البداية
قبل عدة سنوات ، كنت قد قرأت كتاب ( أحجار على رقعة الشطرنج ) للأدميرال الكندي (
وليام كار ) حيث يؤكد المؤلف في هذا الكتاب بالشواهد والأدلة سيطرة اليهود على
واقعنا المعاصر . بعد قراءتي لهذا الكتاب ، وبالنظر لما يجري على أرض الواقع ،
تملكتني حالة من اليأس والقنوط . فأحلامنا وأمانينا إذا ما سار الناس من حولنا على
هدي ما يُخطّطه وينفذه اليهود – وهم سائرون وما زالوا – أصبحت هباءً منثورا ،
وستسير الأمور إلى الأسوأ يوما بعد يوم حتى يرث الله الأرض ومن عليها .
لم
أكن أعلم آنذاك أن بعد كل هذا الكفر والظلم والفساد الذي استفحل في الأرض ، وأخذ
ينتشر في أرض الإسلام والعروبة انتشار النار في الهشيم ، بعد أن مُحيت آثار العيب
والحرام من مفردات قاموس أهلها ، ستظهر في آخر الزمان خلافة راشدة على منهاج النبوة
تُعيد هذه الأمة للحياة من جديد ، فأحاديث الفتن وما يكون بين يديّ الساعة لم تكن
معروفة للعامة قبل سنوات قليلة ، ولم تلق أي اهتمام كون الساعة بعيدة عنا – حسبما
نحب أن تكون – كل البعد . ومؤخرا بدأ كثير من الدارسين والباحثين ، يخوضون غمار ما
جاء فيها من أحاديث ، منبّهين لظهور الكثير من أشراطها الصغرى ومحذّرين من قرب
أشراطها الكبرى .
معرفتي بوجود تلك الخلافة ، التي ستقطع الطريق على أصحاب المؤامرة اليهودية
العالمية ، وتلغي أحلامهم بسيادة العالم من القدس ، كانت لي بمثابة الضوء في آخر
النفق ، تلك المعرفة الجديدة أعادت لي الأمل ، بعد أن تملكني الكثير من اليأس
والقنوط من أحوال أمتي العجيبة . اعترتني حالة من الفضول فأردت معرفة المزيد ، حيث
ساعدني حبي القديم للمطالعة ، فعدّت لمطالعة كل ما يقع بين يديّ من كتب على مختلف
مواضيعها ، من عقيدة وفقه وسيرة وتاريخ فضلا عن القرآن العظيم وتفسيره ، فتبين لي
أن العلم والمعرفة يهتكان الكثير من أستار الجهل بأمور الحياة الأخرى ، ويزداد
المرء بهما إيمانا ويقينا وصلة بربه وثباتا على دينه فازددت حبا للمعرفة والمتابعة
.
شملت مطالعاتي في تلك الأثناء ، بعض الكتب التي تناولت سيرة المهدي ، وأكثر ما حاز
على اهتمامي من هذه الأحاديث ، ما يتعلق بالمهدي وظهوره والمعارك التي سيخوضها .
وبعد تحليلي لتلك الأحاديث ومحاولة الربط فيما بينها ، تبين لي بأن دولة إسرائيل
الحالية لن تكون موجودة عند ظهور أمره ، وأن المهدي سيدخل القدس وبلاد الشام ككل
بلا حرب ، فتبادر إلى ذهني بعض التساؤلات ، التي كان لا بد لي من الإجابة عليها
بدافع الفضول في البداية ، وأهمها كيف اختفت إسرائيل قبل ظهور المهدي ؟ ومن الذي
كان سببا في اختفائها ؟
كنت سابقا أعتقد – كما كان وما زال – يعتقد عامة المسلمين اليوم ، أن الطريق إلى
تحرير القدس ستكون بالوحدة العربية ، وهذا بلا شك ضرب من الخيال ، أو بالعودة إلى
الإسلام وقيام الخلافة الإسلامية وهذا أيضا أمر بعيد المنال ، والواقع لا ينبئ بذلك
فاليهود الآن يسيطرون على مجريات الأمور ، أكثر مما نسيطر على زوجاتنا وأولادنا ،
فهم يراقبون ويُحاربون أي جسم مسلم أو عربي ، تحول من حالة السكون إلى الحركة ، وكل
المحاولات الإسلامية والقومية العربية النهضوية ، وُئدت واشتُريت وبيعت في سوق
النخاسة ، فلا أمل في المنظور القريب حسب ما نراه على أرض الواقع .
