آثام

 

 

أطلال ..

كانت تلك القرية , او التى كانت قرية عبارة عن اطلال و يبدو بوضوح ان اهلها قد رحلوا عنها منذ زمن , لعل اطلال القرية لا يوجد بها ما يشد الأنتباه فلم يبدو انها كانت تختلف عن اى قرية اخرى فى شئ ولكن ما يجعل الأنسان يقف عندها ويتسائل ...

فقط هو انها اطلال ..

لماذا صارت اطلال ..

 

 

كانت فتاة جميلة تلك المقيدة الى العمود الخشبى الغليظ ومن حولها اهل القرية جميعاً مجتمعين ليروا ما الذى سيجرى لتلك الفتاة التى كانوا كلهم يعرفونها , و وسط اهل القرية كان يقف الكاهن فى زية الأسود ينظر الى الفتاة بغضب وهى تقول فى صوت واهن :-

- انا لم ارتكب اثماً ..

رد عليها الكاهن بصوته الأجش المهيب :-

- سنعرف ان كنت صادقة او اثمة ..

الفتاة :- ولكن من يعيش وهو مقيد الى عمود .. من ينجوا من عقاب كهذا ؟

الكاهن :- ان كنت صادقة فلن تموتين ..

هزت الفتاة رأسها غير مصدقة ما يجرى لها وهى تقول :-

- ولكنى سأموت هكذا سواء كنت صادقة او آثمة سوف اموت..

الكاهن وهو مصر على رأيه :- بل ان كنت صادقة فلن تموتين ..

كان السكون التام يخيم على الجمع المحتشد لمتابعة هذه المحاكمة التى لا يقوم بها بشر ,بل يحكم فيها آله يعبده هؤلاء البشر فمن ينجوا من الموت على هذا العمود يكون صادقاً وقد ظلم فى الأتهام الموجه له , وأما من يموت فهذا يكون الدليل على انه كان آثماً , وعلى الرغم من ان احد لم ينجوا ابداً من الموت على هذا العمود إلا ان هذا لم يثر انتباه اياً من كان فقد كان الجميع يؤمنون تماماً فى طقوس دينهم ولم يكن احد يملك جرأة التفكير فيما يعاكس هذا الأتجاه .

لرهبة الحدث ولوقار المكان أمام المعبد ولهيبة الكاهن الأكبر لم يكن اياً من الحشد الموجود ينبس ببنت شفه كان السكون مطبق على المكان الى ان قطعه صوت ذلك الطفل الصغير وهو يسأل أمه قائلاً :-

- ولكن كيف تعيش هى على العمود ياامى ..؟ هى بالتأكيد سوف تموت .

على الرغم من ان صوت الطفل لم يكن عالياً إلا ان الصمت المطبق على المكان جعله مسموعاً من الكثيرين منهم الكاهن والفتاة , والتفت الكاهن بالفعل الى مصدر الصوت ليجد الولد الصغير وامه تنهره عن الكلام بهذا الأسلوب .

على الرغم من ان الكاهن والفتاة المقيده قد نظرا الى الولد الصغير إلا ان الفتاة تكاد لا تكون قد لاحظت شكله فى حين تعمد الكاهن ان يمعن النظر فى وجه الفتى حتى لا ينسى ملامحة قبل ان يعاود النظر الى الفتاة وهو يقول فى هدوء وثقة المطاع دائماً :-

- لا نقاش فى الحكم .

التفت الكاهن ينظر الى الناس الموجودة وكأنه يعلن انه قد انتهت مراسم تلك المحاكمة قبل يقول فى صوت عال سمعه كل الحاضرين :-

- والأن سوف ننتظر حكم الأله .

كانت هذه الكلمة هى النهاية المعتادة من الكاهن ليعرف الجميع أنه لا يوجد ما يستدعى بقائهم فبدء الناس فى الإنصراف وقبل ان تهم ام الفتى الصغير ان تنصرف هى الأخرى اتجه اليها الكاهن وهو يقول لها :-

- اريدك والصغير بالمعبد .

أومأت السيدة موافقة وانتظرت حتى سبقها الكاهن بعدة خطوات قبل ان تبدء هى خطواتها خلفة فى اتجاه المعبد .

