|
ا لتغيير
الرغبة فى التغيير هى رغبة انسانية .. وعندما تتولد الرغبة فى التغيير فى نفس انسان عنده من المبادئ ما يرى انها اجدر بأن تطبق فأن هذه الرغبة تترجم عنده الى عقيدة حياة يعمل بكل جد على إيجاد المناخ المناسب والبيئة الملائمة لها لتتحول الى واقع ، وغالباً ما تكون الخطوة التالية لهذا الأنسان هى تحويل مبادئة الى خطوات عمل تصل به الى هدف يمثل التغيير الذى يريده . هذه المقدمة القصيرة تقود بنا بسلاسة الى ان الرغبة الأنسانية فى التغيير حق للجميع سواء كان هذا مرضياً للبعض ام لا لسبب بسيط ألا وهوان التغيير فى ابسط صورة عبارة عن وجهة نظر لشخص او لمجموعة ومن حق اياً من هذا الشخص او المجموعة ان تعبر عن رأيها او وجهة نظرها ، ولا يملك اياً من كان ناصية منح هذه الحقوق من عدمة ، وقبل ان يتجه بنا الحديث الى نقطة الضوابط التى تتحكم فى مثل هذه الحريات والحقوق لابد وان اوضح ان الحديث هنا ينصب فى جوهرة على الفكرة المجردة للرغبة فى التغيير أى ان الرغبة فى التغيير اذا ما تعارضت مع الضوابط التى تتحكم والتقاليد التى تسود فعلى الراغب فى التغيير ان يعتبر هذه الضوابط بمنتهى البساطة عبارة عن عقبة من ضمن العقبات التى تواجه تلك التغييرات التى يريد ان يصل اليها وعلى ذلك نصل الى ان التغيير فى اساسة هو حق مطلق لكل من يريده بغض النظر عن اى معوقات او ضوابط معرقلة فى سبيل هذا التغيير ، ومن هنا يبدء الأنسان فى العمل على تحقيق التغيير الذى يريده ، ومن هنا يكون بداية الكلام عن المفهوم العملى للرغبة فى التغيير والذى لابد وان تُحدد فى البداية طبيعته وحدوده لأن التغيير من الممكن ان يبدء من مجرد تغيير هامشى فى نطاق ضيق الى تغيير جوهرى فى اطار واسع ، ولكى لا تكون هذه الاطر مربكة فى معرفة ما اذا كان التغيير المنشود يستحق ان نطبق عليه القاعدة السابقة ام لا فلا بد من ان نؤكد بأن مقدار التغيير هو فى الأصل لا يخرج عن الحق الأصيل للمغير فى ان يعتبره جوهرى من عدمة. والأن من الممكن وبعد هذا التوضيح المهم لكيلا ندور فى حوار جدلى حول تفاصيل كان عدم توضيحها سيؤدى الى خلق حق فى هذا الجدل من الممكن ان اوضح بصورة محددة ما الذى اريد بالضبط ان اتحدث فيه . الموضوع مهم للكثير منا خاصة فى خضم الأحداث الجارية الأن ، والتى مست بكل تأكيد عند كل منا مساحات لا يستطيع معها ان يدعى معها انه غير مهتم أو اعتقد حتى انه من الحق ان اقول انه لا يستطيع ان يدعى انه غير مسئول ، ان الأسلام شئنا ام ابينا هو بالتأكيد محور مهم فى حياتنا بل من الممكن بمنتهى البساطة ان يكون هو الأهم ، وعندما تكون الرغبة الموجودة فى نفس كل منا بأن يعلى من شأن المسلمين متفق عليها ومحل ترحاب جاد من المعظم فأن العمل على هذا الهدف من الممكن بمنتهى البساطة ان نضعه فى صورة الرغبة فى التغيير ، ولما لا ؟ والمعظم- ولكن بالتأكيد من زوايا مختلفة- يريد ان يرى الأسلام فى افضل مكانة وهو مانرى الأن انه غير محقق ، اذن ليس من الغباء ان نعتبر ان رفعة الأسلام هو الهدف الذى نسعى اليه ونريد ان نعمل على جعله بديلاً للواقع الموجود حالياً الراسم صورة حقيقية بأن الأسلام ليس على الصورة التى من المفروض ان يكون عليها . اذن ما الذى ينبغى علينا ان نفعله لكى نعمل على التغيير الواجب ؟