وأما إسرائيل فعلى ما يبدو أنها ستبقى جاثمة فوق صدورنا ، تمتص دماء قلوبنا وتعدّ
عليها نبضاتها ، لتثبت للعالم أننا ما زلنا أحياء ؟! والعالم يأتي وينظر ويهزّ رأسه
موافقا ويمضي مطمئنا ، نعم إنهم ما زالوا أحياء ! وكأن العالم ينتظر منا أن نموت أو
نفنى ، فيستيقظ يوما ما فلا فلسطين ولا فلسطينيون ، ليرتاح من تلك المهمة الثقيلة
والمضنية ، التي رُميت على كاهله – وكأنه بلا خطيئة اقترفتها يداه – كي يرتاح من
مراقبة طويلة لعملية احتضار شعب أُدخل إلى قسم العناية الحثيثة منذ أكثر من50 عاما
وما زال حيا .
وبالنظر إلى الواقع – قبل ثلاث سنوات – ولغاية هذه اللحظة ، فإنك تراه يقول بأن
إسرائيل ستبقى . ولكن الأحاديث النبوية الشريفة ترفض ما يقوله الواقع ، وتؤكد
زوالها قبل ظهور المهدي والخلافة الإسلامية ، ولكن كيف ؟ ومن ؟ ومتى ؟ وللإجابة على
هذه الأسئلة كان لا بد من البحث ومن هناك وقبل ثلاث سنوات تقريبا كانت البداية .
ما
يملكه عامّة المسلمين في بلادنا من معتقدات فيما يتعلّق بتحرير فلسطين ، يتمحور حول
ثلاثة عبارات تقريبا ، هي : أولا ؛ عبارة شرقي النهر وهم غربيه المشهورة لدينا
بين فلسطينيي الشتات ، وثانيا ؛ عبارة عبادا لنا ، وثالثا ؛ عبارة وليدخلوا
المسجد . والتفسيرات المعاصرة لهذه العبارات في مجملها ، حصرت التحرير بقيام
الخلافة الإسلامية ، حتى أصبحت من الأمور العقائدية ، ويؤمن بصحتها الكثير من الناس
إن لم يكن الأغلبية العظمى .
أما حديث لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود ويا مسلم يا عبد الله الذي غالبا ما
نتدواله ، فهو يتحدث عن مسلمين حقيقيين لن يتوفروا في ظل هذه الأجواء على المدى
القريب ، أو يتحدّث عن خلافة إسلامية ، ومما أعلمه أن الخلافة الإسلامية لن تكون
إلا بظهور المهدي ، وخلاف ذلك لم أجد في السنة النبوية من الأحاديث ما يشير إلى هذه
الفترة ، فهي مغيبة تقريبا إلا من حديث هنا أو هناك .
في
النصف الثاني من عام 1998م ، ومن خلال البحث الأولي في العديد من المصادر أمسكت
ببعض الخيوط ، التي قادتني بدورها إلى الآيات التي تحكي قصة العلو والإفساد اليهودي
في سورة الإسراء ، فطفقت أسبر معاني ألفاظها وعباراتها وتركيباتها اللغوية ،
فتحصلّت على فهم جديد لآيات هذه السورة ، يختلف تماما عن معظم ما تم طرحه سابقا ،
ومن خلال هذا الفهم استطعت الإجابة على معظم تساؤلاتي ، وتساؤلات أخرى كانت ترد في
ذهني ، بين حين وآخر أثناء كتابتي لهذا البحث .
