في قصتها ( ربما غداَ ) ذات الأسلوب الرومانسي ، والجمل القصيرة الموحية والتي تؤدي الغرض .. وهذا الأسلوب يتبعه معظم كُتاب القصة القصيرة الآن .. فلم تعد القصة تحمل الوصف الزائد ولا الجمل الطويلة المملة .

وعودة إلى قصة ( ليست هي الصورة ولكن ؟! ) .. والتي تحمل كثيرا من مقومات القصة الإسلامية ، ففكرتها نابعة من الحديث النبوي الشريف .. الذي يوصي بالظفر عند الزواج ، بذات الدين . ونجد القاصة تعتمد في بنائها القصصي على الصراع النفسي للبطل .. فبعد لحظات القلق والتوتر .. يبدأ في التفكير في أمر زوجته التي طلقها .. بعد أن سمع أمام المسجد وهو يتحدث عن الحياة الزوجية والزوجة الصالحة .. وكأن القاصة تمهد للصراع ثم تجتاجه التداعيات .. فيتذكر زوجته وهي تصلي .. وبعد أن فرغت من صلاتها تقول وهي تبكي (( اللهم أنت تعلم بما تخفيه نفسي شراَ أو خيرَ .. ماذا فعلت هل أغضبته بدون أن أشعر ..)) . وبعد صراع مع الذات .. عاد إلى زوجته ليكمئن قلبه . نلحظ أن الصراع في هذه القصة بدأ من القمة - أي بداية القصة - وبدأ في العد التنازلي حتى تلاشى .ز والقاصة فعلت هذا بفنية رائعة وكما تقول هي في خاتمة القصة (( فليست هي الصورة ولكن هي الأخلاق والدين )) . وهذه القصة تثبت صحة مقولة القحطاني : ((إن الإلتزام بإسلامية القصة لايعني الجمود تماما ، كما أن التجديد لا يعني التضحية بإسلاميتها )) .

وتنقلنا القاصة إلى نوع آخر من الصراع .. من خلال قصتها : ( عفواَ إنها مطلقة ).. وتزيح الستار عن قسوة المجتمع ونظرته السيئة إلى المرأة المطلقة . وتتساءل القاصة عبر القصة (( لماذا يحكمون عليها بالموت البطئ ويقتلون حبها ؟)) . سؤال توجهه القاصة إلى الآخرين . وتعتمد القصة في بنائها على تصاعد الحدث المشحون بعنصر الدراما . . والقصة تجمع بين واقعية الحدث ، والتعبيرعن الشخصية المطحونة .. والتي تحاول الخروج إلى معترك الحياة لتعيش خياتها .. ولكن المجتمع يرفضها فتعيش في إنعزالية .

ومن الهموم النفسية والروحية لأشخاص وأبطال قصص ( بثينة إدريس ) .. ينبثق الحزن والألم .. فنجد معظم شخصياتها معذبة ، كما في صورتها الخيالية : (ثم أشرقت شمس الحقيقة ) . وفيها نجد البطلة تستغل مواهب زوجها في الكتابة لتنشر مقالاته باسمها .. ثم يفتضح أمرها .. وبعد هذا الدرس القاصي .. تقرر الاعتماد على نفسها .

وفي قصة( زعادت المياه إلى مجاريها ) ، نجد صورة الأب القاسي ، المكابر ومن أجله تعيش اسلاته في عذاب نفسي وصراع .

وكذلك حكاية ( لا يا أبي حاول أن تفهمني ) تجسد نفس الصراع والعذاب النفسي .. وفيها نجد الكاتبة على لسان البطلة .. ترفض وبشدة تصرفات الأب .. حتى أن حرف (( لا )) تكرر في القصة (17 ) مرة .

والحكاية تعتمد على التصوير الفوتغرافي والنقل الدقيق للجدث .. ولكن يغطي هذه الصورة المنقولة .. التأخير والتقديم في الحدث ودمجه بالتداعيات .

