النسخة

 

 

من السهل على الأنسان ان يشرد فى أحلام اليقظة الجميلة خاصة إذا ما كانت رومانسية مع وجه جميل يحبة ويحب رؤيته دائماً , لهذا لم يكن صعباً على وليد وعلى الرغم من قيادته لسيارته قرب الفجر وهو عائداً الى منزله ان يتخيل وجه نرمين الجميل وهى تكلمه او تبتسم له أو حتى يتخيله .. فقط يتخيله ..

كانت الأمسية فى الشتاء ورذاذ خفيف من المطر يتساقط على الزجاج أمام وليد والهدوء الكامل فى شوارع المعادى يصنعوا مجالاً رائعاً امام مشاعر وليد لكى تتجسد فى شكل الجميلة نرمين وهو ما جعل وليد يقود سيارته وعلى شفتيه إبتسامة هادئة بادى عليها تماماً دفئ الإحساس بداخله ,و لم يقطع ذلك الأحساس على وليد سوى وصوله الى بيته فترجل عن السيارة وبخطوات سريعة كان بداخل المنزل ليتجه الى غرفته وينزع ملابسه والتى عليها اثار قليلة للمطر ويرتدى ملابس البيت المريحة ثم يلقى بنفسه على ذلك الكرسى الهزاز ويشعل سيجارة – وهى العادة الجديدة تماماً عليه – ليراقب دخانها وهو يتصاعد امامه فى هدوء ومازالت صورة نرمين تتبدى امامه وهو مستمتع تماماً بهذا الخيال الجميل قبل ان يغلبه النوم .

أستيقظ وليد فى اليوم التالى على صوت نقر والدته على الباب لكى توقظه ليذهب الى عمله ليكتشف أنه نام الساعات القليلة التى نامها على الكرسى الهزاز مما جعله يتأوه وهو يتمطع , ولكنه لم يكن يملك ترف ان لا يذهب الى علمه اليوم مما أجبره ان ينزع عن نفسه كل مظاهر التكاسل ويتجه الى الحمام ليحصل على دش سريع ازال الكثير من الإرهاق عن جسده قبل ان يرتدى ملابسه على عجل ويتجه الى مائدة الإفطار ليجد ان اباه وامه قد سبقاه الى بدء تناول طعامهما , جلس وليد بجوار والدته وعلبة السجائر بادية فى جيب جاكت البدله مما حدا بأمه ان تقول له فى إستنكار وحزن :-

- أنا لا ادرى ما الذى جعلك تتجه فجأه التدخين هكذا , لقد كنت دوماً تكره حتى رائحة السجائر ؟!

لم يرد وليد على امه لأنه كان يعلم انه لا يوجد رد مناسب على ماتقوله , فهو نفسه لا يعرف لماذا مال فجأة الى التدخين , فأكتفى بأن هز كتفيه من دون ان يعلق , فتساءلت امه وكأنها تريد ان تغير الموضوع قائلة :-

- هل ستأتى اليوم على الغداء ام ستتناول الطعام بالخارج مثل الأمس ؟

وليد:- كلا بل سأتى على الغداء .

ثوانى وكان وليد قد انتهى من تناول افطاره وكأنه كان يريد ان ينهيه بسرعة قبل ان يتدخل والده ايضاً فى الحوار والقى بالتحية على أمه وابيه قبل ان ينصرف مسرعاً .

 

**************************

 

جلس وليد على مكتبه وإمامه جهاز الكمبيوتر وهو يطلق تنهيده قوية دلالة على انه قد مل هذه الرتابة اليومية فى عمله – والذى كان متحمساً له دائماً – وقد بدا وكأنه لا يريد ان يبدء عمله فى هذا اليوم , ولكنه كان مجبراً على ان يبدء عمله فما كان منه إلا ان ضغط على زر التشغيل لجهاز الكمبيوتر محاولاً ان يتخطى حالة الملل تلك ولكن مع بدء سماعه للأصوات التقليدية التى يصدرها الجهاز فى بداية عمله حتى كان الملل قد تملك منه فلم يجد بداً من يغلق الجهاز ثانية وهو ينظر حوله لعله يجد ما يزيل عنه هذا الملل دون جدوى فما كان منه سوى ان شبك يديه خلف رأسه وأغمض عينيه وقد قرر ان يشرد قليلاً فيما قد يكون مسلياً له , ولكن لم تمض دقيقتين إلا وأنتبه على صوت نحنحه رقيقة كان واضحاً ان الغرض منها هو اثارة انتباهه الى ان هناك من يقف امامه .

أعاد وليد يديه الى المكتب وفتح عينيه ليجد امامه سيدة فى حوالى الأربعين من عمرها ترتدى فستان نبيتى غامق عليه بعض النقوش الداكنة مما يظهره كما لوكان تحفه قديمة يتماشى تماماً مع ملامح السيدة الرقيقة بشعرها الأسود الفاحم القصير وانفها الدقيق وعينيها الواسعتين والتى على الرغم من جمالهما الواضح كانتا تشعان صرامة لم تكن خافية ابداً عن وليد , استعاد وليد نشاطه قدر الإمكان وهو يقول للسيدة بلهجة معتذرة :-

- عفواً .. هل من خدمة اؤديها لك ؟

قالت السيدة بصوت هادئ يتناسب تماماً مع ملاحها :-

- إرجو ألا اكون قد ازعجتك ..

وليد :- ابداً .. تحت امرك .

السيدة :- لقد أتصلت بالأمس بالشركة هنا للإبلاغ عن عطل اصاب النظام الشبكى الذى ركبتموه لشركتى .

وليد متسائلاً :- أى شركة ؟

السيدة :- شركة دارجو للأستيراد والتصدير .

تذكر وليد على الفور الشركة وهو يقول :-

- آه .. بالطبع .. لقد ركبنا الشبكة عندكم منذ شهر مضى .

السيدة :- وهذا هو ما اثار اهتمامى انا الشخصى ..فلم يمضى على تركيب الشبكة شهر وحدث العطل الذى احدثك عنه .

هنا استعاد وليد اهتمامه وروح العمل بالكامل وهو يقول للسيدة مبتسماً :-

- حدوث العطب بعد التركيب بفترة قصيرة ليس بالشئ الخطير على كل حال , وانا واثق انه سيكون شئ بسيطاً .

هنا رفعت السيدة حاجبها وكأنها غير مقتنعة وهى تقول :-

- الى هذا تثق فى بساطةالمشكلة من دون حتى ان تعرف ماهي بالضبط ؟!

وليد :- على كل حال ثقى تماماً ياسيدتى اننا سوف نتعامل مع المشكلة عندك بمنتهى الجدية وفى الغد سأرسل اليك اثنين من المهندسين لكى يحلو المشكلة تماماً .

بدا على السيدة انها ترفض درجة اهتمام وليد بالمشكلة وهى تقول :-

- أهذه هى الجدية التى تدعيها أيها المهندس !

حينئذ ادرك وليد ان السيدة لن تقبل بأقل من اهتمام كامل بمشكلتها فما كان منه سوى ان قال للسيدة :-

- لك ما تريدين ياسيدتى الشركة كلها تحت امرك .

السيدة :- لقد جأت اليك مبكراً اليوم لكى تحل لى المشكلة اليوم وليس غداً .. كما انى لن اقبل من مظاهر الجدية التى عرضتها بأقل من ان يأتى المهندس وليد المسئول عن تركيب الشبكات وصيانتها الى الشركة لكى يرى المشكلة بنفسه .

لم يجد وليد بداً من ان يقول للسيدة فى إيجاب :-

- تحت امرك ياسيدتى , اليوم سأتى انا بنفسى مع المهندسين اللذين سيقومون بحل المشكلة .

هنا اخرجت السيدة سيجارة قبل ان تبحث عن ثقاباً لا تجده مما حدا بوليد ان يشعل لها السيجارة بنفسه قبل ان تقول السيدة بلهجة بدت الى وليد غامضة قليلاً :-

- هذه هى الجدية التى سأقبل بها ... إلى اللقاء.

بمجرد ان انصرفت السيدة اطلق وليد العنان لبعض مظاهر التعجب ان تظهر على وجهه مندهشاً من أسلوب السيدة الغريب الى حد ما ,ولكنه فى النهاية لم يهتم بالأمر كثيراً فقد كان معتاداً دائماً على التعامل مع مختلف أنواع الناس فى عمله هذا , ولكن الفائدة الحقيقية لهذه الزيارة هى انها اعادت وليد الى اجواء العمل مرة اخرى وهو ما وضح عليه وهو يضغط زر بدء العمل لجهاز الكمبيوتر وقد استعد تماماً للتعامل معه بلا ملل هذه المرة .

 

***************************

فى نيروبى بكينيا وفى ذلك المقر الصغير ولكن بأناقة لشركة انجليزية عريقة فى تجارة الأخشاب كان هناك اجتماع ثلاثى بدا على وجوه الثلاثة الموجودين فيه أمارات الجدية والأهتمام مما كان يوحى بأن الأجتماع فى الغالب لم يكن عن الأخشاب, وهذا ما وضح جلياً فى حديث الثلاثة معاً حيث بدا الشاب الوحيد فيهم محتداً وهو يقول للأخرين :-

- أنا لا ادرى فيما انتظارنا هنا للنتائج طالما كان من الممكن ان نتابع الموقف بالكامل معها ؟!!

قال احد الرجلين الأكبر فى السن بهدوء متعمد لكى يحبط قليلاً من حدة الشاب :-

- ان ما تقوم به مارى ليس على هذه الدرجة من الخطورة حتى نقوم به بنظام المتابعة الكاملة , كما ان الخبراء هم اللذين يطالبون بأستمرار بأن نعطى الفرصة للعناصر ان تتعامل مع الأموربصورة ذاتيه لصقل مهارتهم .

