الغاضب

 

 

كانت الساعة تقترب من الخامسة مساءاً والشمس تكاد تختفى خلف بعض مبانى المقابر العالية بالنسبة الى بقية المقابر ، وعند أحد شواهد القبور كان يقف رجلاً وفتاه صغيرة لا يزيد عمرها عن السنوات الأربعة.

كانت الزهور التى القتها الفتاة الصغيرة على القبر من نفس النوع الذى يلقيه الناس عادة ، ولكن على عكس الزيارات التى يقوم بها عادتاً أهل الموتى لموتاهم فى المقابر كان هذا الرجل، مع الفتاة الصغيرة، يقفان...

فقط يقفان من دون ان يبدو عليهما اى من امارات الحزن التقليدية...

لم يكن هناك قارئأ للقرآن ..

لم يكن هناك نحيب أوعويل..

فلم يكن الرجل حتى باكياً بل لقد كان فقط شارداً بعمق وعيناه تكاد تخترقان القبر ببصره ليرى الجسد المسجى تحته ، ولم يخرج من شروده هذا سوى على صوت الفتاة الصغيرة وهى تقول له فى براءة عادية جداً من فتاة فى مثل سنها :-

- هو احنا هنيجى لماما هنا كتير يابابا ؟

تحركت عينا الرجل من على القبر الى الفتاة الصغيرة ببطء قبل ان يقول فى صوت هادئ يتناسب مع ملامح وجهه الحزينة :-

- آه هنيجى لماما كتير ، هو انت مش عاوزة تيجى لماما ؟

الفتاة :- بس احنا بنيجى كل مرة من غير ما نشوفها ، هو احنا مش هنشوفها تانى ؟

هنا جثا الرجل على ركبتيه وهو ينظر فى عينى الفتاة الصغيرة مباشرة وعيناه تترقق فيهما الدموع وهو يقول لها فى صوت بدا عميقاً جداً :-

- إحنا عمرنا ما ها ننسى ماما ...

ثم اشار الى قلب الفتاة وهو يتابع حديثة قائلاً :-

- ماما موجودة هنا ، ماما هتفضل موجودة هنا على طول .. عمرنا ما ها ننساها ..

هنا إنسابت بالفعل دمعة ساخنة جداً من عينى الرجل فلم تتمالك الفتاة الصغيرة هى الأخرى نفسها وانسابت من عينيها الدموع بغزارة بخلاف الأب الذى لم تتكرر منه الدمعة الساخنة مرة اخرى ،فما كان من الأب سوى ان أحتضن الفتاة الصغيرة بقوة وهو يستمر فى حديثه ذو الشجن قائلاً :-

- إذا كنت عايزة ماما تبقى مبسوطة منك إعملى كل إللى هى كانت عاوزاه منك ..

قالت الفتاة الصغيرة وهى تكاد تتوقف عن البكاء :-

- حاضر يابابا انا هأعمل كل حاجة هى كانت عاوزاها .

قالت الفتاة ذلك وهى لا تدرك حتى ما هو الذى كانت تريده منها امها ولكن حالة الحزن التى كان عليها الأب دفعت الفتاة الصغيرة ذات الأربعة سنوات ان تفعل كل ما تستطيع لكى تخفف عن الأب أو لكى تهرب من حالة الحزن التى عليها الرجل .

 

*******************************

 

كان قرص الشمس الأحمر يتوسط الشارع الضيق المحاط بالمقابر من الجانبين والرجل والفتاة يسيران جنباً الى جنب ، كانت الفتاة وكأنها قد نسيت الحالة الحزينة التى كانت عليها منذ قليل تكاد ان تتقافز فى مشيتها وهى ممسكة بيد ابيها ، فى حين كانت خطوة الأب هادئة بطيئة تتماشى مع حالة الحزن التى لا تفارقه ابداً .

