حالة الفلسطينيين في شمال سيناء
الفضاء الحدودي المصري الفلسطيني : بين الحاضر والتاريخ
3- التأثيرات المتبادله عبر الحدود
مخيم " كندا " نموذج مثالي لللا معقول
اشكالية سكان الحدود
حالة الفلسطينيين في شمال سيناء*
ساري حنفي، مركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية " سيداج"، القاهرة.
أوليفييه سانمرتن، اورباما، جامعة تور / سيداج
"اذا كانت الحدود اطارا، فالمهم ليس هو الاطار بل ما يحيط به الاطار"
Lucien Febvre لوسيان فيبفر
تحتل سيناء مكاناً رئيسياً في الخطاب السياسي المصري الخاص بعملية السلام ومشروعات التعاون الاقتصادي الاقليمية. ان تنمية " ريفييرا " سياحية متمركزة على خليج العقبة وكذلك مشروع "سميد" (التنمية الاقتصادية لجنوب شرقي البحر الابيض المتوسط ) المشترك بين مصر واسرائيل والكيان الفلسطيني اللذين يستهدفان الاسراع في تنمية المنطقة الحدودية، او ايضا الربط الاقليمي بين شبكات البنيات التحتية، تضفي جميعها على شبه الجزيرة مركزا رئيسيا في عمليات اعادة التكوين الجارية في الشرق الاوسط. ان اعادة سيناء لتكون ساحة سلام بدلا من ساحة حرب هي رهان رمزي بليغ.
ان هذا الخطاب ومجموعة المشروعات المصاحبة له - التي تطمح لتشييد عالم جديد - لاتأخذ دائما في الاعتبار الحقائق الاجتماعية-المكانية التي تستهدف اعادة تشكيلها كما انها قد تحجب احيانا فعالياتها.
بين مصر وفلسطين وأسرائيل مجال حدودى صنعه التاريخ، و لكن أيضا ستصنعه افاق عمليه السلام، حيث يتوقع ان يساهم السكان فى اكتشاف كمونيه هذا الفضاء والامكانيات الجديده فيه. ومثلما يقول روجيه برونيه (Roger Brunet) على طول الحدود لا تظهر إنشاءات سكانيه متفرقه فقط، بل وحتى نظم محليه حقيقيه ومناطق حدوديه حيث يكون الاخر موجود دائماً، وذلك من خلال انتقالات العمال فى الاتجاهين، ومن خلال التجاره أو مناطق إعاده التصدير التى يستتبعها، ورؤوس الاموال التى تستثمر أو المصانع التى ينشئها. بل وعبر جماهير اللاجئين المتولده عنها().
وتتسم هذه المساحه الحدوديه بظاهره الترحل والهجره لذا فأن اهتمامنا فى هذه المقاله بالسكان الفلسطينين بشكل خاص لهو طريقه لتناول تعقيد هذا الفضاء الذى يتسم بتفاعل عناصره على طرفى الحدود. ففى الوقت الذى يتم فيه التفاوض بشأن السلام تنشب مشكله اللاجئين الفلسطينين إذ أن ربط جزء من هؤلاء السكان فى مجال جغرافي محدود، شمال سيناء، ليجعل هذا الموضوع ليس بالامر السهل. أن تنوع الحالات لايسمح بتحليل الجاليه الفلسطينيه فى مصر وفقاً للمعاير الاجتماعيه - الاقتصاديه وحدها وفقاً لتاريخ الهجره حيث تسهم المعالجه المكانيه -إذا ما وضعت فى سياق أكثر عموميه فى أدراك الرهانات والتنوع.
فى الواقع يتسم وضع فلسطينى شمال سيناء بالخصوصيه مقارنه مع الوضع العام للجاليه على مستوى مصر، حيث يبلغ عددها حوالى 100 ألف نسمه يعيشون بين 60 مليون مصرى اى يمثلوت أقل من 2 بالالف من السكان.()
ويكوّن الفلسطينيون - المشتتون جغرافياً - مجموعات مختلفه ضعيفه البنيه وذلك وفقا لهجراتهم ولأصولهم الجغرافيه والاجتماعيه، وهم يعيشون فى القاهره أساساً كما فى المدن الكبيره بشمالى البلاد. وقد تم أندماجهم الاجتماعي بسهوله بفضل تماثل الهياكل الاجتماعية - الاسرية الفلسطينية والمصرية، الامر الذي يحد من علاقات التنازع ومن اضفاء الصبغة العرقية على العلاقات الاجتماعية، هذا فضلا عن ان العديد من الفلسطينيين التي طبعتهم حالة اللجاءة قد لعبوا ورقة الاندماج عن رضى، في حين قامت بعض الرموز التي تحملها الأيديولوجيه الناصريه ب"التشويش" على الهوية الإقليميه الفلسطينية. ومع ذلك يظل الفلسطينيون خاضعين للمصادفات السياسية ولتجسداتها القانونية، اذ اتخذت بدءا من السبعينيات تدابير تفرقة ضدهم اثر تدهور العلاقات بين مصر ومنظمة التحرير الفلسطينية، الامر الذي بدل وضعهم وابعدهم الى نوع من الهامشية الاجتماعية - الاقتصادية. لقد كانوا يتمتعون حتى ذلك الحين باغلبية الحقوق الوطنية - تولي الوظائف العامة، وشبه مجانية في التعليم العام والتعليم العالي، الخ - ثم اصبحوا "اجانب" مثل الاخرين وصار اندماجهم مهددا.(4)
وحين تفضل هذه الدراسة المعالجة الاجتماعية - التاريخية والمعالجة الجغرافية، فانها تترابط بمقتضى ثلاث نقاط، في بادئ الامر يكون الشأن هو تقديم بعض المعلومات على نظام تأهيل المكان بالسكان وبالتالي على أصول السكان المحليين وما ادى ذلك في طبع هذا الفضاء الجغرافي بسمة تعدد الهويات : ما هو موقع السكان الفلسطنيين في المنطقة ؟ ماهي نتائج ظاهرة الحدودية (fait Frontalier) في سياق النزاع الاسرائيلي - العربي ؟ وسوف نتصدي بعدها للوضع الاجتماعي - الاقتصادي للفلسطنيين و اندماجهم في مدينة العريش، عاصمة شمال سيناء : كيف وجد الفلسطينيون انفسهم باعتبارهم حلقة اتصال؟ وكيف تتكشف مسألة الهوية ؟ ماهي الاستراتيجيات التي يستخدمها فاعلون يجدون انفسهم في حالة تناقض بين الاستقرار المحلي وعدمه؟ واخيرا سوف نعرض حالة مخيم " كندا" ذلك المخيم الفلسطيني الوحيد في مصر الذي يقع في مدينة رفح على الحدود، وحيث تتسم حياة السكان اليومية بتوقع العودة المؤجلة على الدوام.