عادة ما كنت أطرح ما توصلت إليه شفاها أمام الآخرين ، وغالبا ما كانت أفكاري تُجابه
بالمعارضة أحيانا بعلم وأحيانا من غير علم ، وغالبا ما كان النقاش يأخذ وقتا طويلا
، وكان هناك الكثير ممن يرغبون بالمعرفة ، كل حسب دوافعه وأسبابه الخاصة ، وكانت
الأغلبية تفاجأ بما أطرحه من أفكار ، فالقناعات الراسخة لدى الأغلبية ، مما سمعوه
من الناس أو وجدوه في الكتب ، والواقع الذي يرونه بأم أعينهم يخالف بصريح العبارة
ما أذهب إليه .
والمشكلة أن الأمر جدّ خطير ، فالواقع الجديد والمفاجئ الذي سيفرض نفسه خلال سنين
قليلة ، عندما يأتي أمر الله ولا ينطق الحجر والشجر بشيء ! كما كانوا يعتقدون سيوقع
الناس في الحيرة والارتباك ، لتتلاطم الأفكار والتساؤلات في الأذهان تلاطم الموج في
يوم عاصف ؛ ما الذي جرى ؟ وما الذي يجري ؟ وما الذي سيجري ؟
لذلك وجدت نفسي ملزما بإطلاع الناس على ما تحصّلت عليه ، وعلى نطاق أوسع من دائرة
الأقارب والزملاء . وبالرغم من محدودية قدراتي وتواضعها إلا أني حاولت جاهدا ، أن
أصهر كل ما توصلت إليه مما علّمني ربي في بوتقة واحدة . تمثّلت في هذا الكتاب الذي
بين أيديكم في أول محاولة لي للكتابة ، كمساهمة متواضعة في الدعوة إلى الله ونصرة
لكتابه الكريم قبل أن يوضع على المحك ، عندما يتحقّق أحد أعظم الأنباء المستقبلية
بشكل مخالف ، لما اعتادوا أن من آراء وتفسيرات كثرت في الآونة الأخيرة ، تتناول ما
تُخبر عنه سورة الإسراء من إفساديّ بني إسرائيل .
كما وحاولت جاهدا أن أقدم هذا الكتاب في أسرع وقت ممكن ، بعد أن تأخرت سنتين وأكثر
شغلتني فيها مشاكل الحياة الدنيا ومصائبها ، عن إخراج هذا الكتاب إلى حيّز الوجود ،
ومن ثم لأسعى لإيصاله إلى أكبر عدد من أمة الإسلام ، لعله يجد فيهم من يلق السمع
وهو شهيد .
فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي ولا حول ولا قوة إلا بالله
خالد عبد الواحد
20 / 07
/ 2001 ـ 29 / 04 / 1422
قال تعالى
( فَبَشِّرْ عِبَادِ ،
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ ، فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ )
( الزمر )
تعقيب
من
خلال ردود الأفعال الأولية لبعض الأخوة ، سواء من قرأ أو من لم يقرأ الكتاب ، وجدنا
أن الكثير من الناس تخلط ما بين أمرين ؛ الأمر الأول : هو كشف الغيب الذي لا يعلمه
إلا الله ، وهو ما لا ندعيه في كتابنا هذا ونعوذ بالله من أن ندعيه ؛ والأمر الثاني
: هو قراءة وبيان وتفصيل ما هو مكشوف أصلا في القرآن والسنة ، من علم الغيب مما
أوحى سبحانه وتعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام .
يقول سبحانه وتعالى ( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا
هُوَ ، ... ( 59 الأنعام ) ، ويقول ( قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ
يُبْعَثُونَ (65 النمل ) وقد جاء أسلوب النفي ومن ثم الإثبات في هذين الموضعين
ليفيد الحصر ، أي حصر علم الغيب بالله دون غيره ممن في السموات والأرض ، وهذا ما
يعلمه عامة الناس ويرددونه عن ظهر قلب ، وهذا مما لا خلاف فيه ولكن السؤال الذي
يطرح نفسه ، هل هذا الحصر مطلق ؟
فإن كانت الإجابة بنعم ، فما القول في الاستثناء الذي جاء في قوله تعالى ( وَمَا
كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ
رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ( 179 آل عمران ) وفي قوله ( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا
يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ،
… (27 الجن ) حيث استثنى سبحانه وتعالى الرسل عليهم السلام من تلك القاعدة ، إذ
يقول ( تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ، مَا كُنْتَ
تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا ، فَاصْبِرْ إِنَّ
الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49 هود ) ويقول ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا
إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ، مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا
الْإِيمَانُ ، وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ
عِبَادِنَا ، وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52 الشورى )
ليتبين لنا أن الله سبحانه وتعالى أطلع على غيبه من شاء من رسله ، وبذلك لم يحجب
علم الغيب بالكلية عن البشر ، والإتيان بالحصر ثم الاستثناء يفيد بأن مرد العلم
بالغيب أولا وأخيرا هو علام الغيوب ، وخاب وخسر من استقى علم الغيب من غيره .
