! إنتهى الدرس.. يــــــــــــــا.. شارون

إختلفت الآراء وتباينت حول شخصية شارون رغم أنها من وجهة نظرى شخصية شديدة الوضوح !
* ففى حرب أكتوبر 1973 قاد - شارون عملية "الغزال" وهى ما عرفت بالثغرة - رغما عن قيادته ! ووضعهم أمام الأمر الواقع وتكبدت فيها القوات الإسرائيلية خسائر فادحة ولولا قرار وقف إطلاق النار ومجهودات هنرى كيسنجر وزير الخارجية الأمريكى و " اليهودى " لإنتهت الأمور بشكل مأسوى على القوات الإسرائيلية الموجودة غرب قناة السويس . حيث أوحى له خياله المريض أن يعبر قناة السويس إلى الغرب كما عبرت القوات المصرية إلى الشرق وبذلك تنتهى المعركة بالتعادل ! . وكان المفروض بعد إنتهاء الحرب وطبقا للتقاليد العسكرية للدول المحترمة أن يتم محاكمة هذا الضابط المتهور والغير مسئول الذى يبحث فقط عن المجد الشخصى والبطولة الزائفة ولو على حساب سلامة جنوده ! ولكن لم يحدث ذلك ولعل السبب هو أنهم " القوم الذى إذا سرق فيهم الشريف تركوه , وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد " ونشير هنا إلى واقعة تم تداولها تفسيرا لإقالة الفريق سعدالين الشاذلى " رئيس أركان القوات المسلحة المصرية " مفادها أن الفريق الشاذلى أصر على سحب الفرقة الرابعة المصرية من شرق القناة إلى غربها على أن يتولى بنفسه قيادتها فى مواجهة القوات الإسرائيلية الأمر الذى جعل القائد العام " الرئيس السادات " يشعر أن الفريق الشاذلى تناول موضوع الثغرة كمعركة ثأر شخصية مع شارون ويعمل على أسره حيا ! وكان هذا سببا كافيا أن يقيل الفريق الشاذلى وأثناء المعركة .. رغم تاريخه العسكرى المشرف والذى لايختلف عليه إثنان . وإذا صحت هذه الواقعة يتجلى الفرق بين الدول المحترمة والعريقة التى تحكمها معايير أخلاقية وتلك التى تعيش على سلب ونهب حقوق الغير .

* وفى سنة 1982 قام شارون بإجتياح لبنان حتى بيروت بل وفكر فى سوريا ! رغم أن الضوء الأخضر الأمريكى الممنوح له كان محددا بمسافة 40 كم فقط وهى ماعرفت " بمنطقة فتح " الموجودة فيها قوات منظمة فتح الفلسطينية وغنى عن الذكر ماحدث من مذابح فى مخيمى صبرا وشاتيلا , ومازال - Morris Draper " موريس درابر " السفير الأمريكى السابق الذى تعهد له شارون بعدم التعرض لبيروت الغربية - حيا يرزق ولكنه شارون الذى يحافظ على عهوده دائما ! .