الفضاء الحدودي المصري الفلسطيني : بين الحاضر والتاريخ
إن تحديد الاطار الاقليمي والاداري للمنطقة وتعيين نطاقها، سيتيح الاحاطه بصورة افضل بالفضاء الذي يتحرك فيه السكان الذين هم في بؤرة هذه الدراسة. تعتبر منطقة العريش في شمال شرقي سيناء وعلى الحدود المصرية الاسرائيلية (التي هي من الان فصاعدا مصرية - فلسطينية)(5) فضاء شبه مجهول .وتتسم هذه المنطقة بقلة عدد سكانها النسبية ( 220 الف نسمة في محافظة شمال سيناء)(6) بالمقارنة بالكثافات السكانية الشديدة في المناطق الواقعة على اطرافها مثل قطاع غزة ودلتا النيل ، وكذلك بطابعها العسكري حيث كانت موضعا استراتيجيا طمع الكثيرين به خلال هذه القرن، مما حجب فعاليتها القديمة القائمة على التبادل بين مصر والمشرق. فهذه المنطقة ليست فضاء حدودي بسيط فهي ايضا موضع مرور ومنطقة انتقال مناخي بين الصحراء والبحر المتوسط. وقد ترتبت على ذلك سمات اجتماعية - اقتصا㳟ية واقليمية فريدة من نوعها، تغيرت بسبب التلقلبات السياسية - العسكرية.
وبسبب الضغط البريطاني الزمت الاتفاقية التركية - المصرية الموقعة عام 1906 الامبراطورية العثمانية بالاعتراف بضم مجموع شبه جزريرة سيناء الى مصر اداريا، وقد ادي تعيين خط الحدود في داخل الامبراطورية العثمانية، وفقا لخط رفح - طابا اⵔى انهاء النزاع بشأن الاراضي بين القاهرة واسطنبول الذي دام اكثر من نصف قرن. ثم اقيمت محافظة سيناء غربي هذا الخط واصبحت العريش عاصمتها. وبعد مضي حوالي 70 عاما وتحرير سيناء من الاحتلال الاسرائيلي في اثر اتفاقيات كامب دافيد، تم تقسيم سيناء الى محافظتين شمالية وجنوبية وفقا لخط السويس - طابا.
وتبلغ مساحة محافظة شمال سيناء 31 الف كيلو متر مربع، وبلغ تعداد سكانها في عام 1986 اكثر من 170 الف نسمة بقليل، أي 85% من عدد سكان شبه الجزيرة. وفي الشمال وفي الشمال الشرقي ثلاث مراكز وهي العريش والشيخ زويد ورفح ويبلغ مجموع سكانهم 75% من المقيمين في المحافظة واكثر من 90% من سكان الحضر يحتلون 7.5% من مساحتها. ان الجزء الرئيسي من سكانها يتمركز على محور العريش (86 الف نسمة ) - رفح (21 الف نسمة ).
الخريطة رقم 1
ظلت سيناء لامد طويل خاضعة لمركز قانوني خاص مثلها في ذلك مثل باقي المحافظات الحدودية” الصحراوية اساسا والمحيطة بوادي النيل. وكان هذا النظام موروثاً عن " ادارة المناطق الحدودية " Frontier District Administration (FDA) التي انشأها الانجليز في نهاية الحرب العالمية الاولي لوضع هذه المساحات الصحراوية تحت اشراف السلطات العسكرية. واذا ما كان توطد الجيش في هذه المناطق " الحساسة " لايزال قويا، وبخاصة في ظل قوات حرس الحدود الا ان تنظيمها الاداري لايختلف الان اطلاقا عنه في المحافظات الاخرى ، وقد تم توحيد هذه الاوضاع القانونية حديثا، و لكن ظل سكان سيناء سكانا هامشيين حتى الاحتلال الاسرائيلي عام 1967، كما لم يكونوا خاضعين لقانون الاحوال المدنية، ولم تكن لديهم بطاقات شخصية بل يتم تسجيلهم فقط لدي ادارة الحدود. زد على ذلك انه بما ان الجمارك كانت موجودة بين حدود سياسية - عسكرية يمثلها خط رفح - طابا وحدود اقتصادية تمثلها قناة السويس.ويشير المؤرخ عباس مصطفي عمار في عام 1945 الى المفارقات الكامنة في هذه الحالة، والاكراه الذي يعاني منه بدو سيناء الذين يترحلون خلال جزء من السنه بين فلسطين وشرقي دلتا النيل :
"يأخذ رجال الجمارك المصرية جنيه على الجمل اذا عبر القناة وبيع، فاذا رجع دون ان يباع فالضريبة التي تؤخذ هي 30 قرشا. لكن لايوجد تمييز بين البدو التابعين لمصر والبدو القادمين من خارج مصر. فاذا كانت الصعوبة في ان يميز عمال الجمارك بين الحيوانات الاتية من سيناء نفسها والحيوانات الاتية من خارج سيناء فان ذلك لا يمكن ان يقدم عذرا مقبولا اذ من السهل ان تراقب الحيوانات على الحدود الشرقية لا على الحدود الغربية لشبه الجزيرة".(7)
ويزيد الكاتب ان البدو قد استاءوا في ذلك بسبب فقرهم وبالاضافة الى هذه الاوضاع الخاصة يوجد تراث من المبادلات، وتحركات الاشخاص والعلاقات الاقتصادية المترسخة في الشرق،اذا كان المسافة التي تفصل العريش عن غزة تقل عن 80 كيلو مترا، فانه يجب قطع ضعف هذه المسافة للوصول الى قناة السويس بدءا من العريش. وعلى هذا فالانقطاع الرئيسي على هذا الساحل قد لايكون في اتجاه الحدود السياسية الواقعة في الشرق، بقدر ما هو في الغرب حيث يجب عبور منطقة صحراوية جدباء قبل الوصول الى مجرى مياه قناه السويس.
في منظور تاريخي بعيد المدى، لقد قدم سكان سيناء اساسا انطلاقا من شرقي وشمالي البحر الابيض المتوسط، اذ انه بعد الغزو التركي لمصر عام 1517، اصدر سليمان القانوني امرا في عام 1560 بتجديد وتقوية الموضع المنيع في العريش وارسل وحدة عسكرية لكي تحمي المكان. كانت قرية العريش تعتبر محطا اساسيا على الطريق نحو مصر، وتمثل النقطة الاخيرة المأمونة للتزود بالمياه قبل الوصول الى دلتا النيل. وهكذا حافظت السلطة العثمانية على وجودها العسكري في المنطقة الى حين الاحتلال الانجليزي. ويقول الضابط الانجليزي كلود جارفيس Claude Jarvis الذي كان يعمل بادارة المناطق الحدودية وبنفس الوقت حاكما لسيناء خلال الفترة من 1923 الى 1936 ان الاتراك قد حافظوا طوال القرن التاسع عشر على كتيبة من الجنود من اصل بوسني والباني وقد تزوج عدد منهم واقاموا في المنطقة (8) ويقوم نعوم بك شقير مؤلف " تاريخ سيناء القديم والحديث وجغرافيتها " الصادر عام 1916، بالتمييز بين مجموعتين من بين الستة الاف نسمة المقيمين في العريش وفقا لاحصاء عام 1907:وهما العرايشية وكلهم من بقايا العساكر الاتراك او البلقان، والفواخرية "واكثرهم من مهاجري جنوبي سوريا جاؤوها بعد تأسيس القلعة للاتجار مع حاميتها.وقد قيل انهم لقبوا بالفواخرية لأن أكثرهم كانوا يتاجرون بالفخار الذي يأتون به من غزة. "(9) وليس من النادر ان تتقابل اليوم مع عرايشية تمتزج ذاكرتهم مع الأحداث الجارية فيشيرون إلى أصلهم البوسني حتى وإن كان هذا الاصل قد تلاشى وسط تعرجات تاريخ مضطرب.