لم يكن الرجل سوى مهندس نشيط فى عمله ، كان قد تزوج من زميلته التى ارتبط بها فى اثناء الدراسة بالكلية ، وعلى الرغم من انه كان لا يعترف بالحب المطلق عموماً إلا انه كان مؤمن تماماً بأن هناك السعادة الغامرة و التى ينبغى ان تكون الهدف الأول لكل الناس ، وكم كان هو سعيداً بالفتاة التى اختارها لكى تعيش معه بقية حياته وكم كان سعيداً وهو يرى قصتها معه تسير بسلاسة عكس معظم القصص التى عاشها اصدقائه ومعارفه ، وكم كان سعيداً بحب الفتاة له وكم كان سعيداً بها وبجمالها وشخصيتها الهادئة القوية ، لقد ايقن بعد الزواج منها انه بالفعل محظوظ أن نال هذه الفتاة ولعله كان قد بدء يؤمن بالحب مع ميلاد طفلته الجميلة ..

ولكن ..

يبدو وكأنه لم يكن محظوظاً الى هذه الدرجة ..

وكأنما ارادت الدنيا ان تتأكد انه لن يؤمن ابداً بالحب..

ففى لحظة تحولت حياته من الجنة السعيدة الى الجحيم الكامل ..

فقد ضاعت منه الزوجة والحبيبة والسعادة ..

ماتت فى ثانية وامام عينيه..

سيارة فارهة يقودها شاب مستهتر خالفت قواعد المرور بل وقواعد الحياة نفسها عندما صعد قائدها فوق الرصيف الذى تسير عليه الزوجة وزوجها ، كانت الصدمة قوية فطارت لأعلى ولم تهبط إلا جسد، فقد استمرت الروح فى الأعلى ولم تهبط ثانية ابداً.

على الرغم من هذا الحادث كان قد مر عليه عامان إلا انه لم ينسى ابداً، لم ينس الفتاة الجميلة التى كانت السبب الأول فى سعادته ، لم ينسى الولد الطائش القاتل والذى لم تثبت عليه تهمة القتل حتى الأن ،لم ينسى ان هناك فتاة صغيرة فقدت امها قبل ان تعرف حتى معنى ان يكون لها ام ، لم ينسى ان الحياة كانت فى منتهى القسوة عندما اختارت فتاته هو بالذات لكى تموت الأن ، لم ينسى ابداً ..

لم ينسى أى شئ ..

ولن ينسى ..

فهو لا يؤمن بالحب .. ولكنه يؤمن بالسعادة ، ويعرف انها قد انتزعت منه عنوة وهذا ما لن ينساه ابداً

أنتبه الأب عندما وجد ان الفتاة الصغيرة تجذبه من يده بشدة عندما بدا انه سوف يعبر هذا الطريق السريع وهو على هذا الشرود ، أبتسم فى وجه الفتاة الصغيرة ابتسامة فاترة وكأنها مكافأة لها على انتباهها الى الطريق قبل ان تقول له الفتاة :-

- انت اللى دايماً تقولى لازم اخد بالى وانا بعدى الشارع ..

أستمر الأب على نفس الأبتسامة وكأنه يصر على انها هى فقط المكافأة التى تستحقها هذه الفتاة الصغيرة .

كانت سيارة صغيرة تلك التى ترجل منها الرجل مع ابنته امام البناية التى يسكنان بها، كانت السيارة تدل على ان اصحابها ليسوا اثرياء ولكنها لم تكن تشير من قريب او بعيد ان كانوا سعداء ام لا ، على كل الأحوال لم يكن هناك ما يشير الى ان الرجل وابنته من الأثرياء فحتى الحى الذى يسكنان فيه ليس من الأحياء الراقية وان كان غير شعبى أيضاً ، فقد كان من هذه الأحياء التى تقع فيما بين الدرجتين، فهذه القهوة الشعبية والتى يراتادها الكثير من العمال فى الشارع تدل على ان هناك مساحة من الشعبية فى المنطقة ولكن العمارة العالية التى يسكن فيها المهندس وابنته والتى يبدو عليها الأناقة كانت تصلح تماماً لأن تكون موجودة فى حى راق .

 

****************************

 

القى المهندس بنفسه على الأريكة المريحة فى مدخل الشقة وهو يقول للفتاة الصغيرة ابنته :-

- يالا .. خشى أوضتك وغيرى هدومك علشان نتعشى ..

الفتاه :- بس انت كل يوم تخلينى انا اتعشى وانت لأ !!

