إذا نظرنا للمجتمع على أنه، مثل الإنسان، قائم
على أساس ثنائية من القوانين، الواحدة طبيعية، فطرية، و ثابتة نسيا تقابلها مجموعة
أخرى من القوانين معنوية، معيارية، مكتسبة، متغيرة، خاضعة لإرادة الإنسان، القابلة أو الرافضة لهذه القوانين، و هي تفسر سلوكاته و تبررها، و إذا سلمنا أن المجتمع المثالي هو المجتمع
الذي تتجانس و تتوافق فيه هذه المجموعتان من القوانين، يمكننا القول أن التغير في
واحد من أبعاد المجتمع، المادي منه أو المعنوي دون التغير بنفس الوتيرة و بتوافق
مع البعد الآخر يشكل مشكلا، خللا، فقدانا للتوازن، يتطلب إصلاحا. إذا سلمنا بتلك
المنطلقات يمكننا القول أن مراجعة قانون الأسرة، أو أي قانون آخر ضرورة ملحة
باعتبار أن التغير الاجتماعي سواء كان في بعده الفيزيقي أو المعنوي أو في البعدين معا، ظاهرة دينامية مستمرة
.
إذا قلنا مثلا أن الزيادة السريعة في عدد السكان
أحدثت أزمة سكن، فإننا نشير هنا لحقيقة حدوث تغير في المجتمع، في بعده الفيزيقي (الحسي)،
و ظاهرة تشريد أطفال الأسر المفككة جراء الطلاق نظرا
لكون الكافل للأطفال هو عادة الأم التي، عادة، ليست صاحبة ملكية بيت الزوجية، حيث
أن قانون الأسرة لا يمنحها حق الإحتفاظ ببيت الزجية، ظاهرة ناجمة عن عدم تغيير قانون الأسرة حتى يساير
ظاهرة أزمة السكن الذي سببها التغير السريع في عدد السكان.
بعبارة أخرى المشكل الذي نشير إليه ناجم عن
ظاهرة التغير الغير متزامن بين البعد الحسي و البعد المعنوي للمجتمع، و عدم
التزامن هذا يفقد المجتمع توازنه، أي أن البعد الحسي غير متوافق، غير متجانس مع،
غير مساير للبعد المعنوي (قوانين، ذهنيات، معايير اجتماعية).
وفق هذا التنظير
الذي يتم على ضوئه تشخيص لمشكل اجتماعي حقيقي، مشكل تشريد الأطفال، يكون مطلب إصلاح
الخلل مطلبا مشروعا لأنه مبرر. هل الإصلاح يكمن في تغيير قانون الأسرة، أوأنه يكمن في تغيير ما تغير من خلال تحديد النسل و الإسراع
في تنفيذ مشاريع البناء للسكنات الإجتماعية، أو غيرها
من الحلول المحتملة؟ ما هو أنجع تلك الحلول و أكثرها توافقا مع ثوابت المجتمع؟
هذا هو السؤال المحوري الذي يجب التركيز عليه
عوضا من اتخاذ قانون الأسرة ككبش فداء يحل مشاكل المجتمع، أو مشاكل ذوي القناعات الإيديولوجية المتضاربة.
الإلحاح من طرف بعد الفئات على تغيير قانون
الأسرة بحجة أنه سبب رئيسي لتشريد القصر و بالتالي قانون غير عادل، يجب تعديله،
إلحاح يعبر عن وجود فكرة مسبقة، وثن فكري ناجم ضعف ابستيمولوجي
لدى هؤلاء، كونهم عن وعي أو عن غير وعي يتبنون الإتجاه
الوضعي في العلوم الاجتماعية، و كأن الظواهر الاجتماعية مثل الظواهر الطبيعية
ناجمة عن أسباب يمكن الكشف عنها و بالتالي التحكم فيها... مشكل السببية و الحتمية
في العلوم الاجتماعية أثار حفيظة أكثر من واحد من علماء المنهج العلمي و الابستمولوجيا.
