|
((
المِعْبَر
))
تجسد
مشاعر الوجع الفلسطيني
(( المِعْبَر )) رواية تدلف بك في عمق
الواقع ، تجسده بسخونته ، ووعورته ،
ووجعه .
رواية تطرح الوجع اليومي
للصراع الفلسطيني / الإسرائيلي . كاتبها
دارس لعلم النفس ، واستطاع أن يدلف في
عمق شخوصه ، طارحاً خبايا النفس ، الوجع
الإنساني ، المعاناة ، القهر ، الرعب ..
الخ .
(( المِعْبَر )) هو الحاجز / السد
، وما أكثر الحواجز المصطنعة على تلك
البقعة التي تعيش حالة غليان مستمر ،
حواجز مصطنعة بحجة الأمن ، وهي في
الواقع تجسد الرعب والإهانة والحصار
والقلق لأصحاب الأرض / المكان .
(( المِعْبَر )) في اللغة ما
يعبر به النهر من قنطرة أو سفينة .
والمعبر / الحاجز في الرواية ..
بحر لجي لابد من مواجهة أمواجه العاتية
التي قد تبتلعك وتقذف بك في أعماق
البحر، أو تسلمك للشاطئ بعد صراع ،
وعذاب ، وقلق.
(( والمِعْبَر )) رواية كاتبها
فلسطيني ، هو القاص والروائي (( زياد
جميل عبد الفتاح )) ، درس الحقوق ثم علم
النفس ، ورأس وكالة الأنباء الفلسطينية
(( وفا)) .. والهيئة العامة للاستعلامات .
صدر له من قبل .. مجموعة قصصية
بعنوان (( بلاغ خاص لأحد الرجال الغاديين
)) 1977م ، و (( قصر على ميرون )) 1984م ، ,(( قطة
سوداء في الشارع الأخير )) 1986م ، و((
الأسنان البيضاء )) 1988م ، وو(( داعاً مريم
)) 1992
وهذه الرواية التي كتبت بين
خريف 2001 وشتاء 2002م .
بداية ساخنة
الراوي يقذف بنا في المنطقة
الوعرة / المواجهة ، من الأسطر الأولى ،
يدخلك معترك المواجهة / الواقع ،
المؤلمة ، يدلف بك في بؤرة الصراع .
يقول مستهلاً روايته : (( تدخل
المعبر من ناحية رفح ، تبدأ رحلة انتهاك
عقلك وروحك وإنسانيتك ، وتدخلك مشاعر
تضعك وجهاً لوجه أمام ممارسة عملية ،
تلخص على نحوٍ فاضح فكرة اعتبارك أقل
شأناً ، تقف في مواجهة الأعلى ، هل هذا
ما تعلموه وتربوا ونشأوا عليه ؟!)).
اسطر تفجر براكين الوجع
الإنساني .. لتقذفك بعد ذلك إلى تفاصيل
مؤلمة ، حالة من التوتر ، والقلق لا
تستطيع معها صبراً ، وأنت تتابع المشاهد
وكأنك داخلها ، في عمقها .
تهرول من حدث إلى حدث في رحلة
شبكية ، تتشابك في الأحداث كخيوط
التريكو ، تتمنى الخروج إلى أي نهاية
لتتخلص من هذا الوجع .
رحلة الخروج والدخول ، هي رحلة
المواجهة ، الألم ، الوجع ، القهر ،
الإهانة .
رحلة غير مضمونة ، قد تخرج ولا
تعود ، وقد تدخل ولا تخرج ! ، وقد لاتخرج
ولا تدخل !! ، تفاجئ بفقدك في لحظة ، من
رصاصة رهان من جندي مستهتر لا يعبأ
بإنسانيتك .
(( والمِعْبَر )) رواية تجسد
الصراع اليومي بين مغتصب متحصن بسياج من
سلاح ، وصاحب أرض يواجه /مؤمناً بحقه في
حياة كريمة .
