| الصفحة الرئيسية | |||
|
تجربة دانمركية برائحة الدهشة والحرية
كوبنهاجن ـ محمود عبد الرحيم: إنها حقا تجربة دانمركية لكنها بالطبع تختلف عن تلك التي عايشها الفنان المصري عادل إمام في فيلمه الشهير الذي يحمل نفس الاسم. فوقائعها، هنا، حية تتلمسها منذ هبوطك في مطار كوبنهاجن حيث تتحول عيناك إلى كاميرا تستوقفها صور شتى وانطباعات لا حصر لها، تبدو مدهشة وجديدة عن المعتاد في بلاد الجنوب. ولعل أول ما يلفت النظر حالة الطقس حيث المطر الدائم والشمس النادرة في فصل الصيف وبالطبع انخفاض درجة الحرارة، فضلا عن امتداد ضوء النهار إلى قرابة منتصف الليل وتضاؤل فترة الإظلام لنحو أربع ساعات فقط، ما يزيد من طول اليوم ويشعرك بالملل ما لم تبحث عن بدائل عديدة للانشغال واستغلال هذا الوقت الطويل، وربما هذا يفسر ازدحام الشوارع والحدائق العامة والبارات ومراكز التسوق في غير أيام العطلات الرسمية. وإن كان النصيب الأكبر للسائحين الذين تراهم بكثرة من جنسيات مختلفة بشكل ملفت في بلد تبدو جاذبيته في خضرته وهدوئه وجماله الواضح في مبانيه التي يغلب عليها نمط العمارة الكنسية التي تعود ربما إلى القرن الثامن عشر أو التاسع عشر، بأبراجها المميزة وزخرفها البديع وساعاتها التي تدق بانتظام على غرار "بيج بن" اللندنية، غير أن هذا المعمار الجذاب تجاوره من حين لآخر طرز حديثة ذات واجهات زجاجية لكن ارتفاعها محدود نسبيا لا يصل إلى مستوى ناطحات السحاب المنتشرة في البلدان الأوروبية الأخرى، وكأنه مقصود به التنوع المعماري دون التنافر. ومن ضمن ما يستوقفك في الشارع الدانمركي ظاهرة الدراجات، فالغالبية العظمى من الشعب بمن فيهم كبار المسؤولين يركبونها بانتظام دون أدنى خجل، وتخصص لها باستمرار أماكن للسير، بل إن ثمة دراجات مجانية تتاح للوافدين لحثهم على مشاركة أهل البلد الأصليين تلك الثقافة ذات الفوائد المزدوجة من الحفاظ على البيئة من التلوث إلى حل مشكلة الازدحام المروري إلى ممارسة رياضة غير مكلفة. أما عن الحرية، هنا، فحدث ولا حرج، فبإمكان أي أحد أن يتظاهر في أكبر ميادين العاصمة أو أمام البرلمان من اجل أي شيء.. كمعارضة السياسة الأمريكية مثلا أو ضد النظام الصيني أو لدعم "نمور التاميل" السريلانكية دون أن يعترضه أحد أو تطوقه قوات الأمن.. طالما أن التظاهرات سلمية تخلو من العنف. كما أنه بالإمكان التجوال حول قصر الملكة والتقاط الصور التذكارية مع حرسها الملكي بزيه المميز وخطواته المتواصلة دون توقف. حتى الدخول إلى مبنى البرلمان يتم دون أية إجراءات كتلك التي اعتدنا عليها في بلدان العالم الثالث.. فهو يفتح أبوابه أمام الزوار كما لو كان مزارا سياحيا أو متحفا خاصة أنه يبدو كتحفة معمارية. ويبدو حضور الشرطة في الشوارع والأماكن العامة أو حتى في إشارات المرور أمرا شبه نادر، لكن عندما تحدث حادثة ما تجدهم أمامك وكأنهم خرجوا من باطن الأرض في مشهد مثير فيه الكثير من التحضر وتكريس الدور الحقيقي للأمن دون تزيد أو مغالاة في استخدام القوة. وما يثير الإعجاب في هذا الشعب الأوروبي تقديسه لقيم أساسية كقيمة الحرية والنظام والعمل التي طالما نرفعها كشعارات ليس إلا، فالدانمركيون يعيشون الحرية إلى أقصى مدى.. فمن يريد أن يغني يغني، ومن يريد أن يرقص يرقص، ومن يريد أن يمارس الحب يمارسه بلا اعتراض من أحد أو نظرات امتعاض حتى لو كان ذلك في الساحات العامة أو في محطات الباص. لكن حين