الحنابلة والسياسة!!

سبق أن كررت حتى مللت أن كلامي ينصب على الغلاة منا نحن الحنابلة ولا أدعي التعميم أقول هذا صادقاً بل لا أعتبر نفسي إلا حنبلياً بحكم النشأة والتعليم والبيت والتلقي والطريقة في الاستدلال لكن هذا كله لا يمنع نقد الغلو أينما كان.

ونحن الحنابلة فينا منصفون معتدلون دعاة للكتاب والسنة وهؤلاء كثر والحمد لله، لكن الصوت العالي الغالي أبعد صدىً وأقوى أثراً ـ كما يقول الشيخ جمال الدين القاسمي ـ فيظن الظان أننا كلنا غلاة وهذا غير صحيح.

لا بد أن نعترف أن فينا غلاة، والاعتراف بداية الحل، فالغلو قد أنكره النبي (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) على بعض أصحابه عندما عزم بعضهم أن يصوم فلا يفطر أو لا يتزوج النساء أو يقوم كل الليل ولسنا أفضل من الصحابة.

بل كل طائفة من طوائف المسلمين فيها معتدلون وفيها مغالون، وعندما ننقد الحنابلة إنما نقصد غلاتهم لا معتدليهم، فنحن نـزعم أننا من هؤلاء المعتدلين، وإن لم يستوعب غلاتهم أن ننتمي إليهم وننقدهم، فليتذكروا أن المؤمن الحق ينقد نفسه، والانتساب للنفس أولى وأبلغ من الانتساب للمذهب مع أنه لا يجوز الانتساب المطلق إلا للإسلام أما الإنتساب النسبي فيجوز أن تقول أنا شافعي أو حنبلي مثلما تنتسب لجامعة معينة أو مدرسة معينة فيجب التفريق بين انتساب الجاهل وانتساب العاقل فالجاهل يرى أن مدرسته وقبيلته وأسرته هي الخير المطلق الذي لايشوبه شر والحق الذي لايجوز عليه الخطأ والكمال الذي لا يلحقه النقص!! فهؤلاء الجهلة لا يعقلون النقد الذاتي لا للنفس ولا للمدرسة، ولا المذهب ولا القبيلة.

إذن فأنا أقول هذا الكلام لمن يعقل فقط فأنا أدري أن بعضهم قد تعود التشكيك في كلام الآخرين المختلفين معه، وهذا من الغلو أيضاً؛ لأن الغلاة من شأنهم أنهم لا يصدقون المختلفين معهم في الرأي ولو صدقوا لزال الاختلاف، لكن لا يهمني هنا إلا أن أعلن هذا لمن يعقل وينصف لأنني علمت أن هناك من يرجع نقدي هذا ويفسره تفسيرا غير صحيح وليس كلامي هذا للمبرمجين الذين يشكون في كل أحد من حولهم فضلاً عن البعيدين عنهم.

أعود فأقول: يحاول البعض الاصطياد في الماء العكر بزعمه أن نقد غلاة الحنابلة أو غلاة السلفية هو نقد للدولة (المملكة العربية السعودية) وبهذا الربط يستطيع هؤلاء تحقيق أكثر من هدف فيظهرون أنفسهم بمظهر الشفيق الناصح!! وفي الوقت نفسه يحمون الأخطاء الموجودة في تراثنا الحنبلي التي يجني منها الواحد منهم مصالح كثيرة كالاحتفاظ بهذا المخزون المعرفي من المعلومات التي تحفظ له المكانة العلمية والاجتماعية ولو كانت قليلة إذ أن قليلا منها خير من عدمها!! والأمر الأخير إشباع غريزة إيذاء الآخرين باستعداء الدولة على كل باحث في بلاد الحرمين يحاول القراءة النقدية لهذا التراث!!.

وغلاة الحنابلة ـ على مر التاريخ ـ يظهرون للسلطات بأنهم مع السلطة وبأن من خالفهم فقلبه معقود على الثورة والخروج على ولي الأمر!!. متناسين أن من عقائدهم المدونة أنهم لا يعترفون بإمامة غير القرشي إلى قيام الساعة، ومتناسين ثوراتهم وإزعاجهم للسلطات التي تخالفهم مما هو مدون في التواريخ!! بل لو استعرضنا أحداث الدولة السعودية الثالثة لوجدنا لغلاة الحنابلة أكثر من ثورة!! تمنعنا المروءة والشيم عن الولوغ في هذا المستنقع من الاستعداء والانتهازية وتفصيل تلك الأحداث وأسبابها وأصولها الفكرية داخل المنظومة الحنبلية مع أنني قد لقيت من هؤلاء ما لا يتصوره عاقل من دس وتشويه ونـزول لمستويات أشقياء الأطفال في المدارس الذين يذهبون للأستاذ أو المدير مستعدينهما ضد أطفال آخرين بالكذب والتشاهد على الزور ..

