ألإصدقاء

 

من الجميل ان تمتد علاقة الصداقة بين الأصدقاء لسنوات طويلة , والأجمل ان تكون هذه السنوات من تلك السنين التى تتطور فيها شخصية المرء بصورة ملموسة ومحسوسة ، ولكى تستمتع بهذا الجمال فى هذه الصداقة لابد وان يكون المتابع ممن يهتمون بالفعل بملاحظة التغييرات والتطورات فى شخصية اصدقائه , وانا ادعى فى نفسى انى ممن يهتمون بمتابعة مثل هذه الصور فى الحياة عموماً , ولذلك عندما افكر الأن فى اصدقائى اللذين عرفتهم من سنوات طويلة استطيع ان ارى امام عينى هذا الأختلاف الذى تكون ببطء وثقة فى شخصية كل منهم بل ولأن المرحلة التى كانت فيها صداقتى بهم من تلك المراحل التى من الطبيعى ان تتطور الشخصية فيها بصورة ملحوظة كانت المتعة فى هذه الصداقة .

 

- مصطفى .. وائل الديب .. وائل قدرى .. وائل محمد .. هيثم غيط .......

هؤلاء هم الأصدقاء اللذين اعنيهم بكلامى واللذين كانوا معى وكنت معهم فى تلك المرحلة المهمة من حياتهم وحياتى , ولأن معرفتى بهم كانت وثيقة الى حد كبير ولأنى لابد وان اكون رأى عن اى شئ اهتم به حقاً كان لابد من اكتب عنهم واتحدث الى نفسى بشأنهم كثيراً وبصور مختلفة منها هذه الصورة التى انا مهتم بها الأن والتى افضت بى الى ان اعتبر ان هؤلاء الأصدقاء كما لو كانوا قد تربوا على يدى !!!!

- لابد هنا ان اقدم اعتذار عن هذه الوصف الذى قد يكون فيه تقليل من شأنهم او رفع شأنى انا ويظهرنى كما لو كنت اقول أنى افهم اكثر او اعرف اكثر وهو ما لا اقصده ابداً ...

ولكن اسمحوا لى بعد هذا الأعتذار الذى اتمنى ان تقبلونه منى ان استمر بنفس اسلوبى فى الحديث ..

انا بالفعل لدى هذا الأحساس بأنى قد ربيت هؤلاء الأصدقاء بيدى أو بمعنى اقرب كنت اشاهد نموهم امامى , كنت اراهم وهم يكبرون .. هكذا اراهم احياناً .

والسبب بسيط إلا وهو انى عندما عرفتهم لأول مرة كان عمر كل منهم لا يزيد عن الثمانية عشر عاماً وكانوا حديثى العهد بتلك المرحلة المهمة فى حياتهم , ألا وهى المرحلة الجامعية , كانوا بالفعل صغاراً .. فى شكلهم .. فى اهتماماتهم .. فى انصاتهم .. فى كلامهم ....

كانوا بالفعل صغاراً ...

وبصورة أو اخرى كنت انا سعيداً بمعرفة هؤلاء الصغار , وكنت اتوق انا ان تكون هذه المرحلة من حياتى معهم وطبقاً لرؤيتهم هم للأشياء , على الرغم من انى انا نفسى لم اكن اكبر منهم كثيراً فقط كنت ازيد عنهم اربعة اعوام , ولكن وإحقاقاً للحق كانت اربعة اعوام ممتلئة فى اغلبها بالخبرات والأهم انها كانت مفعمة بالمشاعر حتى وان كانت معظم هذه المشاعر نظرية ولم تجد الفرصة لكى تُطبق على ارض الواقع ولكنها فى النهاية جعلتنى اشعر وكأنى اكبر منهم بسنوات اكثر من الأربعة الحقيقيين .

 

هل كانت فى عيونهم براء ة ؟؟

قد لا يكون الامر قد وصل الى هذه الدرجة ..

ولكن هذا لم يمنعنى ابداً ان ارى فى كل منهم مساحة كبيرة ورائعة من البساطة والمتعة كانت رؤيتهم فقط كفيلة بأن تسعدنى ....

فهذا مصطفى ..

لقد جاء على وقت كان مصطفى فيه رمزاً للبهجة فى حياتى , على الرغم من انى كنت موقناً ان ما يفعله يتعارض الى حد ما مع شخصيته الأصلية التى لم يجد اى داع ان يظهر منها شئ فى علاقته بى ، كان يمثل شئ ربما كنت ابحث عنه لسنوات فى صديق اتمكن من ان اصادقة ويكون مثل مصطفى .. بالضبط مثل مصطفى .