تدخل الرجل العجوزالأخر فى الحوار قائلاً بلهجة بدت فيها السخرية واضحة :-

- يبدو ان جانس دائماً على هذه الدرجة من الحدة إذا ما تمت ادارة اى موقف بصورة تتعارض مع ما يراه هو , حتى وان كان رأى الخبراء هو ما يتم تنفيذه .

لم يحاول الشاب جانس ان يمنع الحدة الواضحة فى حديثة حتى مع ادراكة ان العحوز كوب كان الى حد ما يتعمد ان يستفزه حيث قال بعصبية :-

- أن رأى الخبراء فى النهاية عرضة للتغيير طبقاً لظروف العمل الفعلية , فما المانع ان نتابع مارى وهى تقابل القطعة المصرية ونرى كل التفاصيل بأنفسنا , على الأقل نستطيع حينها ان نحكم على الأمور طبقاً لما نراه وليس طبقاً لما تحكيه لنا مارى .

قال العجوز الأخر مانعاً لجانس من التطاول على مارى ولينهى الحوار غير المجدى بين جانس وكوب :-

- ان مارى عنصر قدير ورؤيتها للموقف وتحليلها له ليست محل شك , وانا أحذرك انت و كوب من الأستمرار فى العمل بهذا الأسلوب وإلا سوف اطلب من القيادة تغييركما .

وكأن كوب هذا بأستمرار بارداً فقد احتفظ بإبتسامة هادئة على وجهه وهو يستمع الى كلمات دراو على عكس جانس الذى أبتلع ضيقة متأففاً وقد انصاع تماماً لتهديد دراو وهو يقول :-

- انا فقط ابحث عن الفائدة والأفضل .

رد عليه دراو وكأنه يصر على توضيح انه القائد هنا قائلاً :-

- نحن جميعاً نعمل من اجل الأفضل جانس تذكر هذا دائماً .

ثم اردف موجهاً حديثه الى كوب قائلاً :-

- بمجرد ان تتصل بك مارى عليك بإبلاغنا فوراً .

أومأ كوب برأسه موافقاً وقد تخلى عن ابتسامته الباردة قبل ان ينهض دراو من مقعدة ويذهب الى خريطة للعالم بدت الى حد كبير كما لو كانت تاريخية – وهو ما يتفق مع الديكور العام للمكان- قبل ان يقول :-

- ما تختلفون عليه الأن هو مشكلة واجهنا مثلها كثيراً من قبل ولا يوجد اى مبرر للتوتر الذى انتم عليه , فعملية القطعة المصرية ستتم بصورة مثالية بلا أخطاء .

هنا لم يستطع كوب والذى يبدو انه يهوى استفزاز الجميع من ان يمنع قوله بشئ من السخرية

- نرجو فقط أن لا تتم العملية مثل تلك التى جرت مع القطعة الكورية .

هنا التفت اليه دراو وقد بدا عليه الغضب بالفعل ولكنه غضب لم يظهرفىحديثة حيث قال وهو يكاد يضغط على حروف الكلمات :-

- عملية القطعة الكورية كان لها ملابساتها , وهو ما لن يحدث هنا بأى حال من الأحوال .

بدا على جانس انه لا يعرف أبداً ما الذى جرى فى عمليةالقطعة الكورية وهو ينظر الى الأثنين متسائلاً , مما حدا بكوب ان ينتظر من جانس سؤال عن تلك العملية , ولكن جانس لم يغفل الغضب الذى بدا على وجه دراو مما جعله يتغاضى عن ذلك السؤال الذى كان بالفعل يتمنى ان يسأله .

 

*****************************

 

كانت شركة السيدة التى جأت الى وليد فى الصباح عبارة عن شقة كبيرة فى بناية فاخرة , وعلىالرغم من انها لم تكن كبيرة المساحة إلا ان الفخامة كانت بادية على الديكور والأثاث بل وحتى العاملين بها , فهذه البنت التى استقبلت وليد والأثنين المهندسين معه كانت حسنة المظهر وكان بادياً انها خريجة ارقى الجامعات , ولكن هذا لم يدهش وليد كثيراً على الرغم من انها كانت الزيارة الأولى له لهذه الشركة فقد كان معتاداً على ان عملاؤه دائماً من المستوى الأول فى المجتمع , وكان واضحاً ان السكرتيرة متوقعة قدوم وليد ومن معه فبمجرد ان عرفت من هم اصطحبتهم الى احدى الغرف التى بها الأحهزة الخاصة بالشبكة المطلوب اصلاحها وتركتهم مع المسئول بالشركة عن الشبكة وعادت الى عملها , لم يمض وقت طويل ووليد يتابع مع المهندسين اصلاح العطب والذى تأكد وليد من انه ناتج عن قلة خبرة من تعامل مع الشبكة بالأضافة الى انه كان عطباً بسيطاً جداً ما كان يحتاج من المهندسين معه وقت طويلاً ولكن وقبل ان ينتهى المهندسين من عملهم جاءت موظفة الأستقبال مرة اخرى الى وليد تخبره ان السيدة تريده قائلة :-

التفت وليد الى الفتاه مجيباً قائلاً

- اجل .

الموظفة :- السيدة ماجدة تريدك فى مكتبها .

أومأ وليد برأسه موافقاً وهو يقول

- وهو كذلك .

ثم اتجه مع الموظفة التى اصطحبته الى مكتب السيدة ماجدة ثم تركته بعد ان دعته السيدة الى الدخول .

بمجرد ان جلس وليد بعد ان دعته السيدة ماجدة الى الجلوس بدء هو الحديث قائلاً :-

- كما قلت ياسيدة ماجدة ان العطب الذى اثار قلقك لم يكن ذا بال على الأطلاق وسيتم اصلاحة فى دقائق .

بدا على السيدة ماجده انها غير مهتمة بالعطب وهى تقول لوليد :-

- يبدو انك قد عرفت اسمى الذى لم تسألنى عنه فى الصباح مهندس وليد !

بدا على وليد شئ من الحرج وهو يتذكر انه بالفعل لم يتعرف بالسيدة فى الصباح على الرغم من انها كانت تعرف اسمه , ولكنه قال بلباقة للخروج من الموقف :-

- أعتقد انك لم تتيحى لى الفرصة لكى اتعرف عليك فى الصباح فقد انصرفت بسرعة من دون حتى ان اقوم معك بواجب الضيافة .

أبتسمت السيدة وهى تقول وكأنها تصر على إحراج وليد :-

- ولكن انا لن يفوتنى ان اقوم معك بواجب الضيافة , ماذا تشرب ؟

قبل ان يبدى وليد اعتراضه على العرض المقدم منها كانت السيدة بالفعل تضغط زر على مكتبها لتأتى السكرتيرة فلم يجد وليد بداً من ان يطلب عصير ليمون وطلبت السيدة لنفسها فنجان من القهوة .

بمجرد خروج السكرتيرة من المكتب قالت ماجده لوليد :-

وليد :- أبداً .. فمن الصعب ان يصاب النظام الشبكى الذى ركبناه هنا بأعطال جاده فى مثل هذا الوقت القصير .

ماجده :- ولكن ماهو اذن العطل الذى اصابها ؟

ثم اردفت معقبة قبل ان يجيب وليد قائلة :-

- ولا تنسى أيها المهندس أنى اجيد تماماً التعامل مع الكمبيوتر ..

واشارات الى جهاز الكمبيوتر على مكتبها وهى تقول :-

- فأنا اتعامل مع هذا الجهاز منذ سنوات طويلة .

أبتسم وليد وهو يقول للسيدة محاولاً قدر الإمكان ان لا يقلل من شأنها :-

- ولكن التعامل مع اجهزة الكمبيوتر الشخصية لايعنى ابداً انك تستطعين فهم الأنظمة الشبكية التى نقوم بتركيبها حتى وإن كنت تتعاملين معها من خلال جهازك الشخصى .

بدا على السيدة ماجده انها تريد أن تذهب بالحوار الى منحى اخر وهى تقول لوليد وكأنها مندهشة :-

- آهه .. فأنت تريد ان تقول ان ظنى بأنى افهم فى عملكم هو ظن خاطئ ؟

لم يلتفت وليد الى أحساسه بأن ماجده تغير مجرى الحوار وقال بشئ من الحذر :-

- ليس عيباً ان يجهل المرء شيئاً ما , فمن منا يعرف كل شئ ؟

بدا على وجه السيدة ماجده الأرتياح لكلام وليد وهى تقول :-

- من منا يعرف كل شئ ... أعتقد انها كلمه له دلالة اليس كذلك ؟

بدا وليد يتأكد ان السيدة ماجدة تتعمد ادارة الحوار بأسلوب محدد وكأنها تريد الوصول الى نقطة معينة , ولكنه للمرة الثانية يتجاهل هذا الأحساس وهو يجيبها قائلاً :-

- اعتقد ان الأحمق فقط هو من يثق بشئ لا ينبغى الوثوق به .

بدا وكأن الحوار ممتعاً بالنسبة الى ماجده وهى تقول مرددة عبارة وليد للمرة الثانية :-

- شئ لا ينبغى الوثوق به .. يبدو انك بالفعل تقول معانى راقية مهندس وليد , ولكن دعنى اسألك ولو من باب الحديث فقط , ماهى الأشياء التى لا ينبغى للأنسان ان يثق بها ؟

بدا على وليد الحيرة من السؤال وقد ادرك بالفعل ان السيدة لسبب او لأخر تتحدث بأسلوب غير معتاد ، ولذلك فقد قال وليد فى نبرة كان واضحاً منها انه لا يريد الخوض فى هذا الحديث :-

- أعتقد انه سؤال صعب الى حد كبير وبالتالى فمن الأفضل ان يوجه الى خبيرفى هذا الشأن.