الحدوتة
تدور الرواية حول (( المعبر )) ،
ما يدور أمامه ، خلفه ، خارجه ، داخله ،
حوله .
تجسد الرواية المعاناة
النفسية والجسدية التي يعانيها أصحاب
الأرض من عنت المغتصب دون مراعاة لأية
مشاعر إنسانية .
يجسد الكاتب هذه المعاناة من
خلال شخوص ثلاثة رئيسية : ( الكاتب نفسه ،
عبد الحميد الرسام ، الفتى أحمد ) ، ومن
خلال الرمز والإيحاء يطرح الهم اليومي
المعاش ن يبرز الوجع الإنساني ، القهر
بشتى صوره .
وتحصر الرواية أحداثها خلال
فترة زمنية محددة من بداية الانتفاضة
الأولى .. إلى ما بعد أحداث الحادي عشر من
سبتمبر 2001م .
أسئلة المواجهة
تطرح الرواية مجموعة من
الأسئلة / المواجهة ، أسئلة تطرح الواقع
المعاش ، تحاول تفتيته ، البحث عن إجابة
منطقية لما يدور على هذه البقعة من
غليان لا يتوقف ، من صراع يزداد إشعالاً
، تقف الأسئلة المحاصرة في المواجهة :
(( هل يمكنك التعبير بكلمات
يتبادلها عابر يحاول استعادة موطن قدمه
، مع مقيم يسحق قيماً ، ويدوس ثقافة
ضاربة في عمق الزمان ، لا لشيء إلا لأنه
يملك القوة القاهرة ؟)).
(( هل تعرف كيف يتشكل الانتحاري
؟.)) .
(( كيف تنشأ صداقة بين رجل قادم
من موروث محتشد بالرهبة وممنوعات بلا
عدد ، وامرأة متحررة لا تسيّجها قيود
سوى ما يقبلُها العقل والقلب ؟ )) .
من خلال شخوص الرواية / الصراع
، تحاول الرواية طرح إجابات مباشرة
أحياناً ، ورمزية أحياناً ، وفي
الحالتين .. نجدها إجابات منطقية منزوعة
من بؤرة الحدث / الوجع .
رمــــــــز
تجسد لنا الرواية صورة من صور
الرعب اليومي من خلال شخصية ( محمود عبد
الدائم ) ، والذي كان يقود سيارته ،
وعندما سمع صوت الرصاص يحاصره (( لم يشأ
أن يجازف بافتراض يكلفه حياته ، تعامل َ
مع الموقف بجدية كاملة ، أنزل يديه
وبسرعة البرق فكَ أزرار قميصه وراح
يخلعُه قبل أن يتمكن الرصاص من التصرف ،
وعاد إلى رفع اليدين . لم يتوقف الرصاص ،
لا .. بل أنه اقترب هذه المرة ، حتى أخذ
يخترق المجال المغناطيسي لأذنيه فكاد
يُصيب شحمتيهما . جُنَّ جنونُه وهبط
بيديه إلى سرواله ، وفي لمحة خاطفة كان
السروال فيها خارج المشهد . أصبح الآن
بملابسه الداخلية ، ماذا يفعلُ
والرصاصُ الذي كان يضع توقيعه بين
القميص والفانيلا ، أصبح يضيق بوجود
الفانيلا؟! . بحركة غير إرادية أنقض
عليها ومزقها خلعا . لم يبق سوى لباسه
الأخير . الرصاص لا يزال يمرقُ حوله
والشمس تضرب في اتساع الأرض ، التي بدت
خارجة من معركة تجريفها مثخنة ، وفي
المدى كانت الريح تتحرك ببطء وكانوا
يتهامسون أو يتشاورون : هل يستحق القتل
فنقتله . أم أنه تافه إلى درجة أن نتركه
للخوف بقية عمره ؟ .. سكت الرصاص ، أحس
بمهانة لم يبلغها في يوم من أيام عمره .