وائل الديب ..

بلا ادنى شك كان بشكله وشخصيته الممثل الطبيعى والواضح للمرحلة التى انا مقبل عليها .. كان يبدو فعلاً صغيراً فى السن وكان يبدو شقياً .. كان يبدو كما لو كان يحب الحياة لأنها اساساً تحبه كنت اراه دائماً مبتهجاً وكأن ليس على باله شئ كان يبدو كما لو كان بلا اى هم .. لقد كنت اخاف انا من المرحلة الجديدة بسبب وائل .. ولما لا وهى اساساً كانت مرحلته .

 

وائل قدرى ..

كنت انتظر ان ارى من الجميع فى هذا المرحلة مستوى معين من الأخلاق والسلوك المهذب بصورة خيالية .. ولكن الجميع خذلنى .. إلا وائل قدرى ,ولعلى كنت ابالغ فى مستوى الأخلاق الذى انتظره من هذه المرحلة ولعل ظنى هذا كان بالفعل يتعارض مع الواقع حتى ولو كان فى هذه المرحلة , وهو ما أكتشفته انا بعد ذلك .. إلا وائل قدرى ..

لقد كان بالفعل شخصية محددة مرسومة سلفاً وهو الوحيد الذى شعرت انه لم يخوض المرحلة التى كنت اتابع فصولها مع الأخرين بإختصار لقد اتى الى المرحلة قوياً وظل متماسكاً خلالها بل ولن اكون مبالغاً ان قلت انه هو الذى كان يتابع التغيير الذى يطرأ على فى هذه المرحلة .

 

وائل محمد ..

ذلك الطفل الجميل الذى عرفته كان صاحب مفردات نادرة من وجهة نظرى .. انا لم اكن اتمنى من الحياة ان تهدينى صديقاً مثل وائل محمد ولكنها اعطتنى اياه وكأنها كانت تريد منى ان أكون شاكراً لها جداً .. فى هذا الوقت كان وائل محمد هو الأقرب الى والأحب الى كان حقاً هو الأفعل فى حياتى .

 

هيثم غيط..

هل كان حزيناً الى حدما ؟

كنت اشعر دائماً ان هيثم غيط لم يكن مستمتعاً بحياته !

كنت اراه دائماً كما لو كان ينتظر شئ ما يحدث لكى يبدء حياته معنا , كنت حذراً فى التعامل معه وكأنى اخشى دائماً ان اضايقة , احتجت لوقت طويل قبل ان اعرف ان التعامل معه ليس على هذه الدرجة من الصعوبة التى اتخيلها , وادركت اخيراً انه سيصبح من الأصدقاء المستمرين معى طويلاً .

 

************************************

 

كانت تلك نبذة صغيرة عن رؤيتى لكل من هؤلاء الأصدقاء , والأن آن الوقت ان اتحدث عن كلاَ منهم بتفصيل اكبر ووصف ادق ..

 

مصطفى ...

بسمرته وشخصيته كان بالفعل قمراً فى حياتى ...

كنت ارى مصطفى فى البداية بإعتبار انه مساحة السعادة فى اوقاتى القادمة , لم يزعجنى فيه اى شئ , شكله, اهتمامته, كيف يرانى , كل هذا كان مناسباً تماماً لى كنت افرح تماماً عندما اراه او اتعامل معه , ولعله هو لم يلحظ هذا الحب منى اليه ... أو هذا ما اظنه ..

وظللت دائماً اكن له هذا الأحساس الجميل حتى وان مر على فى بعض الأوقات ظنون بشأنه وكنت حينها اختبر بنفسى مدى صدق هذا الأحساس تجاهه كصديق ذو خصوصية , فعندما وقعت تلك المشكلة مع وائل عباس وسمعت تفاصيلها لم استطع ان ابرئ مصطفى من الخطأ فقد كنت اراه بالفعل مخطئاً وكانت تلك هى اللحظة الوحيدة التى كنت اتسائل حقاً فيها مع نفسى هل من الصواب ان تستمر صداقتى مع مصطفى ؟

حينها كنت بالفعل غاضباً من مصطفى ولمته كثيراً فى تفكيرى او مع الأصدقاء ولعلى تجاوزت الى حد كبير فى هذا اللوم الى الحد الذى اعتقد معه ان بعض اصدقائى كانوا يتوقعون بين لحظة واخرى ان انهى بالفعل صداقتى مع مصطفى , ولكن فى النهاية كانت علاقة الصداقة مع مصطفى متينة جداً وصادقة جداً الى الحد الذى لم استطع معه ان اتخذ مثل هذا القرار فكانت علاقتى به فى هذه الوقت هى من ناحيتى انا عبارة عن رجاء ..