لم يكن عسيراً ان تصل رسالة رفض الأستمرار فى الحديث من وليد , فأبتسمت متفهمة قبل ان تقول مقرة له رأيه :-

- أعتقد انك على صواب لابد لهذا السؤال من خبير للرد عليه ..

ولكنها اردفت وكأنها لا تريد ان تنزع عن نفسها حق السؤال قائلة :-

- ولكن هذا لا يمنع اى منا من يتساءل من آن لآخر عما ينبغى ان يثق به بصورة مطلقة اليس كذلك ؟

بدا على وليد الحيرة بوضوح من اصرار السيدة على الأستمرار فى هذا الحوار على الرغم من انه اوضح انه لا يريد الأستمرار فيه , مما حدا بماجدة ان تبتسم لرؤية هذه الحيرة على وجه وليد , ولكن وقبل ان يعلق وليد على السؤال الأخير لها دلف الى الغرفة المهندسين وكان من الواضح انهما قد انتهيا من عملهما مما اعتبره وليد نجدة له من هذا الحوار الغير صريح فقال لهما بشئ من الرضا والتى ازدادت معها ابتسامة ماجده :-

- هل انتهيتما ؟

قال احد الرجلين :-

- اجل فلم تكن مشكلة حقيقية على كل حال .

هنا التفت وليد الى ماجده وهو يقول لها فى تأكيد منه على انه كان مصيباً :-

- أرأيت لم يكن الأمر ذى بال على الأطلاق .

أبتسمت ماجده وهى تقول له :-

- لابأس أيها المهندس .. فقد كنت اتوقع منكم بالفعل هذه الجدية فى التعامل مع المشكلة .

أبتسم وليد وهو يسمع من السيدة اخيراً كلاماً طبيعياً قبل ان يسألها من باب الروتين :-

- هلى تريدين منا أى خدمات اخرى ؟

ماجدة :- كلا شكراً لك ..

ولكن قبل ان ينصرف وليد والرجلين قالت ماجدة وكأنها تصر ان يكون الأنطباع الأخير الذى تتركه مع وليد هو ان يكون مندهشاً منها :-

- ولكن دعنى اقول لك أيها المهندس ... هل من الممكن ان يكون ما لا ينبغى ان نثق به هو الحياة نفسها ؟!!!

هنا وكأنه يتخلى عن كل مظاهر الذوق اخذ وليد ينظر الى ماجده وكأنه يريد ان يعرف بالضبط ما الذى ترمى اليه من هذا الحوار فلا هى تبدو غريبة الأطوار لكى يتعامل معها على هذا الأساس ولا هى تبدو امرأة لعوب , فما السبب الذى يجعلها تتحدث اليه بهذا الأسلوب الغريب.

بدا على الرجلين بعض الحرج وهم يرون ان هناك حوار ما كان يدوربين رئيسهم والسيدة لم يكونوا هم طرف فيه وعلى ذلك هم الرجلين بالأنصراف على ان يلحق بهم وليد بعد ان ينهى حديثه مع السيدة , ولكن وليد لم يستمر فى الحديث معها واكتفى بأن هز كتفيه وقد قرر ان لا يخفى أمارات التعجب على وجهه وهو ينصرف ليلحق بالرجلين اللذين لم يغادرا الغرفة بعد.

 

********************************

 

فى ذلك الكازينو الهادئ على النيل جلس وليد شارداً تماماً وهو فى انتظار نرمين التى اتصل بها بعد انتهاء عمله وطلب منها ان توافيه فى ذلك المكان على الرغم من انه كان قد وعد والدته بأنه سوف يعود اليوم فى موعد الغداء , ولكن حالة الأحباط التى تلازمه كثيراً فى هذه الأيام حالت دون ان يستطيع العودة مباشرة الى البيت بعد أنتهاء العمل فلم يجد غير نرمين لكى يقضى معها بعض الوقت .

بمجرد ان رأت نرمين ان وليد جالساً فى انتظارها قررت ان تفاجئه فتعمدت ان تأتى من خلفه لتسأله فجأه وبمرح :-

- ترى ما الذى يشغل بال الفتى الوسيم ؟

على الرغم من ان احساس الاحباط عند وليد قد صار دائماً إلا انه بمجرد ان رأى نرمين امامه شعر بشئ من السعادة تسرى فيه فأجابها برقة كاملة :-

- ليس إلا فتاة رائعة الجمال .

وكأنما راق لنرمين هذا المنوال فى الحوار فقداستمرت فى السؤال بنفس النبرة المرحة قائلة :- ومن هى هذه المحظوظة التى تصفها برائعة الجمال ؟

على غير المتوقع منها لم يتمادى وليد فى الحوار الذى يروقها وانما اجابها بصورة جادة ولكنها لم تخلوا ابداً من الرومانسية قائلاً :-

- انت .

على الرغم من ان الحوار انتهى مبكراً عما تريد نرمين إلا ان النبرة الصادقة فى كلام وليد كانت كافية تماماً لها ولم تكن تريد المزيد , ولكن هذا لم يكن ليمنعها من ان ترى ان وليد يبدو مهموماً بصورة ما مما دفعها ان تسأله بجدية :-

- ماذا بك يا وليد تبدو مهموماً .. ماذا بك ؟

كان وليد يتمنى ان تتاح له الفرصة لكى يتحدث الى نرمين بالذات عما يعتريه الأن من احباط وقلق لا يدرى له سبب مقنع على الأطلاق , ولذلك فقد اعتبر سؤال نرمين هذا هو اللحظة المناسبة التى من الممكن ان يتحدث فيها عما به فقال :-

هنا ادركت نرمين ان ما يعانيه وليد مشكلة حقيقية , على الرغم من ان وليد لم يكن فى حياته ما يجعله يعانى المشاكل عموماً أو ان يحمل هموم من تلك التى يبدو على وليد انها بالفعل يحملها الأن , فتساءلت مرة اخرى لتفهم بالضبط ما الذى يعانيه وليد قائلة :-

- انا لم افهم ماهى المشكلة يا وليد ؟ هل هناك مايضايقك فى العمل أو البيت ؟

ادرك وليد ان مجرد ان تفهم نرمين المشكلة التى يعانى منها لن يكون بالشئ الهين ولكنه كان مصراً على ان يفضفض اليها بما يجيش به مهما كان الأمر غامضاً بالنسبة لها وحتى إن لم تفهم بالضبط مشكلته – لأنه هو نفسه لا يفهمها بوضوح – فقد كان يريد فى المقام الأول ان يتحدث اليها هى بالذات فقال :-

- أنا اعرف ان الأمر سيبدو لك غامضاً لأنه يبدو غامضاً لى انا نفسى , ولكنى فى نفس الوقت لا استطيع ان اتجاهله أو ادعى انه غير موجود .. هناك شئ ما يجرى لى يانرمين وانا لا أدرى ما هو وهذا هو ما يحيرنى كل هذه الحيرة .. انا لا ادرى ماهو .

بالتأكيد لم تفهم نرمين الأمر من كلمات وليد ولكنها لم تكن تستطيع ان لا تتحدث معه عن المشكلة التى يعانيها فقالت له وهى تبذل مجهوداً ان لا يكون كلامها بعيداً عما يعانى وليد قائلة :-

- لعل الأمر لا يخرج عن الملل ياوليد .. لعلك فقط تريد تغيير نمط حياتك لكى تتحايل على الرتابة التى انت عليها ؟

بدا على وليد عدم الإقتناع برأى نرمين وهو يقول :-

- لا أظن الأمر بهذه البساطة ..

على الرغم من حيرة نرمين إلا انها حاولت قدر المستطاع ان تغالب تلك الحالة عند وليد فقالت بشئ من المرح :-

- يبدو انك تعانى من تلك المشاكل التى يعانى منها المترفين عادتاً ياوليد .

لم يجد وليد بداً من ان يبتسم لنرمين وهو يرى محاولتها معه لإزالة هذا الإحباط عنه على الرغم من بساطة ما تفعله مما جعله يقول فى موافقة ظاهرية لم تغب ظاهريتها عن نرمين :-

- لعلك على حق لعلى فقط قد مللت رتابة حياتى .

وكأنما تصر نرمين على ان تجعل المرح هو ما يغلف حوارها مع وليد لكى تخرجة من الحالة المزاجية السيئة التى هو عليها قالت :-

- وانا التى كنت اظن انك طلبت لقائى اليوم لأنك تشتاق الى !

كان من السهل على وليد ان يقول لنرمين كلاما ًرومانسياً بلا صعوبه لأنه بالفعل يكن لها مشاعر صادقة , لذلك بدا صادقاً بل رائعاً وهو يقول لها :-

- أنا لا انساك ابداً يانرمين , قد تظنين انى ابالغ أو اجاملك عندما اقول لك هذه الكلمات , بل أكثر من ذلك لعلك تقولين انى قد سبق لى قول هذا الكلام لفتيات من قبلك وقد تندهشين إذا قلت لك انى بالفعل قلت هذا الكلام لفتيات قبلك , بل لعلى قلت ماهو اكثر من ذلك , ولكن الفرق فقط يكمن فى مدى الصدق الذى احدثك به الأن يانرمين فهذا الصدق فى الإحساس لم اشعر به ابداً فى حياتى قبل ذلك , صدقينى يانرمين انت بالفعل اول فتاة فى حياتى .

ظلت نرمين لثوانى طويلة تنظر الى وليد من دون ان تعلق على كلامه , ولم يحاول هو ان يستحثها على الكلام ولكنه اكتفى هوالأخر بأن اخذ ينظر اليها قبل ان يخرج صوت نرمين فى منتهى النعومه وهى تقول له :-

- أنا لا اعرف ياوليد ماهو أحساسى الأن ؟ صدقنى انا لا اعرف ما هو احساسى الأن ! .. ولكن كل ما اعرفه وادركة بوضوح هو انى فى حياتى كلها لم اكن سعيدة ابداً كما انا سعيدة الأن .. أو تعرف شيئاً .. حتى وان لم تكن صادقاً .. حتى وإن كنت انا مجرد فتاة اخرى فى حياتك , فلن انسى لك ابداً هذه اللحظة الرائعة التى جعلتنى اعيشها , انا اشكرك بالفعل ياوليد, اشكرك حتى وأن لم اراك ثانية ... وان كان كل ما ستفعله من اجلى هى فقط هذه اللحظة فأنا اشكرك عليها جداً .