هل تركوه لأن قتله مثل عدم قتله تماماً
فلا ينقص أو يزيد ؟! )) ص 64-65
مشهد يجسد الرعب اليومي الذي
يعاني منه شعب اعزل ، إلى الحد الذي دفع
الكاتب أن يقول إثناء معاناة عبور
المعبر ، وما عاناه ومن معه من إذلال
ومهانة : (( كلنا محمود عبد الدائم ؟!)) .
محولاً محمود عبد الدائم لرمز للقهر
والمهانة اليومية المتكررة .
الشــــتات
تجسد الرواية الشتات الذي
يعانيه الشعب الفلسطيني الأعزل ، في
مقابل تجمع الشتات اليهودي ، وذلك من
خلال طرحه لإشارات رمزية دالة .
فنجده يطرح شخصية الرجل
الفلسطيني / الرمز ، المشتت هو أسرته ،
الممزق الكيان : (( ذاهب إلى كندا ليزور
ابنه الطبيب هناك ، أضاف بأنه بعد كندا
يذهب إلى ولاية أريزونا ، ليشهد ولادة
ابنته المتزوجة من فلسطيني عاش عشرين
سنة في أمريكا ،وعندما أراد أن يتزوج
عاد إلى البلاد ، ليتم نصف دينه ، وينشئ
عائلة على طريقته ، وقال الرجل إنه سوف
يعرج على ابنه الرابع في بر وكسل في طريق
العودة : ذلك اللعين تسرب من بين أصابعي
ن وتزوج بلجيكية ، لكنها سيدة فاضلة
أنجبت له طفلاً وطفلة رائعين )) ص 57-58
في المقابل نجد المجتمع
الإسرائيلي يعج بالجنسيات المختلفة
التي تشير إليه الرواية . فنجد المجندة
الروسية ، وتشير إليها الرواية برمزية
تحمل الكثير من الدلالات : (( أخيراً جاء
الضابط ومعه مجندتان ، جرى حديث بينه
وبين السائق والمساعد ووالدة الفتى
واثنين من الفضوليين ، حديث بالعبرية
والإنجليزية والعربية والروسية
والأمهرية )) ص 72
هذا المقطع يرمز على تجمع
الشتات اليهودي .
وفي موضع آخر تواصل الرواية
طرح الرمز : (( ولم يتدخل الجندي من
الفلاشا القادم من أثيوبيا ، فهو مازال
حديث عهد بإتقان القتل . في حين قال
الضابط في الجيش البريطاني وهاجر بعد
الحرب العالمية الثانية إلى القدس ز
هذا التفكيك المدبر من الراوي
لتصوير هذا الشتات ونقيضه ، استطاع
الكاتب أن يطرحه بفنية عالية مجسداً
تبادل الأدوار .
رامزاً للشتات الفلسطيني من
خلال شخصية واحدة ، وهذا يدل على التشتت
/ التمزق/ عدم التوحد/ ، رغم التجمع
الظاهر / الشكلي .
الانتــــماء
تطرح الرواية إشكالية
الانتماء من خلال شخصية (( عبد الحميد
الرسام )) الذي يهاجر إلى فرنسا ومن خلال
رحلة صعلكة استطاع أن يجسدها الراوي
طارحاً ما يعتلج نفس هذا الفنان المرهف
الحس وهو يحاول البحث عن قوت يومه من
فرشاته وألوانه ، مصوراً لنا قصة حبه مع
(( سيمون )) الفرنسية والتي يفرد لها
مساحة سردية كبيرة ، وعلاقة عبد الحميد
وسيمون تحمل الكثير من الدلالات ، وتطرح
الكثير من الرؤى ، وتفتح مسامات عديدة
للتأويل ، فهي علاقة تجسد التقاء الشرق
والغرب ، تجسد المشاعر الإنسانية ،
يطرحها الراوي على لسان سيمون : (( الحب
اندماج من نوع فريد وخاص ، يجتاز
المسافة الصعبة بين الديان واللغات
وتعقيدات النشوء )) ص 152
ورغم حبه الجارف لسيمون ، إلا
أن مفردات بيئته / رمز الانتماء ، تظل
تسيطر على مسامات وجدانه ، رغم التقاء
النقيضين ، واندماجهما في نسيج إنساني
رائع .