والصراع في قصص الكاتبة لا يعتمد على اتجاهين فقط .. فأحياناَ يكون الصراع مع الذات كما في قصتي : (ثم أشرقت شمس الحقيقة ) و ( ليست هي الصورة ولكن ؟!( 9 )

وتبقى كلمت :

إن القاصة يتميز أسلوبها بالبساكة والعمق والوضوح ، وكما يقول د ( محمد جابر الأنصاري ) :(( إن الفنان الأصيل هو الذي يستطيع أن يجمع بين البساطة والعمق ، وبين الظاهر والخفي .. وإن مدعي الفن هو الذي يصطنع حاجزاَ ويختلق تباعداَ بين الجانبين ))

إغتيال الحلم في .. (( أواه يازمن الصمت ))

للقاصة (( بثينة إدريس ))

(( أواه يازمن الصمت )) المجموعة الأولى للقاصة ( بثينة محمد إدريس )) ، والمجموعة تضم ( 10 ) قصص قصيرة ، يغلب عليها الطابع الرومانسي ، وتركز القاصة على الحالة النفسية للبطل / اليبطلة ، من خلال التداعيات .

وتحمل اللأسئلة لمحاولة الخروج من دائرة الكبت والصراع النفسي اللذان يحاصران (( الحلم )) ، ولكن الحلم يتحطم على صخرة الواقع ، فيغتال مرة ، ويضيع مرة ، ويموت مرة .. الخ .

إنشطار الحلم

في قصة (( إنشطار الحلم ) نجد الصراع النفسي للزوجة يتجسد ، فتحاول أن تكبت تلك الصرخة الكامنة في أعماقها ، وتخفيها على أولادها ، ولكن في لحظة ضعف يسأل ولدها : (( أمازال أبي سجيناً )) ، تنفجر : (( لا .. لا .. لا .. لم يعد سجيناً .. قد رحل ولن يعود ... )) .

تقول في بداية القصة : (( في لحظات الصمت ثقبت جدار أحلامي .. ولامست يدي أحدهم ، تنحيت به جانباً وعدت أتلمس كم بقى من الأحلام في جعبة النسيان ؟ )) ص 13

وتقول في يأس : (( يمل الصبر من صبرنا في أوقات كثيرة وتتوارى الأحلام في ازدراء منا تخشى أن نبطش بها )) ص 14

استطاعت الكاتبة ان تجسد الحالة النفسية للبطلة بكل تداعياتها بكلمات تلغرافية .

ضياع الحلم

قصة (( ربما غداً )) تجسد ضياع الحلم من خلال الفتاة التي تعيش سعيدة مع اسرتها ، ويعدها والدها بألا يزوجها إلا بموافقتها ، ولكن ينقلب كيان الأسرة بعد زواج الأب من أخرى ، وإرغامها على الزواج من شخص لا ترغبه ، وبعد الزواج تتركه لتعيش مع والدتها .

وجسدت الكاتبة ضياع الحلم للبطلة وحيرتها ، حتى أن مفردة (( الحلم )) تتكرر في القصة بصورة ملفتة ومعبرة : (( أرحل بأحلامي . أعرف أنك حلماً . أعرفك تبدد أحلامي .. الخ )) .

وصورة أخرى من ضياع الحلم نلتقطها من القصة : (( أتدثر بستار الليل )) ، لذلك الفتى الذي يرغب الزواج من إنسانة يحبها ، ويشتد الصراع الصراع النفسي لبطل الضائع حلمه .. (( لشد ما أرجوه أن يتركني وعذابي وسفري المتواصل لأحلام أساسها الوهم )) ص 31 ، ويصرخ من أعماقه : (( حطمت كل أحلام الطفولة وامنيات الشباب )) ص 33

ويقرر الهروب : (( فالتمست الصبر من صوت الأحلام أرتجي الأمل من حقيبة السفر لأحلام الوهن .. )) 34

وتنتهي حياته بمأساة لحظة الهروب ، فتنحدر به السيارة ولايدري إلا وهو ملقى في المستشفى وقد فقد بصره .

واستطاعت الكاتبة توظيف (( الأنا )) في إبراز الحالة النفسية للبطل .