كانت لحظة رائعة للأثنين .. للحبيبين ...

هل تبادلا حديث اخر بعد ذلك .. هل اكتفيا بأن ظلا ينظران لبعضيهما .. هل انصرفا بعد ذلك مباشرة .. لعلهما لم يتذكرا ابداً ما الذى حدث بعد ذلك .. ولكنهما ابداً لن ينسى هذا الحوار القصير بينهما والذى اكد لكيلهما انهما بالفعل يحبان .. يعشقان بعضيهما .

 

*****************************

 

كانت مفاجأة للأم عندما اخبرها وليد انه سوف يسافر الى اسوان لمدة اسبوع فى رحلة استجمام , فلم يكن لها مقدمات , ولم يتحدث عنها قبل ذلك , فجأ جاء لها قبل السفر بيومين ليخبرها بذلك قائلاً وهما يتناولان طعام العشاء وحدهما حيث كان الأخرين بالخارج :-

- لقد طلبت اجازة من العمل لمدة اسبوع وتمت الموافقة عليها ..

الام مندهشة :- ولماذا هذه الأجازة ؟!

وليد :- لقد قررت ان اذهب الى اسوان لمدة اسبوع من يوم الجمعة القادم .. فقط للأستجمام والتغيير .

الأم :- ولكن فجأة هكذا !

وليد :- انا نفسى لم اكن اخطط لهذه الرحلة .. ولكنى بدأت اشعر مؤخراً ببعض الملل مما جعلنى اشعر بأنى ينبغى على ان اقوم برحلة على سبيل التغيير.

لم يبدو على الأم انها مقتنعة تماماً بما يقوله ابنها مما حدا بها ان تسأله فى حذر :-

وليد :- ابداً ..

الأم :- ولا مع نرمين ؟

أبتسم وليد وهو يرى حيرة امه قبل ان يقول لها بصورة حاول بها ان ينزع القلق عن امه قائلاً :-

- صدقينى يا أمى لا توجد مشاكل بالمرة .. الأمر فقط انى اشعر ببعض الملل و ألإحباط .

رددت امه الكلمة بشئ من الإستغراب قائلة :-

- الإحباط !! .. ولماذا الإحباط ؟

قال وليد وقد مل كثرة الحديث عن حالته التى هو عليها هذه الأيام :-

- لا ادرى يا أمى .. فقط اشعر بشئ من الإحباط .

على الرغم من ان الأم لم ترى ابنها من قبل مستاءاً ومحبطاً هكذا إلا انها كانت ماتزال ترى ان موضوع الرحلة المفاجئة يعتبر غريباً فتساءلت قائلة :-

- هل هناك احد سوف يسافر معك ؟

وليد :- كلا فأنا اريد ان أكون وحدى فى هذه الفترة .

فى النهاية لم تجد الأم بداً من ان تخفى دهشتها من الرحلة خاصة وانها ترى ان الحالة التى عليها ابنها بستدعى بالفعل ان يقوم بمثل هذه الرحلة .

 

*************************

 

فى الصباح الباكر من يوم الجمعة كان وليد يلقى بالتحية على الجميع وهو فى طريقة الى محطة القطار والذى اصر على استخدامة بدلاً من الطائرة لأنه منذ سنوات لم يركب القطار حتى وان كانت الرحلة فيه سوف تستغرق ما يقارب الأثنى عشر ساعة , وظلت الأم تتابع الأبن حتى غاب عن نظرها فى سيارة التاكسى فى المنعطف قبل ان تعاود وتتجه الى التليفون وتتصل بنرمين وهو الأتصال الذى كانت تؤجله حتى يسافر وليد لعلها تفهم منها ما الذى اعترى أبنها فى الأونة الأخيرة .

ردت نرمين فى الطرف الأخر وهى تظن ان من يتصل بها هو وليد فقالت :-

- أهلاً وليد أو لم تسافر بعد ؟

ردت الأم فى هدوء :-

- أهلاً نرمين انا والدة وليد .. لقد سافر وليد بالفعل .

دهشت نرمين لوهلة فلم تتلقى قبل ذلك اى تليفون من والدة وليد , ولكنها لم تبد هذه الدهشة وهى تقول مرحبة :-

- أهلاً بحضرتك ..

الأم :- لعلك مندهشة من اتصالى بك اليس كذلك .

بأسلوب مهذب نفت نرمين ان تكون مندهشة وهى تقول :-

- كلا .. بالعكس لقد كنت اتمنى دائماً ان أتكلم مع حضرتك , لقد حدثنى وليد كثيراً عنك ..

الأم :- وانا أيضاً حدثنى وليد كثيراً عنك ولكن لم تتح الفرصة ان اتحدث اليك قبل ذلك .

نرمين :- على كل الأحوال انها فرصة سعيدة ان اتحدث اليك الأن , وانا اشكرك على انك التى اتصلت بى .

الأم :- على كل الأحوال كان لابد وان نلتقى انا وانت .. وان كنت اتمنى ان يكون فى ظروف افضل من تلك التى احدثك فيها .

كانت جملة الأم كفيلة بأن تثير القلق فى نفس نرمين التى بدا عليها هذا القلق وهى تسأل الأم قائلة :-

- خيراً .. هل حدث ما يسوء ؟

الأم :- أتمنى ان يكون خيراً .. واتمنى ان اعرف منك انت ما الذى جعل وليد مضطرباً فى الأونة الأخيرة الى الحد الذى يقرر فيه السفر فجأة هكذا , لقد بدا كما لو كان يهرب من مشلكة ما .. هل هناك مايسوء بينكما يابنيتى .

كانت كلمة بنيتى التى قالتها الأم ذات وقع طيب على نرمين وقد ادركت ان الحالة التى كان عليها وليد فى الأونة الأخيرة قد اثارت قلق الأم ايضاً فقالت لها :-

- الحقيقة انا ايضاً قد لاحظت ان وليد فى الأونة الأخيرة قد صار محبطاً الى حد ما وقد حاولت ان اعرف منه ما الأمر ولكن بدا انه لم يكن شئ ذى بال حيث لم يقل شئ محدداً مما يجعلنى اظن انه فقط كان يعانى من بعض الملل , لذلك قلت له ان يمارس بعض التغيير بأن يذهب فى رحلة أوما شابه .

الأم :- أذن فأنت التى اقترحت عليه مسألة السفر تلك ؟

قالت نرمين وكأنها تدافع عن نفسها :-

- أنا لم اظن ان مسألة السفر هذه سوف تضايقك , ولكنى فقط كنت اريده ان يتغلب على حالة الأحباط التى اصابته ..

ادركت الأم ان الفتاة تظنها غاضبة منها لسفر ابنها فقالت له موضحة :-

- سفر وليد لم يضايقنى , ولكنى فقط قلقة على السبب الذى يجعله يسافر فجأة هكذا , لقد كان وليد دائماً منظماً وأخر من يتخذ قرارات مفاجئة بهذه الصورة لهذا ارى انه بالفعل يعانى من مشكلة ما .

نرمين :- أنا اعتقد انه لا داعى للإنزعاج , وسيكون وليد بحالة افضل كثيراً بعد عودته من السفر .

لم تقتنع الأم كثيراً بكلام نرمين وهى تقول لها :-

- ليت الأمر يتوقف عند السفر فقط ولكنه منذ فترة وهو متغير , لم يعد يهتم بما يهتم به عادتاً بل واصبح بفعل اشياء كان يرفضها كثيراً فيما مضى مثل تدخينة للسجائر ,أنا لا ادرى ما الذى اصابة ..؟

لم تحر نرمين جواباً سريعاً للأم مما حدا بالأم ان تواصل حديثها قائلة :-

- لقد حدثنى وليد كثيراً عنك وعن انك انت الفتاة التى كان ينتظرها بأستمرار وقال لى كم هو يحبك , وقد اسعدنى هذا بالفعل ولكن ..

هنا صمتت الأم لبرهة فقالت نرمين تستحثها على الحديث قائلة :-

- ولكن ماذا ..؟

قالت الأم فى شئ من التردد :-

- لا تسيئ فهمى يا بنيتى .. ولكن ان يهتم وليد بفتاة هكذا .. هذا امر غريب فى حد ذاته ..

قاطعتها نرمين فى تساؤل حذر :-

- هل انت معترضة على علاقتى بوليد ..؟

نفت الأم ذلك بوضوح وهى تقول لها :-

- بالعكس يابنيتى .. لقد اسعدنى هذا الأمر جداً , فلطالما كنت اطلب منه ان يجد الفتاة المناسبة لكى يبدء حياة مستقرة .. ولكنك بالتأكيد تعرفين كم كان وليد مستهتراً ويتعامل مع الفتيات وكأنهن دمى يعرف تلك ثم يتركها ويعرف الأخرى وهكذا ..

شعرت نرمين بالإهانة عند سماع هذا الكلام من الام مما جعلها تقول فى صوت واضح :-

- انا شخصياً ما كنت لأتجاوب مع وليد لولا انى متأكده انه يكن لى مشاعر حقيقية فأنا لست من هذا النوع من الفتيات اللاتى يبحثن عن اللهو مع الشباب.