إضافة الى ذلك لقد قامت ثلاث تيارات هجرية بتغذية النمو السكانى بهذه المنطقة وبمركزها الحضري الرئيسي :
أولاً - توطن البدو : وهو عملية تاريخية قديمة لكنها اصبحت موجه هامة خلال الحرب العالمية الأولى بسبب الاضطرابات الناشبة عن النزاع حول إنشاء خط سكك حديد فلسطين ( 10) ، لكن هذه الظاهرة ازدادت اتساعا بعد حرب عام 1948 وبعد انشاء اسرائيل اساساً، الامر الذى قيد الانتقالات بين جانبى الحدود الى حد كبير وشطر أرض القبائل إلى شطرين. وفى ظل الاحتلال الاسرائيلى كان التوطن- حينما لا تتم مصادرة الاراضى أو "حجزها"- يمثل سياسة طوعية تستهدف السيطرة بصورة أفضل على السكان، فى حين اصبحت الزراعة المروية والعمل بأجر مصدراً جديداً لدخول السكان البدو. وقد سعت السلطات المصرية إلى التوطين ايضاً، وكانت تبرر عملها اساساً برغبتها فى تزويد البدو بالخدمات العامة التى تقدمها الآن الدولة.
ثانياً- يمثل السكان القادمون من وادى النيل المصدر الثانى للمهاجرين، كان عدد هؤلاء حتى عام 1948 ضئيلاً للغايه ويقتصر على بضعة موظفين ثم ازدادت هذه المساهمة الى حد كبير بمناسبة الحرب الاسرائيلية - العربية الاولى. وأدت هذه الحرب إلى اجتذاب وحدات عسكرية جديدة إلى العريش والمنطقة الحدودية وإلى قطاع عزة الذى كانت مصر تديره حتى عام 1967. وبدءاً من الخمسينات أدى خلق وظائف إدارية وشبه عسكرية إلى إحضار موظفين وعائلاتهم إلى المنطقة. ومنذ بداية الثمانينيات قامت تيارات هجرة قادمة من الوادي بتغذية نمو سكانى يعبر - بطريقة لا تزال متواضعة - عن سياسة تعمير حقيقية لسيناء تحاول مصر تنفيذها بهدف تاهيل سيناء بثلاثة ملايين نسمة حتى عام 2015.
ثالثاً - ويكون المهاجرون من فلسطين العنصر الاخير من هؤلاء السكان متعددى العناصر، وقد جاء بعضهم أثناء نزوح عام 1948 الجماعى وتعيش غالبية هؤلاء فى العريش وفى الجزء المصرى من رفح، حيث يوجد المخيم الفلسطيني الوحيد في مصر،وهو مخيم كندا. ويصعب تحديد عدد هؤلاء السكان بدقة، ولكن يمكن تقديم بعض المؤشرات التي تساعدنا علي تقدير عددهم. وإذا كان إحصاء عام 1947 يشير إلي وجود 12 أجنبياً في العريش، فقد تم إحصاء 2.563 أجنبي عام 1966،أي حوالي 10 % من السكان ويشير احصاءعام 1982 إلى وجود 4.424 أجنبي في رفح ( أي 58% من السكان )، و3.388 فقط في العريش (7% من السكان ). ان ركود عدد السكان الاجانب في العريش (وهم من الفلسطينيين أساساً)،وكذلك ركود عدد السكان الكلي خلال الفترتين بين 1966 ، 1982 يمكن تفسيره بهجرة جزء من السكان - ومن بينهم الفلسطينيين - في اتجاه ليبيا بصفة خاصة وخلال الفترتين بين 1966، 1982 ازداد عدد سكان العريش من 40.338 إلى 44.136 نسمة أي بزيادة سنوية قدرها 6%، فىحين ان هذه النسبة بلغت 5.8 % سنوياً خلال الفترة بين عام 1982 -1986. ومما يؤسف له ان إحصاء عام 1986 لم يزودنا بعدد السكان الاجانب، لكن وفقا للفلسطينين في شمال سيناء، تضم العريش والمنطقة المحيطة بها بين 15 و30 الف فلسطيني،أي بين 10 و 20 % من السكان. واذا ما كان يلزم الحذر تجاه هذه التقديرات، الا ان المؤكد بأن هذه المنطقة الحدودية تمثل ثاني تجمع هام فلسطيني في مصر بعد القاهرة.
وبينما ازداد عدد سكان العريش من 6 الى 10 الاف نسمه بين بدايه القرن وعام 1947 الا انه بعد عشرين عاما وفي عشيه الاحتلال الاسرائيلي تجاوز ال 40 الف نسمه.وقد ظل محافظا على هذا المستوى حتى عام 1982، ثم شهد نموا مستمرا لكي يصل الى حوالي 100 الف عام 1995.
3- التأثيرات المتبادله عبر الحدود
تعتبر نفاذيه منطقة الحدود بين مصر وغزة عاليه تاريخيا، فهي فضاء تؤثر وتفاعلات من السكان، على طرفي الحدود كما ان العلاقات بين ( جنوب سوريا ) ومنطقه العريش قائمه منذ القدم وقد ساعد وجود سكان فلسطنيين في الاراضي المصريه على توطيد هذة العلاقات.
وقد ذكرنا دور العريش باعتبارها واحه بكل معنى الكلمه ومحطه للقوافل على الطريق الى مصر وكموضوع للمبادلات للتجار السوريين. انها مدينه محط تقع على محور تجاري كما انها سوق لسكان سيناء من البدو. ويمكننا الحصول على بعض الدلائل عن هذة المدينه حيث نستعير بعض ما كتبه نعيم شقير عشيه الحرب العالميه الاولى في وصفها :
"العريش واقعه في الطريق التجاريه الشهيرة المنسوبه اليها التي تربط مصر بسوريا.وللبلده سوق صغير بجانب القلعه فيها نحو 70 حانوتا(...) وكان في شرق البلده جمرك ومحجرصحي للأبل و الخيل التي ترد من سوريا، فالغيا بعد الثورة العرابيه ونقلا الى القنطرة. وفي سنة 1906 حولت المحافظه المحجر الي مستشفى وأنشأت فيه حديقه متسعه . و ادار المستشفى طبيب من ضباط الجيش المصري. وطبيبه الحالي الملازم اول الدكتور شكري افندي مشرق من ابرع الاطباء السوريين وأنجبهم. ولها مدرستان : مدرسه وطنيه يعلم فيها القراءة و الكتابه العربيه والقرآن، و مدرسة لجمعيه انجيليه فرع من مدرسة المرسلين الانكليز في غزة (...) (11) .
وبدءا من الخمسينيات وفي ظل الادارة المصريه، اصبحت غزة مركزا تجاريا هاما. ان الوضع الخاص بقطاع غزة و الفراغ القانوني الناشب عن الاداره العسكريه، جعلا هذا القطاع غير خاضع للقيود التي فرضتها مصر على الواردات بدءأ من عام 1952.