قتل الحلم

في قصة محكمة ، تجسد مشاعر امرأة طردها زوجها ومع أولادها من بيت الزوجية لتعيش في بيت فقير ، تصارع ما بداخلها من ذكريات مريرة ، حتى بعد موت زوجها لاتجد من دموعها أكثر من نصف دمعة تذرفها عليه ، ليس جحوداً منها ، ولكن ذكرياته المريرة وقفت حائلاً أمام دموعها هذا ماجسدته قصة (( نصف دمعة )) ، الذي تقدم لنا صورة لمقتل الحلم ، حلم امرأة كانت تود أن تعيش حياة طبيعية بين زوجها وأولادها ولكن الظروف أماتت حلمها البسيط .

موت آخر للحلم نجده في قصة (( وريقات مطوية )) التي تحكي عن فتاة تموت أمها وتظل وحيدة في انتظار من يتزوجها ولكن الأيام تمر وتمضي سريعاً إلى أن تقول : (( وعليت في لوحة سمائي عنوان - عانس - )) ص58

ورغم أن القصة تعتمد عهلى سرد البطلة ، إلا انه من خلال التداعيات تشضصثقفغعهعر بالحركة والنقلة إلى عالم البطلة بكل مافيه من خلال مفاتيح الجمل والمقاطع : (( تلفت ، عدت ، رحت ، هتفت ، هجئت ، تناولت .. ألخ )) .

وقصة ( أواه يازمن الصمت ) رغم قصرها وتكثيفها ، إلا أن هذا التكثيف استطاع أن يظهر الصورة ويقدم لنا الخصائص الأسلوبية للكتابة بوضوح ، فتصور لنا لحظة قتل حلمها ، أو والديها اثر حادث أليم تنجو منه إلا هي .

سقوط الحلم

سقوط الحلم تقدمه لنا الكاتبة بصورة مستفزة عبر قصتها : (( أهديك بقاياك )) .. التي تصور الرجل الجشع الذي يلقي بزوجته إلى المصحة النفسية طمعاً في مالها ، وبحاول ابنها الوقوف ضد والده من اجلها ولكن ترفض وتطلب منه أن يذهب إليه : (( إذهب إليه فهو أبوك .. كفاك .. لاتقل شيئاً .. )) ص80

ويسقط الحلم مرة أخرى في قصة : (( الرجال تموت صامدة )) .. والتي تجسد الصراع النفسي للشاب الذي يحب ابن عمه وعندما يتقدم لها يرفض والدها لعدم التكافؤ ، بعد أن فاته قطار التعبسيم ن واصبح مجرد بائع متجول ، فلا يجد بعد سقوط حلمه إلا البكاء ، واستطاعت الكاتبة طرح المشكل من الأعماق بأسلوب السهل البسيط ، ولغتها الشفافة .

أزمنة الحب

وتبقى في المجموعة قصة : (( أزمنة الحب )) أردت أن تكون الأخيرة ، لأنها الوحيدة التي تحمل حلماً عذباً ، وإن كان يتخلله الدم وصوت القنابل والرصاصات ، إلا أنه حلم جميل وسيمفونية رائعة لحب الوطن ، تجسدها الكاتبة بحبكة رائعة لاتخلو من الرومانسية التي تتغلب على كل قصص المجموعة .

ولا أملك إلا أن أقول للكاتبة الواعدة كما ذكر الدكتور سيد حامد النساج : (( كاتب القصة القصيرة المجيد لايكتب كلمة واحدة لافائدة منها ، فإن كل كلمة تحسب عليه وهو حريص ألا يبعثر الرصيد هنا وهناك ))()

وهذا ماوجدته في مجموعة ( أواه يازمن االصمت ) بإستثناء قصة ( أنا ) التي غلبت عليها الجمل التقريرية ، مثل رسالة (( رُبى )) كان من الممكن الإشارة إليها فقط .

 
دراسات أدبية
الصفحة الرئيسة

 

مع تحيات المحرر : علاء الدين رمضان
 تصميم
غابة الدندنة
موقع الشاعر علاءالدين رمضان
كافة الحقوق محفوظة ©