عند هذا السؤال من الممكن ان تتقافز العديد من الأجابات الواردة من مختلف الرؤى ووجهات النظروالتى تثق كل منها بأن الأجابة الصحيحة بالتأكيد عندها ، ولكن ، ومرة اخرى لكى نتحاشى الجدل الطويل الغير مجدى لابد وان نتفق على الأسس التى ينبغى علينا ان نقرها لكى نستند اليها فى تحديد الأجابات التى من الممكن ان تقبل وتلك التى رفضها لا يكون تجنياً على اصحابها ، ولا اعتقد بأن الشرط الأول هذا سوف يكون ظالماً لأى طرف ألا وهو ان الأجابات التى سبق تطبيقها وثبت انها غير مجدية فمن غير اللائق ان نعيدها ثانية او نعتبرها محل اهتمام ، ومن الذكاء ايضاً ان نرى من تعرضوا لمشكلات مشابهة ونجحوا فى التعامل معها ليصلوا فى النهاية الى التغيير الذى يريدونه ما الذى فعلوه ليكون هذا مرشداً لنا فى اختيارنا للسبل الواجبة ، ولعل البيئة المناسبة لتهيئة الحلول السليمة والتى ينبغى لنا ان نعمل فيها هى بيئة العقل والمنطقية والواقعية . ودفعاً بدفع نقترب الأن من المشكلة التى اريد انا ان اجعلها هى المدخل ان لم تكن المحور للحديث ، ألا وهى ما هى الفائدة المرجوة من السبل التقليدية التى تبعها الكثيرين فى محاولة فرض التغيير المنشود والتى كانت ذروتها فيما فعله بن لادن . أول تعليق يقفز الى الذهن عند ذكر اسلوب بن لادن هو ان النوايا الحسنة وحدها لاتكفى بأى حال من الأحوال ، والسؤال الذى ينبغى ان يسأله كل عاقل لبن لادن هو ( ما الذى دفعته وما الذى كسبته مما فعلت ؟ ) بعقلانية وهدوء الذى فعله بن لادن هو انه دمرعدة مبانى فى امريكا وقتل مايزيد عن ثلاثة الاف شخص - معظمهم بالتأكيد لا ناقة له ولا جمل فى انتقام بن لادن- وهز الأقتصاد العالمى بصورة ملموسة ، وخافت امريكا كلها لبضعة ايام وأهتم العالم كله الى حدما بالأسلام ذلك الدين الذى يرونه يدعو اول ما يدعو الى القتل والتدمير وحاولوا ان يعرفوه بصورة افضل، وحتى الأن لا نعرف على وجه الدقة ما إذا كانت هذه الرغبة فى المعرفة سوف تؤدى الى معرفة مختلفة للدين الأسلامى ام سيكون نتيجتها هو التأكيد على الفكرة سابقة التجهيز فى العقل الغربى عموماً عن الأسلام، وأما عن السلبيات التى نجمت عن تحرك بن لادن طبقاً للمفهوم التقليدى للتعامل مع المشكلة التى يواجهها الأسلام فمن الممكن ان نراها الأن محققة على ارض الواقع . رداً على التساؤل بشأن المعرفة المختلفة عن الأسلام والتى من الممكن ان تكون سلبية او ايجابية - على الأقل جزئياً- من الممكن الأن ان نرى ان العداء للأسلام أصبح بالفعل حقيقة واقعة على المستوى الشعبى ( واعتقد انا انه لو ان مثل هذه المشكلة التى ترتبط بصورة واضحة بجزئية عقائدية كانت قد وقعت فى احدى الدول التى يقل فيها احترام القوانين سواء التشريعية او حتى القوانين الأنسانية الأساسية لكانت النتيجة اكثر حدة ، ولك ان تتخيل لو ان اليهود مثلاً قاموا بتدمير مجمع التحرير هل كنت ستنتظر الألية القانونية لتأخذ مجراها ؟ والتساؤل هنا ينصب على الشأن الداخلى لو ان هناك يهود يعيشون معنا فى مصر) . ومع ذلك لا ندعى بأن رد الفعل الشعبى الغربى كان مثالياً ، ولكننا لا نستطيع ان نرفض حقيقة ان الألية القانونية بالفعل كانت حاكمة لرد الفعل هذا ، اذن اخلص انا فى ظنى الى انه على المستوى الشعبى الغربى لم تكن نتيجة تصرف بن لادن فى صالحنا . وأما على المستوى الدولى فالصورة قد لا تكون على نفس الدرجة من الوضوح إلا اذا اتفقنا فى البداية على الحقيقة الأنسانية المقرة بأن القوى عندما يغضب لا يردعه إلا القوة المكافئة، ولم يكن يغيب على اى عقل ان تصرف بن لادن تجاه امريكا بالتأكيد سوف يؤدى الى إغضاب امريكا القوية وهنا يكون التساؤل، وهل يملك بن لادن او اى من يتعاطفون معه القوة المكافئة لأمريكا لكى يكون الردع ؟! . الأمر هنا لا يحتكم الى منطق العدل أو المبادئ الأنسانية الرحيمة لكى نستند الى مبررات من نوعية المظلوم من الممكن ان يفعل ما يشاء إذا ما جاوز الظالمون المدى ، وليس من الحكمة ان نتخلى عن العقل تحت وطأة الظلم البين بل ينبغى ان نعرف الى أى مدى الظالم ظالم وماهى حدود قدرة المظلوم مهما كان الظلم ومهما كانت الرغبة فى التنفيس عن هذا الظلم ، فلا بد من المنطقية فى التصرف على الأقل حتى لا ينال الظالم حقاً كاذباً يبرر ظلمه . ولكن من الوضح ان اى من التفكير العاقل لم يكن ذو اثر ملموس عند من اتخذ القرار بأن يفعل ما فعل مع الأمريكان وهو ما تأكدنا منه عندما غضبت امريكا وقررت ان تعاقب المخطئ - حتى ولو كان مظلوماً - فقد جيشت امريكا الجيوش ولم نرى اياً من دول العالم تستطيع ان تعلن انها ضد الجبروت الأمريكى حتى وان كانت دول تحوز بعض عناصر القوة، وانطلقت امريكا بقوة عاتية لتمسح اهم ما عمله بن لادن فى حياته ان جعل هناك دولة تحتكم بالفعل الى المبادئ التى تنادى بها مختلف الجماعات الأسلامية على الرغم من هامش الأختلافات بينها ، والنتيجة التى خلص اليها العالم بعد الغضبة الأمريكية انه لم يعد هناك طالبان ولم يعد هناك ذلك المجتمع الأسلامى المنشود من قبل الجماعات الأسلامية بل ولم يعد هناك بن لادن سواء كان حياً اوميتاً . هذا بالتحديد اهم ما خسره بن لادن ، لقد خسر الفرصة الوحيدة التى اتيحت فى العصر الحديث لأهل السنة من المسلمين لكى يجعلوا هناك دولة كاملة الأركان تقوم على تلك المبادئ والتى طالما ما كانت متهمة من معظم دول العالم والكثير من المسلمين انها غير قابلة للتطبيق ، وبدلاً من ان يعمل على جعل افغانستان هى النموذج الذى يستطيع معه ان يثبت للعالم كله ان هذه القيم والمبادئ هى الأصلح قرر ان يستمر العمل بنفس الصورة التقليدية والتى اعتادت عليها هذه الجماعات ألا وهى محاولة التغيير بالقوة على الرغم من جلاء الصورة بأن هذا الطريق هو الأقرب تماماً من الفشل ولكنه الأصرار على تغييب المنطق والعمل فقط وفق الأيمان الخيالى وكأن الأيمان يتعارض مع العقل والمنطق ، والأن صارت الصورة التقليدية لمثل هذه المبادئ ومعتنقيها هى الأكثر رسوخاً فى عقول العالم وكأنهم يعلنون للعالم كله بمنتهى القوة والجرأة انهم يريدونهم - فى زمن قصير جداً وغير منطقى - اما ان يكونوا مؤمنين معهم او اعداء ، على الرغم من ان محاولة إستمالة العالم كله الى الأسلام سيكون طريقاً اكثر منطقية بل واقل ضرراً للجميع اللهم إلا اذا اعتبرنا ان الوقت الطويل الذى سيستغرقه مثل هذا الأسلوب فى التعامل هو فى حد ذاته ضرراً بليغاً لا نستطيع ان نتعامل معه. والأن بعد ان أفقد بن لادن المبادئ التى يؤمن بها القدرة على الأستمرارية فى العالم و الفرصة الحقيقية التى اتيحت له لكى يطبقها يصورة عملية ، من السهل ان نقول انه حتى بالنسبة للأساس الذى تنطلق منه كل مشاعر الغضب الأسلامى المشروع تجاه امريكا ألا وهو الوجود اليهودى المستفز على بقعة من اهم البقع الأسلامية فى العالم والأحتلال القبيح للأراضى الفلسطينية والذى تتعامل معه امريكا فى اهون وصف بصورة غير عادلة ، حتى هذه النقطة صارت اصعب كثيراً على المتعاملين معها والذين يضحون بحياتهم راضين دفاعاً عن ارض وعن الحق وبدلاً من ان يكون دعم بن لادن منصب على تفعيل هؤلاء الرجال اصحاب القضية الحقيقة بل وجه القوة المحدودة التى يحوزها الى استفزاز من لا يستطيع ان يحتوى رد فعله ليضربالجميع وأولهم اصحاب القضية الحقيقية الفلسطينين.
|