ثوانى وكان المكان كله قد خلا من الناس ماعدا إمرأة عجوز وزجها وقد بدا على العجوز الحزن العميق وهو ينظر الى الفتاة المقيدة والتى كانت تحدثة قائلة :-

- لست آثمة ياأبى .. لست آثمة ..

لم يجب العجوز عل ابنته وان هز رأسه موافقاً فى حين كانت السيدة العجوز منخرطة فى بكاء حار على ابنتها .

قضت السيدة ام الولد الصغير وقتاً طويلاً فى المعبد قبل ان تخرج منه بدون ابنها ذلك الولد الصغير فقد قرر الكاهن ان يكون هذا الولد كاهناً عندما يكبر وعلى ذلك لابد وان يربى فى المعبد وتحت اشرافه هو شخصياً , ولم تكن المرأة تملك اى حيلة فى هذا الأمر غير ان توافق الكاهن رغبته وسلمته الولد الصغير .

 

 

مرت ايام عديدة منذ ان علقت الفتاة على العمود وفى النهاية .. ماتت .

وتأكد الجميع حينها انها كانت آثمة ولحق العار بإهلها وماتت الأم حزناً على ابنتها ولم يعد الأب يستطيع ان يرفع رأسه فى وسط اهل القرية بعد ان اصدر الأله حكمه بأن ابنته آثمة .

 

 

بعد عشرين عاماً كان الكاهن والذى صار كهلاً عجوزاً جداً يشرف على محاكمة الهية اخرى كان المتهم فيها هذه المرة رجل عجوز اتهم بالسرقة ولكنه كان يصرخ انه برئ فلم يكن هناك بد من ان يحاكم الهياً .. وقد كان ..

قيد العجوز الى العمود ومثل الفتاة كان يقو ل انه ليس سارقاً ولكن الكاهن كالمعتاد كان مصراً ان الحكم الألهى سيقرر ما اذا كان آثماً ام لا .

وكالمعتاد كان الحشد مجتمع ينظرون الى الرجل العجوز والكاهن والحوار المعتاد فى مثل هذه الحظات ولكن وقبل ان يستدير الكاهن الأكبر ليعلن أنتظار الحكم الألهى انطلق احد الكهنة الشباب بجواده مخترقاً الصفوف وهو يصيح قائلاً :-

- ولكن هذا الرجل سواء كان آثماً ام لا سوف يموت ..

التفت اليه الكاهن الأكبر غاضباً مندهشاً من هذه الكلمات فى حين ارتفعت الهمهمات من صفوف المحتشدين قبل ان يقول الكاهن الأكبر :-

- ما الذى تقوله ايها الكاهن ..؟

الكاهن الشاب والذى كان هو نفسه الولد الصغير الذى ابدى اعتراضه على قتل الفتاة :-

- لم ينجى ابداً اى شخص من هذا الأختبار .. الجميع ماتوا .. فهل كانوا كلهم اثمين ..؟

الكاهن :- اجل كلهم كانوا اثمين .

الكاهن الشاب وهو ينظر الى عينى الكاهن الأكبر مباشرة :-

- ألا يخطئ آلهك هذا ابداً ..

الكاهن الأكبر :- الهى ..!! انه آلهنا جميعاً .

الكاهن الشاب وهويصيح فى الجميع :-

- هل انتم واثقين من حكم اله الكاهن ..؟

ارتفعت اصوات الناس غاضبة وهم يقولون بتداخل وعدم انتظام :-

- انه الهنا جميعاً ما الذى تقوله انت ..

عاود الكاهن الشاب الحديث الى الجميع قائلاً :-

- حسناً .. هل انا آثم ..؟

لم يجب معظم الحضور على السؤال فى حين ارتفعت بعض الأصوات تقول :-

- كلا انت لست اثم .. بل انت كاهن ..