الأب فى نفاد صبر :-

- يللا بقى من غير كتر كلام ..

هنا ادركت الفتاة الصغيرة ان اباها فى حالة مزاجية لا تسمح لها بالكلام معه فآثرت ان تستجيب له ، خاصة وان هذه الحالة المزاجية للأب أصبحت هى الحالة المعتادة له عكس ما كان منه فى وجود الأم حيث كان بأستمرار فى حالة سعادة ، مما حدا بالفتاة الصغيرة ان تتمتم وهى متجها الى غرفتها قائلة

- ياريتك موجودة ياماما ..

فى هذه اللحظة ارتفع رنين الهاتف فألتقط الأب السماعة قائلاً :-

- الو..

........

- لأ انا كنت برة ولسه جاى دلوقت .. خير فى حاجة ؟

........

الملف موجود على مكتب مروة من امبارح ..

.......

- بمجرد ما حضرتك قولتلى على الموضوع انا اشتغلت فيه وسبته امبارح فى الشركة خلصان ..

....

- انا متأكد انه على مكتب مروة .. ممكن حضرتك تشوفة على المكتب وانا مستنى على السماعة ..

( بعد ثوانى طويلة )

........

- آه .. ماهو انا بقول لحضرتك انا متأكد انه هناك ..

........

- على كل الأحوال الحمد لله انك لاقيته ....

....

- مع السلامة .

فى هذه اللحظة كانت أميرة قد خرجت من غرفتها بعد غيرت ملابسها وعادت الى ابيها ، نهض عماد متجهاً الى المطبح ليعد الطعام للصغيرة ، وعلى الرغم من ان المنزل كان يخلوا من المرأة منذ ما يزيد عن العام إلا انه كان منظم ومرتب بصورة واضحة تماماً مما يؤكد انه على الرغم من الحزن الشديد الذى مازال يعانى منه عماد إلا ان هذا لم ينل من قدرته على ان يدير حياته والفتاة الصغيرة بصورة مثالية ، حتى فى عمله كان مهتماً ان لايكون هناك اى اخطاء من جانبه بصورة فاقت حتى اهتمامه بعمله قبل ان يفقد زوجته وعلى الرغم من ان هذا من وجهة نظر الناس كان شئ مثير للأعجاب إلا انه كان هناك شخص واحد فقط لم يقتنع ابداً بالمثالية التى يعيش عليها عماد فى حياته بعد ان فقد زوجته ، كان هذا الشخص هو الطبيبة النفسية التى تقوم بمتابعة عماد بعد ان شعر عماد بالحيرة تماماً بعد وفاة زوجته ولم يكن يدرك فى بعض الأحيان ما الذى ينبغى عليه عمله بالضبط تجاه بعض المواقف حتى اشار عليه البعض من اصدقائة بالذهاب الى احد الأطباء النفسانين ثم رشح له البعض الطبيبة امل على اعتبار انها كانت تتعامل مع عملها بحرفية شديدة وتهتم بالمرضى لديها بصورة كاملة ..

للمرة الثانية فى هذا اليوم ينتبه عماد من شروده على صوت الفتاة الصغيرة التى كانت تتحدث الى ابيها فى رجاء قائلة :-

- أرجوك يابابا انا مش قادرة اكل ..

عماد وقد خفتت حدة الكلام عنده قليلاً لكى يدفع الفتاة الصغيرة للأكل قائلاً :-

- انتِ لسة صغيرة ولازم تأكلى علشان تكبرى ..

قبل ان تستمر الأبنة فى هذا الحوار الذى كان وضحاً ان الأب رافضاً له تماماً أشار اليها الأب ان تستمر فى الأكل وقد بدا على وجهة ثانية امارات نفاد الصبر مما حدا بالفتاة الصغيرة ان تستمر فى الأكل صاغرة .