يتعلق الأمر بالنظام فثمة خط احمر لا يجرؤ أحد على اختراقه حتى لو كان هذا النظام ممثلا في إشارة المرور. والعمل بالطبع قيمة في حد ذاته تلمسه في عدم تحرج أهل هذا البلد الذي ينعم في الرفاه من العمل في أعمال بسيطة كأعمال النظافة أو خدمة الزبائن في مطعم أو فندق سواء كانوا من بين المراهقين الذين لم يتجاوزوا الخامسة عشرة أم ممن تعدى الستين من العمر. غير أن الصورة في الدانمرك ليست وردية تماما، فثمة جانب يبدو مظلما تتلمسه في منظر المتشردين الذين يفترشون الأرصفة أو في من يتحايلون من أجل لقمة العيش، خاصة من جانب المهاجرين الذين يلجأون إلى عزف الموسيقا أو رسم البورتريه أو الألعاب السحرية أو حتى طلاء الجسد بالألوان واتخاذ هيئة التماثيل من أجل كرونات بسيطة يجود بها المارة عليهم. إلى جانب تجارة الجنس الرائجة التي تتعامل مع المرأة كسلعة سواء من خلال تقنين الدعارة أو عروض الاستربتيز بالإضافة إلى الممارسات التمييزية ضد الأجانب خاصة المسلمين الذين يشكون من العنصرية لا لشيء ـ حسبما يقولون ـ إلا لاختلاف عاداتهم أو هيئتهم، خاصة مع صعود التيار اليميني المتطرف وسيطرته على البرلمان والحكومة والذي وجد في أخطاء الجالية المسلمة وصعوبة اندماجها في مجتمع علماني ديمقراطي الفرصة للانقضاض عليهم وتحميلهم مسؤولية تراجع مستوى الرفاه الاقتصادي وتهديد الهوية الثقافية الأوروبية بدعوات أصولية منغلقة. 13 يونيو 2006 |
|||
|
حين تنتصر الموسيقى على طلقات الرصاص محمود عبد الرحيم
|
|||
|
السودان.. بساطة شعب تطاردها التحولات * محمود عبد الرحيم: غريب أمر هذا البلد الأفروعربي الكبير في مساحته وثرواته وفقره أيضا.. تذهب إليه مترددا وتعود منه بتردد أكبر، وما بين الترددين حالة عشق لبشر مختلفين أو بالأحرى متميزين عن غيرهم من شعوب الأرض. وربما يأتي التردد الأول من الصورة التي يصدرها لك الآخرون عن السودان، التي تحمل قدرا لا بأس به من المبالغة، وتعزز سلبياتها النصائح الزائدة في الحرص والتطعيمات العديدة من الكوليرا والملاريا والحمى الصفراء للدرجة التي تشعرك بأنك ذاهب إلى بؤرة أوبئة وليس إلى بلد عادي، فيه من مظاهر المدنية والنظافة مثل غيره، وإن بدا فقيرا، أما التردد الآخر فيكمن في عدم الرغبة في الرحيل بعد أن تتوحد روحيا مع مكان له خصوصية جغرافية وحضارية، تتجلى في طبائع شعب أفاض عليه نهر النيل صفاء وكرما وبساطة، ومنحه الطقس الحار حرارة في المشاعر.. شعب تندمج معه دون ممانعة أو تحفظ، وتصبح سريعا كأنك جزء أصيل منه، وليس وافدا عابرا يزعجه ارتفاع الحرارة ومناوشات البعوض وبطء إيقاع الحياة. ولعل حالة العشق لهذا البلد الذي اسمه على غير مسمى، إذ يعني ارض السواد كما أطلق عليه اليونانيون، تتأتى من غياب الإحساس بالغربة، نتيجة التواصل الحميم الذي لا تبذل فيه جهدا. فالكل هنا يريد أن يتعرف عليك ويضيفك ويلتقط معك الصور التذكارية، وكأنك صديق قديم أو شقيق حقيقي أتى من سفر. وبسهولة يمكنك أن تنال ثقة السوداني بمجرد الحكي معه دون عنصرية أبناء الشمال المعتادة. وتزداد الثقة وتنقلب إلى محبة صادقة مع مشاركته الحديث ببعض كلمات اللهجة المحلية، أو الرقص على الطريقة السودانية المسماة "التبشير"، تلك الرقصة التقليدية التي يعبرون بها عن الحفاوة والترحيب بالقادم ويرقصها الجميع، بما في ذلك كبار رجال الدولة، حتى رئيس جهاز الاستخبارات الذي لم يتحرج من تحية ضيوفه من