أما ما كُشف للرسل فهو بعض من علم الله ، بما كان وما هو كائن وما سيكون ، مما
اقتضت الحكمة الإلهية كشفه للناس عن طريق الوحي ، وكثير من هذا الغيب مخطوط فيما
ورثته البشرية من كتب الأنبياء ، وفضلا عما جاء به القرآن من أنباء الغيب ، فقد
أخبر عليه الصلاة والسلام بالكثير من أنباء الغيب ماضيا وحاضرا ومستقبلا ، وأفاضت
الأحاديث النبوية في ذكر ما سيقع في مستقبل الأمة من فتوحات وفتن وابتلاءات ومحن
وأشراط وأمارات للساعة .
وأما قوله سبحانه وتعالى لرسوله الكريم ( قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي
خَزَائِنُ اللَّهِ ، وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ، وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي
مَلَكٌ ، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ ، قُلْ هَلْ يَسْتَوِي
الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50 الأنعام ) ، وقوله : (
قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ،
وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ ، لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ ، وَمَا
مَسَّنِيَ السُّوءُ ، إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
(188 الأعراف ) لا ينفي علمه عليه الصلاة والسلام لبعض الغيب ، وما قيل له ذلك إلا
ليجيب من يسأله عما لم يعلم من أنباء الغيب ، أو ما لا حكمة في الإخبار عنه مما علم
.
تميّزت النصوص النبوية التي تتحدث عن أحداث المستقبل ، سواء في القرآن والسنة أو في
التوراة والإنجيل بالتلميح لا بالتصريح ، فهي غالبا ما تصف الشخوص والأزمان
والأماكن والظروف والنتائج ، باستخدام عدة أساليب لغوية ، كالاستعارة والتشبيه
والالتفات والاعتراض وما إلى ذلك ، مما هو غير مألوف لأناس هذا الزمان ، وخير مثال
على ذلك هو ذكر اسم رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام في التوراة والإنجيل ( أحمد
) بالمعنى لا باللفظ ، وأحمد لغة هي اسم التفضيل من ( حمد ) ومعناها أحمد الناس أو
أكثر الناس حمدا ، مع أن اسمه - محمد - في الواقع جاء بنفس المعنى مع اختلاف اللفظ
.
والحكمة التي قد لا يدركها الكثير من الناس ، من عدم وضوح النصوص النبوية ، هو
بقاء نسبة ضئيلة من الشك ، لحرمان الناس ذوي العلاقة من الدافع لتعطيل مجريات
الأمور ، إذ لا بد للأسباب والمسببات أن تأخذ مجراها ، من حيث الزمان والمكان
والشخوص ، حتى تتحقق النبوءات كما تم الإخبار عنها .
ولنا في قصة فرعون مع موسى عليه السلام خير مثال على ما قد يفعله المجرمون لتعطيل
أمر الله ، عندما أمر بذبح مواليد بني إسرائيل كافة ، لمجرد رؤيا منام علم من
تأويلها ، بأن واحدا منهم سيكون سببا في تقويض أركان ملكه ، ورغم ما اتخذه من
إجراءات وتدبيرات احترازية لحرمان هذا الطفل من الحياة ، إلا أن مكر الله كان أعظم
وأكبر ، وبالرغم من قدرته سبحانه على منع فرعون من إيذائه دون تدخل بشري ، إلا أنه
أوحى لأم موسى بأن تتخذ من الأسباب ، ما هو كفيل بتحقيق المراد الإلهي .