 

 

************************

 

كان عماد جالساً على مكتبه منهمكاً فى عمله على جهاز الكمبيوتر ، ولم يكن منتبهاً الى اى من زملائه فى الغرفة والذين كانو منتبهين الى عملهم أيضاً وان كان هذا لم يمنع سارة من ان تختلس بعض النظرات الى عماد من آن الى اخر وهى تتمنى لو انه فقط انتبه الى انها بالفعل مهتمة به ، ولكن فى مثل الحالة التى كان عليها عماد كان بالفعل من المستحيل ان نتخيل انه من الممكن ان ينتبه الى مثل تلك الأمور او حتى ان نتخيل انه لديه اى من هذه المشاعر الأن ، ويبدو ان سارة كانت عارفة تماماً بهذه الحقيقة فلم تيأس من قدوم تلك اللحظة التى سوف يدرك فيها عماد مشاعرها تلك.

 

توجه الساعى الى عماد وهو يقول فى صوت خفيض :-

- باشمهندس عماد ..

عماد :- أيوه ياعم شرف ..

شرف :- خالد بيه عاوز حضرتك فى المكتب جوة ..

عماد :- ماشى انا داخله دلوقت .

 

قال خالد ( صاحب الشركة) لعماد :-

- إزيك يابشمهندس .

ابتسم عماد وهو يقول :-

- أهلاُ إزى حضرتك ..

خالد :- بالنسبة للملف الخاص بمصنع النسيج اللى كان معاك علشان تخلصة ..

هنا قاطعة عماد بصورة بدت الى حد كبير حادة قائلاً :-

- هو مش حضرتك اتصلت بيا امبارح علشان الملف ده وانا قلت لحضرتك ان انا خلصت شغلى فيه.

بدت على صاحب امارات الدهشة وهو يقول لعماد :-

- براحة شوية ياباشمهندس .. انا عارف ان انت خلصت شغلك فيه .. اللى انا عاوز اقولك عليه ان فيه مصنع تانى هنعمله نفس الشغل وبالتالى انت برضه اللى هتبقى مسئول عن المصنع الجديد .

بدا على عماد بعض الحرج هو يدرك انه بالفعل كان اكثر حدة مما يحتمل الموقف ، ولوهلة طرأت الطبيبة أمل على ذهن عماد قبل ان يقول لصاحب الشركة :-

- انا اسف اذا كنت انفعلت شوية انا مأقصدش اى حاجة .. وعلى كل الأحوال تحت امرك بالنسبة للشغل الجديد .

أومأ صاحب الشركة برأسة فى إيجاب وهو يناول عماد ملف قائلاً وكأن شئ لم يكن :-

- الملف أهوه .. شوف التفاصيل اللى فيه وأشتغل فيه بنفس الطريقة .

 

******************************

 

- أنا مازالت اتعامل مع الناس بحدة ..

هذا ما قاله عماد لأمل عندما سألته عن اخر اخباره ..

كان الأتفاق بين عماد وامل بعد فترة من العلاج ان يأتى اليها عماد عندما يشعر هو بالرغبة فى ذلك بدون ان يكون هناك مواعيد ثابته للزيارة فى العيادة ، كانت امل هى صاحبة هذا الأقترح عندما لاحظت ان عماد فى بعض الأحيان يكون متجاوباً معها للغاية وفى بعض الأحيان الأخرى يكون عاصياً تماماً لكل محاولاتها معه ، وعلى ذلك كان هذا الأقتراح الذى وجد هوى كبير عند عماد .

ابتسمت امل فى هدوء وهى تقول له :-

- فيه موقف جديد ؟..

عماد :- لسه البنت الصغيرة هى الضحية الأولى ..

نظرت امل الى عماد قبل ان تقول له فى اسلوب بدا له مستفز :-

- اميرة بنت لطيفة جداً ..

وقع عماد فى فخ الإستفزاز الذى نصبته له امل بسهولة حيث بدا انه بالفعل غضب من هذا التعليق بقوله :-

- انا عارف كويس قوى انها بنت لطيفة .. بس المشكلة ان انا دايماً معاها حاد .

كانت عماد يجلس على مقعد جلدى وثير وامل تجلس امامه على مقعد اخر من نفس النوع ، إلا ان امل فى هذه اللحظة نهضت من على مقعدها وهى تتجه الى المكتب تلتقط من عليه نوته تكتب فيها بعض الملاحظات عن مرضاها قبل ان تفتحها على صفحة معينة وهى تقول له فى هدوء :-

- فى الزيارة اللى فاتت انا كتبت هنا ملاحظات عنك ، بس اهم ملاحظة فيهم كانت بتقول ان طريقة العلاج اللى انا ماشية بيها معاك غالباً مش هاتجيب اى نتيجة ..