لم يخف على الأم ذلك الإحساس بالأهانة عند نرمين فقالت لها :-

- انا متأكدة من ذلك ياأبنتى , وهو ما لاحظته انا على وليد ولكن التغيير الكبير الذى طرأ عليه كان غريباً مما جعلنى اظن انه ربما انها الفتاة التى يحبها هى السبب فى هذا التغير .. صدقينى يابنيتى ان الأمر محيراً فعلاً ..

لم يختفى الأحساس بالأهانة من نرمين وهو ما لم تقصدة الأم ابداً مما جعلها تقول بنفس الصوت الواضح :-

- انا لم افعل مع وليد ما قد يثير اضطرابه أو حيرته ، وحتى تدخينه للسجائر لم يكن لى اى دخل به لقد صارحنى وليد بمشاعره نحوى وهو بالفعل يدخن السجائر , ولكن اذا كان ولابد ان يكون هناك مشكلة ما لعلها فى العمل .. أو لعل هناك ما يضايقة فى البيت , ولو انى سألته عن هذا وذاك فنفى ذلك .

ران الصمت لثوانى قصيرة بين الأثنتين قبل ان تقول الأم وهى تطلق تنهيدة قلقة :-

- لعله عندما يعود من هذه الرحلة يكون أفضل ويزيح عنا جميعاً هذا القلق.

نرمين :- إن شاء الله سيكون بخير ... أن شاء الله .

الأم :- حسناً يابنيتى .. انا سعيدة انى قد تحدثت اليك وارجو ان اراك قريباً ..

نرمين :- وانا ايضاً اتمنى ان اراك قريباً

الأم :- مع السلامة اذن .

نرمين :- مع السلامة .

 

************************

 

كان القطار يسير بسرعة والمناظر امام وليد تتغير بسرعة وهو ما أثار الأرتياح عند وليد فلم يكن يريد ان يرى شئ محدد , لقد كان يريد ان يريح عقله حتى من مجرد ان يرى شكل محدد امامه لذلك كانت عيناه معلقة على النافذة بجواره واللون الأخضر امامه ومناظر الفلاحين تتخاطف امام عينيه من دون ان يهتم بهما وكأنه قد قرر ان يجعل ما يراه هو فقط الخلفية التى يرى عليها ما يريد ان يراه , لذلك اطلق العنان لعقله يتخيل ما يشاء لتكون هى الصورة التى يراها , وظلت بعض الصور تذهب وتجئ على عقله يستقر بعضها قليلاً ويسرع بعضها مختفياً حتى كانت نرمين فأرتسمت ابتسامة على شفتيه وهو يتخيلها ولكن وقبل ان تستمر تلك التخيلات الجميلة فجأة وجد نفسه يقول بصوت مسموع :-

- ولكن لماذا نرمين ؟!!

وكأن التساؤل اتياً من شخص اخر غيره هو نفسه, فقد انتبه وليد وهو يلتفت حوله وكأنه يبحث عمن قال هذا السؤال قبل ان يعود ويلقى برأسه على مسند المقعد المنفرد الذى يجلس عليه وحيداً - وقد تعمد ان لا يجلس بمقعد مزدوج لكيلا يجواره من يكره جواره – واسبل جفنيه وقد واصل التمتمة بصوت بالكاد يسمعه هو نفسه :-

- لماذا نرمين ..؟ فليست الأجمل .. ولا الأظرف ... لقد كانت هناك العديد من الفتيات الأخريات اللاتى يناسبوننى اكثر منها .. فلماذا هى ؟!!

لم يستمر وليد كثيراً فى التساؤل و كأنه يقرر ان يستمر فى اللعبة الأولى التى كانت افضل من وجهة نظره وهى التخيل لعل يأتى على ذهنه ما يسرى عنه , ولكن يبدو وكأن اللعبة قد صارت مملة بالفعل فقد استقر التخيل هذه المرة على السيدة صاحبة شركة الأستيراد ماجدة , اندهش وليد من إهتمامه بهذه السيدة وخاصة فى لحظة مثل تلك , ولكنه لم يستطع ان يبتعد عنها وهو يتذكر اسلوبها فى الكلام وحتى الفستان الذى كانت ترتديه بدا له الى حدما غريب بما يتناسب مع الموضوع الذى كانت مصرة على الحديث فيه معه – ما الذى ينبغى ان نثق به – يالها من سيدة غريبة بالفعل , هكذا قال وليد بنفس التمتمة الخافتة قبل ان يسبل عينيه ويغالبه النوم بعدها بقليل .

 

 

امام جهاز للاتصال ينقل الصوت والصورة كان يجلس الثلاثة دراو وكوب وجانس وهم يستمعون الى مارى والتى كانت هى نفسها السيدة ماجدة التى التقت وليد وتحدثت معه تقول لهم :-

- أعتقد انه الأن قد وصل بالفعل الى اسوان .

دراو:- أذن عليك انت ايضاً ان تذهبى اليه الأن , وستجدين سارن هناك ايضاً .

مارى :- أنا بالفعل سوف أصل هناك مساء الغد.

دراو:- كل شئ معد مع الفريق هناك , عندما يعرف سوف نتعامل مع كل احتمالات رد فعله.

مارى :- انا لست قلقة من هذه النقطة .

كوب :- اليس هذا غريباً فأنت دائماً تحملين هم معرفة اى منهم بحقيقته !

مارى :- لقد كان هذا فى البداية كوب , فأنت لم تعمل معى منذ فترة طويلة .

بدون ان يعلق كوب اكتفى بإبتسامة باهته وهو يهز راسه موافقاً رأيها , فى حين قال جانس موجهاً حديثه الى دراو قائلاً :-

- اعتقد انه من الأن فصاعداً سنتعامل مع الحالة بطريقة المتابعة الكاملة ؟

قال دراو بإقتضاب :-

- اجل من الأن سوف نتابع العملية بالكامل .

مارى :- هل ستتابعونها بالكامل بعد وصولى ام منذ ان يلتقيه سارن ؟

دراو :- سنتابعها من لقاء سارن به .

مارى :- هل هناك سيناريو محدد لكيفية معرفته بالحقيقة ام ان الأمر سيترك طبقاً لظروف التعامل معه ؟

دراو :- سارن يعرف التفاصيل كلها , وانت سوفت تعملين تحت امرة سارن بمجرد وصولك اسوان , ولكن على كل الأحوال هناك حرية للتصرف طبقاً للظروف وسوف نتدخل نحن وقت اللزوم طالما ان العملية كلها تخضع للمتابعة الكاملة .

كوب :- لقد اعددت اجهزة الأتصال من خلال سارن بدء من السابعة مساء اليوم بتوقيت اسوان .

أومأ دراو برأسة متفهماً مما يوضح انه كان يعرف هذه الخطوات مسبقاً قبل ان يقول لمارى :- مارى .. كونى حذرة .. فحتى الأن لم نرى من وليد مايدل على انه سوف يكون هادئاً .

مارى :- لا تقلق ايها الرئيس كل شئ سيتم بصورة حسنة .

دراو:- حسناً اذهبى الأن واعلمى انه بدء من السابعة مساء بتوقيت اسوان لن تكونى وحدك حتى اتمام العملية , فالمتابعة ستكون من خلالك وسارن فى نفس الوقت .

أومأت مارى برأسها متفهمة وهى تقول لدراو :-

- أعرف هذا .

دراو:- مع السلامة

أختفت صورة مارى من الشاشة وأعتدل الرجال الثلاثة فى مجلسهم وهم يتبادلون النظرات قبل ان يقول دراو موجهاً حديثه الى كوب قائلاً :-

- سيكون معك جانس فى المتابعة الكاملة , ولكن انت المسئول امامى .

ثم اردف وكأنه يناقض نفسه قائلاً :-

- فى الحقيقة سنكون جميعاً متابعين لكل مايجرى , فبمجرد ان يلتقى سارن ووليد لن يكون هناك اى إحتمال للخطأ.

لم يكن هذا الكلام غريباً على الرجلين فالجميع كان يعلم ان اللحظات الحرجة ستبدء من الساعة السابعة مساء , ولذلك فقد بدا عليهما التفهم الكامل لكلمات رئيسهما من دون ان يعلقا.

 

 

*************************

 

فى تمام الساعة السادسة مساء السبت انطلق رنين الهاتف فى غرفة وليد بذلك الفندق الانيق ذو الخمسة نجوم فالتقط وليد السماعة ليسمع صوت احد الموظفين فى الفندق وهو يقول له :-

- أنها الأن السادسة تماماً سيد وليد الموعد الذى طلبت ان نوقظك فيه .

قال وليد بدهشة :- ولكنى طلبت ان توقظونى فى تمام الثامنه وليس السادسة .

بدا على صوت الموظف الحرج وهو يقول :-

- عفواً ياسيدى ولكن امامى الأن ان اوقظك فى السادسة .. فهل هناك خطأ قد وقع ؟

كرر وليد كلماته وهو يقول بصوت مازال به اثار النعاس :-

- لقد طلبت ان يتم إيقاظى تمام الثامنة .

لم يجد الموظف بداً من ان يعتذر قائلاً :-

- يبدو اذن ان هناك خطأ ما من جانبنا .. علىكل الأحوال انا اسف جداً سيد وليد وارجو ان تستطيع العودة الى النوم مرة اخرى , ولسوف اوقظك فى تمام الثامنة .

قال وليد :- لا داعى لذلك لقد استيقظت بالفعل .

الموظف :- انا اسف مرة اخرى سيد وليد .

وليد :- لا بأس .. لا بأس .

وضع وليد السماعة فى مكانها قبل ان يتقلب فى فراشة متكاسلاً وقد ذهب عنه النوم بالفعل فلم يجد بداً من ان ينهض ليغتسل ويرتدى ملابسه فى بطء , فلم يكن هناك ما يتعجله .

فى تمام الساعة السادسة وخمسة واربعون دقيقة كان وليد عابراً لبهو الفندق فى طريقة الى الحديقة ليجلس على احدى المناضد المنتشرة فى وسط الحديقة الجميلة ويطلب من احد السعاة فنجان من الشاى .

