ليس للمساء إخوة

 

1981

 

خُطّ باليد ووُزّع باليد أوائل 1973

 

 

 

 I ليس للمساء إخوة

(1968)

 

 

I

 

 في هذه القرية

تُنسى أقحواناتُ المساء

مرتجفةً خلف الأبواب.

في هذه القرية التي تستيقظ

لتشرب المطر

انكسرتْ في يدي زجاجةُ العالم.

 

 

 

II

 

هذه المياه

تَفتحُ أقنيةَ الليل في الجسد.

هذه المياه وهذه المراكب

نقودُ عميانٍ

نسوا أنفسَهم على أرصفة الضوء

ونسوا

أن يرفعوا شبكة العمر.

 

 

 

III

 

ستخرجون بقميصٍ صارخةٍ لتقابلوا اعتزالاتكم.

في الليل أو في النهار

ستخرجون

وعلى حدةٍ يقابل كلُّ واحد اعتزالاتِه

ينقّب طويلاً في مزارع الحقول

ولا يجد كنز حياته

في الليل أو في النهار

ستثقب المحيطاتُ بدلاتِكم

وتبحثون عبثًا عن إبرة الشمس.

 

 

 

IV

 

إعرفْ أنّك لن تجعل من الشمس حبيبةً

وإنْ كنتَ في رداءٍ كثيرِ الثقوب

وأنّك

حين تَدلفُ فوق ساقية الروح ببطء

ستكون الماءَ الضائع

وحين ترصف أنفاسَك في الفضاء قضبانًا كثيرة الذكريات.

أنت

ولو كانت لك نجمةٌ صغيرة

ولو فتحَ الليلُ أحيانًا حياتَهُ

لأعواد ثقابك

ستأخذ غيرَ الضوء طريقًا

وتطلُّ في وقت غير مناسب على نافذة العالم.

 

 

 

V

 

فراشةُ الحُبّ تطير بعيدًا

وعطلةٌ قصيرة على كفّها

لكنَّ يدي أضاعت مفاتيحَها.

أتدلَّى

فوق سور الأسماء

وغيمةٌ تشبه اليد

ترفع  لي قميصَ الشتاء.

 

 

 

VI

 

بعيدًا عن السقوف الحميمة

جميعُ الأمطار لا تغسل مظلاتنا

والنهاراتُ الناسية مظلَّتَها في يد الليل

تقذف بنفسها من مطلقِ نافذة

لتستخرج خاتمَ نومها.

 

 

 

VII

 

من كلِّ محطةٍ في الأرض

العرباتُ مقبلة

كأسماء واضحة في ملفّات التعاسة،

والنهار

سوق المرايا

جدرانٌ مزهرة أكثر ممّا ينبغي

والعيونُ غيوم

سقطتْ.

 

 

 

VIII

 

في يدكَ تنمو شرايينُ الذهول

وتغترب

يدكَ التي تلوّح للمارّة

كالرسائل.

 

 

 

IX

 

مع أنّ وعاءَ الصمتِ هو الوحيدُ يلمعُ بيننا

أعرفكَ أيّها العالم

أيّها العجوز القميء في صحن ذاكرتي.

وإنّي، إذ أتقدّم بخطى مبعثرة

إلى أبواب مودّتك المقفلة،

لا أكون ناسيًا أنّ المفاتيح

التي نعثرُ عليها في أشواقنا

هي المفاتيح الخطأ.

أعرفُ أية مجارٍ من التأسف

أيامُكَ

مع أنّ كلّ شيء مضى الآن

ولم يعد يتدلّى بيننا

غيرُ عشبة الماضي الجافّة.

 

 

 

X

 

إنّها محاولةُ الدخول في عنق الحُبّ

الذي يندلق خارج فمي

أو التقاطُ نجمةٍ

كساعةٍ مخرَّبة في صندوق الأمل

ثم الوقوف

والالتفاتُ نحو

مزرعةٍ شحيحةِ البصر

تعبر فيها الفصول

بقليلٍ من التعاسة.

 

 

 

XI

 

بينما كنتَ تعبر أمكنةً واسعة

كان ثمّةَ شيء يشبه الحُبّ

يتذكّركَ

أمّا الآن

وقد قطعتَ شوارعَ غير مدثَّرة

وودّعتَ أرصفةً كثيرة

فالأمل

الذي أراد التحدّثَ إليكَ عند كلّ خطوة

يكفّ عن النداء.

أنتَ

يا من حسبَ أنَّه عبرَ كلّ الاشياء

جلستَ وقتًا أطول

في مقهى الماضي.