هذا ما كان من أحد المجرمين والعتاة لمجرد رؤيا منام ، فماذا لو أتاه نص صريح بأن
الذي سيقوض أركان ملكه ، هو ذلك الطفل الذي سيأتي به اليم إلى قصره ، فهل كان فرعون
سيتخذه ربيبا ، أم ماذا سيفعل به ؟
وللناس من أمر النبوءات الواردة في القرآن والسنة مواقف شتى ، فمنهم من لا يرغب
بالفهم ، ومنهم من ليس لديه القدرة على الفهم ، ومنهم من يعتقد بأن لا جدوى من
البحث في أمرها ، ومنهم من يحاكمها بناء على أهواءه وأحلامه ، فيأخذ ما اتفق وينكر
ما اختلف . ولذلك تجد بعض الناس ، عند الحديث عن المستقبل ، يقول مستنكرا لا يعلم
الغيب إلا الله .
ونحن كمسلمين مطلوب منا أن نؤمن بالغيب المخبر عنه في القرآن والسنة ، لقوله تعالى
( الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ
(2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا
رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3 البقرة ) وأعظم الغيب هو وجود الله ، ونحن
وآباؤنا لم نعلم بوجود الله ولم نعرفه حق المعرفة ، ولم نعلم باليوم الآخر وما
سيجري فيه من بعث وحساب وثواب وعقاب ، إلا من خلال القرآن الموحى به من عند الله جل
وعلا إلى محمد عليه الصلاة والسلام ، وما دمنا آمنا بالله وباليوم الآخر من خلال
كتابه ، فما لنا لا نؤمن بما سواها من أخبار الغيب مما حواه هذا القرآن العظيم بين
جنباته .
يقول سبحانه وتعالى ( كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو
عَلَيْكُمْ ءَايَاتِنَا ، وَيُزَكِّيكُمْ ، وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ
وَالْحِكْمَةَ ، وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151 البقرة )
لم يُبعث عليه الصلاة والسلام فقط ليتلو علينا القرآن ، بل بُعث أيضا ليُزكينا
وليعلمنا الكتاب والحكمة ، وليعلمنا ما لم نكن نعلم من قبل ، لنخلص من هذه الآية
وغيرها من الآيات التي جاءت بنفس النص ، أن هناك شيء اسمه الحكمة ، يراد لنا أن
نتعلمه من القرآن والسنة ، لكل ما ورد فيها من تشريعات وحدود وأوامر ونواهي وأخبار
الماضي والمستقبل ، قررها سبحانه في أواخر الآيات وفي نهاية القصص كل حسب موضوعه .
ومن مجمل الآيات التي ورد فيها نبوءات مستقبلية ، تبين لنا وحسب ما تقرره تلك
الآيات أن هناك حِكما إلهية من الإخبار عنها ، وقد حُصرت هذه الحِكم الإلهية عموما
في أمرين :
أولا : أن معرفة الخبر قبل تحققه من القرآن أو السنة ، هي بمثابة زف البشرى للذين
آمنوا ونذير للذين كفروا ، من الذين يعايشون ظروف الحدث المخبر عنه . وهذا مما يملأ
نفوس المؤمنين بالأمل ، ويعطيهم الدافع للعمل ، دون كلل أو ملل ، ويلهمهم الصبر على
ما أصابهم من الأسقام والعلل ، ويملأ نفوس الكفرة والمنكرين الخوف والترقب والحذر ،
ويزيدهم تحديا وطغيانا وكفرا ، لدرجة أن يتحدّوا الله لينزل بهم ما يعدهم من العذاب
، كما هي عادة الجبابرة والظلمة والمفسدين في الأرض .
ثانيا : أن معاينة الحدث عند تحققه على أرض الواقع تماما كما ورد في القرآن أو
السنة ، سيكون بالضرورة سبب لزيادة إيمان المؤمنين بربهم وكتبه ، وزيادة في
اجتهادهم بعبادته ، وأما للذين كفروا فهو زيادة في قهرهم وإذلالهم ، رغم كل ما
أخذوه من إجراءات احترازية درءا ومنعا لأمر الله .