وبالرغم من الاوضاع العسكرية ولكونهم في المواقع الامامية للمواجهة، قام الغزويون باستيراد المنتجات ( المترفه) التي تحظر الثورة الاشتراكيه فى مصر استيرادها. كانت الزوارق الصغيره القادمه من سوريا او لبنان تحضر الى غزة منتجات عديده يقبل عليها المصريون (منسوجات، وسلع غذائيه، واجهزة منزليه...) ويتذكر التجار الفلسطينيون أولئك المتزوجين حديثا الذين كانوا يجيئون بالقطار من القاهرة وغيرها الى غزة لتجهيز بيوتهم. وترتب على ذلك نهضه تجاريه عظيمه، وتكونت ثروات مما سمح فيما بعد للعديد من التجار الفلسطينين بأن يمدوا نشاطهم الى القاهرة حيث يحظون بزبائن تعاملوا معهم سابقا. هذا وقد شهدت القاهرة موجه نزوح لتجار فلسطينين بعد 1967.
وحينئذ اصبحت العريش ورفح مراكز تجاريه وسيطه يلعب فيها اللاجئون الفلسطينيون دورا هاما. ان سيرة الحياة التالي سردها و الخاصه بتاجر فلسطيني هاجر الى العريش عام 1948 تصلح نموذجا لتوضيح العلاقات التي انعقدت خلال تلك الفترة.
ولد خليل المجدلاوي عام 1937 بمدينه عسقلان ( أشقلون) الراهنه بالمجدال. وبعد أن عبر غزه استقر في العريش عام 1948 مع الاسرة لأن والده التاجر الذي قتل خلال حرب 1947 كان له العديد من العلاقات بالعريش. ولانه الابن الاكبر، فقد وضع نفسه تحت رعايه احد العملاء وصديق لوالده، وذلك ليعين اسرته وتنفيذا لاقتراح احد المصريين الذي كان يرغب في اشراك رأسماله مع الخبره الفلسطينيه ( حيث اشتهرت مدينه مجدل بمنسوجاتها)، قام المجدلاوي باستخدام مدخرات الاسره القليله في اقامة مشروع بالمشاركة مع خاله الذي كان لاجئا هو الاخر. قاموا بشراء نول للنسيج من غزة مصنوع في سوريا وعملوا معا من عام 1952 حتي عام 1956، لكن الامور لم تسر على ما يرام. في الواقع ان انعدام البنيه الصناعيه اجبرهم على احضار الخيوط من غزة الى العريش لنسجها، ثم ارسال النسيج الى غزة لصباغته وذلك قبل اعادته الى العريش مرة اخرى لبيعه. وحينئذ قرر خليل المجدلاوي التفرغ تماما لتجارة المنسوجات واصبح بائعا متجولا. وفي عام 1962 استأجر دكانه الاول وكانت تجارته رائجه وذلك حتى عام 1967 لأن العريش كانت حينذاك مدينه تجاريه هامه بفضل وجود الجيش وبفضل "التهريب" القادم من غزة، ويعتقد المجدلاوي بان العريش اليوم مدينه تجارية مزدهرة بسبب الفلسطينيين، ويقدم مثالا على ذلك بان ثلاثه من تجار المنسوجات الخمسه بالمدينه هم من الفلسطينيين، كما يتمنى تنويع انشطته ويفكر فى اقامه مصنع نسيج لان الاسواق موجودة "ان العريش هي بوابه غزة، وغزة بوابه الخليج عن طريق الاردن" لكن يجب انتظار هدوء الاوضاع السياسيه.
إضافة إلى حقيقة ان الفلسطينيين فاعلين رئيسيين في العلاقات التجارية العابرة للحدود، فقد كان للديناميه الغزويه وكذلك لنتائج السياسيه - العسكرية المترتبه على الحرب الاسرائيلية العربية الاولى من احتلال، انعكاسات على الانشطة الزراعية في منطقة العريش. ففي خلال الفتره قبل عام 1948 كانت تتم هجره موسميه الى فلسطين حيث يسهل الحصول على السلع الاساسيه مما كان يحد من تنمية زراعية محلية. لكن بدءا من هذا التاريخ أدى اغلاق الحدود و النمو السكاني الى اجبار السكان على تنمية الزراعات الدائمة وعلى التشارك في تكوين التعاونيات. وفي ظل ازدياد الطلب بسبب وجود الوحدات العسكريه المصرية، وخاصة بعد الاحتلال الاسرائيلي الاول لسيناء عام 1956، شهدت المنطقة تطورا نحو الزراعةالمروية بالاضافة الى انتاج المواد الغذائية وزراعة الاشجار ( الزيتون، و اللوز، والخوخ، والحمضيات)، وكذلك نحو زراعات اخرى مثل الخروع المستخدم في صناعة المنسوجات. ومثلما يوضح الاقتصادي محمد نصر فريد : "بعد حرب 1956 انهالت السلع على سكان قطاع غزة ونشطت حركة التجارة بالقطاع مما ادى الى ارتفاع مستوى دخل الفرد. وقد اجتهد سكان سيناء في التعرف على احتياجات قطاع غزة من الحاصلات الزراعية، وكانت تنحصر في ذلك الوقت في ورق البفرة وبذور الخروع الذي يعاد تصديره الى اوربا. وكان يباع باسعار وصلت احيانا الى الف جنيه لطن البذور."(12)
وفي خلال الثمانينيات ادي انتعاش الزراعة المروية الذي تطلب تجارب على استخدام الاساليب الزراعية الحديثة ( الري بالتنقيط، والزراعات المحمية)، وكذلك نقص الايدي العامله المحليه الى حضور فلسطينيين من غزة الى شمال سيناء للعمل كمزارعين، لكن في عام 1990، وفي عقب الموقف الذي اتخذته منظمة التحرير الفلسطينية من حرب الخليج تدعم اغلاق الحدود في وجه هذة الهجرات الجديدة.
لم تقتصر التفاعلات على المجال الاقتصادي وحده، اذ تظهر تحركات السكان في رفح - المدينه التي شطرتها الحدود - بعدا آخر. فقد قام العديد من الفلسطينيين المدركين لغموض مستقبلهم بسبب التقلبات السياسيه قبل عام 1967 بتسجيل مواليدهم في الجانب المصري كمحاولة للاستفادة من بالجنسيه المصريه التي يحصلون عليها بعد اثبات ارتباطهم بأرض مصر منذ جيلين على الاقل. وقد ساعد عدم وجود شهادة ميلاد، و البنية القبلية لهؤلاء السكان الذي يعيش بعضهم حياة البداوة على حصول العديد على هذه الجنسية.(13)
الفلسطينيون في شمال سيناء : موقعهم كحلقه وصل
يبدو ان فلسطيني شمال سيناء مرتبطون بشدة بهويتهم. يعتبر الفلسطيني المقيم في العريش - على خلاف الحاله السائدة في باقي مصر - بانه ينتمي الى اقلية من بين الاقليات الاخرى : البدو و العرايشيه من نسل عرايشي، والمصريون القادمون من جميع مناطق مصر.. واذا كان هذا السياق يحث على المنافسه بين الجماعات الا انه لم يحدث كما يبدو حالة انطواء. فالاقامه في العريش ومنطقتها لها سماتها الخاصه التي تختلف عن المنفى. ان الغاء المسافه، اضافه الى تماثل اللهجه و المكان و الثقافه واساليب المعيشه تضفي جميعها على هذه المنطقه هويه خاصه مصبوغة بطابع فلسطيني يؤكده الجميع.