اخذ وليد يرتشف الشاى بتلذذ وهو يتابع الموجودين حوله فى بهدؤ لكيلا يبدو قليل الذوق قبل ان تمر امامه فتاة كان بادياً تماماً انها غير مصرية بشعرها الذهبى وعيناها الزرقاوان وهو ما اثار اهتمام وليد واخذ يتابعها فى تقدير بادى بعينيه لجمالها قبل ان يسمع صوت صادر من المنضدة المجاورة له يقول :-

- ليست سيئة على الإطلاق ..

التفت وليد الى الصو ت- فى نفس اللحظة التى ارتفع فيها رنين خافت من ساعته يعلن ان الساعة الأن تمام السابعة – ليجد ان صاحبة رجل يقارب الأربعين من عمره وعلى شفتيه ابتسامة ظريفة , لم يجد وليد ما يمنع أن يبادل الرجل ابتسامتة بأبتسامة وقد ادرك أنه يعنى الفتاة الجميلة التى مرت امامه وقد عرف ان انتباهه اليها قد لفت نظر الرجل اليه فقال ذلك التعليق , ولكن وليد لم يزد عن الإبتسامة التى منحها للرجل قبل ان يعتدل مرة اخرى فى مقعدة ويرتشف الشاى .

لم تمضى دقائق طويلة قبل ان تمر الفتاة الجميلة مرة اخرى امام وليد والرجل فسمع وليد صوت ضحكة خافتة تصدر عن نفس الرجل فلم يستطع ان يمنع نفسه هو الأخر من الضحك من دون ان يلتفت اليه مما حدا بالرجل ان يقول فى لهجة مرحة :-

- يبدو انها تصر ان تجعلنا سعداء الليله ..

لم يجد وليد بداً من ان يبادل الرجل الحديث فقال بشئ من المرح هو الأخر :-

- يبدو ذلك ..

كأن الرجل اعتبر رد وليد عليه اشارة انه على استعداد ان يتبادل معه الحديث فقال متسائلاً:-

- هل انت وحدك فى اسوان ؟

لم يجد وليد مايمنع ان يتبادل الحديث مع الرجل فقال له :-

- اجل .. لقد جأت وحدى فى رحلة استجمام .

لم يندهش وليد عندما وجد الرجل يمسك بكوب العصير امامه وينتقل من منضدته الى منضدة وليد , فقد كان هذا متوقعاً منه ، قبل ان يقول الرجل :-

- انا ايضاً جأت فى رحلة استجمام وهروب .

بدا على وليد الدهشة وهو يقول للرجل بتساؤل :-

- هروب !!

ابتسم الرجل وهو يقول موضحاً :-

- أجل هروب .. هروب من البيت وملله .

بدا على وليد التفهم وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة مجاملة للدعابة المفترضة فى حديث الرجل قبل ان يمد الرجل يده الى وليد قائلاً :-

- انا اسمى رياض ..

مد وليد يده الى الرجل مسلماً وهو يقول :-

- وانا وليد..

وبدء التعارف بين وليد ورياض هذا التعارف الذى كان يتابعه فى نفس الوقت ثلاثة رجال فى نيروبى – وبالتأكيد كان هناك غيرهم- , فلم يكن رياض هذا سوى سارن الذى بدء لقائة مع وليد فى تمام السابعة بالضبط كما كانت الخطة تقتضى .

 

********************

 

فى مبنى يغلب عليه اللون الأبيض كان وليد يرقد على احد الأسره فى غرفة اقرب ما تكون من غرفة العناية المركزة , وان كان واضحاً انها اكثر تعقيداً حيث ان وليد لم يكن فقط متصل بالعديد من الأجهزة بل ان الغرفة نفسها كانت جدرانها الأربعة من الزجاج مما يتيح للعديد من الأطباء أو بمعنى ادق الخبراء أن يتابعو وليد من دون الدخول الى الغرفة والتى لم يكونوا فعلاً فى حاجة الى الدخول اليها فقد كان التحكم الفعلى فى كل الأجهزة بالغرفة مع وليد يتم من خلال غرفة صغيرة تستطيع منها ان ترى غرفة وليد بوضوح ولم يكن هناك اكثر من مجرد شخص واحد يقوم بهذه المتابعة ليس لوليد فقط بل كان هناك الكثيرين مثله فى غرف مجاورة له يقعون تحت نفس الظروف .

فى تلك الغرفة المخصصة للمتابعة كان الرجل المختص بالمتابعة جالساً وأمامه جهاز كمبيوتر يتابع من خلاله مايشبه البرنامج والذى يتسلسل امامه فى حين وقف بجواره رجل اخر كان بادياً انه اعلى من الأخر شأناً حيث كان يكلمه بأسلوب يوضح انه المسئول الفعلى عن هذه الحالة المستلقية امامه .

قال الرجل الواقف للجالس بصورة واثقة :-

- أنه الأن يتخطى مرحلة التوافق ..

لم يرد الأخر عليه لأن الواقف اساساً لم يكن يريد منه رداَ , ولكنه اردف قائلاً :-

- منذ هذه اللحظة هو الأن مختلف عما يجرى هناك ..

ثم التفت الى الرجل الجالس امام جهاز الكمبيوتر قبل ان يزيحة برفق ليجلس هو امام الكمبيوتر وهو يضع اسطوانه فى الجهاز وهو يقول كأنما يحدث نفسه :-

- والأن يا وليد اليك هذا الأسبوع الممتع فى اسوان .

كان الرجل الأخر يتابع ما يفعله ذلك الخبير من دون ان يعلق فقد كان بحكم عمله معتاد على هذه التصرفات التى تحدث من آن لآخر .

بمجرد ان انتهى الخبير مما يفعل التفت الى وليد مرة اخرى وهو يقول بلهجة ساخرة :-

- ما رأيك فى هذه الرحلة الجميلة ..

 

************************

لم يكن هناك مرشد مع وليد لكى يشرح له القصص الخاصة بالمعابد التى يزروها ولكن هذا لم يمنعه من ان يستمتع بالتجوال داخل المعابد وهو يتعمد الإستماع الى المرشدين السياحين مع المجموعات التى تزور المعابد لكى يحصل على بعض المعلومات ، وفى اثناء زيارته لمعبد الكرنك كان يلتقط بعض الصور للمعبد وهو يستمع الى احد المرشدين هو يحكى قصة هذا المعبد ، وفجأة وجد وليد امامه رياض ذلك الرجل الذى قابله امس فى الفندق والذى كان يتجول وحيداً هو الأخر, اتجه رياض الى وليد وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة وهو يقول له :-

- يا للمصادفة ..

قال وليد بترحاب :-

- أهلاً استاذ رياض .

رياض :- انا هنا منذ ثلاث ساعات , ولقد تجولت فى المعبد كله .. انه رائع .

وليد :- اعتقد انى امامى الكثير لأراه فى المعبد .

رياض :- انه بالفعل معبد رائع .. على كل الأحوال انا سأعود الأن الى الفندق, ولكن ماذا ستفعل فى فترة ما بعد الظهيرة .

وليد :- لا ادرى .. اعتقد انى سأخرج لأتجول فى المدينة .

رياض :- هل مارست الجولف من قبل ؟

وليد:- لا

رياض :- مارأيك ان تشاركنى اللعب اليوم .. انها رياضة جميلة .

وليد :- ولكنى لا اعرف شيئاً عن الجولف .

رياض :- لا تقلق انها سهله على كل حال .

وليد :- اعتقد ان التجول فى المدينة سوف يكون اسهل بالنسبة الى.

رياض :- دعك من هذا فنحن لم نأت الى هنا لكى نبحث عن الأسهل , سوف انتظرك فى تمام الثالثة فى بهو الفندق , انه ملعب جديد ورائع .

هنا لم يجد وليد بداً من ان يوافق رياض على رغبته وهو يقول :-

- حسناً سنلتقى فى الثالثة .. ولكنك من سيتعب فى تعليمى الجولف !

رياض :- لا بأس سوف انتظرك .. الى اللقاء .

على الرغم من ان وليد لم يأتى الى هنا لكى يشارك اى من كان هذه الأيام فقد جاء الى هنا لكى يستمتع بأجواء جديدة , إلا انه لم يجد غضاضة فى ان يصاحبه رياض هذا لبعض الوقت وان كان لابد ان يفهم ان وليد لا يريد صحبة فى هذه الرحلة .

كانت المجموعة السياحية التى يستمع وليد الى مرشدها وهو يتحدث اليهم قد انصرفت من المكان فلم يجد وليد ما يجعله ينتظر فى المكان أطول من ذلك وقرر ان يتابع التجوال فى المعبد لعله يجد مرشد اخر يستطيع ان يعرف منه قصص هذا المعبد .

 

*********************************

التقط وليد سماعة الهاتف فى غرفته واتصل بنرمين والتى وحشته بالتأكيد , ثوانى وكان صوت نرمين قد اتاه عبر الهاتف فقال لها :-

- أهلاً .. كيفك يانرمين ؟

نرمين :- أهلاً وليد .. ماهى اخبارك فى اسوان ؟

وليد :- تمام .. الجو هنا جميل لقد كانت فكرة صائبة منك ان اغير الرتابة فى حياتى ..

نرمين :- جميل ان اسمع منك هذا لقد كنت قلقة عليك بالفعل .

وليد :- لا اعتقد ان هناك اى مبرر للقلق بعد ذلك فأنا سعيد هنا بالفعل .. لدرجة انى اريدك ان تأتى لتقضى معى الوقت الباقى من الإجازة

قالت نرمين :- لا اظن انى استطيع ذلك يا وليد فالظروف هنا فى البيت لن تتيح لى هذه الفرصة ..