ويبرز الراوي صورة (( مريم ))
أخت (( عبد الحميد )) ، ويضعها في إطار
أنيق ، شفيف ، مجسداً من خلاله مشاعر
الحب/ الانتماء . من خلال تداعيات جميلة
، وحب جارف لحد الهوس . فيتكرر اسم (( مريم
)) في الرواية (25) مرة ، فطيفها يلاحقه في
غربته .
(( وحضرتني مريم من جديد .قالت :
في داخلك قيمة أعلى ، وعوالم أعظم ثراء ،
فامض ولا تتردد . أترك بصماتك في أرقى
الأماكن وأحطها ، استحضر موروثك الضارب
في عمق الزمان ، فانك ابن الأرض التي لا
تخذل بنيها ، سرقوك بيتاً وشارعاً
ومدناً وقرى ، وحينما كادوا بلوغ روحك
انتفض فيك الله )) ص 121
ويعود عبد الحميد إلى وطنه ،
ليستشهد على أيدي العابثين برصاصة رهان
.
الصمــــــود
طرحت الرواية من خلال شخصية
الفتى(( أحمد)) ، شخصية الفلسطيني الصامد
/ الأمل ، وكيف عانى من اضطهاد ومهانة
وعذاب وذل ، لكنه لم يفقد الأمل في
الخلاص .
يصور لنا الراوي صورة أحمد وهو
أمام المعبر .. (( كان الباص مليئاً
بالركاب حتى أنك حينما صعدت إلى الحافلة
، اضطررت للوقوف . أمامك في الكرسي
المتقدم فتى يرتدي بنطالاً من الجينز ،
وقميصاً مفتوحاً على المدى ، يده اليسرى
مطوقة بالجبس ، وأنبوب يمتد من كيس
مربوط بأعلى نافذة الباص تنغرز إبرته في
شريان يده . الفتى يتألم بينما يمسك به
رجل ، عرفت فيما بعد أنه مساعد كي لا
يهتز باهتزاز الباص ، ووالدته تحمل
منديلاً وزجاجة ماء تبله كلما نزّ عرقه
وتمسح جبهته وجبينه )) ص 49-50
وسرعان ما يكتشف بأن ذراعه
مبتورة .. وإنه ذاهب إلى مصر لمحاولة
إعادتها إلى وضعها . وأمام التعنت وتحجر
قلب المغتصب ، يعاني الفتى الأهوال ،
ويُأمر بالنزول لأن جواز سفره جديد ول
ينزل على الكمبيوتر .. وبعد رحلة عذاب ..
وفي نهاية الرواية ، ويتعمد الراوي بأن
يكون مشهد أحمد هو النهاية ليعطي رؤى
ودلالات ، نكتشف بأن أحمد قد ذهب إلى مصر
، ويعود إلى وطنه بعد نجاح العملية
وعودة ذراعه إليه .
وكأن الفتى أحمد هو رمز للصمود/
الأمل .
فرغم ما تحمله الرواية من
أوجاع ، وتجسد لرحلة تقذف بنا في عالم
القهر والذل والمهانة ، إلا إنها تبشر
بالأمل / الخلاص ، فتجيب عن الأسئلة /
المواجهة ، إنها البشارة / الأمل .
وربما من قبيل المصادفة أن
تتكرر مفردتا ( الأرض – والموت ) 13 مرة في
الرواي .
وفي النهاية نكرر مقولة
الإمام (( علي ابن طالب )) التي استهل بها
الكاتب روايته كمدخل : (( آه من طول
الطريق ، وقلة الزاد ،ووحشة السفر )) .o
|