عماد :- طب وايه الحل ..

امل :- عماد .. انت لما جت العيادة هنا اول مرة قلت لى ان انت عاوز تتخلص من الحدة اللى بقت موجودة معاك بأستمرار ، وانا اعتبرت ان هى ديه بالفعل المشكلة اللى بتعانى منها ومشينا شوية على الأساس ده لكن مع مرور الوقت انا بقى عندى تخيل تانى خالص للمشكلة اللى عندك .

على الرغم من امل توقفت عند هذا الحد من الحديث ثوانى لكى تعطى فرصة لأى تعليق من عماد إلا ان هذا الأخير لم ينبس ببنت شفه مما حدا بأمل ان تستمر فى الحديث قائلة ولكن هذه المرة فى صورة تساؤل :-

- أيه رأيك لو ان انت لمدة ثلاثة ايام جاية ماتهتمش بالعشا بتاع اميرة ؟

عماد:- يعنى ايه ؟

امل :- يعنى تقول لأميرة ان تأكل العشاء وإذا قالت لك لأ مفيش مشكلة .

عماد :- وايه الحكمة من الكلام ده ؟

قالت امل وهى تتجاهل سؤال عماد الأخير :-

- وبعد الأيام الثلاثة عاوزة ازورك انت وامل فى البيت ، أيه رأيك ؟

طبيعى ان تكون الدهشة مرسومة على وجه عماد ولفترة طويلة قبل ان يبدء فى الحيرة من الطلب الأخير لأمل فهل يقول لها لأ فيكون قليل الذوق ام يوافق ويكون الأمر مدهشاً .

فى النهاية كان السؤال من عماد وهو يقول :-

- وده كله لزومه ايه ؟!

كانت امل فى هذه اللحظة تستند على حافة المكتب وهى تبتسم من سؤال عماد ، مما حدا به ان يقول متداركاً :-

- انا مش قصدى قلة ذوق بس اذا كان ده من ضمن العلاج يبقى من حقى اعرف ايه اللى بيحصل .

اجابت امل وهى على نفس الأبتسامة الهادئة قائلة :-

- هو طبعاً من ضمن العلاج ، بس انا عاوزة اعرف عنك حاجات معينة وهيكون من السهل ان انا اعرفها لو جيت عند البيت وقعدت معاك انت واميرة شوية .

على الرغم من ان عماد فى المعتاد كان يريد بأستمرار ان تكون حياته مع ابنته اميرة خارج نطاق اى تدخلات تحت اى مسمى حتى ولو كان من يريد التدخل هو الطبيبة امل ، وعلى ذلك كان هذا التعليق من عماد وهو يقول لأمل :-

- انا اسف اذا كنت هأبقى قليل الذوق معاكى فى النقطة ديه بس انا لازم اعرف وجهة النظر اللى انتى شايفة ان العلاج هيمشى عليها ؟ وخصوصاً ان انا قلت لك فى الأول ان موضوع العلاج النفسى ده مش لازم بأى حال من الأحوال انه يأثر على البنت الصغيرة .

هنا تخلت اميرة عن الأبتسامة الهادئة واكتسى وجهها بكل الجدية على الرغم من انها كانت تتوقع مثل هذا الرد من عماد قبل ان تقول له :-

- بصراحة ياعماد مسألة الحدة اللى انت فيها عبارة عن عرض بيقول ان فيه مشكلة معينة لكن المشكلة نفسها ايه ديه كانت نقطة تانية احنا المفروض نهتم بيها، وانا بصفتى طبيبة محترفة لازم اكون رأى محدد عنك وعن طبيعة حياتك ، أنت دلوقت بقالك سنة بتيجى العيادة عندى وكان لازم اذا كنا ماشيين فى العلاج صح ان يكون هناك اى تغيرات الاحظها انا عليك لكن اللى بيحصل هو ان حالتك من وجهة نظرى مازالت محلك سر .