* لم يوافق شارون على كل إتفاقيات السلام السابقة : " كامب دافيد" مع مصر, "وادى عربة" مع الأردن , "أوسلو" مع منظمة التحرير الفلسطينية وذلك أثناء التصويت على هذه الإتفاقيات فى الكنيسيت الإسرائيلى كما يعرف بالأب الروحى للمستوطنين وهو الراعى الرئيسى لعملية بناء المستوطنات الجديدة فى الأراضى الفلسطينية , رحم الله الفريق حابس المجالى الذى أسرت فصيلته شارون سنة 1948 وتم الإفراج عنه لكونه جريحا طبقا لأخلاق الفروسية العربية .. فماذا فعل شارون فى الأسرى المصريين ؟ أو فى جنين ؟! .
لعل السؤال الذى يفرض نفسه الآن هو : هل يمكن لمثل هذه الشخصية أن تفكر ولو مجرد تفكير فى عملية سلام ؟ أعتقد أن الإجابة واضحة تماما وضوح هذه الشخصية .. وكل مايدور من أحداث الآن يؤكد هذه الحقيقة رغم مرارتها ! إذا كان شارون الآن يقوم بعملية إبتزاز رخيصة مع أمريكا التى هى " ولية نعمته" والصديق الأوحد مستغلا حاجتها الماسة إلى تهدئة الأمور فى المنطقة وتوفير المناخ المطلوب لضرب العراق رغم كون ذلك هدفا إستراتيجيا لإسرائيل نفسها قبل أمريكا ! فماذا يتوقع منه أعداؤه ؟!! إنها فرصة ثمينة طبقا للمنطق اليهودى عموما والشارونى خصوصا كى يحقق حلمه الشخصى فى القضاء على السلطة الوطنية الفلسطينية وتحديدا الرئيس عرفات والتفاصيل ليست خافية و نعيشها جميعا وسوف أكتفى فقط بالتعليق على بعض الأحداث :
إذا كان هناك رئيسا محاصرا فهو الرئيس جورج دبليو بوش نفسه ! وإليكم الأسباب :
1. أحداث 11 سبتمبر و التحرك الإسرائيلى قبلها والإستغلال الذكى لما بعدها .
2. إنتخابات التجديد النصفى فى الخريف القادم والتى سوف يتحدد على أساسها إمكانية نجاح الرئيس بوش لفترة رئاسية ثانية خصوصا أن نجاحه على المرشح الديمقراطى آل جور كان بعدد قليل جدا من الأصوات " على الحركرك " مع العلم أن الجالية العربية أعطت أصواتها للرئيس بوش ! وذلك لمواجهة اللوبى المؤيد لإسرائيل والمعروف بتأييده الدائم للديمقراطيين ويحاول بوش جاهدا الفوز بأصوات اللوبى المؤيد لإسرائيل ليحدث بذلك نصرا غير مسبوق للجمهوريين .
3. هيمنة صقور اليمين بقيادة ديك تشينى على القرار الأمريكى وإستغلال الضعف الواضح فى شخصية الرئيس بوش والمحرك الخفى لهؤلاء الصقور هو اللوبى المؤيد لإسرائيل ورجال الأعمال فى الصناعات العسكرية والبترولية .
وإذا أضفنا حالة العرب التى لاتخفى على أحد توصلنا إلى أسباب تحول النمر الأمريكى إلى نمر من ورق فى التعامل مع إسرائيل ! وفرض علينا فى نفس الوقت أن نكون أكثر حسما وموضوعية فى التعامل مع قضايانا المصيرية . وشر البلية ما يضحك , حيث ينادى الآن بنيامين نتانياهو رئيس وزراء إسرائيل السابق وربما يكون القادم ! بمطالبة الإدارة الأمريكية بالسير قدما وضرب العراق الآن ودون إنتظار ! ولم يبرر سبب ذلك .. لكن على ضوء مايجرى يكون الإستنتاج هو حتى لا يطول إنتظار الأمريكيين لعدم وجود نية إسرائيلية للسلام .. ! ولا ضرر من صراخ العرب لبعض الوقت فهم عودوا و تعودوا على ذلك ! .

* أن الضجة الإسرائيلية المثارة حول الأدلة الدامغة لتورط الرئيس الفسلطينى فى دعم ما يطلقون عليه " الإرهاب " وذلك من خلال المستندات التى تم سرقتها بمعرفة القوات الإسرائيلية من بعض مقرات السلطة الفلسطينية . مع إفتراض صحة هذه المستندات صور المستندات وعدم " فبركتها " فلدينا سؤالا وهو : إذا تم مباغته مكاتب وكمبيوترات جهاز المخابرات الإسرائيلى أو مكتب رئيس الوزراء أو وزير الدفاع مثلا , فما هى المستندات والمعلومات التى سوف نحصل عليها ؟ بالقطع سوف يكون هناك من المعلومات ما يشيب لها الطفل ! ونفس الحال ينطبق على أى دولة فى العالم ! وليس فقط إسرائيل وإذا ما حاولنا فقط التذكير بعمليات الموساد القذرة فى جميع أنحاء العالم والموجهة حتى ضد الأصدقاء وليس الأعداء ! سوف تعلو الصراخ والإتهامات بمعاداة السامية والحقد على النجاح وإلى آخر لائحة الإتهامات المحفوظة ! إن فلسفة المنطق المغلوط وسياسة قلب الحقائق والميكيافلية الصارخة هى أركان ودعائم الإعلام الإسرائيلى بينما ينحصر دور الإعلام العربى فى التكذيب فقط أى أقصى درجات السلبية فى الدفاع السلبى ! بدلا من الهجوم بنفس الأسلوب المنظم الذكى والموضوعى وسوف يجد القائمين على ذلك مواد خصبة هى الأخطاء القاتلة والإفتراءات الواضحة والأكاذيب المفضوحة للحركة الصهيونية عموما والإسرائيلية خصوصا والمطوب فقط حسن الإستخدام والتوظيف أمام الرأى العام العالمى وليس المحلى , ولعل مذبحة جينين تمثل كنزا حقيقيا كافيا لإستثارة الرأى العالمى بأسره بل وإسقاط أعتى الحكومات لو تم ذلك بأسلوب مدروس وذكى .