أما من يدّعي بأن لا حكمة ولا فائدة من الإخبار عنها ، وأن معرفتها على حقيقتها
يبعث في النفس اليأس والقنوط والتواكل ، فأولئك يقولون على الله ما لا يعلمون ،
لمخالفتهم لما اقتضته الحكمة الإلهية من الإخبار عنها ، ويدّعون بأنهم أكثر حكمة
وعلما من أحكم الحاكمين وأعلم العالمين .
وخلاصة القول : أننا لم نكشف شيئا من الغيب ، وما قمنا به لم يتعدى حدود القراءة
والتفكر والتدبر ، فيما أنزل رب العزة على رسله وأنبيائه من أخبار الغيب ، وبذلنا
ما وفقنا الله إلى بذله ، من جهد في فهمها واستيعابها وتفصيلها وتبسيطها وتقديمها
للناس بلغة يفهمونا ، وما لنا في ذلك من فضل ، إن الفضل إلا لله .
وفي نهاية الأمر ، وبعد مخاض عسير كان هذا الكتاب ، الذي نعرضه مجانا ونحاول جهدنا
إيصاله للناس في شتى بقاع الأرض ، ونشكر كل من ساهم في نشره ، وغايتنا سواء أصبنا
أو أخطانا هي نفع الناس في دينهم ودنياهم ، وإنما الأعمال بالنيّات ولكل امرئ ما
نوى .
وبضاعتنا في هذا الكتاب مستقاة من كتاب الله وسنة رسوله ، والناس أحرار في شرائها
أو الإعراض فصانعها بشري متهم ، حيث لا وحي يوحى بعد وفاة المصطفى عليه الصلاة
والسلام ، ولا نفرضها على أحد ولكن لا عليك إن اطلعت عليها ، فهي إن لم تنفعك فلن
تضرك في شيء ، مع يقيننا الشخصي بأنها لا تخلو من الفائدة ، بل فيها الكثير كما
أجمع معظم من حظي بقراءة هذا الكتاب ، وتذكر أنك حر فيما اعتقدت بشأن هذه البضاعة .
أما بالنسبة لمسألة تحديد موعد من خلال العد ، فهو نتيجة لعملية عدّ في كلام الله
ومن كتاب الله ، وما هو بقراءة في فنجان أو نظر في النجوم ، وما طرحنا الفصل الخاص
بهذه المسألة ، والتي قد تصيب وقد تخطئ ، إلا بعد أن تولدت لدينا قناعة ، بصرف
النظر عن المواعيد المطروحة في ذلك الفصل ، تقول بأن نهاية كل من إسرائيل وأمريكا
قريبة جدا جدا ، ومجريات الأمور سـتأخذ منحى مغايرا لما عليه الحال الآن ، وسيكون
التغير سريعا ومفاجئا ومضطردا ، بحيث تأخذ الناس حالة مستمرة من الخوف والترقب ربما
تدوم لعدة سنين .
أما ما نود قوله لقرّاء هذا الكتاب ، هو أن يأخذوا بأحسن ما في هذا الكتاب ، وأن
يتركوا ما هو دونه ، تماشيا مع ما أخبر به أتباع رسله الكرام ، في حق ما أنزله
عليهم من الهدي ، قال تعالى ( فَبَشِّرْ عِبَادِ ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ
الْقَوْلَ ، فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ ،
وأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (18 الزمر ) .
هذا ما قاله رب العزة في حق كتبه وما أنزل فيها من الهدي على رسله ، فما بالك
بقولنا في حق كتاب أنجزه عبد من عباد الله ، لا ولن يصل إلى حد الكمال مهما بذل من
جهد ، والعقل البشري له حدود وطاقات مهما بلغ من إبداع ، فإن أصاب في شيء أخطأ في
أشياء ، وكل إنسان في نهاية المطاف لدية قدر من الحكمة ، ليميز الغث من السمين فيما
قرأ أو سمع .
ونسأل الله أن يهدينا وإياكم سواء السبيل
15 / 3 / 2002م – 1 / 1 / 1423هـ
المؤلف

لابد من تحميل برنامج WInRAr
على الجهاز للاطلاع على الكتب
ان لم يكن لديك
اضغط هنا لتحميل البرنامج
|