دهش وليد قليلا ً وهو يسمع اعتذار نرمين فقد كان يتوقع انها سوف تكون فى منتهى السعادة عندما يطلب منها المجئ , ولم يستطع ان يخفى الدهشة تماماً عن صوته وهو يقول :-

- لابأس يانرمين .. وارجو ان تكون الظروف ليست سيئة ..

بدا على نرمين انها تتجاهل الحديث حول هذه النقطة وهى تقول له :-

- وكيف تمضى وقتك ..

لم يرتح وليد حتى لطريقتها فى تغيير الموضوع ولكنه لم يصر على الحديث فيه وهو يجيبها بصورة روتينيه قائلاً

-الوقت هنا يمر بسرعة ما بين زيارة الأماكن الأثرية والنزهات النيلية والحفلات الترفيهية التى يقيمها الفندق ..

نرمين :- حسناً المهم ان تكون سعيداً بما تفعل ..

وليد :- انا بالفعل سعيد.. واعتقد انى بمجرد عودتى سوف آتى لزيارتكم ..

كانت الكلمة واضحة المعنى بالتاكيد ولكن للمرة الثانية فوجئ وليد بنرمين تتسأل قائلة :-

- تأتى لزيارتنا..! لماذا ؟

هنا لم يخف وليد دهشته وهو يقول لها :-

- ماذا بك يانرمين ؟.. هل هناك مايسوء ؟

نرمين :- ابداً يا وليد ولكنى فقط اتساءل لماذا ستأتى الينا ؟

وليد :- لكى اخطبك يانرمين ..

ثم أردف فى لهجة كان واضحاً انها مازحة :-

- هذا اذا لم يكن عندك مانع بالتأكيد ؟

قالت نرمين الإجابة التى يتوقعها وليد :-

- بل سأكون فى منتهى السعادة بالتأكيد ..

على الرغم من انها الإجابة التى يتوقعها وليد إلا ان نبرة نرمين لم تكن هى التى يتوقعها مما جعل وليد يتأكد ان هناك تغيير ما فى حديث نرمين معه فقال لها متسائلاً للمرة الثانية :-

- هل انت على مايرام يا نرمين ؟

نرمين :- بالتأكيد ياوليد .. وسوف انتظر زيارتك لنا .

أعتبر وليد هذه الكلمات كافية لكى يتجاهل دهشته من اسلوب نرمين وهو يقول لها :-

- حسناً .. ارجو ان تطمئنينى عليك بأستمرار ؟

وكأنما اعتبرت نرمين هذه الكلمة بمثابة النهاية المناسبة للحوار قالت له :-

- سأتصل بك بالتأكيد .. انتبه لنفسك .

لم يجد وليد بداً من ان ينهى الحوار وهو يرى نرمين وكأنها تقول له مع السلامة فقال :-

- الى اللقاء قريباً اذن .

نرمين :- الى اللقاء .

 

***************************

 

 

 

كان ملعب الجولف بالفعل يبدو رائعاً ..

كان المساحة الخضراء الشاسعة والأشجار المتناثرة هنا وهناك تجعل الشكل العام للمكان مبهجاً لأقصى درجة مما جعل وليد يقول لرياض :-

- المكان يبدو رائعاً ..

رياض :- الم اقل لك .

اخذ وليد يتلفت حوله وهو يستكشف المكان كله فى حين اتجه رياض الى العربة الصغيرة والمخصصة للاعبى الجولف فى لينتقى منها عصاوان وكرة الجولف الصغيرة وتلك الأداة الصغيرة التى تغرز فى الأرض وتثبت عليها الكرة , وبمجرد ان انتهى من تثبيت الكرة على الأداه قال موجهاً الحديث الى وليد :-

- أولاً سأبدء معك بكيفية ضرب الكرة بالصورة السليمة .

وليد :- ولكن اين الحفرة التى سنوجه الكرة اليها ؟

اشار رياض الى ناحية من الملعب الكبير وهو يقول :-

- خلف تلك التبه توجد الحفرة سوف نقذف الكرة ناحيتها ..

قال وليد بشئ من الدهشة :-

- ولكنى لم ارى الحفرة !

قال رياض لوليد بلهجة بدت غامضة لوليد:-

- وليد.. من الأن فصاعداً عليك ان تثق تماماً في فأنا اعرف كل القواعد وهذا سيجعل الأمور اسهل على كلينا .

قال وليد وكأنه يقاوم الغموض البادى فى كلام رياض :-

- ولكن هل العب على هدف لا اعرف ان كان موجوداً ام لا ؟!

رياض :- ولكنى قلت لك انه فعلاً موجوداً .

وليد :- لقد كان الأتفاق ان تعلمنى الجولف .. ولكن هذا لا يعنى ان العب وانا لا اعرف شيئاً لا القواعد ولا والهدف .

هنا حدق رياض فى عينى وليد وهو يقول بصوت كان بالتأكيد مختلفاً عما اعتاده وليد من رياض :-

- أياَ كان الأتفاق ياوليد لقد جأت بالفعل الى الملعب والكرة الأن بيننا وسوف تكون الضربة الأول لى وانت لا تعرف حتى كيف تضرب ضربتك وبالتالى عليك ان تستمع الى فى كل الخطوات الأتيه حتى تكون ضرباتك صحيحة وتقودك الى الهدف .

هنا بدا وكأن وليد سوف يرفض الأمر برمته وهو يقول لرياض :-

- ألا ترى ان اسلوبك فى الكلام غريب الى حد ما انا اشعر كما لو انى افعل شيئاً اكبر كثيراً من مجرد لعب الجولف !

ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتى رياض وهو يقول لوليد :-

- ارجو ان يجعل ذكائك هذا الأمور اسهل علينا جميعاً .

قال وليد محذراً رياض :-

- اذا واصلت الحديث بهذا الأسلوب فسوف انصرف من هنا .

رياض بأسالوبه الغريب :-

- اعتقد انه لم يعد هناك فرصة لك ياوليد سوى ان تستمر فى اللعب .. لم يعد هناك اى فرصة اخرى .

هنا قرر وليد الأنصراف من المكان وقد اتجه الى عربة الجولف الصغيرة وهو يقول :-

- يبدو اننى قد اخطأت عندما جأت مع شخص غريب الأطوار مثلك الى هنا ..

ولكن وقبل ان ينصرف شاهد سيارة جولف صغيرة اخرى قادمة نحوهما وراكبها يشير اليهما وكأنه يحييهما فأنتظر وليد لبرهة ليرى هذا الأتى وكم كانت دهشته البالغة عندما عرف راكب السيارة وهو يترجل منها فقد كانت نفس السيدة التى ذهب اليها قبل السفر بأيام لأصلاح عطب فى شركتها – تلك السيدة غريبة الأطوار – فقال وليد بدهشة موجهاً حديثه الى الأثنين قائلاً :-

- ما الأمر ؟!! .. ما الذى يجرى هنا ؟!!

قالت السيدة موجهة حديثها الى وليد قائلة :-

- هل تذكرنى ايها المهندس ؟

اشار وليد بيده نحو الأثنين وهو يقول :-

- هل تعرفان بعضيكما ؟! ..

قال رياض :- لقد قابلت السيدة ماجده بالقاهرة من قبل اليس كذلك .

لم يرد عليه وليد وانما اخذ يحملق فيهما وكأنه يحاول ان يستشف ما الذى يجرى , فعاودت مارى الحديث قائلة :-

- لقد كان لقاء قصيراً على كل حال ولكن يبدو وكأن المهندس وليد مازال يتذكر الموقف الذى كان بيننا .

رياض :- يبدو ان وليد لا يثق بنا يا مارى ..

لعل وليد لم يدهش وهو يستمع الى رياض ينادى ماجدة بمارى وهو يرى ان الموقف كله غريب اساساً ولكنه انتبه الى الحوار مابين مارى ورياض وهى تسأله :-

- ولماذا لا يثق بك يا سارن ؟

للمرة الثانية لم يندهش وليد من تغيير الأسماء المستمر ولكنه استمر فى الأستماع اليهما وسارن يرد على مارى قائلاً وهو يشير الى اتجاه الحفرة التى خلف التبه :-

- انه لايريد اللعب على الحفرة إلا اذا رأها , على الرغم من انى قلت له انها هناك بالفعل .

نظرت مارى نحو وليد وهى تقول :-

- اتعرف ايها المهندس انها اجابة السؤال الذى سألتك أياه من قبل , ما هو الذى لا ينبغى ان نثق به ؟, لقد اجبت انت الأن انك لا تثق إلا بما تتأكد منه فقط اليس كذلك ؟

هنا لم يهتم وليد حتى بأن يجيب سؤال مارى وأنما أستقل عربة الجولف الصغيرة وقد قرر ان يذهب من هذا المكان الغريب ويتخلص من هؤلاء الناس , وحاول ادارة السيارة الصغيرة ولكنها لم تستجب له , وحاول مراراً دون جدوى فنظر بدهشة وشئ من الخوف نحو مارى وسارن قبل ان يترجل من السيارة ويتجه الى السيارة الاخرى التى اتت بها مارى ولكنه وقبل ان يستقلها قال له رياض : -

- لا تحاول يا وليد فهى الأخرى لن تعمل .. وارجو ان تنصت الى ما نحاول شرحه لك .

هنا قال وليد :-

- واذا كنت غير مهتم بما تريدان قوله ؟

رياض :- وكيف تعرف انك غير مهتم بما ننوى قوله وانت لم تعرفه بعد ؟

هنا شعر وليد تماماً انه عالق مع هذين الشخصين الغريبين بل والمخيفين قبل ان يقول وهو يحاول ان ينهى الموقف بأسرع مايمكن :-

- حسناً قولا ما تريدان ولكن بسرعة .

