الأطفال المشردون... غياب تماسك الأسرة يعني كارثة


  مقدمة:

   تشير تقارير منظمة اليونيسيف إلى أن ظاهرة أطفال الشوارع في المغربتبدو في ارتفاع مستمر  رغم غياب أيإحصاءات تقيم حجمها الحقيقي. ,

  وتعود الأسباب الرئيسية لتلك الظاهرة -حسب التقارير- إلى الفقر والعنف والإهمال داخل الأسرة. وفى ظل هذا الواقع تحاول بعض المنظمات الأهلية تقديم بعض المساعدات لهؤلاء الأطفال.

 
 إن نسبة من هؤلاء الأطفال أيتام ومعاقون ، وتقضي فئة أخرى منهم معظم وقتها خارج المنزل ، بحثاً عن لقمة العيش ، فتؤدي أعمالاً شاقة وتتعرض للكثير من المخاطر والاعتداءات.
أسباب الظاهرة: وبالرجوع إلى هؤلاء الأطفال المشردين نجد أن غالبيتهم جاء إما نتيجة زواج لامرأة من رجل يكرها بعشرات السنين ، و سرعان ما يعجز بعد سنوات قليلة، ويحتاج لمن يوفر له الدواء والغذاء، وعندما يزداد المرض والجوع،  لا تجد الأم بدا من أن تطلق أولادها للشوارع، بعد تلقينهم أساليب التسول، ومد اليد، والبكاء لاستعطاف المارة، و يجوبون الشوارع حفاة ونصف عراة، ويعودون في المساء إلى أمهم يلقون شقاء يومهم في جحيم حضنها.

أو نتيجة لعائلة تشردت بأكملها بعد أن قتلت الأم زوجها بالتآمر مع عشيقها، وبعد أن سجنت الأم وعشيقها لجأ الأولاد إلى الشوارع الذي وجدوا من رصيفه مكانًا يرتزقون من مخلفاته يبيعون الجرائد والعلكة (اللبان) والدخان، ويمسحون زجاج السيارات.
مثل هذا الأمر ليس ضربًا من الخيال، وإنما من واقع الحياة، التي تلفظ أطفالاً هم ضحية غيرهم، ليتشردوا على طرقاتها يطلبون المال، وكسرة الخبز، وسريرًا من "طروطوار" وغطاء من هواء.

ويتمركز معظم هؤلاء الأطفال المشردين، لأسباب كثيرة وعديدة، في الساحات العامة ومواقف السيارات والشوارع الرئيسية التي ترتادها الطبقات الميسورة، خاصة أمام المطاعم؛ لإحراج طالبي الوجبات بالجوع والعوز، وذلك في محاولة إجبار الناس بالطرق المختلفة لإعطائهم ما يريدونه.
ومن مظاهر هذه الآفة الاجتماعية اندفاع الأطفال عند إشارات المرور لمسح زجاج السيارات، مقابل مبلغ يصبح ممتازًا في الساعات الأخيرة من النهار، أو بيعهم بعض الأشياء التي قد لا تعطي مردودًا ماديًا، لكنها بمظهرها هي نوع من التسول، زد على ذلك المشهد الذي بات جزءًا من الأسواق العامة، وزوايا الشوارع ومنعطفات الطرق، الذي نرى فيه رجلاً أو امرأة، وبجانبهما طفل صغير يغيب لونه من شدة الأوساخ العالقة به، يرددون عبارات يستعطفون بها المارة، ويطلبون المساعدة لهذا الطفل اليتيم أو المريض أو المعتوه، والذي غالبًا ما يتم استئجاره، لممارسة هذه المهنة.

أما على أبواب المساجد فهم يتجمعون في أوقات الصلاة خصوصا أيام الجمعة، مرددين عبارات الخنوع والذل والرحمة بحالهم.
والمظهر الآخر من التسول المقنع، هو الذي يقبل فيه عدد من الأطفال على نبش أكياس القمامة وتمزيقها للحصول على العلب المعدنية، التي يبيعونها إلى المعامل لإعادة تصنيعها. والمشكلة أنه لم تعد تقتصر الحالات على أمور فردية، فقد ثبت أن بعض أطفال التسول هم تابعون لبعض  العصابات المنظمة، حيث يظهر من يستغل هؤلاء الأطفال المشردين في عمليات التسول، أو في عمليات إجرامية كالسرقة.
  اقتراحات:
لدا، فالمسؤولية أولا تقع على الأسرة التي يفترض أن تقدم الرعاية اللازمة لأفرادها، لتكوين إنسان سليم يتمتع بنمو جسمي ونفسي وعقلي، وتقع ثانيا على نظم وأخلاقيات المجتمعات المعاصرة بجوانبها الاقتصادية والسياسية، والتي بدا واضح التناقض بين خطابها الأخلاقي وممارساتها الفعلية.