إن بحثنا عن
الأسباب (عوضا عن المتغيرات) فإن السبب له مسبب، و المسبب له أسباب إلى ما لا نهاية
من المسببات، إلى أن يصل واحد من أنصار هذا الاتجاه إلى مسائلة الله، مسبب
الأسباب. فهل هذا يجوز؟ أبدا، لا يزوج.
إذا كان حق الملكية و التمتع بتلك الملكية من
الثوابت التي لا يمكن تغييرها كيف لقانون الأسرة أن يمنح بيت الزوجية للزوجة
المطلقة، ليجد صاحب الملكية نفسه في الشارع؟
]يبدو أن من بين
البدائل المطروحة على المشرع الجزائري، هذا حل يفنده واقع المجتمع المعنوي.
هل يكون الحل
الناجع منع الطلاق وفق بند يدرج ضمن قانون الأسرة، مثلما هو الشأن في قانون الأسرة
الإيطالي مثلا، حيث أن الزواج وفق قيمهم المسيحية يكون مدى الحيات، حتى و لو
استحالت الحياة الزوجية؟ ...أو تغريم الزوج ما لا يطيق
من تكاليف حتى يحجم عن التطليق و إن أصبحت حياته الزوجية جحيما؟
ربما يكون أنجع الحلول على الطاولة هو في تغيير
قانون الإسكان على مستوى البلديات حتى توفر ملاجئ مؤقتة لفئة المطلقات المشردات
إلى حين منحها مسكنا على وجه الأولويةا،...
خلاصة القول هو
أن مطلب تغيير قانون الأسرة ليس حتمية و لا هو حل ضروري وحيد، لا بديل له.
ربما من بين الذين يلحون في ضرورة تغيير قانون
الأسرة من يتخذ قضية تشريد أنباء المطلقات كذريعة فقط، من ورائها
مآرب أخرى خفية و خطيرة؟
الاحتمال وارد، و على هذا الأساس وجب الحذر من
أي مؤامرة قد تحاك ضد ثوابت أمتنا. الحذر مطلوب على الذين استلموا الأمانة حتى
يتمكنوا من صيانتها، و إلا فاليتركوها لمن له القدرة
على صيانتها. القضية ليست قضية مراكز اجتماعية و لا قضية جاه، بل هي قضية قدرة على
صيانة الأمانة، و على الشعب أن يختر لنفسه من يدافع على مصالحه العليا و على
هويته.
اختصارا للمقال،
تغيير قانون الأسرة ليس هو الحل الوحيد، و أخشى أن ينقلب قانون الأسرة المعمول به
حاليا إلى كبش فداء لا علاقة له بأوضاع اجتماعية مزرية صعبة على الكثيرين من فئات
المجتمع.
إحداث خلل (تغيير
غير مناسب) في واحد ما أهم مقومات الشخصية الجزائرية ألا و هو قانون الأسرة له
عواقب وخيمة على كل المجتمع، لأن ذلك يفتح الباب واسعا أمام تدخل الغير في شؤون هي
من خصوصياتنا، لا يصح للغير أن يتدخل فيها.
ربما، يكون تغيير قانون الأسرة تمهيدا لتبرير
إبرام اتفاقيات أو معاهدات متناقضة مع ثوابت أمتنا، في المحافل الدولية من طرف من
وليناه شؤون بلدنا. إذا حدث ذلك أصبحنا ملزمين بتطبيق معايير غريبة عن ثقافتنا، و
بالتالي ممسوخي الشخصية و مستعمرين ثقافيا كتمهيد لأي تدخل فعلي محتمل، يكون حينئذ مبررا قانونا،
أمام مجلس الأمن للأمم المتحدة...
ثراء في المخيلة هذا؟ للقارء الحكم.
نحن نعلم أن هناك من يسعى حثيثا لأن يعولم الثقافات المختلفة ضمن قالب واحد، و سلم للقيم
واحدة...و لما لا عملة ورقية واحدة، تصدرها بمجرد
الإرادة، دولة ما لتشتري بها كل ما هو معروض للبيع، عرق جبيننا و غيره.
...لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة...و هو الذي
خلقكم من ذكر و أنثى و جعلكم شعوبا و قبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم.
نعم لإصلاح الخلل المترتب عن التغير الغير
متزامن للأبعاد الحسية و المعنوية في المجتمع، و لكن عدم التمعن في خصوصية الواقع الجزائري،
بمقوماته المادية و المعنوية، يحدث العكس تمامة، تسلم
الأمانة لغير أهلها، طواعية و عن جهالة.
فالحذر إذن مطلوب، يا ذوي الحل و العقد لأن
الأمانة في أعناقكم و يجب إثبات قدرتكم على صيانتها و إلا الشعب سوف يزيحكم عن تلك
المراكز و يريحكم من مسؤولية لا تطيقون تحملها.
مصدر التشريع الوضعي لقوانين الدولة الجزائرية هو
الإسلام. هذا واقع ملموس في سلوكات المجتمع و في قانونه
العام، و على هذا الأساس، لا بد لكل مشروع إصلاحي أن يتعامل مع كل معطيات الواقع،
مادية كانت أو معنوية.
لقد سمعنا من بعض المسؤولين
السابقين في الدولة الجزائرية، أن الشريعة الإسلامية عبارة عن 15 قرنا من تطور
فكري و تبادل و اجتهاد. هذا تعريف مميز. على الأقل صاحبه عرف منطلقاته
التي يبرر بها استنتاجاته و مشاريعه. هو طرح لقضية ما وفق قراءة لمعطيات الواقع.
لا شك أن لهذه القراءة خلفية إدراكية، نتظير وفق منطلقات فلسفية قد تكون غريبة عن ثقافة شعبنا،
يستلزم قياس مدى توافها مع ثوابت أمتنا.
ربما القائل يتبنى الفلسفة التطورية لدارون
القائلة في أبعادها الفلسفية
أن المجتمعات تتطور ماديا و معنويا إلى أن تصل إلى حالة من التطور
لا يمكن بعدها أن تتطور أكثر، حيث تصل إلى حالة من التوازن الستاتيكي
المبهم.
فلسفة طوباوية تلك، و إن الإنسان على حب الخير
لشديد، حيث يكون هذا الخير حسيا أو معنويا أو الإثنين
معا.
رأي ذلك المسؤول
يتلخص في كون الجزائري "تطورت" و على التشريع و لما لا، الشريعة (حصيلة
تطور و اجتهاد), أن تساير ذلك التطور. تلك الأطروحته تتمثل
في ضرورة ترك باب الاجتهاد مفتوحا "لتطوير" الشريعة حتى تساير ما طرأ من
تغيرات حسية على مجتمعنا. و كأن المعنى تابع للحس، و كأن "الحتمية"
الحسية تحدد و تبرر المعنى، أو كما قال الماركسيون "البنية التحتية تحدد و تبرر البنية الفوقية (الأيديولوجيا)"
نعم للضرورة
أحكام، و لكن المنطق المشار إليه أعلاه و الذي يشخص لنا تلك الضرورات، فيه خلل. النظرة التطورية التي ينطلق منها صاحبنا (أو صاحبتنا) ليست
بديهية و لا مسلمة، بل هي فرضية و الفرضية لا يمكن أن يبنى عليها مشروعا ذي
الأبعاد و مخاطر قد لمحنا إليها سلفا.
طبعا، صاحبنا يحاول إقناع
من لديهم صلاحية التشريع. أما نحن، من ناحيتنا، فنراه
لزاما أن نشير للخلل الموجود في منطق صاحبنا حتى لا تقع الكارثة التي قد تصيب
الجميع...كما سوف تتضح أبعادها للقارئ المتمعن اللبيب.