لكن الحق يقال فالحنابلة في الجملة أصحاب طاعة لولاة الأمر لكنها غالبا ما تتداخل مع ما فيه مصلحة خاصة لهم سواء كانت المصلحة دينية مذهبية أو مادية أو وجاهة أو حب للعلو في الأرض وفي أحسن الأحوال فهي طاعة دون فاعلية إيجابية فإن السلطات إن احتاجتهم في حوار مع آخرين أو بحوث تنفع الأمة أو مناظرة علمية مع مخالفين لا تجد منهم من يصلح لهذا الأمر أو ذاك هذا في الجملة لأنهم يخشون من الحوار والمناظرات ويجعلون كل هذا من الأمور المنهي عنها ومن الجدل المحرم!!

 ثم على التسليم أنهم من حيث الجملة أصحاب طاعة فهذا ليس خاصاً بهم بل كل العقلاء من سائر الطوائف إن استخدموا عقولهم استخداماً صحيحاً فلن يختاروا بديلاً عن الطاعة والتعاون مع أي سلطة في العالم فيما فيه خير للإسلام والمسلمين فضلا عن الطاعة و التعاون مع الحكام المسلمين ـ فضلا عن حكام هذا البلد ـ لكن التعاون الذي يخدم الصالح العام للأمة وليس ما يفعله البعض ـ مخادعا ـ تحت شعار (التعاون على البر والتقوى)!! بينما فعله في الواقع (تعاون على الإثم والعدوان والظلم والكذب باسم هذا الدين )!!

وليأذن لي القارئ الكريم أن أضرب مثلاً بنفسي مع هؤلاء الأخوة، فمن خلال التجربة الشخصية وجدت أن أمضى سلاحين يستخدمونه ضد المخالف لهم في الرأي أن يتهمونه بإحدى تهمتين إما يتهمونه بأنه على غير (عقيدة سليمة) أو أنه ضد الدولة!! وقد يجمعون بينهما!! والواحدة منهما تكفي لأشياء كثيرة!! وهذه كما قلت تشبه خصومات الأطفال واستعداءاتهم. ولا أدري كيف نتفاءل بمستقبل العلم إذا كانت هذه الأمراض موجودة.

على أية حال: لا يهمني أن أطيل في هذا وإنما يهمني أن أنبه الإخوة سواءً المتفقين معي أو المختلفين إلى أهمية الابتعاد عن استغلال الدين في الخصومات والشكاوى الكيدية!! حتى لا يتشوه هذا الدين بأمراضنا وأطماعنا وحبنا للعلو في الأرض والفساد!!‍‍‍.

كما أدعو الأخوة جميعا إلى تحديد مرادهم بالمصطلحات التي يرددونها فلا يجوز أن ندعو لشيء سواءً خلقاً أو منهجاً أو مذهباً إلا ونحن على علم بمدلوله .

 وعلى سبيل المثال: يدعو أحدنا للمنهج السلفي وآخر يدعو للدعوة وثالث يدعو للتنظيم ثم تكتشف في الأخير أن هذه تحزبات وعصبيات لا تتفق مع رحمة الإسلام العامة واحتوائه لجميع المسلمين وجمعه لشملهم .

فلو يضبط الواحد من هؤلاء مراده من هذا الأمر أو ذاك لكان أفضل والغريب أن كل طائفة من هؤلاء يتهم الطرف الآخر بأنه متحزب ويذهب لسرد الأدلة على كلامه . وهم ينسون عند الدعوة لمثل هذه المناهج أن التطبيق يختلف عن النظريات بل يوجد داخل كل تيار عدة مفاهيم للنظرية والتطبيق.

فالسلفي الذي يدعو للسلفية يظهرها وكأنها متفقة نظرية وتطبيقا بينما في الواقع أن لها أكثر من تطبيق مع تناقض في هذه التطبيقات ولها أكثر من رؤية متناقضة وليست السلفية موحدة الآراء والاتجاهات والمواقف حتى ينسب الشخص نفسه لجميع هذه الاتجاهات المتناقضة.