 

 

 

XII

 

ينبغي الإعترافُ بأنّ الأيّام

ترسو كضفادع ميّتةٍ

وتجعلُ الابتساماتِ موجعةً

أمام البحيرات،

وأنّ المحبّة

ملحٌ أزرق

ملحٌ يسقطُ الآن وحيدًا

وأزرق.

 

 

 

XIII

 

إذنْ

رأيتُ نفسي

كمعطفٍ مثقلٍ بأوحال النهار

أقفُ أمام صبّاغ المساء

المقفل.

 

 

 

 II ليس للمساء إخوة

(1973 – 1980)

 

 

مرحلة أولى

 

 

كيف يكون هذا الشوق

كضفدعٍ خارجَ بحيرته؟

كيف هذا النهارُ رمادٌ في السماء؟

وهذه العاصفة في الرأس كيف لا تحرّك غصنًا؟

 

I

 

ما فائدةُ الوثوب إلى الغابات

وإطعام الغزالة النحيلة

حين تسقط عصافيرُ الدهشة

كخشبةٍ من بناية قديمة؟

أنا النموُّ الاسودُ تحت الأبراج

والحيواناتُ الكونيّة ترعاني

لستُ الصبيُّ الذي يدخل

برجَ العائلةِ في المساء

أبحثُ عن نجمةٍ أقرأ تحتها حياتي

أرتقي سلّمَ الضوء

أهبُ ورقةَ نقدي الأخيرة

لليد المعروقة

فوق جسر القلب.

 

II

 

هؤلاء الّذين يتوقون العودة

وليس لهم قطار

ولا نجمة

ولا حتّى صرصار في طريقهم يغنّي،

الّذين كّرتْ كنزةُ أحلامهم

ولحياتِهم صوتُ ارتطامِ المرآة على الحجر،

مرّات كثيرة سيعرفون موتَ المسافات

ويكتشفون العالم

بلا طريق.

 

 

III

 

تغرقُ في بئرِ المحبّة اليابسة

سكران

ماذا تقول للمارّة كي تخطفَ مرفأ؟

شربتَ نهاركَ دفعةً واحدة

رقصنا في الساحة ولم تقدّم نشوتك

رفعْنا مياهَنا إلى حدودها

وأنتَ تفكّر في صحراء يدك

بعْها

قلنا لكَ بعْها وارفعْ وجهكَ لا رايةََ الحرّية

قلْ هذه شجرتي

وأنا أرغب في عريها

لكنّك حرّكتَ إبرةَ الألم

وأعدْتَ حياكةَ  يأسنا جميعًا.

 

 

IV

 

الرغبة نقاءٌ مالح

مرايا عاريةُ الظهر

عشبةُ التجاويف

قريةُ ميّتة في فمي.

 

 

V

 

تقول القابلة القرويّة:

وُلدتَ في زاوية البيت

بين قمر النعاس والعيون المطفأة

كانت الأزهار صغيرة

الطريقُ عجوزًا

وشجرةُ الرحمة تهتزُّ في النهر

حيث الغصون و العصافير

ترى نفسَها مكسورة.

 

 

VI

 

العشقُ مَرَّةً أسقط الملاك

في وجهي

حمل أصابعه و خرج

إلى الموت

يربط عنقَه بوردة

وخرج من العمر حصان

أنهى سباق الرغبة.

 

 

VII

 

جلس المنظّرون والعشّاق والسكارى والأموات

يحيون ذكرى الأرض القديمة

هيكلُهم على كلس الجدار

حطامهم على المفارق

ينتظرون زهرة الخدر

من حجارة العيون.

 

 

VIII

 

نقّبوا عن ظلال رؤوسكم

وتفيّأوا

الزمن جفّف القلوب

ولا بئر غير عيوننا

ندفن فيها وجوهَ من نُحبّ.

 

 

IX

 

أيُّ زمن سيأتي

بقميص أبيض؟

أيّ درب ستأتي

ونلعب مع الأطفال؟

أيّ خروف

نطعمه أيدينا؟

أيّ حلم

وكلّنا على قارعة الطريق

نلملم انهيار الوجوه.

 

 

X

 

يصعدُ الليل إلى الحلم

و نحن نرسم غصنَ الشوق

يصعد النوم إلى الثمر

ونحن نوقظ زهر النشوة.

هكذا بخطوةٍ أولى

يُستنزف الحُبّ

وأصابعه الحمراء تلوّح

ولا ترى القتلى.