* أن الهدف الحقيقى والغير معلن للإجتياح الإسرائيلى للمدن والقرى الفلسطينية هو تحقيق الإنهيار التام وإشاعة الفوضى والحرب الأهلية بين الفصائل الفلسطينية وخلط جميع الأوراق لجعل الحياة شبه مستحيله ومن ثم يكون الترحيل بقليل من الضغط والإغراء ! أى العودة لأسلوب سنة 1948 ولقد أعلن شارون ذلك صراحة حين قال " أن حرب 1948 لم تنته بعد ! " أى أن الهدف مزيدا من الأرض ! ومن المثير للمرارة أن العرب سنة 1947 خسروا 56% من أرض فلسطين التاريخية بعد قرار التقسيم رقم 181 لسنة 1947 ثم خسروا 22% إضافية فى حرب يونيو سنة 1967 القرار رقم 242 ونسعى الآن لتثبيت جحم الخسارة عند هذا الحد ( حدود 4 يونيو 1967 ) والحصول على 22% فقط من مساحة فلسطين التاريخية من خلال مبادرة الأمير عبدالله .. بينما يجرى الآن العمل على إنسحاب القوات الإسرائيلية إلى حدود 28 سبتمبر 2000 ! ولكن شارون يريد مزيدا من التنازلات ! ويعلن دائما أنه سوف يقدم تنازلات مؤلمة من أجل السلام !
أما الهدف المعلن فهو القضاء على الإرهاب وطبقا للحسابات الأمريكية - والتى أظهرت صبرا مصريا ! على شارون - أن العمليات الإسرائيلية جاوزت الهدف المتفق عليه بكثير وتحاول الآن الضغط على إسرائيل بحنان مؤلم ! والوقوف عند هذا الحد يعنى خسارة بالحسابات الإسرائيلية فمازال عرفات موجودا وهذا فى حد ذاته إنتصارا , فكيف تم التعامل مع زيارة باول لإسرائيل ؟ أحاطوه بسيل من الإجتماعات والتقارير لإستنزاف كل طاقته حتى أنه أصبح الآن أحد أعضاء الوزارة الإسرائيلية !

* أما مسك الختام فكان تصريح شارون الخاص بمؤتمر سلام يعقد فى واشنطن ويضم كل من السعودية , مصر, الأردن , المغرب , فلسطين ( بدون عرفات ) , إسرائيل أى أن كل من سوريا ولبنان ليست معنية بالأمر وهى بالقطع رسالة إلى كل منهما وعلى الفور رحبت أمريكا بالفكرة العبقرية لرجل السلام الشهير بـ شارون ! حيث يصل الإستخفاف بالعقول إلى ذروته محققا بذلك الأهداف التالية :
1. الهروب من المأزق المترتب على إدانة عرفات للعنف حيث لم تعد هناك أى حجج لإسرائيل كى لا تنسحب من الأراضى الفلسطينية .
2. ذرا للرماد فى العيون لكسب مزيد من الوقت لإنهاء العلميات العسكرية .
3. محاولة إمتصاص بعض الغضب الذى يجتاح العالم إزاء التصرفات الإسرائيلية .
4. إحداث فرقعة إعلامية بظهور شارون رجل سلام مقابل الرفض العربى المتوقع لهذا الإقتراح ! وبذلك يتم قلب الأمور ! بنفس الطريقة التى تم إعتبار عرفات بموجبها إرهابيا ومطلوبا للمحاكمة ! ولن يكون غريبا إذا حصل شارون على جائزة نوبل للسلام لعام 2002 !!! .
5. إحداث مزيد من التصدع فى الصف العربى بإستبعاد كل من سوريا ولبنان .
6. توثيق النجاح الباهر لسياسته أمام المجتمع الإسرائيلى حيث قضى على الإرهاب ويتوجه للسلام الآن لكسب اليسار الإسرائيلى وجماعة السلام وفى نفس الوقت الحصول على دعم وتفهم جميع الأطراف إذا ماتم الرفض العربى لدعوته للسلام ومع حدوث أى عملية إستشهادية سيكون الضوء الأخضر متاحا له كى يفعل ما يشاء ! وهو التهجير القهرى للفلسطينيين " الترانسفير " والقضاء على عرفات و…… إلى أبعد مايصل إليه أى خيال ! حيث إجتمعت غطرسة القوة وجنون العظمة وشهوة الإنتقام فى شخص واحد إسمه شارون !
وتبقى حقيقة مؤكدة أتفق فيها مع المفكر الإسلامى الكبير الأستاذ فهمى هويدى فى مقالته المنشورة بجريدة الأهرام المصرية بتاريخ 9-4-2002 " إنها الكاشفة " حيث كشفت لنا هذه المحنة كل شىء على حقيقته المجردة فسقطت الأقنعة وإنفضحت النوايا وظهرت الأمور بأحجامها الطبيعية والمطلوب هو العمل وفق منظومة دقيقة الحساب فلم يعد هناك مجالا للخطأ أو تركا للصدفة وسوف تشرق الشمس وينتصر الحق فى النهاية بإذن الله إذا ما تمسكنا به ودافعنا عنه ولو بنواجزنا .

إسلام العربى

15/4/2002