نعم، التغير
الاجتماعي ميزة جوهرية في المجتمعات البشرية، لكن هذا لا يعني أن هذه المجتمعات
البشرية، "تتطور". مفهوم التطور الاجتماعي لا يرادف
مفهوم التغير الاجتماعي حيث قد يكون هذا التغير إيجابيا، و بالتالي تطورا و تحسنا،
و قد يكون سلبيا و انحطاط، و قد يكون، في حدود الاحتمال لا تصاعديا (تطور) و لا
تنازليا (سلبي) و لكن أفقي (حالة من الاستقرار السياسي و الاقتصادي...تتغير حولها
أجيال متلاحقة. أي تغير اجتماعي فيه ثبات لثوابت معنوية رغم التغيرات الحسية
الناجمة عن الإكتشافات العلمية في الطب و التكنولوجيا إلخ.
الاستقرار شيء معنوي في حين أن الجغرافيا
الإنسانية المتغيرة و الأدوات التكنولوجية الحديثة إلخ،
أشياء محسوسة. يجب في كل مشروع إصلاحي التمييز بين
الثابت و المتغير, بين المحكم و المتشابه الذي يمكن الاجتهاد فيه.
في إشكالية
التغير و عدم التغير، الإصلاح لا يعني بالضرورة (حتمية الفلسفة التطورية) تغيير ما
لم يتغير حتى نحقق التوازن، بل قد يعني تغيير ما تغير قصد إرجاعه لصورته الأصلية و
تحقيق التوازن داخل المجتمع.
مثلا الاستعمار يعتبر تغير وقع في المجتمع، و هو
محسوس، و الذهنيات الرافضة للاستعمار يعتبرعدم تغير. معاينة ذلك يعتبر
تشخيصا لإشكالية فقدان التوازن الذي تسببه ظاهرة التغير في بعد من أبعاد المجتمع و
عدم التغير في أبعاد أخرى. فقدان التوازن ذلك،
يحدث خللا يتطلب إصلاحا. لكن،
لكي نحقق التوازن و الإصلاح، لا بد من تبرير الحل البديل الأنجع على ضوء حيثيات
الواقع الحسية و المعنوية معا، بدلا أن نركز على الحيثيات المعنوية فقط واعتبار
الحقائق الحسية كحتميات لا يمكن تغييرها.
و كأن
الحل الوحيد يكمن في ضرورة تغيير ذهميات الشعب (البعد
المعنوي) حتي تتكيف مع حالة وجود المستعمر على أراضيها.
لما لا يتحقق
توازن بين الحسيات و المعنويات من خلال تغيير ما تغير، أي إخراج المستعمر من
البلاد. و هذا هو المنطق السليم المفند للنظرة التطورية التي يستند عليها صاحبنا
المتحمس لغيير قانون الأسرة ليساير الحتمية المشبوهة
للعولمة.
هذا مجال واسع
لنضال من يبحث عن قضية نضال في ساحة مليئة بتيارات شتى، الواحدة ناقمة على الإسلام
و الأخرى مناصرة له بسلاح العلم و الوعي أو الجهالة. أعرف نفسك.
إذا قبلنا هذا الطرح، يمكننا القول أن أحكام
الشريعة الإسلامية كحقيقة معنوية للمجتمع الجزائري لا تساير بالضرورة كل تغيير يحدث
في المجتمع و تكييف قانون الأسرة ليس ضرورة و حل بديل وحيد بل ربما يكون تكييف
الأوضاع المادية الراهنة له هو أنجع الحلول و أكثرها ملائمة لقضية الإستقرار و الإستقلالية في
المجتمع.
نعم للضرورة
أحكام لكن كذلك للأحكام ضرورات تتمثل في تكييف الواقع المحسوس لها. الإسلام جزء من
ثوابت هذا المجتمع و هو حقيقة من هذا الواقع، و الواقع هو أن ما هو محكم في الكتاب
لا يتطلب اجتهادا ما عدى إن كان من المتشابهات التي تكثر التأويلات
حولها. في هذه الحالة الإجماع فاصل بين الآراء المختلفة. الديموقراطية في الواقع
ما هي إلا حرية التعبير المتجسدة في تطبيق مبدأ الشورى و إجماع من يهمهم الأمر حول
طرح من ضمن طروحات عدة.