واذا كان الفلسطينيون المهجرون عام 1948 قد لعبوا دورا هاما في العلاقات الاقتصاديه التي تطورت في المنطقه، فان سير حياة اخرى، ومصائر مختلفه ساهمت في تكوين هذه الجماعه المتنوعة:
عبدالرحمن خليل المدعو ابو عماد يعمل مديرا ماليا بكليه التربيه التابعه لجامعة قناة السويس. ويقيم بالعريش منذ عام 1983 في سكن حكومي يضم عددا من الموظفين، وهو يقول بأنه مندمج تماما، حتى وان كان كفلسطيني لا يستطع امتلاك مسكنه. انه يعيش مع زوجته وابنائه الثلاثه، وقد تزوجت ابنتاه وتقيم احداهن في بورسعيد والاخرى في غزة.
لقد غادر عبد الرحمن غزة عام 1962 لكي يتابع دراسته في بورسعيد التي هجر منها بعد ذلك اثناء حرب 1967، فذهب الى المنصورة ثم دمياط. وقد منعه الاحتلال من التفكير في العودة الى غزة، لكن في اثر تحرير سيناء قرر الاقامه في العريش لكي يكون قريبا من بلاده: ان عمله في القطاع العام قد اتاح له هذه الفرصه. وهو يؤكد بان هذا الامر قد ساعد ابنائه على الاحتفاظ ( بفلسطينيتهم) لان ( العريش هي امتداد طبيعي لغزة ) وعبد الرحمن عضو في منظمة التحرير الفلسطينيه وفي المجلس الوطني الفلسطيني، ويؤيد عمليه السلام ويقول بانه متفائل بالنسبه لمستقبل المنطقه. انه ايضا عضو باللجنه الاداريه للاتحاد العام لعمال فلسطين.
هذه المنظمه التي تعتبر من اهم المنظمات الشعبيه للفلسطينيين في مصر، وتتجاوز اطار العمال وحدهم، فهي بنشاطتها تؤمن تأطير هذه الجاليه واظهارها على السطح. وقد افتتحت مركزين لها في العريش عام 1981، وكانا يضمان حينذاك 1300 عضو اي مايقرب من 30% من مجموع اعضاء الاتحاد (14) . وقد قدر عدد اعضاء فرع العريش بنحو 7000 عضو في عام 1995 من بين مجموع الاعضاء البالغ 10800 عضو على مستوى مصر كلها(15) . ومع ذلك يتفق حميع من تحدثنا اليهم على رثاء تدهور اوضاع الجاليه الفلسطينيه فىمصر وعلى التأكيد بضرورة تبني استراتيجيات لتفادي حاله قانونيه - اداريه اصبحت هشه وغير مستقرة:
اذا كان خليل المجدلاوي يعبر عن امتنانه للدوله المصريه في عهد عبد الناصر لأنه امكنه ان يصبح عضوا في الغرفة التجارية (16) . ولكن في منتصف الثمانينيات، قدم تجار عريشيون شكوى ضده، لانه استمر في حصوله على الميزات التي يتمتع بها المصريين. والتموين من شركات القطاع العام. وقد تغلب التجار الفلسطينيين بفضل تأييد المحافظ لهم. ومع ذلك يبدو ان القلق الذي يثقل على مصير الجاليه يعرقل رغبة خليل المجدلاوي في توسيع انشطته وفي استثمار رأسماله. ومع ذلك فقد افتتح دكانا اخر وبنى فوقه عماره ويتمنى التحول الى مجال الملابس الجاهزة، لانه يرى ان العريش "مفتاح الشرق وستكون احسن منطقه في الجمهوريه". وبما انه يعمل مع اسرته فانه يبدو مهتم بتأمين مستقبل ابنائه وهو مستقبل مصري" في الوقت الراهن.
وتكشف سيرة حياة اخرى عن ذات الاهتمام :
فهمي غريب المدعو ابو مدحت ينتمي الى مدينة يبنه بقطاع غزة ويعمل موظفا بهيئة الاتصالات السلكية واللاسلكية في المحافظة. وقد وصل الى العريش عام 1969 اثناء الاحتلال باعتباره "مسئول" عن شبكة التليفونات في سيناء. انه متزوج من مصرية واب لتسعة اطفال. اشترى في عام 1990 ارضا في جنوب العريش باسم زوجته واقتحم ميدان تربية الطيور و الدواجن وغرس الاشجار مع احتفاظه بعمله. ازدهرت اعماله ويتمنى الاستثمار في غزة لكن يبدو له بان الحالة لا تزال غير مستقرة ولا يثق كثيرا في اعضاء السلطه الوطنية الفلسطينية.ويقول بانه فكر في اقامة مشاريع خاصة به بسبب قلقه على مستقبل ابنائه قبل أي شيء، لان القانون يمنع الفلسطينيين من العمل في القطاع العام و لا تستطيع الشركات الخاصه تشغيل الاجانب بنسبة تزيد على 10%. ويفكر ابومدحت في الاستثمار في العريش و البدء في اقامة بيوت بلاستيكية لانتاج الخضر و الفاكهة.
والى جانب اصحاب المشروعات أو أولئك الذين يحظون بوظيفة في القطاع العام، يعيش فئه من الفلسطينيين وبالأخص الاكثر شبابا على اقتصاد مواز يتغذى جزئيا على تهريب المنتجات الاسرائيلية. وقد شهد هذا النوع الهام للعلاقات الاقتصادية توسعا جديدا منذ تحقيق الاستقلال الذاتي في غزة.
وكان التهريب خلال الثمانينيات يتعلق اساسا بالمنتجات الزراعية او بقطع غيار تحتاجها زراعات شمال سيناء التي كانت قد طورت انتاجها وفقا لاساليب تم وضعها اثناء الاحتلال. ويشير محمد فريد الى حالة البذور الاسرائيلية بصفة خاصة، وهي بذور متوافقه جيدا مع الظروف الزراعية في المنطقة، وكان المزارعون يحضرونها سرا وبتكلفة كبيرة لأنهم يفضلونها علىالبذور التي تحضرها وزارة الزراعة المصرية (17) .ان التطبيع التدريجي للعلاقات الاقتصادية المصرية - الإسرائيليه والتعاون الثنائي بين البلدين، بخاصة في المجال الزراعي يتيحان بعد الآن استيراد البذور بصورة شرعية.