إذا كانت السلفية ما كان عليه النبي (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) وأصحابه من المهاجرين والأنصار فيجب أن نكون كلنا سلفيين منهجاً لا اسماً مثلما نقول إذا كان التشيع محبة الإمام علي وأهل بيته فيجب أن نكون كلنا شيعة منهجاً لا اسماً وإذا كان حب الدعوة إلى الله والأخلاق والفضائل يجعلنا تبليغيين فنحن كذلك، وإذا كان حب التنظيم يجعلنا من الأخوان فنحن إخوانيون وهكذا...

إذن فالقضية التي يجب أن نعرفها ـ كحنابلة أو سلفيين ـ أن سلفية ابن بطة والبربهاري غير سلفية المهاجرين والأنصار!!

 والذي يجب أن نعرفه ـ كإخوان ـ أن النظريات الإخوانية غير التطبيق المصحوب بالتعصب للأشخاص واتهام من ليس منهم بأنه مشكوك فيه!!

والذي يجب أن نعرفه ـ كجماعة تبليغ ـ أن دعوة جماعة التبليغ لسنة النبي (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) لا تجتمع مع الأحاديث الموضوعة والإسرائيليات التي يرددونها في خطبهم ومواعظهم.

كما أن طاعة الدولة والنصيحة لها و الوقوف معها ومناصرتها بل وخدمتها لا تعني تلك الانتهازية التي يفعلها البعض مع الدولة ويستخدم علاقاته للإضرار بالآخرين وتحقيق مكاسب شخصية زاعماً أن فعله لخدمة الدين والعقيدة!! كفى بالله عليكم هذا اللعب فقد صرنا أضحوكة للتاريخ!!.

 

فالمعية مع الدولة يجب أن تكون تلك المعية الإيجابية التي تثني بحق وتنقد باعتدال وحرص على الإصلاح لكن هذه المعية والتقدير والدفاع عن الدولة ورموزها لا يعني أن يكون الشخص مبررا لتقصير بعض الجهات الحكومية و حدوث التقصير أو هذه الأخطاء طبيعي جداً، لكن الاستمرار في هذا التقصير أو الخطأ ليس طبيعيا أو لا يجوز أن يستمر أما من حيث الأصل فكل جهاز لا يخطئ فإنه لا يعمل، ونقد التقصير في هذه الوزارة أو هذه الجامعة أو الإعلام لا يعني نقد الدولة فهذا غير هذا، فالعمل والخطأ متلازمان، ونقدي لجهاز حكومي كالمديرية العامة للمطبوعات في المملكة([1]) مثلاً لا يجعلني أشكك في عدالة هذا الجهاز والقائمين عليه من حيث الأصل وإنما أرجع هذا النقد إلى افتقاره للضوابط والمعايير المدونة الواضحة التي تكون في أيدي المعنيين من أبناء الوطن أو غيرهم فلو وجدت تلك المعايير لأراحتنا وأراحت المديرية من الإحراجات المتبادلة (وأنا خصصت المديرية بالذكر لأن لي معهم تجربة مراقبا ومطالبا)!!

الدولة ـ أي دولة ـ بحاجة أن تفتح حرية البحث العلمي النـزيه المنصف البعيد عن التجريح الشخصي أو الاستغلال السياسي.

يجب على الدولة ـ أي دولة ـ أن تقطع الطريق على الانتهازيين وتساير التطورات السريعة في التعليم والإعلام والإدارة والمعلومات فلم يعد لمراقبة كل المؤلفات والمطبوعات معنى مفيد إلا المطبوعات التي تنال من الدين نيلاً واضحاً أو تنال من سياسة البلد نيلا مضراً مباشراً وهذا يمكن معرفته بسهولة لا تستوجب كل هذه الأجهزة وهذه التحفظات والأسرار والتقارير والوقت والجهد الكبير والمبالغ الكبيرة التي يجب أن يستفاد منها وتوظف في غير هذه الأمور التي هي من باب تحصيل الحاصل فالثقة في النفس تستدعي التخلي عن الاحتياطات والتحفظات المبالغ فيها، فقوة الدولة ـ أي دولة ـ تتجلى في البعد عن مثل هذا والتركيز على ما يستحق البحث والتعب والتخطيط ولا أظن دولتنا وفقها الله إلا سائرة نحو هذا إن شاء الله إذ قد بدت بوادر هذه المحاسن تظهر على ألسنة المسئولين ـ كان آخرها حديث سمو وزير الداخلية الأمير نايف لصحيفة السياسة الكويتية.