فى هذه اللحظة امسك الكاهن الأكبر بلجام حصان الكاهن الشاب وهو يقول غاضباً وبصوت محتد غير عال :-

- ما الذى تفعله ..؟ ما الذى تريده ..؟

تجاهل الكاهن الشاب غضب الكاهن الأكبر وهو يقول :-

- طالما انتم ترون انى غير اثم فهذا يعنى انى ان علقت على هذا العمود فلن اموت اليس كذلك ؟

جأته الأجابة ايضاً على هيئة همهمات غير منتظمة وان وضح منها ان الناس تقول :-

- كلا انت لن تموت .. فأنت كاهن ..

هنا ترجل الكاهن الشاب عن جواده واتجه الى الرجل العجوز المقيد الى العمود و شرع فى فك قيوده قبل ان يقف هو مكانه ويقول :-

الأن انا سوف اقيد مكان الرجل فإذا عشت فهذا يكون دليلاً على انى مخطئ وانتم صواب فيما تظنون فى الهكم , ولكن اذا مت وانا الكاهن الذى لم يرتكب اثماً فهذا يكون دليل انكم كنتم على ضلال .

ران الصمت على الجميع وهم يراقبون الكاهن الشاب الذى انتصب مكان الرجل العجوز منتظراً ان يتقدم اى شخص ليقيده ولكن لم يكن فى الناس من يجروء على تقييد الكاهن..

حتى تقدم فجأة الكاهن الأكبر فى خطوات متثاقلة بحكم سنه الكبير حتى وصل الى الكاهن الشاب وقام بتقييده .

بعد ان قيد الكاهن الشاب قال الكاهن الأكبر كلمته الشهيرة :-

- والأن سوف ننتظر حكم الأله ..

عندئذ شرع الناس فى الأنصراف واقتيد الرجل العجوز الى محبسه بعد ان تأجل مصيرة الى ان يعرف مصير الكاهن الشاب , ولكن الكاهن الشاب صاح فيهم قائلاً :-

- ولكن لتعلموا ان انا مت فستكونوا جميعكم آثمون ..

واردف وكأنه يتحداهم جميعاً قائلاً :-

- وحينئذ ابحثوا عن عقاب يناسب الآثم الذى ظللتم ترتكبوه طوال هذه السنين .

كان اهل القرية كلهم من المؤمنين حقاً لذلك لم تكن كلمات الكاهن تثير عندهم اى شك او خوف مما يؤمنون به وعلى ذلك لم يتوقفوا كثيراً امام كلمات الكاهن الشاب والذى بقى مقيداً الى لعمود ..

مرت ايام عديدة على الكاهن الشاب وهو معلق فى العمود ولكن وفى نفس التوقيت الذى كان يموت عنده الآثمين كانت المفاجأة الكبرى لأهل القرية واللذين فوجئوا فى صباح احد الأيام بالخبر ينتشر بين الناس أن الكاهن الشاب قد مات ..

على الرغم من انه غير اثم ..

على الرغم من انه الكاهن ..

إلا انه مات..

ولم يجد اى من كان المبرر المقنع لموت الكاهن الشاب , حتى الكاهن الأكبر لم يجد ما يجيب به اسئلة اهل القرية المذهولين من موت الكاهن الشاب ..

واخيراً بدء الشك يدخل القلوب ..

وبدء اهل من ماتوا وهم آثمين يعرفون ان ذويهم ليس بالضرورة اثمين وفشل الكاهن الأكبر فى إقناع اهل القرية بأى تفسير , خاصة وانه هو شخصياً لم يجد التفسير الذى يفهم من خلاله سبب موت احد الكهنة موتة الآثمين ..

وتذكر الجميع كلمة الكاهن الشاب بأن موته يعنى انهم جميعاً اثمين ولم يجد بعضهم اى عقاب لآثمهم الأكبر سوى ان يعاقبوا انفسهم بنفس العقاب الظالم الذى وقع على الكثيرين وقيدو انفسهم الى الأعمدة حتى ماتوا , ورحل بعضهم عن القرية ولم يبقى فى النهاية سوى المعبد وكاهنه فى القرية وحيداً , فلم يستطع ان يعيش فيها فتركها هو الأخر وعاش فقط على اطرافها ..

ومضت السنوات على القرية المهجورة والتى صارت اطلال يجلس على اطرافها ذلك الكهل العجوز وحيداً ..

الكاهن .

 

 

هشام نصر

25/7/2002