ويتناول التهريب حالياً المنتجات الإسرائيلية الاستهلاكية الجاريه التي تحظى في مصر بجاذبية معينة وذلك على غرار جميع المنتجات المستوردة ومع ذلك، يشعر الكثيرون بعقدة الذنب من هذا النوع من العلاقة مع " العدو". هكذا يبين أحد سكان العريش بأنه يستخدم الصابون الإسرائيلي لأنه أكثر فعالية مع المياه المالحة للآبار التي تغذى شبكة مياه المدينة، ويبرر شراؤه بأن الفلسطنينيين هم الذين يستوردون هذه السلع وهم بذلك يتحملون المسئولية. وعن طريق غزة، تصل هذه البضائع التي تمون تجارة التجزئة غير الرسمية بالعريش والتي يحضرها " الزوار" الفلسطينيين الذين يستيطعون الذهاب إلى غزة بسهولة أكبر أو بواسطة "السائحين" المصريين أو الزوار الفلسطينيين كما يحصلون منها أيضاً على ربح. إن مركز رفح الحدودي الذي يعمل ليلاً ونهاراً بلا انقطاع منذ عام 1994 قد شهد ازدياداً في عدد العابرين يقدر بـ 80% بين عامي 1993 و 1994.(18) وكانت النتيجة الطبيعية لازدياد العابرين هي رواج تجارة التهريب. ويقول أحد رجال الجمارك المصريين : " من السهل إخفاء غالبية المنتجات، ويمكن عبورها للحدود سراً من غير خضوعها للرسوم الجمركية."(19) وتشتمل هذه التجارة على مجموعة كبيرة من المنتجات : بدءاً من منتجات التجميل إلى البن مروراً بالأجهزة الكهربائية المنزلية، والملابس، والأحذية وحتى بعض " الادوية" التي يدعى انها دواء لكل داء. وبالإضافة إلى الجاذبية التي تحظى بها نوعية المنتج المستورد المفترض بأنها جيدة، والرغبة التى تثيرها بعض " السرية " فإن أسعار هذه المنتجات زهيدة نسبياً إذ تباع نفس علبة البن القابل للذوبان بـ 25 جنيهاً إذا كانت واردة من القاهرة وبـ 15 جنيهاً إذا ما كانت واردة من إسرائيل، وتتولد عن هذه السوق ممارسات تجارية جديدة. فالسياح المصريون مثلاً الذين يجيئون بأعداد متزايدة الى العريش للتصييف يذهبون الى رفح على بعد بضعة أمتار من الحدود لشراء هذه البضائع بثمن أقل من العريش. ويقوم تجار فلسطينيون بإقامة دكاكين وقتية في انتظار وصول هؤلاء السائحين يوميا والذين عند نزولهم من الأتوبيس يتجمعون حول البضائع المعروضة لعقد صفقات جيدة أوقل جودة... هكذا أوضح لنا أحد التجار - مع إبرازه للفواتير والمستندات - كيف انه يبيع كاكاو مستورد من بولندا، تم شراؤه بالجملة من القاهرة، ثم أعيدة تغليفة في علب اسرائيلية.
ولهذا التهريب انعكاسات تتجاوز بكثير الإطار الإقليمي. يقول " الأهرام" (20) أن الشيكل قد ارتفع بمقدار 10% بالنسبة للجنيه المصري بين ديسمبر 1994 ( تاريخ نهاية حظره في مصر) ومايو 1995. ويضيف الأهرام بأن هذا الارتفاع يعود الى ازديادالتهريب بين مصر وإسرائيل عن طريق رفح، وكذلك الى تدفق السياح الإسرائيليين (214,113 سائح عام 1994 مقابل 123985 عام 1993.(21) وبهذه المناسبة دعت السلطات المحلية الحريصة على عدم نمو هذه التجارة وعلى مراعاة "مصالح" السكان " إلى إنشاء لجنة للدفاع عن مصالح المستهلكين في رفح، وتكليفها بدراسة احتياجات السكان والتصدي لأطماع التجار الذين يمارسون هذا التهريب عبر الحدود."(22) هكذا لم يؤد تعاقب العهود العثمانيه والبريطانيه والمصريه أو الإسرائيليه على الإطلاق، سواء قبل تعييين الحدود أو بعدها، الى قطع الروابط التي تجمع بين منطقتي العريش وغزة في مصير مشترك. وقد أدى توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993 وتحقيق الاستقلال الذاتي الفلسطيني عام 1994 الى تنشيط هذه العلاقات، بالرغم من استمرار العوائق. إن توصيف الطريق "الدولى" (23) الذي يربط قناة السويس بالحدود ليعبر عن انتعاش هذه المبادلات. ومن الأمور ذات المعنى يشير أحد الفلسطينيين المقيمين في العريش الى طريق السفر الذي يتخذه أبو عمار حين يجئ الى عاصمة شمال سيناء لركوب الطائرة في انتظار تشييد مطار في غزة...
ومع ذلك فإذا كان الفلسطينيون المقيمون في المنطقة يبدون بصفة عامة مندمجين بصورة جيدة مع الحياة الاجتماعية - الاقتصادية المحلية، إلا أنه يجب البحث عن دلائل التصدع في التاريخ الحديث التالي لتحرير سيناء والتي يمثلها تقسيم رفح وتضحية الفلسطينيين المقيمين في مخيم "كندا".
الخريطة رقم 2
مخيم " كندا " نموذج مثالي لللا معقول
يبدأ تاريخ مخيم " كندا " في رفح عام 1973، حين قررت السلطات العسكرية الإسرائيلية الشروع لأسباب أمنية في شق طرق في المخيمات الفلسطينة بقطاع غزة بقصد تسهيل الوصول إليها. وتم هدم بيوت عديدة ونقل خمسمائة عائلة (24) الى رفح في موقع، كانت الأمم المتحدة تستخدمه فيما مضى كقاعدة تضم وحدة كندية(25) ووفقاً للفارق بين تقدير قيمة كل من المنزل القديم والجديد تم دفع تعوض الى بعض الأشخاص في حين أضطر آخرون الى دفع الفارق ( حتى 700 دولار) الى السلطات الأسرائيليه. ولكن في إثر كامب دفيد وإعادة سيناء الى مصر حدثت تحولات مأساوية. ففي 25 إبرايل 1982 تم تقسيم مدينة رفح قسمين وفقاً لخط الحدود الموضوع عام 1906: وأصبح مخيم كندا واقعاً في الأراضي المصرية، وتوجد أسلاك شائكة وشريط حدودي تفصلان آلاف الفلسطينيين عن أعمالهم وأسرهم وأصدقائهم...... وأدت مفاوضات دامت ستة أشهر إلى اعتراف مصر بوضع سكان المخيم " كلاجئين مؤقتين" الذين أصبحوا من بعد يحملون وثيقة سفر يتم تجديدها كل ستة أشهربلا تصريح للعمل (26) ويسمح الإسرئيليون من جانبهم لبضعة عشرات من أرباب الأسر بالانتقال أسبوعياً للمحافظة على أعمالهم في غزة أو في إسرائيل. وأكد الطرفان بأن هذه الحالة مؤقتة واتفقا على تأمين عودة اللاجئين الى غزة : سيقوم الإسرائيلون بإعداد قطع أرض مجهزة فى تل السلطان على الجانب الآخر من الحدود، بينما سيدفع المصريون 12 ألف دولار لكل أسرة لبناء منزل لها.
وكان يجب الانتظار حتى عام 1989 لكي يتم تنفيذ عودة بعضهم، والواقع أن منظمة التحرير الفلسطينية هي التي تمول هذه العودة عن طريق مصر. وخلال الفترة بين 1989 -1991، تم السماح لحوالي 150 أسرة بعبور الحدود، لكن أزمة منظمة التحرير المالية عقب حرب الخليج أوقفت العملية. ومضت ثلاثة سنوات دون أن تعود أية أسرة، لكن بدءا من عام 1994 تمكنت 50 أسرة أخرى من العودة إلى قطاع غزة، المستقل من الآن فصاعداً. والواقع أن الحكومة الكندية التي تقود مجموعة العمل الخاصة باللاجئين في المفاوضات متعددة الأطراف التي أقيمت بعد مؤتمر مدريد قد قررت منح مساعده قدرها 4 مليون دولار أمريكي لتمويل العودة(27) .
