تونس في 9 جويلية 2002

 

مواطن ضحية التوظيف السياسي  لـ"مطاردة الإرهاب"

مذكرة حول محاكمة جابر الطرابلسي

 

نظرت الدائرة الجنائية بالمحكمة العسكرية الدائمة بتونس يوم 26 جوان 2002 في القضية الاعتراضية عدد 12812 التي أحيل فيها المواطن جابر الطرابلسي الذي سبق   و أن قضى في حقه غيابيا بعشرين عاما سجنا من اجل "وضع النفس زمن السلم تحت تصرف منظمة إرهابية" و "التحريض على ذلك بقصد النيل من الأشخاص و الممتلكات" و "العمل على التحريض على الكراهية و التعصب الديني" طبق أحكام الفصل 123 من مجلة العقوبات العسكرية و 52 مكرر من المجلة الجنائية.

و قد بدأ لسان الدفاع بإثارة ما سجله بالجلسة السابقة التي انعقدت 19 جوان 2002 بتصريح المتهم بكون " الحكم ضدّه جاهز" مما يعكس شعورا بفقدان الثقة في المحكمة    و اليأس من العدالة و لاحظ لسان الدفاع أنّه يشاطر المتهم ذلك الشعور بعد تكرر المرافعات التي لا تجد لها صدى لدى المحكمة ثم أثار الدفاع فداحة الخروقات التي شابت إجراءات التتبع :

-   فالمعلوم أن جابر الطرابلسي كان اتصلّ بسفارة تونس بإيطاليا و طلب منها تمكينه من رخصة مرور تمكنه من العودة إلى أرض الوطن مما يؤكد قناعته ببراءته و بأنه لم يرتكب ما يوجب المؤاخذة سواء في حق الأشخاص أو الممتلكات.

-    إلاّ انه و عوض أن يقدم مباشرة إلى كتابة المحكمة لتسجيل اعتراضه على الحكم الغيابي الصادر ضدّه تمّ تحويل وجهته إلى إدارة أمن الدولة أين تمّ بحثه دون الحصول على إذن كتابي في ذلك عن المحكمة مما يعدّ مخالفة من البوليس السياسي لقانون الإجراءات.

-   كما ارتكبت المحكمة عدّة خروقات تمثلت بالأساس في سماعه دون حضور محام ثم في تعيين قاض مقررّ تولى هو الآخر سماعه دون حضور محام مما يشكل خرقا واضحا للقاعدة القائلة بوجوب إنابة محام لدى المحكمة الجنائية.

-      كما أشار لسان الدفاع إلى عدم اختصاص القضاء العسكري للنظر في القضية.

 

      أما فيما يتعلق بأصل التهمة فقد لاحظ لسان الدفاع أن الملف خال مما يؤيدها إذ لا

وجود لمنظمة إرهابية خاصة و قد تضاربت الأوصاف بين محاضر الشرطة و قرار دائرة الاتهام حول وجود نهج أو "تيّار" أو منظمة و أضاف لسان الدفاع بأن القانون لا يعاقب على القناعات أو المعتقدات و إنما على الأفعال في حين جاء بمحضر بحث المتهم قول الباحث حرفيا " فقد تلقيت تدريبا عسكريا بأفغانستان لاكتساب خبرات قتالية لتوظيفها لاحقا في المخططات المزمع القيام بها ضدّ المصالح التونسية بالخارج أو بالداخل " ( المحضر عدد 03 / 1 المحرر في 18 فيفري 2002 ) وهو ما جعل لسان الدفاع يؤكد على أن القضاء يحاكم الأفعال و ليس النوايا و أن المحاكمة اكتسبت صبغة وقائية بصورة مخالفة لأصول القانون.

كما لاحظ لسان الدفاع أن المتهم قد وقع ضحية التوظيف السياسي بعد صدور تصريحات عن المسؤولين بالبلاد حول "مقاومة الإرهاب" و قد تأكدّ ذلك من خلال إضافة فقرة بمحضر بحث المتهم نسب إليه قوله بأنه "استمع درسا ألقاه أيمن الظواهري مساعد بن لادن بأفغانستان".

إلاّ أن دفوعات لسان الدفاع لم يكن لها كالعادة أي صدى لدى المحكمة التي قضت بالإدانة        و السجن مدّة ثمانية أعوام و إخضاعه إلى المراقبة الإدارية مدّة خمسة أعوام بعد قضاء العقوبة.

و تكشف أطوار هذه القضية عن الدور الأساسي و المحرّك الذي تلعبه فرقة أمن الدولة بصورة مخالفة لأصول الإجراءات مما يجعلها قضية سياسية بالأساس في مراميها و طبيعتها أرادت من خلالها السلطة الإيهام بأنّها تساهم مقاومة الإرهاب الدولي جنبا إلى جنب مع الولايات المتحدة الأمريكية      و ذلك على حساب معايير المحاكمة العادلة و حقوق المتهم الشرعية.

 

 الأستاذ عبد الرؤوف العيادي

الكاتب العام للمجلس