بدا على عماد انه الى حد كبير مقتنع بحديث امل ولكن اصرارة على ان لايجعل الفتاة الصغرة تشعر بأى أضطراب فى حياته دفعه لأن يقول لأمل وهو مازال يقاوم فكرة قدومها الى البيت قائلاً :-

- طيب وهو ان انت لما تيجى الى البيت هو ده اللى هيخليكى تعرفى على وجه الدقة احسن طريقة للعلاج ؟

ظلت امل على نفس الهدوء ولم تكترث كثيراً بإصرار عماد على الرفض لأنها فى الأساس كانت مصممة علىان تقوم بهذه الزيارة لأهميتها ، كما انها كانت متوقعة مثل هذا الأصرار من عماد على الرفض ، وفى النهاية قالت له :-

- شوف ياعماد زى ماأنا كونت رأى عن حالتك فى خلال السنة اللى فاتت ديه ، انت كمان اكيد كونت رأى عنى كطيبية ، واستمرارك معايا لمدة سنة ده برضة معناه ان انت مقتنع بيا كمعالجة لك، المفروض بقى لما اقول لك ان انا مهتمة بزيارتك فى البيت تكون متأكد ان ده بالفعل حاجة مهمة فى العلاج، وإذا كان من حق المريض ان يعرف كل الحقايق اللى تتعلق بيه من الطبيب بتاعة ، فلا اقل من ان الطبيب هو اللى يحدد طريقة معرفة المريض بهذه الحقايق .

هنا بدا على عماد انه بالفعل سوف يتراجع عن اصرارة على الرفض وهو يقول لأمل :-

- الفكرة بمنتهى البساطة هى ان انا مش عاوز أميرة تعرف بحكاية العلاج النفسى ديه ، علشان كده ارجو ان انت تدينى فرصة لكى يبدو الموقف طبيعى امام الفتاة الصغيرة .

هنا أومأت امل برأسها موافقة لرأيه قبل ان تقول :-

- وهو كذلك .. ولو ان انا مش مقتنعة بحكاية ان العلاج النفسى عيب ، بس يمكن ان انت عندك حق المرة ديه بالذات لأن البنت لسه صغيرة على ان احنا نقول لها يعنى ايه علاج نفسى ..

وعلىكل الأحوال انا سأنتظرمنك تليفون علشان نحدد الميعاد المناسب للزيارة .

هنا نهض عماد من على المقعد الجالس عليه وهو يقول :-

- اعتقد ان زيارة النهاردة انتهت ..

اومأت امل براسها موافقة

*******************************

امام ذلك المطعم الشهير كان وليد يجلس على مقدمة سيارته وهو يتحدث الى الفتاة الواقفة معه بأسلوب بدا الى الفتاة مختلف بصورة كبيرة عما اعتادته منه ، فلم يكن وليد مرحاً مازحاً كما هو معتاد منه بل صار بأستمرار حزيناً وعلى وجهه امارات الأكتئاب مما حد بالفتاة ان تقول له :-

- مالك ياوليد ؟ انت على طول متضايق كده ؟

لم يرد عليها وليد وانما اكتفى بأن اشاح بوجهه بعيداً عنها وهو يحاول قدر الإمكان ان يتهرب من النقاش فى هذا الموضوع ، ولكن الفتاة كانت مصرة ان تعرف السبب فى ان وليد صار دائماً على هذا الحال السئ حيث عاودت الحديث اليه قائلة :-

- وليد اعتقد ان انا من حقى ان اعرف السبب اللى مخليك على طول زعلان .. ارجوك ياوليد قولى السبب.

هنا اطلق وليد زفيراً حاراً وهو يقول فى صوت بدا الى كبير مجبر على الحديث قائلاً :-

- انا متضايق شوية من موضوع القضية ..

الفتاة :- وايه اللى مزعلك طيب .. ما انت باباك قالك متخافش والموضوع كله هيخلص من غير ما اى حاجة تحصلك .

وليد :- مش هو ده اللى مزعلنى يامروة .. انا اللى مزعلنى فعلاً ان انا قتلت الست ديه من غير ذنب .