يقع المخيم شمالي مدينة رفح، ويعتبر أحد أحيائها، ويحتل 1.5 كيلومتر مربع.وفي عام 1993 كان مخيم " كندا " الذي تديره وكالة غوث اللاجئين (28) يضم 4500 شخص وفقاً لبيانات هيئة الأونروا (29) وتقول رندا شعث أن 45% من السكان يبلغون بين 12-15 عاماً من العمر(30) من المؤكد أن وجود هذا المخيم في الأراضي المصرية كان يعني انتهاء منع التجول والدوريات العسكرية، ولكن تظل رقة الحال سائدة والحياة فيه شبيهة بالحياة في مخيمات غزة، فشوارعه غير مغطاة بالأسفلت واقنية تصريف المياه المالحة مفتوحة وبيوته مزدحمه والكهرباء تشهد انقطاعاً يومياً. كما يجب الذهاب الى قاعدة تابعة للقوات متعددة الجنسية والمراقبين (MFO) (31) على مسافة كيلومترين لإحضار مياه الشرب. وبالإضافة الى هذه الظروف المادية يعاني السكان من الآثار النفسية الناشبة عن بيئة ثقيلة الوطاة. ففي الشرق تحيط الأسلاكالشائكة بالمخيم الذي تهدمت بعض أجزائه: تقوم السلطات المصرية بهدم البيوت بعد مغادرة العائلات لمخيم كندا، وذلك حتى لا يتم شغلها من جديد. لعل الفائدة الوحيدة المحققه في التزايد الكبير في اتساع مساحة الأراضي التي يلعب فيها الأطفال.
ويظل العمل هو المشكلة الرئيسية. ففي عام 1988 وجدت مئات العائلات نفسها بلا موارد وكانت تعيش فقط بفضل إعانات وكالة الأمم المتحدة لغوث اللآجئين التي كانت توزع السلع الغذائيه والملابس(32) . وبسبب عدم وجود تصريح رسمي بالعمل في مصر كانت الأسر تعيش بفضل وكالة الغوث، أو العمل بصفة غير رسمية، أو التهريب أو الهجرة. ويقول محدثنا أن ليبيا كانت تمثل خلال أعوام كثيرة " الرئة" الرئيسية للعديد من سكان مخيم كندا الذين يسعون للحصول على عمل. وقام آخرون بفتح محلات تجارية صغيرة داخل المخيم حيث نرى الان شارعاً تجارياً هاماً في حين أصبح الآخرون سائقي تكسي او عمال زراعيين. وتقوم وكالة الغوث بدفع أجور خمسين شخصاً ( معلمون، موظفون في الصحة أو في الصيانة). واذا كانت الهيئة الدولية تؤمن التعليم الإبتدائي كاملاً، فإن مصر تقدم معونة للتعليم الإعدادي والثانوي تبلغ 20 آلف جنيه مصرى(6 آلاف دولار)، وهذا يعني دفع 2.5 جنيه عن كل حصة، أي أن المدرس يحصل في المتوسط على 70 جنيهاً (21دولاراً) شهرياً. وفيما يتعلق بالتعليم العالي يتجه شباب مخيم كندا إلى العريش(33) والاسماعيلية أو القاهرة، لكنهم يخضعون لنصاب معين بحيث لا يزيد عددهم في الجامعات المصرية عن خمسين طالباً. ويبدو أن هذا التحديد قد اتخذ في نهاية الثمانينيات كرد على تسييس شباب مخيم كندا الذين حاولوا الاشتراك في الانتفاضة انطلاقاً من مصر. وفي أول ديسمبر 1987 أصيب جندي إسرائيلي بجراح نتيجة اعتداء مجهولين قادمين من القطاع المصري، وبعد مضى يومين أعلنت القيادة العامة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي يقودها أحمد جبريل مسئوليتها عن محاولة الاغتيال. وحدثت أزمة مقنعة بين مصر وإسرائيل نتيجة لهذا الحادث دفعت البوليس المصري الى تشديد رقابته على المخيم. وفي بداية يناير 1988، اندلعت مظاهرة في رفح ضمت سبعمائة فلسطيني ومصري حيث اعلنت عنها وسائل الاعلام الإسرائيلية ووصفت قمعها من قبل السلطات المصرية بالدموي، لكن هذه الاخيرة نفت ذلك، وفي نهاية الثمانينيات أظهر سكان المخيم - المكان الوحيد في مصر الذي تغطي جدرانه كتابات معادية لإسرائيل- نشاطاً شديداً وقاموا بتقديم مساعدات سرية لمواطنيهم على الجانب الآخر من الحدود. ويقول أحد محدثينا أنه لا يزال يوجد في السجون المصرية حوالي مائة شاب من رفح يصفهم بأنهم مسجونون سياسيون.
وللمفارقه، فمن الان فصاعداً يبدو توقع العودة التي يتمناها الجميع مشوباً بالقلق، اذ أن موظفي وكالة الغوث( الأورنروا) وحدهم هم المتأكدون بالحصول على عمل في مؤسساتها في غزة. أما بالنسبة للأخرين فإن البطالة المتفاقمة بسبب غلق سوق العمل الإسرائيلي في وجه الفلسطينيين، وكذلك تكاليف المعيشه المرتفعه أكثر من مصر تؤذن بمستقبل قاتم. لا يوجد رب عائلة واحد من بين الثلاثمائة عائلة التي كانت مقيمه في مخيم كندا في منتصف عام 1995 يعمل في غزة، فقد كان أولئك الذين أمكنهم الاحتفاظ بأعمالهم من أوائل الذين تم ترحيلهم. ويعتبر مبدأ العودة ذاته شديد الالتواء، فرب الاسرة يذهب الى تل السلطان لكي يحصل على قطعة أرضه البالغه 200 متر مربع ثم يبني عليها منزله. وحين ينتهي من البناء يمكن لأسرته أن تلحق به. وبالرغم من ان ثلاثة كيلومترات فقط تفصل مخيم كندا عن تل السلطان، ألا انه يجب على كل أسرة أن تعبر بمقتنيات منزلها عبر منفذ العوجه عل بعد 150 كيلومتراً جنوبي رفح، وهي الحدود التجارية بين مصر واسرائيل، وذلك من أجل الخضوع الى التفتيش من جانب الإسرائيليين (34) حالياً بعد اقامة الحكم الذاتي، فقد سمحت السلطات الاسرائيلية لسكان مخيم كندا بإختيار قطعة الارض على تل السلطان وذلك قبل السماح لهم بالانتقال بشرط ان يدفعوا ثمنها وهكذا باشر بعض من لديه الامكانيات بشراء قطعة ارض بطريقة مباشرة أو بالتوكيل، وذلك قبل الشروع بالعودة. وهذا يدل على ان هذه العودة مدفوعة باعتبارات تتجاور المنطق الاقتصادي. فهي قرار يعبر عن العزة والكرامة قبل اي شي اخر.
ويقول أبو هاني مختار مخيم كندا، أن تواتر العودة قد تسارع أخيراً وأن السلطات الإسرائيلية شرعت، منذ بداية 1995، في وضع قوائم تحدد اربع عائلات كل اسبوع. لكن يجب انتظار اتمام اقامة الاشخاص المدونين في القائمة السابقه حتى يمكن الرحيل وعادة ما يطول الانتظار، ويستبد بهم القلق والحيرة. ويقول ابو هاني ان الاثني عشر الف دولار التي تدفع لهم غير كافية لبناء منزل، فإن بناء طابقين في غزة يكلف 40الف دولار مما يضطر العائلات الى الاقتراض ومحاولة ادخال بضائع عندما ينتقلوا الى تل السلطان. ويأتي على ذلك مثالا المختار السابق الذي قام بفصل علاقاته الطيبة مع السلطات المصرية لادخال تسعة شاحنات محملة بالبضائع ومواد البناء الخاصة ولم يدفع على ذلك غير 1800 دولار كرسم جمركي للإسرائيليين.