رجاء ان يخلف مصطفى ظنى به ..

وان يثبت ان صداقتى به كانت تستحق هذا التقدير العالى جداً منى , ولكنه لم يفعل ..

ومع ذلك ظلت صداقتى به كما هى , رغم انى كنت اراه فى هذا الموقف مخطئاً لكنى لم يستطع هذا الأحساس يهزم اصرارى على ان نظل دائماً اصدقاء ...

ولعل هذا الغضب منى ذهب كلية عندما ذهبت اليه فى البيت وسمعت منه مبرراته ووجهة نظره فى الموقف ...

لقد برر كل شئ ..

وبغض النظر عما اذا كنت انا مقتنعاً بما يقول ام لا فقد قررت فى النهاية انه من المستحيل ان اتخلى عن هذا الصديق ..

فعندما فاتحته فى هذه المشكلة كنت اتصور انه بالفعل مستعداً لأى تضحية فى سبيل ان لا يعترف بخطئة , وقد لاحظتها وكأنها على طرف لسانه انه حتى لن يقبل منى اى كلام ان لم اتفهم مافعل بل ولعله كان متخذ لقراره بأن يقذف بالجميع ان تطلب الأمر ..

هذا ما كنت اكاد اراه انا من مصطفى فى هذا الوقت ...

ولكن ما كان بادياً بجلاء ووضوح حينها انه لم يفعل اياً من هذا بل على العكس لقد كان ودوداً معى وكأنه بالفعل يشترى خاطرى ..

كان كأنه يقول لى بالفعل .. مهما كان الأمر لن تكون انت ياهشام الثمن .. إلا انت .

وكم قدرت منه هذا الأحساس الذى شعرته حينها , وكم ثمنته غالياً , وادركت حينها ان صداقتى مع هذا الفتى اكبر كثيراً من ذلك الإختبار الذى وضعت فيه .

ولهذا اقول دائماً سيبقى معى مصطفى صديقاً قريباً منى جداً .. إن لم يكن هو الأقرب بالفعل .

واثبتت الأيام انى كنت مصيباً فهاهى الأيام تجرى والأحداث تدور ويبقى مصطفى دائماً هو من استطيع ان اتحدث معه واليه وهو من احب دائماً ان استمع اليه ,ولعله الوحيد الذى القاه بغض النظر عما يحتويه هذا اللقاء .. فقط احب دائماً ان القاه .. ولهذا اقول له بثقة ..

مصطفى سنظل دائماً اصدقاء .

 

 

وائل الديب ..

بينوكيو عندما يكون حزيناً ..

فى لحظة شعرت وكأن وائل قد قرر ان يكون سائحاً مع ملامح البشر المختلفة عنه , بدا كما لو كان يجرب مشاعر لم يكن ملزماً ان يجربها , كـأنه يخوض مرحلة لم تكن فى خط سير حياته المعتاد ..

هذا ما لا حظته من وائل بعد سنوات من معرفتى به على انه فقط هذه البهجة المنطلقة العفوية أو حتى المهتم بالأشياء على طريقة سفريات الترانزيت فلم يكن مضطراً من وجهة نظرى ان يعايش هذه الأحاسيس ولكنه قرر ان يعيشها , والمدهش انه عندما عاشها وعلى الرغم من انى كنت مندهشاً من هذا التعايش إلا انه فاجأنى بأنه يعيشها بصورة ناضجة وأنه يحوى فى جنبات عقله الكثير مما لم اكن ملاحظاً له فقد اكتشفت انه يستطيع إن اراد ان يفكر فى الأمور بعيداً عن سعادته الطبيعية ويهجته التى حبته به الطبيعة ليصل الى مراحل عالية من الألم الملهم والمعاناة التى تصنع المشاعر الراقية انه يفعل ذلك ببساطة وقدرة متمكنة لتكون هذه مفاجأة لى .

وعلى الرغم من انى احوز بعض التفسيرات التى اراها انا منطقية لمثل هذه التغيرات التى تبدو من آن لآخر عليه إلا انى فى النهاية لم استطع سوى ان اكن تقديراً لهذه البعد المفاجأة لى مع استمرار سعادتى لكونى اصادق ذلك الأنسان الذى هو فى الأصل الوان الربيع والبهجة المنطلقة مع اشجان الحياة الراقية عند اللزوم .. ولهذا فأنا لم افتقد صديق قديم بقدر ما اكتسبت صديق جديد.