إذا كان الرأي العام الجزائري يقر أن الله أحل
الطيبات و حرم الخبائث و أنه أحل تعدد الزوجات، يمكننا توقع رفض تغيير بنود قانون
الأسرة التي تقنن لهذه القضية، و تكون حجة هذا الرفض مبنية على الاعتقاد الراسخ في
الذهنيات، أن تعدد الزوجات يندرج في إطار الطيبات، و أي محاولة
للتخلي عن هذه الإمكانية، عوض أن يصلح المجتمع يفسده.
إمكانية تعدد الزوجات آلية وقائية و صمامة أمان مسموح اللجوء إليها عند الضرورة. تعدد الزوجات يعصم عددا أكبر من النساء في حالة زيادة عددهن
على الرجال لسبب أو لآخر. أليست العصمة أحسن من البغاء
أو الفاحشة، ما ظهر منها و ما بطن؟
منع تعدد الزوجات، كقيمة من القيم الغربية، يجد مبرراته في ذهنيات
المجتمعات الغربية المتبنية للفلسفة الإنسانية التي ترى أن مبدأ المساواة هو معيار
للعدالة الاجتماعية. خصوصية ذهنيات مجتمعنا مغايرة
لخصوصية المجتمعات الغربية و بالتالي على المشرع أن يعي خصوصية مجتمعنا. معيار العدالة بالنسبة لنا هو أن نضع الأشياء في مكانها في
نظام (أي وفق سلم للقيم، وفق شرعة تبرر منهاجا ما). مبدأ المساواة ليس معيارا
صادقا للعدالة لأن طبيعة الأشياء تأخذ قيمتها من التصور
العام حولها. توازن
كفتي الميزان لا يحقق العدالة إذا أعطينا هذا رطلا من الفظة و الآخر رطلا من الذهب.
المساواة
ليست معيارا صحيحا للعدالة. العدالة تكمن في وضع الأشياء في مكانها في نظام من
القيم. وزن من الذهب لا يعادل نفس الوزن من الفظة من حيث قيمتيهما.
وفق سلم قيم الفلسفة الإنسانية يكون غير عادل أن
نعطي للذكور مثل حظ الأنثيين و لكن وفق سلم قيم مجتمعنا، العدالة تكمن في ذلك
الاختلاف لأن الاختلاف البيولوجي بين الذكر و الأنثى
يفرض اختلافا في المراكز و الأدوار الاجتماعية. كون
الرجل لا يتوفر على حليب في صدره لا يستطيع أن يرضع أولاده في حين أن المرأة تتوفر على ذلك، يقع الدور الاجتماعي للرضاعة على عاتق المرأة، و لتحقيق تكامل الأدوار، دور الإعالة يقع على عاق الرجل.
بالفعل، عقد الزواج يبرم على هذا أساس المعروف بالبداهة
و المعلن عنه بلسان الحال في تقديم المهر للزوجة كإثبات لذلك المعروف. الإعالة واجب على الرجل و أول إثبات لذلك الدور هو تقديم المهر للزوجة.
الرضاعة واجب على المرأة و
ليست واجبة على الرجل. إذن، يمكننا القول أن الحقوق و
الواجبات بين الرجل و المرأة مختلفة بالفطرة و مقنن لها
شرعا. قياسا على هذا، يمكننا القول أن حقوق الميراث بين الذكور و
الإناث مختلفة لأن واجباتهما الاجتماعية مختلفة. الأخت يتكفل بإعالتها زوجها بينما الأخ يتكفل بإعالة زوجته، و
بالتالي، على ضوء هذه الاحتياجات المختلفة لكل من الأخوين يتضح
أن العدالة تكمن حقيقة في منح الأخ نصيب أكبر من أخته عوض أن يمنح الأخوين نفس
النصيب. المساواة إذن، وفق هذا الطرح، ليست معيارا صحيحا
للعدالة.