 

 

XI

 

ماذا على الّذين مثلي أن يفعلوا

وأصغرُ فراشة

هي أكثرُ دهشة؟

الدائرةُ نفسها

المشهد، النافذة، الوجه.

سأخرج فارغًا

حتى من قميص قلبي

وبرصاصةٍ وحيدة أطلُّ على الصمت

هذا الهدف المتراقص أبدًا.

 

 

XII

 

هناك مشروعُ قصيدة

ضفّة

أفرشُ عليها السمكَ الواجف في رأسي.

اذهبي

يا امرأة سوداء على بابي يا مراكب

اذهبي

أحلامي كافية لأغلق هذا الباب

وأنام

مياهي كافية

لأغرق.

 

 

XIII

 

يجب أن يكون هناك طريقٌ آخر

إلى الغابة

الوترُ المشدود بين عينيَّ و الأشجار

على وشك الانقصاف.

أيّتها الكلمات يا غابتي

يا شجرتي اليابسة في فمي

على طول الطريق سواقٍ و أزهار

حجارةٌ لمن تعبوا

شمسٌ للنهار قمرٌ للّيل

وليس على حروفك عصفورٌ يسلّي.

يجب أن يكون هناك طريقٌ آخر

الأصواتُ أقفاص.

 

 

IVX

 

أودُّ أن أعلّق قلبي على جبيني

كما تعلّق الأمُ اسمَ طفلها على مريوله

أودُّ أن أكتب رغبتي على الثلج

وعلى رمل البحر محبّتي.

في العيون في العيون

الشمسُ تثلج.

 

 

مرحلة ثانية

 

 

ها هي الطريقُ تنكسر كعودٍ يابس

وعلى أعلى جبال القلب

تجمع الخرافُ البيضاءُ نفسَها

وتعود إلى الحظيرة.

 

 

 

I

 

قبالةَ البحر أو الجدار

أريدُ الدفاعَ عن نفسي

بكلّ الرعب

لا بالصراخ

لأنَّ الوقت مرَّ طويلاً

ولا أعرف

إذا الصراخُ لا يزال.

 

 

 

II

 

مهما بدا طاهرًا هذا الوجه

إنّه ملعب العائلة.

الذكرى ثلج

لا يُضمن الوقوفُ فوقه طويلاً

إرحلْ.

 

 

 

III

 

سأذهبُ إلى الغابة أقعدُ مع الحطّابين

وبفأس دهشتهم

أقطعُ أحلامي وألقيها في النار.

يقول الحطّابون:

اليابسُ يُقطع.

 

 

 

IV

 

إذا سقط نجم

علامةُ شؤم

إذا سقطتْ شجرة

موت

إذا سقطتَ في وجهي أيّها النورس

فلأنّي

أدرتُ غروبي صوب الشرق

ومضيتُ في مياهي.

 

 

 

V

 

أزقّةُ أيّامي مليئةٌ بالزجاج

ومثل صبيّ يركضُ عمري حافيًا في عمري.

 

 

 

VI

 

أحملُ ذهولي

مخترقًا جنونَ الحلقات

في وجهي تنزفُ حربةُ الأبديّة.

أنا نظيف

البياضُ يكسوني

أمشي على طريق أبيض

أقعد على كرسيّ أبيض

أحلامٌ ناصعة

نسيانٌ ناصع.

 

 

 

مرحلة ثالثة

 

 

نتسلّق ضحكاتنا

لأنّ صراخنا شاهقُ جدًا.

 

 

 

I

 

لم يَعُدْ في دمي غيرُ الكلمات واللون الأحمر

البسْ قناعَ الرحمة و اطردْني

يشتاق صمتي غيرَ لهاثك.

ماذا جئتَ تفعل ماذا جئتَ تقول ماذا جئتَ تقطف

يا زارع اليباس كي يكلّم الفراغَ كالأبله؟

حديقتي أصغرُ من جنين

ليس فيها غيرُ ورقةِ السهو

نبتتْ في غيابك.

 

 

 

II

 

أنتم قميص المجاعة.

دلقتم محابر وجوهكم على أوّل النهار فاسودَّ عمرُنا القصير. غرقتْ أقدامُنا في الأسْوَدِ وصارت صالحةً للكتابة.  بها وقّعنا على الطرقات أحصنة جديدة.

أوقفوا نسلَ الاحلام. ما عاد العالم يسع.

أسمعُ ضجيجًا هائلاً، قرقعةَ عظام، الأحلام ترفس نفسها، تنهق، تفترس، تروث.