 

وائل قدرى ..

الملاك الأبيض يصادقنى ...

هل تعرف احساس ملامسة نسيح من الحرير الناعم لبشرة ناعمة ايضاً ..

هكذا يكون الأمر عندما تصادق وائل قدرى ...

اتحداك ان تجد معه اى معاناة , أو ان تفكر ولو لثانية فى احساس سلبى تجاهه اذا اردت ان اقيم وائل قدرى فلن يختلف تقديرى عن تقدير اى مسلم متدين لأية قرآنية تتحدث عن الجنة ..

يكاد لا يلامس الأرض شأنه شأن الملائكة ..

ومع ذلك كان هذا الأنسان صاحب هذه الروح صديقى انا , فلا املك سوى ان اتأكد انى بالفعل محظوظاً ان نلت هذه الصداقة ..

ولا املك سوى ان اشكر الله على هذه الهدية الرائعة ..

اذن ..

فالحمد لله على صداقتى لك ياوائل .

 

هيثم غيط ..

النهر الهادئ ..

هو يبدو بأستمرار كما لو كان نهر هادئ ينساب ببطأ تكاد لا تلحظ معه انه ينساب اساساً , ولا تدرى معه هل هو عميق ام لا ..

احياناً تلاحظ فيه ملامح الحياة , واحياناً اخرى تراه كما لو كان بلا حياة فيه وتظنه حينها انه ليس نهر فى الأساس ..

تحتاج لوقت حتى تتأكد انه من الممكن ان يكون عفوياً وتحتاج ان تبذل مجهوداً لكى ترى ملامح الصخب به , وحين تجد الصخب تعرف حينها انه بالفعل نهر يعج بالحياة بمختلف انواع الحياة وكان مايعيق هذه الرؤية انك فقط كنت حينها فى مكان مظلم او ماشابه ..

فلم يكن العيب ابداً فى النهر بقدر ماهو فيك انت يا من تتعامل مع النهر ..

والان انا استطيع ان اتعامل مع النهر بوضوح بعد ان تأكدت انه ليس ميتاً ..

وانه ينساب ..

وانه لا يمانع فى مصادقتى له ..

فسعدت انا جداً بهذه الصداقة ..

وتمنيت ان اجارى النهر فى انسيابه ..

فهل استطيع ذلك ..

 

 

وائل محمد ..

هرج ومرج وسعادة كانت ..

عندما اهم بالحديث عن وائل محمد .. احتار ..

عن ايهما اتحدث وائل محمد الذى عرفته بداية , ام وائل محمد الذى صار ..

فهما يتفقان فى ملامح ظاهرة كثيرة ...

ولكنهما يختلافان كلية فى احساسى انا بكلاً منهما ...

فالأول كان فى منتهى البساطة والعفوية والمرح , لدرجة انى كنت اتخيلة عملة نادرة ينبغى على ان احافظ عليها بكل الحرص ..

وكان يبدو كما لوكان طفلاً لا يأبه برأى الكبار فى شقاوته ..

فقد كان سعيداً بمرحة وانطلاقته والتى يسحبنى معه فيها الى لحظات من السعادة التى لا يصنعها سواه ..

حتى كانت لحظة ..

قد اكون مدركاً لها .. وقد لا اكون ..

لعلها كان كلمة .. أو معنى بعث له..لا ادرى على وجه الدقة ..

ولكن الكارثة حلت واستجاب هو لرسالة التغيير التى جأته ..

و تغير ..

تغيراً هو بالتأكيد من حقة ..

ولكنه كان مؤلماً لى لأنى حينها بلا ادنى مواربة فقدت وائل القديم وجأنى وائل اخر يشبه الأخر تماماً ويسلك معظم سلوك وئل القديم .. ولكنه ليس هو ..

لقد تغير ..

وفقد الكثير من اوجه الندرة التى كنت اراها فيه وكاد ان يكون مجرد صديقاً حميماً ..

فقط حميماً ..

ولا ادى إن كان وائل يدرك ماهو الذى خسره بالضبط..

إلا انى اعرف عظم ما خسرته انا بالفعل ..

ولن اطلب من وائل ان يعود ..

لأن هذا مستحيل ..

فهو لن يعود ..

ابداً .