كذلك، قضية عصمة
الرجل في إرادة التطليق. هي محفوظة له حيث أن للرجال درجة على النساء بما أنفقوا
في إبرام العقد من خلال المهر المقدم للزوجة كتعبير بلسان الحال عن قبول واجبات
الإعالة، في حين أن المرأة لا تستطيع أن تفسخ ذلك العقد
بمجرد الإرادة إلا أن ترجع، بلسان الحال، للزوج ما أنفق عليها من مهر (الخلع). هي
لا تطلق زوجها بل تخلع نفسها منه بإرجاع ما استثمره هذا الأخير في بناء خلية
أساسية في المجتمع ، و هذا كذلك فيه عدالة على ضوء ترتيبات و شروط الزواج في مجتمعنا، هي من خصوصيات نظام
مجتمعنا.
إن أمكن
للنساء أن يطلقن أنفسهن بمجرد الإرادة دون شرط الخلع، قد يتحول الزواج إلى سجل
تجاري يمكن النساء، صوريا و ربما في الواقع، من الاستحواذ على أموال الغير (المهر)
بدون وجه حق، إلا أن ترجعه و ذلك هو الخلع الممكن للمرأة.
قانون الأسرة يسمح للرجل أن يطلق و يمنح المرأة إمكانية فعل ذلك من خلال ما يعرف بالخلع...
يوجد اختلاف بديهي، من الناحية الفزيولوجية، بين المرأة الرجل، و
ذلك ما يبرر اختلاف الأدوار الاجتماعية و بالتالي الحقوق و الواجبات.
إن أمكن للرجل أن يتزوج بأكثر من امرأة، و
للضرورة أحكام، و أمكن للنساء، تحت ذريعة المساواة، تعدد الأزواج، يستحيل حينئذ
الحفاظ على الأنساب، حيث لا يمكن التعرف على الأب الحقيقي للأطفال و بالتالي تحديد
مسؤولية الإعالة. إلى آخره من الأمثلة كدليل على أن
معيار العدالة الاجتماعية ليس هو المساواة في الحقوق و الواجبات، بل أن توضع
الأشياء في مكانها في نظام.
إن كانت المساواة في الحقوق و الواجبات هي معيار
العدالة في المجتمعات الغربية، العدالة في سلم قيمنا و ترتيباتنا
الاجتماعية تكمن في المساواة في تطبيق القانون على الطرفين، الرجل و المرأة و السماح لكليهما بالمطالبة بحقوقهما
عوض السماح لطرف واحد بإنشاء وزارة مكلفة بقضايا المرأة
و لا يسمح للطرف الآخر أن تكون له نفس الإمكانيات. و كأن المرأة
مهضومة الحقوق في بلدنا، و هي كذلك وفق سلم قيم
الغربيين.
لماذا تصدر أحكاما قيمية
على مجتمعنا وفق سلم قيم غيرنا؟ أليس هذا مظهرا من مظاهر الإمبريالية الثقافية، الإستعمار المعنوي و الرضوخ له دون مساءلة؟
أنا من الذين
لا يرضخون لذلك الغزو راجيا المساندة، و هذا المقال يندرج في إطار حرية التعبير عن
نقيض للطرح الرسمي، تحقيقا لمبدأ الشفافية.
بين الأطروحة و النقيض لا بد من تركيب، لا بد من اللجوء إلى الإجماع، و أن لا يكون هذا
الإجماع إجماع أصحاب الأطروحة فقط بإقصاء أصحاب نقيض الأطروحة من خلال
عملية انتقائية غير نزيهة و لا شفافة للخبراء. و السلام.
أستاذ محاضر، كلية
العلوم الإنسانية
جامعة باتنة، الجزائر،
يوم 27-01-2003.
============================
يمكن نقل هذا
المقال أو جزء منه لأغراض أكاديمية أو للنشر شريطة ذكر مصدره, دون تغيير للنص
الأصلي (حقوق المؤلف)