الصحافيين الذين دعاهم لحفل عشاء فاخر على أنغام الموسيقا في حديقة مبنى جهاز يثير اسمه الكثير من الانزعاج في خطوة مثيرة للدهشة، وإن كان المعنى واضحا من ورائها، وهو رسم صورة جديدة عن السودان الجديد المنفتح في مثل هذا الوقت الذي تشتد فيه الضغوط الخارجية ويتم الحديث في دوائر عديدة عن انتهاكات وقمع، ويبدو الناس هنا وكأنهم مازالوا على الفطرة لم تلوثهم بعد المدنية بنزعاتها المادية وما يلتصق بها من فردية وانتهازية، وإن بدأ القلق على هذا الحال يثار من بشائر ظهور الثروة النفطية وانعكاساتها المحتملة على طبائع هذا الشعب البسيط العفوي في قوله وفعله، فضلا عن بداية الزحف الرأسمالي وما يرافقه من حمى الاستهلاك والذي بات يعلن عن نفسه بقوة في لوحات الإعلانات التي تزدحم بها الشوارع وتطارد المارة بإغراءاتها التي لا تقاوم، وكذلك في إقامة المراكز التجارية الضخمة على النمط الموجود في العواصم الكبرى. ولا عجب أن ترى مثلا أشخاصا من كافة الأعمار يحملون أحدث أجهزة الهاتف الجوال رغم فقرهم الواضح ويتعاطون بكثافة مع الإنترنت، وهو ما يؤشر إلى دخول السودان إلى حلبة الانفتاح الاقتصادي ذي الطابع الاستهلاكي قبل أن تنهمر عليهم عوائد النفط. وليس بعيدا عن هذا الملمح الجديد التأثير الخليجي الذي يمكن تلمسه في أسماء الفنادق الجديدة التي باتت تحفل بها العاصمة والتي أقامها مستثمرون خليجيون أو سودانيون عاشوا في الخليج لسنوات وعادوا للاستثمار في فنادق تحمل اسم "الدوحة" أو "الشارقة" أو "البحرين"، ويعلن الوجود الليبي هو الآخر عن نفسه بمجمع تجاري ضخم يطل على النيل يحمل اسم القذافي بعد سنوات من الحضور المصري دون منافس باستراحة الري الشهيرة والجامعة. على النحو الذي يؤشر لتراجع أدوار وبروز أدوار أخرى بثقافة مغايرة. ووسط هذه الموجة من التأثيرات وجدل الداخل والخارج يقف السوداني متحيرا لا يدري على من يراهن ويزيد من حيرته ما تأتي به الفضائيات والانترنت من أحلام وكوابيس بشأن مستقبله، وكذا مؤسسات المساعدات ومراكز الأبحاث الأوروبية والأمريكية التي يراها يوميا في طريقه ولا يدري إن كان بين صفوفها جواسيس كما تقول الحكومة أم أصدقاء يحملون له الخبز والحرية.
|
|||
|
لزوم ما يلزم فى "أزمة الأسانسير" تسقط ثقافة التحريض.. يحيا الإبداع الحر محمود عبد الرحيم يبدو من غير اللائق مهنيا مهاجمة الصحفيين لبعضهم بعضا، لكن أخلاقيات المهنة لا تسمح، أبدا، بالصمت على جريمة تضليل الرأى العام وإثارته بمعلومات مغلوطة تفتح الباب لفتنة طائفية جديدة لا تقل خطورة عن تلك التى شهدتها مدينة الإسكندرية مؤخرا. هذا الحديث يأتى بمناسبة ما نشره أحد المواقع "الإسلامية" عن فيلم "الأسانسير" من ادعاءات تصل إلى حد التشهير والتحريض بأسرة الفيلم الذى حصد الجوائز ونال إعجاب النقاد والصحفيين وأعلن عن مواهب فنية صاعدة. فقد ادعى الموقع الذى يسمى "المصريون" أن "الفيلم إباحى يسيء للمحجبات عن طريق ممثلة قالوا انها مسيحية تخلع الحجاب في الفيلم وتمارس الجنس مع شاب فى الأسانسير، ما استحق حفاوة جهات أجنبية به ومؤسسات دينية قبطية". والمؤسف أن تجارى بعض الصحف الخاصة هذا الموقع الذى لا يبدو حسن النية فى تعرضه للفيلم مثل جريدتى "الخميس" و"الميدان"، وتنقل هذه الاتهامات الكاذبة بل وتضعها كمانشيت رئيسى فى صدر صفحتها الأولى، فى محاولة رخيصة للفت نظر القارئ وجذبه بإثارة فارغة دون التأكد من صحة ما