 

 

المغرب: فقر + تفكك = تشرد

 

عرف المغرب هذه الظاهرة خلال العقدين الأخيرين بحكم تفكك بنياته التقليدية وما واكبه من متغيرات مست مؤسسات المجتمع وعلى رأسها الأسرة، غير أن المؤشر الذي يبقى الأكثر التصاقا بالظاهرة هو مؤشر الفقر المدقع الذي يعتبر السبب الرئيسي لاستفحالها.

وبالرغم من كون ظاهرة "أطفال الشوارع" ظاهرة عالمية فإنها تبرز أكثر بكل حدة في ما يطلق عليه بالبلدان السائرة في طريق النمو، فحسب إحصائيات منظمة تشايلدهوب childhope لسنة 1991، فإن 40% من الطفولة المشردة في العالم تتواجد بأمريكا اللاتينية، كما أن ملايين تتواجد في القارة الإفريقية.

وبالرغم من وجود قطاع حكومي مكلف بشؤون الطفولة، إضافة إلى مؤسسات خاصة كالمرصد الوطني لحقوق الطفل، فإنه يسجل قلة مراكز إيواء واستقبال الشوارع، وهو ما يقتضي المزيد من تكثيف الجهود خاصة وأن الظاهرة تزداد انتشارا.. فحسب دراسة إحصائية أجريت سنة 1998، فإن ظاهرة أطفال الشوارع منتشرة في جل المدن المغربية الكبرى والمتوسطة، حيث بلغ عددهم في العمالات والأقاليم التي شملتها الدراسة 8780 طفلاً.

ويتعلق الأمر بكل من ولاية مراكش وعمالة آسفي وعمالة الجديدة وبني ملال وعمالة طنجة وأصيلا، وعمالة تطوان وفاس مكناس، فإقليم آسفي وحده يضم 2322 طفلاً، ويصل عدد الأطفال الذين يقل عمرهم عن التاسعة 2522 طفلاً، أما الأعمار المتراوحة بين 15 و18 سنة فيبلغ عددهم 2701 طفل، إضافة إلى 2487 طفلاً يتراوح أعمارهم من 10 و14 سنة، كما أن مدينة الدار البيضاء إحدى أكبر المدن المغربية، فقد سجّل بها 5430 طفلاً مشردًا.

شارع المخاطر

إن خروج الطفل إلى الشارع إفراز لضغوط عدة، فكل حالة تتميز بخصوصيتها والتي غالبا ما تعكس تخلي الأسرة عن وظائفها الجوهرية والتحلل والتفكك التدريجي للروابط الأسرية تحت ضغط الفقر وأعباء المواليد الجدد لفتح المجال للأطفال تحت ظروف الإهمال واللامبالاة لشارع غير مؤطر تربويا ومحفوف بشتى المخاطر، وعلى العموم يمكن حصر الأسباب العامة للظاهرة فيما يلي:

الفقر المدقع لأسر هؤلاء الأطفال، بمعنى جُل أسر أطفال الشوارع يعيشون الفقر أو تحت عتبة الفقر، وبالتالي العجز شبه التام عن تلبية أبسط الحاجيات الأساسية لأفراد الأسرة، ولعل ما يعكس أوضاع الفقر تلك النسبة المرتفعة للبطالة في صفوف آباء هؤلاء الأطفال والتي تصل في مدينة تطوان على سبيل المثال إلى 84%، علمًا بأن المشتغلين منهم يتعاطون لحرف بسيطة لا تدر مداخل كافية. الأمر الذي يرتبط أيضا بتشغيل الأطفال في سن مبكرة، حيث أغلب أطفال الشوارع عاشوا تجربة التشغيل مبكرًا، وهذا ما تؤكده أيضا الدراسة الميدانية.

تفكك الأسرة، فليس من قبيل الصدف أن يعرف جل أطفال الشوارع شكلا من أشكال التفكك الأسري، خاصة عن طريق الطلاق أو الهجر، وما له من انعكاسات سلبية على أوضاع الأطفال في مواجهة الحرمان من دفء الأسرة والعيش بعيدًا عنها من أجل البقاء، غير أننا لا نعرف الكثير عن طبيعة العلاقات الأسرية داخل الأسر التي ينتمي إليها هؤلاء الأطفال والتي غالبا ما تعكس أزمة تواصل بين الطفل وأسرته.

الملاذ الأخير

كما أن الهدر المدرسي أو التسرب من التعليم، لا بد من الإشارة أول الأمر أن 50% من أطفال الشوارع بمدينة تطوان حرموا أصلا من التمدرس، و45% منهم ضحايا الهدر المدرسي انقطعوا عن المدرسة في السنوات الأولى من التعليم الأساسي. وإذا علمنا أن حوالي مليون تقريبا من الأطفال انقطعوا عن الدراسة سنة 1999، يتضح لنا مدى خطورة المسألة والتحديات المرتقبة أمام عجز التكوين المهني عن استيعاب كل هؤلاء الأطفال وقصور القطاع غير المنظم لا سيما حرف الصناعة التقليدية عن استقطابهم، ليبقى الشارع الملاذ الأخير في حالة عجز الأسرة وتفككها وإهمالها لأطفالها.