مروة :- ياه ياوليد انت لسه بتفكر فى الموضوع ده ..! على كل حال ياوليد انت ماكانش قصدك .. ديه حاجة حصلت كده ..

هنا بدا على وليد امارات الضيق بوضوح وهو يقول :-

- يعنى ايه حاجة حصلت كده .. انت مش متخيلة ايه اللى حصل .. ديه وحدة ست اللى ماتت مش قطة .. واللى عرفته كمان انها كان عندها بنت صغيرة ..

هنا صمتت الفتاة قليلاً قبل ان تقول فى حيرة :-

- طيب وانت ناوى تعمل ايه دلوقت ؟!

وليد:- وهو فيه ايه فى ايدى اقدر اعمله ..

مروة :- طيب لازمته ايه بقى الكآبة اللى انت عليها ديه طالما مفيش حاجة تقدر تعملها ؟!

وليد :- مش عارف.. بس انا مش عارف اخرج من الحالة ديه .. حاسس ان انا لازم اعمل حاجة بس المشكلة هى ان انا مش عارف ايه اللى انا لازم اعمله بالظبط

هنا بدا على مروة كما لو كانت تبحث مع وليد عن الحل قبل ان تقول له :-

- طيب ايه رأيك لو رحت للناس دول وأديتهم فلوس ؟

وليد :- جوز الست ديه مهندس .. وعايش كويس ، يعنى مش محتاج فلوس ، انما اللى انا عرفته عنه ان من ساعة الحادثة وهو بيتعالج نفسياً ..

هنا بدت الدهشة على وجه مروة وهى تقول متسائلة :-

- ليه هو اتجنن ؟!!

وليد :- لأ.. مش للدرجة ديه ، بس الحكاية ان هو مقدرش يتعامل مع الظروف الجديدة فى حياته فكان لازم يروح لطبيب نفسى ..

هنا بدا على مروة كما لو انها لاحظت شيئاً مهماً وهى تقول :-

- أيه ده !! .. انت عرفت الحاجات ديه كلها منين ؟!! انت بتابع اخبار الراجل ده ولا ايه ؟!!

وليد :- يعنى .. تقدرى تقولى ان الصدفة لها دور كبير فى الموضوع ده

مروة:- إزاى ؟!

وليد :- عارفة مين الدكتور النفسى اللى بيعالج الراجل ده ؟

مروة فى فضول :- مين ؟

وليد :- دكتورة اسمها امل تبقى قريبة شريف حماد ..

مروة :- شريف بتاعنا ..

وليد :-آه ..

مروة :- طيب وهو عرف منين ؟

وليد :- كان رايح لها العيادة مرة وشافة خارج من هناك .

مروة :- وهو يعرفه ؟؟

وليد :- آه .. لأن صورة الراجل ده اتنشرت فى جرايد كتير .

هنا أومأت مروة برأسها متفهة قبل ان تقول :-

- وهو ده بقى اللى خلاك تفتكر اللى حصل تانى ؟

وليد :- من ساعة ما عرفت ان الراجل ده بيتعالج بسبب الحادثة وانا حاسس ان الموضوع مش بس انى اخرج من القضية ، انا بقيت حاسس ان الموضوع ده عمره ما هيخلص ابدا.ً

مروة:- انا متهيألى ان الموضوع كله ان انت حاسس بالذنب ناحية الراجل ده وبنته ، وعلى كل الأحوال ان انا شايفة ان ده احساس كويس منك ،بس لازم تعرف ان انت مش هتأدر تعمل لهم ايه حاجة وبالتالى لازم تشوف حل للإحساس ده قبل ما الموضوع مايقلب معاك بعقدة .

وليد:- انا بفكر اروح لدكتور نفسى ؟

هنا رفعت مروة حاجبيها فى شئ من الدهشة وهى تعتبر ان كل ما فيه وليد هذا ماهو سوى احساس مبالغ فيه تماماً ولكنها لم تعلق عليه بكلمة ، خاصة ان وليد تحدث باسلوب لم تفهمة حيث قال :-

- والله فكرة .. انا اروح لطبيب نفسى .

**********************