ردده الموقع "الإسلامي" عملا بقاعدة "ناقل الكفر ليس بكافر"، فى حين أن ناقل الكفر فى الصحافة على وجه الخصوص كافر مائة بالمائة، لأنه يتوجه إلى جمهور عريض يصدقه فى كثير من الأحيان ويتأثر بما يقال. ولولا أننى شاهدت الفيلم بأم عينى لربما صدقت أنه فيلم جنسى، ولولا أننى أعرف أن لا أحد فى أسرة الفيلم مسيحى لصدقت على كلام الموقع "الكاذب" بأن ثمة إساءة مقصودة للإسلام فى هذا التوقيت المشحون بالانقسام الطائفى "المحصور" الذى يبدو فيه مفهوم المواطنة متراجعا. وأظن أن من روج لهذه الأكاذيب وأثار استياء كل من شاهد الفيلم المحتفى به لشاعريته فى التعاطى مع الواقع المصرى المؤسف الذى يزدحم بالمتناقضات، أظن انه لم يشاهد الفيلم وإن كان شاهده فإنه لم يفهمه ومن ثم أساء تأويله وعمد إلى التحريض عليه ودعوة الأمن لملاحقة صناعه. فالفيلم ببساطة يتعاطى مع خصيصة يتسم بها الواقع المصرى وتتجلى بوجه خاص عند المرأة ألا وهو التناقض المجتمعى ووجود وجه نظهره للآخرين يختلف عن الوجه الحقيقى والقناعات الذاتية من خلال حادثة بسيطة تتكرر مئات المرات وهو تعطل أسانسير فى داخله فتاة عادية بمفردها مهمومة بالإطار الذى يفرضه المجتمع "الذكوري" على تصرفات المرأة الكبيرة والصغيرة للدرجة التى تنسى ذاتها وطبيعتها التى تميل للبوح والانطلاق لا الكبت والقمع. هذه الفتاة تجد نفسها فى مأزق تبحث عن احد يساعدها فى الخروج من هذا السجن الصغير (الأسانسير) لكنها تفشل، فتجلس فى انتظار العون. وهنا يأتيها اتصال تليفونى من مجهول يهوى المعاكسات فتطلب منه المساعدة فيعدها بذلك، لكنه يبدأ فى ممارسة هواية المغازلة التى توقظ فى البنت "المكبوتة" اجتماعيا أكثر من كبتها جنسيا مشاعر الأنوثة المقموعة فتضحك وتنتشى بكلام الحب غير المسموع للجمهور، وتنسى أزمتها وحدود المكان والزمان وتخلع حجابها كأنها أمام مرآة ذاتها وتغنى. ولا يطول اقتراب هذه الفتاة من ذاتها غير المقهورة إذ ينتهى كارت شحن تليفون الولد دون أن يعرف عنوان العمارة التى بها الأسانسير المعلق وفى هذه الأثناء تعود الحياة للأسانسير فترتدى البنت الحجاب مرة أخرى وتخرج إلى الشارع كما جاءت منه متجهمة منكسرة. أظن أن علينا فى مواجهة ضيقى الأفق، "أعداء الإبداع"، تجديد الاحتفاء بمخرجة الفيلم التى تخوض تجربة الإخراج للمرة الأولى (هديل نظمي) وبطلته التى تتفجر موهبة مشعة (ليلى سامي)، هذا الاحتفاء الذى لم يأت من فراغ وإنما ثمرة جهد شاق ووعى فنى واجتماعى صادقين جعلنا نتوحد مع هذه اللوحة الإبداعية التى تقتحم هموم الواقع بشاعرية ملفتة تبتعد عن الثرثرة والضجيج والتفاهة التى أصبحت سمة مميزة لسينما الموجة الجديدة. ونغير على هذا الفيلم ونرفض بحسم الإساءة لمواهب صاعدة تستحق التشجيع لا الهدم والإحباط. ولعل من المفيد هنا أن نكرر أن الوصاية على الإبداع مرفوضة وكذلك التحريض على المبدعين والتعاطى مع الفن بأدوات غير فنية لا تراعى خصوصية الإبداع والفرفوض أكثر توريط الدين فى أمر من شأن الإنسان لا السماء يفتح الباب لنار جهنم التى لا تبقى ولا تذر وستحرق الجميع وأولهم دعاة الفتنة والشحن الطائفى المغرض. وأظن أخيرا أن الأجدر بنا جماعة الصحفيين إدراك واجبنا الأخلاقى ودورنا التنويرى الذى يوفر الدعم للمبدعين ويحميهم ومن قبلهم الجماهير من طيور الظلام ودعاة الإثارة الفارغة والانغلاق الأعمى. البريد اللالكتروني:mabdelreheem@hotmail.com
|
|||