إذا اجتمع عقلاء المواطنين على الاهتمام بأصول الإسلام الجامعة (من أوامر ومنهيات .) مع ترك التحزبات السياسية والمذهبية وأطاعوا ولاة الأمور في طاعة الله فيبقى الاختلاف في الأمور الأخرى اختلافا هينا.

 إذ أن ما سوى ذلك من الاختلاف في وجهات النظر السياسية والفقهية والحديثية والتاريخية والفكرية بشكل عام يجب أن نقفز جميعاً فوقها لنواكب التحديات المعاصرة ونعرف كيف نتعامل التعامل الإيجابي مع هذا التطور الهائل والتغير السريع الذي يجوب العالم .

أنا لا أرى معنى لمنع كتب الأشاعرة والشيعة والإباضية وغيرهم من المسلمين من دخول المملكة في ضوء هذا التفجر المعرفي.

بل إن التناقض يبلغ عندنا ـ في مراقبة المطبوعات ـ مبلغاً عظيماً عندما نسمح بدخول كتب ملحدين ونصارى ويهود ولا نسمح بكتب المسلمين!!

فهذا التناقض نتيجة طبيعية لعدم وجود معايير واضحة يتحاكم إليها الجميع، إذ أصبح منع الكتب يخضع للاجتهاد الشخصي والانتقاء والاتصال الهاتفي وليس للمعايير والضوابط.

إن هذا قد يسيء ـ بدون قصد ـ لسمعة المملكة فيقال عنا إننا متناقضون جامدون متعصبون ضد المسلمين منفتحون مع الكفار جامدون نعادي الفكر والبحث...الخ.

والأمر ليس معاداة ولا جمود المسألة بحاجة فقط لمعايير واضحة تفصيلية بعيدة عن الازدواجية تكون مقرة من قبل مجلس الشورى أو من المجلس الأعلى للإعلام أما أن يقتصر مثقفونا على الطباعة الخارجية فقط مع دخول كتب المثقفين من الدول الأخرى التي فيها من الملحوظات ما هو أعظم فهذا أمر مؤلم:

أحرام على بلابله الدوح       حلال للطير من كل جنس؟‍‍!

نحن أبناء هذا الوطن ولنا الحق جميعاً أن ننقل الأشجان والأحزان والأفراح والهموم العلمية والفكرية جميعاً ونعبر عنها بالمقال وبالكتاب ما دام أننا مجمعون ـ إلا المصابون في عقولهم ـ على الوقوف خلف قيادتنا وحكام أمرنا وقوفاً إيجابياً ـ أيضاً ـ لا سلبياً، ذلك الوقوف المقترن بالنصيحة الهادئة العلمية الصحيحة التي من شأنها رفع سمعة هذا الوطن، فنحن ـ أبناء هذا البلد ـ الواجهة الثقافية لهذا الوطن وكل إنتاج جاد ـ وإن خالطه الكثير من التقصير ـ فهو يعطي إضافة لثقافة هذا البلد الذي تكلل عاصمته بالثقافة الألفية، فلا يجوز أن تكون الرياض عاصمة للثقافة عام 2000م ومثقفو الرياض لا يستطيعون بث أشجانهم ورؤاهم وأفكارهم ما دامت هذه الأفكار والرؤى تسير وفق ديننا العظيم ووفق التلاحم الإيجابي ـ لا السلبي ـ مع حكومة هذا البلد بقيادة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين.

ونحن نعلم أن الدولة وفقها الله لا ترى التعصب لفرد من الأفراد سوى للنبي (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) ولا ترى مذهباً أولى بالاتباع من مذهب الصحابة من المهاجرين والأنصار ومن سار على نهجهم.

وليست ضد مذهب من المذاهب ولا طائفة من الطوائف وإن اختارت لها منهج السلف الصالح فهي ـ جزماً ـ لا تريد ذلك السلف الذي انتشر في أقواله التكفير والتبديع ... وإنما تريد منهج السلف الحقيقي البعيد عن هذه المخالفات الشرعية.

الذين يحاولون أن يلصقوا بالدولة الدعوة للمذهبية الضيقة يسيئون للدولة، الدولة ـ بحمد الله ـ أوسع أفقاً من هذا بكثير وعلاقاتها (الإسلامية) قائمة مع الإباضية والشيعة والسنة والمذاهب الفقهية جمعاء.