أوقِفوا نسلَ الأحلام. كَثُرَ الروث وانبرتْ زهرةُ الأزمنة.

على صدر كلٍّ منكم زهرة الزمان. أحار كيف أسمّيكم.

 

 

 

III

 

سيّدتي في الفضاء الكئيب

لا تُرجعي وجهي إليَّ

لا تتدفّقي نحوي كالأنهار

لا تندلقي كالبراميل

الحرّيةُ نصفُ اشمئزازي

والرهينة نصفي الآخر

وكلُّ أولادي الموت.

 

 

 

IV

 

يا قاطعَ الطرق يا شرسًا يا مجنونًا يا حُبّي

دعْ ممرًّا لرحيلي

دعني بعيدًا مع ورق الشجر أستلقي

على حجر يمكنني أن أقعد

مع صرصار أستطيع أن أغنّي

لنملة أقرأُ قصائدي

في مِزَق ثوبي ثلاثُ ابتسامات من الفجر وثغرٌ كاملٌ للغروب

على رؤوس أصابعي قطيعٌ غريب

لا يعود من البراري.

 

 

 

V

 

أخرجُ إلى تسكّعي قاطعًا حدائق الوجوه

رائحةُ الصمتِ برتقالة

وشيخوخة الوعي قطارٌ سريع.

 

أيَّهُ لقاءُ الحزن أيَّهُ لقاءُ الحلمِ يا قطرات الطريق؟

 

 

 

VI

 

مرَّ الوردُ ابني الحبيب ورجع و قال:

خلّصني يا أزرقَ الأرض

يا أبيضَ الفراشة

المكان يؤنّث نفْسَه.

 

 

 

VII

 

اشتبكي معي يا حشائش الأيّام الأولى في رقصة الأيّام الأخيرة

في كلا عنقينا أشعَّةٌ مترمِّدة.

 

 

 

VIII

 

تقفُ في آخر صفّ المسافرين إلى النهار

وتُريدُ أن ترى نفسكَ العاشقَ الوحيد

اعترفْ أنَّ القطار انكسر

وأنّكَ وحيدٌ على الرصيف

شوقُك الحمّى برودةٌ كئيبة

وأسنانُكَ حين تبتسم لا تضيء

حتى فمَك.

 

 

 

IX

 

الأبراج المبلّلة بالضوء تطفو على كتفي

إنّه شروق سخيف

بدايةُ أوّل يوم في مصنع العالم

وجهي يقتله ظلُّه

على الشرفة.

 

 

 

X

 

قولوا أيَّ شيء للعصافير في شجرة التفاح كي ترحل

خبزٌ في أشواقها

يأسر خطواتي.

 

 

 

XI

 

إلى جاد وسيمون وغادة، وأنتَ

ما اسمكَ؟ لا أعرف

لكن ألم أرَ وجهكَ تحت شتاء آذار يذوب كحبّة سكّر وأنتَ تسرع؟

ومرَّةً قعدنا؟

كان الزغبُ ينبت في وجوهنا.

قالت أمّنا تطيرون غدًا. زقزقنا.

وها على الثلج نقعد نتأمّل أقدامنا الصغيرة.

ما هذا الواقع من فم السماء كأنه لنا؟

قالوا جاء يزيحُ الصخرَ يفتحُ الباب. انخفِضوا انخفضنا.

سمعنا ارتطامَ جسده. رأينا تفتُّحَ جراحه.

وقلتُ: لن أمسّ جرحك أبدًا لئلا يُقفل نبعُ الرغبة.

وضع جاد عينه في الماء صارت سمكة. سيمون عينُه في الفضاء غيمة. وعينُ غادة قطنٌ ينفشه الحزن.

كنّا التقينا. دخل البوّابُ أعلنَ انتهاءَ الزيارة.

كيف تصيرين هكذا مطرًا أحمر ينزل عليَّ في الشوارع؟

أمّي غزلتْ لي كنزةً بيضاء عملتْ لها جيوبًا للزبيب وعبّأتْها.

لبستُها وخطرتُ أمامكِ.

أبي مرّةً زار المدينة. ضيّفوه برتقالةً حملها إليَّ من بيروت في جيبه. اقتسمناها وركضنا في البساتين.

أبحثُ عن زبيبةٍ، حبّةِ قمحٍ، بذرةِ برتقالٍ أضعُها في منقادكِ وأنت في العش لا أجد.

كيف يصير أهل القرى من دون قمح هكذا؟

جاء الشتاء يمزج البرد بالذكرى

وها نحن لا نريد غيرَ غطاء.