ان بداية الانفراج التالية لاتفاقيات الحكم الذاتي هي نفحة اكسجين لسكان المخيم كما لفلسطيني العريش، إذ ان اقامة علاقة بين الافراد يقيمون على جانبي الحدود سيتيح لهم توطيد شبكات تستفيد من علاقات تجارية جديدة لم تقم الدولة بعد بتنظيمها. إن توقعات العودة والفرص الاقتصادية تتحدان معاً من خلال موقف جديد لصالح عملية السلام ويمكن ان يكون الاهتمام الذي اظهره سكان مخيم كندا تجاه انتخابات مجلس الحكم الذتي (35) انعكاسا لما يكون ذاتيتهم، فهم الفلسيطنيون الوحيدون الذين يعشيون في مخيمات خارج الاراضي المستقله وتم وضع برنامج لعودتهم.
ان تاريخ مخيم كندا - الجيب الفلسطيني في الاراضي المصرية- هو قبل كل شئ كسر للقيود التي فرضت حتى لا ينقطع الاتصال بين جانبي " السلك" (36) إن السكان يتحدثون يومياً مع اسرهم واصدقائم على الجانب الاخر من شريط حدودي عرضه 20متر ومحاطة بالأسوار المكهربة والاسلاك الشائكة وأبراج الحراسة التي يتظاهر السكان بتجاهلها. من المؤكد انه يجب الحديث بصوت عال حتى يتمكن الاخرون من السماع، لكنها وسيلة اخرى لتأكيد العزم والتصميم. وحين يكون هنالك حفلة عرس فأنه ينقسم الى شطرين متماثلين على جانبي الاسلاك الشائكة، لان السلطات المصرية و الأسرائيليه ترفضان منح تأشيرات دخول للمدعوين سواء كانوا من افراد الاسرة ام لا. ومع ذلك توجد انفاق سرية تحت الارض تم تشيدها لتربط بين البيوت الواقعة على جانبي الحدود، وهي وسيلة اخرى للحفاظ على الاتصال، بل وبما هو اكثر من ذلك اي بالسماح بعبور الرجال. والاسلحة والبضائع. وفي اثتاء الانتفاضة كثيرا ما اثير موضوع هذه الظاهرة التي يصعب تقدير مداها، والتي لاتزال موضع اهتمام السلطات المصرية وكذلك الاسرائيلية. وهكذا طلبت لجنة الدفاع بمجلس الشعب المصري في بداية عام 1995 هدم المساكن المحاذية للحدود في رفح للقضاء على التسلل عبر الانفاق (37) ومع ذلك يبدو ان الاجراءات لم توقف سيل المبادلات المتزايد. وليست لقصة رفح - التي لم تحظ باهتمام الاعلام بما فية الكفاية - قيمة بسبب تفرد هذه الظاهرة في مصر فحسب، بل وايضاً لما تكشف عنه من لامعقولية، حين ترغب السلطات في فرض نفسها فوق نظام يتجدد نشاطه عند اقل ثغرة.
- خاتمة
تتميز الفضاءات الحدودية بحساسية دقيقه وطليعيه للتغييرات الجغرافية. حيث تعتبر دراسة الحدود بمثابة قرون استشعار حقيقة للرصد الدولي، وتمثل منهجا مثمراً لاستشراف الحوادث والظواهر الرائدة وبشكل مبكر."(38) وفي هذا الفضاء الحدودي، يتم تخليق هوية خاصة نغترف مراجعها من مصادر متعددة : مصرية وفلسطينية و بدوية، وتكتسب معناها في دينامية تبادل تقوم عملية السلام اليوم بتجديد نشاطها. ويسمح هذا الاطار بفهم مواقف الفلسطينيين في هذه المنطقة على اختلافها.
اذا كانت كثرة المواقف والصور الناتجة للنزاع لاتنفي الحذر المتبادل بين الفلسطينيين و المصريين، فإن سياق هذه الدراسه الخاصه بأقليم صغير يبين وقائع خصوصية مشاعر هذه الفئة، لكنها ولدت القليل من مشاعرالعزلة والهامشية مقارنه مع الوضع الفلسطيني العام في مصر. ويبدو ان الاندماج - المصحوب اوغير المصحوب ببعض الرفاهيه - هو الصفة المميزة للفلسطينيين في المنطقة. ويتم هذا الاندماج بواسطة استراتيجيات تكيف مع الازمات والنزاعات، كما تلازمة نفعيه (برغماتية) واضحة تجاه آفاق السلام في المنطقة. وقد اتضح هذا الموقف في العريش بخاصة بعد توقيع اتفاقيات اوسلو عن طريق المظاهرة الوحيدة التي اقيمت في مصر لتأييد السلام.(39) ويبدو ان محدثينا يدركون نتائج الاتفاقيات بصورة ايجابية. ان وجود غزة على مقربة منهم يتيح لهم الانتفاع من شبكات المعلومات ومن التدفقات التجارية، دون ان يعيشوا المصاعب والصراعات اليومية التي نتجت عن اقامة الحكم الذاتي. بالاضافة الى ذلك فان الثقل العددي والاقتصادي للفلسطينيين في المنطقة يجعل لهم حضور مميز في المشهد الاجتماعي والحضري. وباستثناء مخيم كندا لايوجد "جيتو" فالتجار الفلسطنييون يعتبرون من عداد الاعيان المحليين. وبما ان الفلسطينيين يعرفون الاخر، مصريا او اسرائيليا،ً سواء كان ذلك عن طريق الممارسة او المعرفة فأنهم يقومون بدور حلقة وصل ؛ كما يتميزون ايضاً بالرغبة في التفاوض وفي الوصول الى حلول وسط. هذا بالرغم من المناخ الذي لايزال يتسم بالاجراءات الامنية سواء بعد "كامب ديفيد" او اتفاقيات الحكم الذاتي.
ان السيناريو الاكثر تفاؤلاً فيما يخص مصير الفلسطنيين يسمح لهم بالحرية في الاختيار بين البقاء حيث يقيمون او عودتهم في الاراضي التابعة للكيان الفلسطيني.(40) وفي حالة الفلسطينيين المقيمين في شمال سيناء يجب ان تتيح لهم حرية الاختيار -ليس الاجبار- المحافظة على دورهم كحلقة وصل وبخاصة عن طريق الاعتراف لهم بدورهم التاريخي وبأقدمية اقامتهم واستقرارهم. انهم يمثلون -بعد ان مضت ثلاثة اجيال- مكوناًاساسياً للهوية الاقليمية وعلى هذا يجب على مصر ان تأخذ في حسبانها الفلسطينيين المقيمين في العريش عند وضع مشروعاتها الخاصة بصيرورة المنطقة، وان تقوم بتسهيل اندماج الطاقة الاقتصادية الكامنه لدى هؤلاء السكان. هل سيبقى يعمل الفلسطينيين تحت رعاية قاصرين عن اخذ زمام مصيرهم ام سيعتبرون من الان فصاعداً فاعلين؟
ان العلم الفلسطيني يرفرف الان على الحدود جنباً الى جنب مع العلمين المصري والاسرائيلي...