نمط عيش وثقافة تهميش

المهم لا بد من إدراك ظاهرة أطفال الشوارع في كليتها وشموليتها مع اعتماد تعدد العوامل في تفسيرها، ومن الضروري في إطار طرح أهم الأسباب العامة للظاهرة التطرق لمسألة الهجرة القروية، وليس من قبيل الصدف أن ينتمي أغلب أطفال الشوارع للأحياء الهامشية، كما أن البعد الديمغرافي يمكن أن يساهم في فهم الظاهرة بحيث تتميز أسر هؤلاء الأطفال بالتعدد، كما يتضح أن نسبة هامة من آباء أطفال الشوارع تتزوج في سن متأخرة أو على الأقل تزوج للمرة الثانية في سن متأخرة، وهو ما يقضي على أية رقابة للآباء على أبنائهم.

إضافة لما سبق، من الضروري إدماج أسباب أخرى خاصة قد تساعد في تفسير الظاهرة، وهي التي ترتبط عموما بميول هؤلاء الأطفال إلى التحرر والهروب من سلطة وضغوط أسرة متداعية أو مفككة يفتقد فيها الطفل الشعور بالانتماء، ويعجز عن التكيف معها، خاصة في حالة انحراف كلا الأبوين أو أحدهما، ليبقى الشارع عنصر جذب ومجالا لاكتساب مفاهيم متجددة من أجل البقاء، تؤدي مع ترسخ الاستئناس بحياة الشارع إلى نمط عيش قوامه ثقافة التهميش والإقصاء.

وهنا ينبغي التنبيه إلى أن حياة الشارع ليست كلها سلبية، بل تتوفر على بعض الجوانب الإيجابية الممكن توظيفها في عملية إعادة الاندماج.

ضريبة التهميش

يمكن تلخيص خطورة الظاهرة في العناصر التالية:

- التطور المطرد للظاهرة بالرغم من غياب إحصائيات ودراسات معمقة لتتبع الظاهرة، حيث يتضح بالعين المجردة أن هذه الظاهرة في تفاقم وتزايد مستمر.

- الظاهرة تعكس تهميش وإقصاء فئة من أطفالنا لحساب شارع محفوف بكل أنواع المخاطر وفي مواجهة مصير مجهول مؤطر بالانحراف والاستغلال بكل أشكاله.

- في نهاية المطاف خطورة ظاهرة أطفال الشوارع تكمن في كون هؤلاء الأطفال يجتازون مرحلة حاسمة في تكوين شخصيتهم، على إثرها ستحدد المراحل اللاحقة من نموهم كما أن نسبة هامة من هؤلاء الأطفال يعيشون فترة المراهقة وما ترتبط بها من تغيرات فسيولوجية واضطرابات نفسية، وبالتالي فإن أي تأخير في مواجهة الظاهرة سيجعل الحلول مستقبلا غير ممكنة أو على الأقل ستتطلب مجهودات مضاعفة، وهنا تبرز الصبغة الاستعجالية للتصدي لهذه الآفة الاجتماعية والخطيرة على مستقبل أجيال الغد.

أما بخصوص المغرب، فالظاهرة برزت بوضوح خلال العقدين الأخيرين خاصة في المدن الكبرى والمتوسطة، فبالرغم من عدم توفر إحصائيات دقيقة حول تطور هذه الظاهرة فإن المعطيات والتقديرات المتوفرة تعكس مدى التزايد المضطرد الذي تعرفه والخطورة المحدقة بمستقبل هؤلاء الأطفال المعرضين لشتى أنواع الانحراف والاستغلال فهم يجتازون المرحلة الحاسمة في تكوين شخصيتهم، مما سينعكس سحتما على المراحل اللاحقة من نموهم بحكم التجارب القاسية التي يمر منها هؤلاء الأطفال والحرمان من أبسط الحقوق الأساسية.

من هنا يأتي الطابع الاستعجالي للتصدي لخطورة هذه الظاهرة على أجيالنا، وفق مقاربة شمولية ذات بعدين وقائي وعلاجي، تهدف إلى وضع إطار للتعامل مع الظاهرة في أبعادها المختلفة عن طريق تضافر وتنسيق جهود كل المتدخلين من قطاعات حكومية وجماعات محلية وجمعيات متخصصة وقطاع خاص للحد من الظاهرة، علما بأن القطاع الأهلي كان سباقا لمواجهة هذه الآفة، غير أن محدودية العمل الأهلي أمام تفاقم الظاهرة أصبح يستلزم تدخل الأطراف الأخرى وتحديد أدوارها ومسؤولياتها.

  اطبع هذه الصفحة

1