وللأسف أن سمعتنا في العالم الإسلامي قد تشوهت أحياناً بل في كثير من الأحيان وعند كثير من المسلمين بسبب هذا الضيق المذهبي إذ نعد من خالفنا بين الشرك والبدعة!! ونرى عيوب غيرنا ونتناسى ما يوجد داخل كتب العقيدة عندنا!! فهذا أساء لسمعتنا حكومة وشعباً وعلماء مع أن هذا الضيق لا يوجد عند المسئولين ـ حقيقة صحيحة لا مجاملة فيها ـ وإنما يوجد عند بعض المنتسبين إلى العلم ممن يسيئون ـ عن جهل وحسن نية ـ لعلم وسمعة وإنصاف هذا البلد حكومة وشعباً وعلماء وطلاب علم... ومن خرج للدعوة في الخارج عرف هذا تماماً وعرف أن السمعة السيئة لنا عند بعض المسلمين لم تأت من فراغ كما أن السمعة السيئة عن الشيعة مثلا لم تأت من فراغ فكل هذه السمعة أو تلك لها ما يبررها للأسف .

إذن فلنتق الله ولنحسن منهجنا وعلمنا لنحسن السمعة اللائقة بالعلم والحق لا بالباطل والمجاملات، وقبل أن نتهم الآخرين بالحقد علينا يجب أن نحسن الظن فيهم ولا نتهمهم بالمروق من الدين.

إذن فالدولة كما قلت لا دخل لها بهذا فهي متواصلة مع جميع المسلمين، أما علاقاتها مع الدول غير المسلمة فتقوم على أساس (المصالح) لا على أساس (الإخاء الديني) فهذا بحمد الله واضح ولولا خشيتي أن يستغل بعض الخصوم هذه المحاضرة لتشويه مقصدي وحبي للإصلاح لما ذكرت هذا أبداً لوضوحه لكل عاقل.

الدولة تدرك أن من مصلحتها الكبرى التصالح والتقارب مع جميع المسلمين بغض النظر عن مذاهبهم العقدية والفقهية.

والنظام الأساسي للحكم لم ينص على مذهب من المذاهب وإنما نص على كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وعلى آله وسلم).

وأظن العقلاء من العلماء والمفكرين والباحثين مع الدولة على هذا الطريق الذي هو الخيار الاستراتيجي لمستقبل أفضل بعيداً عن (التخاصم المذهبي) الذي لم نجنِ منه ـ كما لم يجنِ منه خصومنا ـ إلا الضعف والتفرق وزرع الاحراجات والتوتر بين المسلمين بل وداخل المجتمع الواحد.

لكن هذا ليس محزناً إن استفدنا من التجارب السابقة وأظن جميع المسلمين اليوم والحمد لله يلجأون للاستفادة من التجارب فقد وضع المتحاربون السلاح في الجزائر ومصر ولبنان والمغرب واليمن وغيرها من البلدان العربية الإسلامية وأصبح الناس في هذه الأيام يعرفون قيمة الاستقرار والهدوء والتنازل من أجل مصلحة الأمة والاعتصام بحبل الله والتجمع على الأساسيات وترك مساحة للحوار والعقل والاختلاف المشروع وأنا متفائل بأن المستقبل أفضل وأن العقلاء يزدادون يوماً بعد يوم في وطننا الإسلامي الكبير وفي وطننا الخاص ـ وطن الحرمين الشريفين ـ 0

نعم نحن بحاجة للهدوء وبحاجة إلى البحث والتواصل والإنتاج والتسامح مع بعضنا وهذا كله لا يمنع من النقد الهادئ المنصف.

أقول: مع هذه الصراحة والشفافية والبياض الناصع الفطري لا أستبعد أن يقوم الانتهازيون ـ كالعادة ـ بتشويه المقاصد وبتر الأقوال لتصل هذه الصورة عن الشخص وأفكاره مشوهة أصلاً ومبتورة ومفسرة تفسيراً سيئاً فقد رأينا حصول مثل هذا لنا ولغيرنا لكنه في تلاشٍ والحمد لله ونحن نرجو أن يكون البقاء للأصلح والأنفع والأنصع والأوضح والأكثر فائدة لنا جميعاً ولمستقبلنا ومستقبل أجيالنا.

وأخيراً أقول صادقاً ـ إن شاء الله ـ (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت) وما التوفيق إلا من عند الله عز وجل.


 

([1]) هذه المديرية معنية بمراقبة المطبوعات، فلا يطبع كتاب في الداخل ولا يصل كتاب من الخارج إلا بعد إذن رسمي من المديرية التابعة لوزارة الإعلام.