خطت مارى خطوات بطيئة وكأنها تتجاهل طلب وليد بالسرعة فى الحديث قبل ان تقول :-

- هل تذكر السؤال الثانى الذى سألته لك ياوليد ؟

لأول مرة تقول مارى له وليد وليس المهندس كما اعتادت ولكنه تجاهل هذه الملاحظة وهو يقول لها فى نفاد صبر :-

قالت مارى وكأنها كانت تتوقع منه هذه الإجابة :-

- لقد سألتك اذا كان من الممكن ان لا نثق فى الحياة نفسها اليس كذلك ؟

هنا قال وليد وهو يحاول ان يستجمع شيئاً من شجاعته :-

- هل هذا الموقف الذى تصنعانه الأن بهدف اجابة مثل تلك الأسئلة الغبية ؟!

رفعت مارى حجبيها وكأنها تتسائل قبل ان تقول :-

- وما ادراك انها غبية , لعلها اكثر اهمية مما تتخيل

هنا تدخل سارن فى الحوار وهو يقول وكأنه قد قرر ان يعرف وليد بكل مايجرى بالفعل فقال له :-

- أظنك لاحظت يا وليد انى لست رياض بل سارن وهى مارى وليست ماجده واننا تعمدنا الظهور فى حياتك بهذا الأسلوب لسبب ما , ولكن ولأن الأمر بالنسبة اليك لن يكون سهلاً ولن تقبله ببساطة فنحن نحاول قدر الإمكان ان نكون حذرين فى اخبارك بالأمر , ولك....

هنا قاطعه وليد وهو يقول بعصبية ونفاد صبر وصوت عال محتد :-

- ولكن ماهو هذا الموضوع الذى لن اتقبله بسهوله , لا داعى لكل هذه المقدمات ..

قالت مارى بصوت حاد وبريق عينين كشف لوليد سر تلك الصرامة التى كان يراها فى عينيها :-

- الأمر ياوليد انك بالفعل لست وليد انك شخص اخر ..

صمتت مارى تماماً وهى ترى وقع الكلمة على وليد الذى امعن النظر اليهماطويلاً قبل ان يقول فى صوت هادئ متشكك :-

- ومن انا اذن ؟!

قالت مارى وكأنها تقترب من النقطة التى تريدها :-

- من انت هذا امر يطول شرحة ولكننا نريد فى البداية ان تكون عارفاً بأنك فعلاً لست وليد !

قال وليد هو مازال على تشككه الواضح :-

- اتعنيان بأن اهلى ليسوا اهلى .. وان لى اهلاً أخرين فى مكان اخر !!

قالت مارى :- تستطيع ان تقول ذلك .

لم يحاول وليد ان يخفى عدم تصديقة لما يقال وهو يتسائل :-

- وهل انتما اهلى اذن ؟!

مارى :- ليس بالضبط .

هز وليد رأسه رافضاً هذه الأجابة وهو يقول متسائلاً للمرة الثانية :-

- هل انتما اهلى اما لا ؟

على الرغم من ان نبرة عدم التصديق بل وشئ من السخرية كان بادياً على صوت وليد إلا ان مارى واصلت الحوار معه وهى تجيبه :-

- كلا نحن لسنا اهلك ولكننا من قبل اهلك وقد جأنا اليك لكى نعيدك الى اهلك .

كان واضحاً من اسلوب وليد فى الحوار انه لا يصدق اى كلمة مما تقال امامه ولكنه فقط كان يتجاوب مع هذين الشخصين الغريبين خوفاً منهما ليس اكثر لذلك واصل تساؤلاته – او بمعنى ادق تساؤلات من سيقتنع بمثل هذه الخرافات - قائلاً :-

- ولكن هل لى ان اعرف من هم اهلى اذن ؟

للمرة الثانية تتجاهل مارى نبرة عدم التصديق فى كلام وليد وهى تقول :-

- هذا سابق لأوانه ولن يتم إلا بعد ان نتأكد انك بالفعل مقتنع بما نقوله لك .

هنا شعر وليد بأن الأمر بدء يدخل مرحلة الخطورة الحقيقية فقال متسائلاً وقد بدا عليه القلق والخوف :-

- ولكن كيف ستتأكدون انى مقتنع ؟!

قالت مارى بلا مبالاة وكأنها قررت ان لا تهتم بوليد ورؤيته للأمر , حتى بدا الأمر كما لو انها تتحدث بعجرفة :-

- لا تقلق من هذه الناحية فسنعرف فعلاً متى ستقتنع .

قال وليد وكأنه يجس نبضهما فيما سيفعلان معه الأن :-

- حسناً .. هل لى ان انصرف الأن الى ان تتأكدا من اقتناعى ؟

مارى :- أفهم الأمر بوضوح ايها المهندس انك لن تذهب الى اى مكان بعد الأن لقد انتهى كل ما كنت فيه ولم يتبقى لك سوى العودة .. والعودة فقط .

هنا ادرك وليد انه عالق بالفعل , وانه لا جدوى من الحديث مع هؤلاء الناس لذلك فقد تظاهر بأنه سوف يواصل الحوار معهما وهو يشيح بيديه , ولكنه فجأة انطلق بالجرى بعيداً عنهما , واخذ وليد يجرى ويجرى ..

وكم كانت دهشته انهما لم يركضا خلفه بل سمع صوت مارى يأتيه وهى تهتف به قائلة :-

- لا تجعل الأمر اصعب علينا جميعاً ياوليد فلن تستطيع الذهاب الى اى مكان وسنأتى بك حتماً .

لم يلتفت وليد الى مارى أو هتافها فقد كان متأكد انه يجرى هرباً من اثنين مجانين قد يفعلان به اى شئ لذلك جعل خوفه البالغ هو فقط مايقوده بحماس كبير للجرى ..

وعلى ذلك اخذ يجرى .. ويجرى ..

بلا توقف .. او تردد ..

فقط اخذ يجرى .. ليهرب وينجو بنفسه .

 

************************

 

لم يهتم وليد بهيئته الرثه وهو داخل الى الفندق متجهاً الى موظف الأستقبال ويقول له :-

- اريد العودة الى القاهرة اليوم ..

الموظف :- اعتقد ان هذا صعب تماماً , فالقطار قد غادر بالفعل ولا توجد سوى طائرة واحدة ستنطلق بعد ساعة ولكنها مكتملة العدد .

وليد :- انا لا يعنينى هذه المشاكل اريد الرحيل اليوم ولو حتى فى سيارة خاصة .

الموظف :- حسناً سوف ادبر لك سيارة خاصة

وليد :- اريدها الأن ..

الموظف :- حسناً

وليد :- واعد لى فاتورة حسابى ايضاً .

*************************

 

كان وليد متردداً وهو يفتح باب غرفته فى الفندق , فمع التوتر والقلق الذى عاناه مع هذان الشخصان كان من السهل أن يتوقع المشاكل فى كل وقت , لذلك كان يخشى وهو يفتح باب الغرفة ان يجد ما يزعجة مرة اخرى .

وقد كان ..

فبمجرد دخول وليد الى الغرفة وجد مارى جالسة على مقعد مواجه له تماماً فى حين لم يرى سارن , لم يدخل وليد اكثر من خطوة واحدة فى الغرفة وهو يقول لمارى :-

- اذا لم تخرجى الأن من الغرفة سوف استدعى امن الفندق فوراً .

قالت مارى بهدوء وكأنها تحاول محاولتها الأخيرة :-

- ألا توجد فرصة لكى تتفاهم معنا قليلاً ؟

قال وليد بإقتضاب وحدة :-

- لا .

مارى :- كما تشاء انه اختيارك .

وفجأة شعر وليد بدفعة قوية تأتيه من الخلف وتدفعه الى داخل الغرفة بالقرب من مارى التى اطلقت غاز ما من انبوبة فى يدها ما ان استنشقة وليد حتى سقط مغشياً عليه فوراً .

 

*****************************

 

تلقى الموظف فى الأستقبال اتصال هاتفى من وليد يطلب منه الغاء السيارة الخاصة التى كان قد طلبها قائلاً :-

- الغى السيارة التى طلبتها للعودة الى القاهرة .

الموظف :- ان السيارة جاهزة بالفعل .

وليد :- آه .. ولكنى غيرت رأى لن اغادر اليوم

الموظف :- كما تشاء .

وليد :- شكراً .

*******************************

 

كانت نرمين جالسة فى شرفة غرفتها ممسكة بالتليفون وقد اتصلت بالفعل بوليد والذى جاءها صوته من الناحية الأخرى يقول :-

- اهلاً نرمين .. كيف حالك .

نرمين :- كيفك ياوليد

وليد :- الحمد لله .

نرمين :- أعتقد انك اصبحت افضل الأن اليس كذلك ؟

وليد :- بالتأكيد ..

بدا على وليد انه يرد على اسئلة نرمين بأقل كلمات ممكنه , وهو مالاحظته نرمين ولكنه لم تعلق عليه وتجاهلته وهى تقول له :-

- سوف انتظرك يوم السبت القادم ..

وليد :- اجل سوف اعود يوم الجمعة ونلتقى يوم السبت .

نرمين :- وماذا تفعل الأن ؟

وليد :- لا شئ أقوم بالتجوال هنا وهناك ... لا شئ ذا بال .

نرمين :- يبدو على صوتك ان هناك ما يسوء ؟

وليد :- كلا على الأطلاق

نرمين :- الا تخفى علي شئ ؟

وليد :- كلا يانرمين ماذا دهاك ؟ لماذا تظنين انى اخفى شئ ؟

نرمين :- لا ادرى ولكنى اشعر ان صوتك مختلف قليلاً .

وليد :- كلا .. الأمور هنا على مايرام .. اعتقد انك انت التى مازالت قلقة على ؟

نرمين :- لعل الأمر كذلك بالفعل .. على كل حال انا سوف انتظر قدومك

وليد :- وانا افتقدك بالفعل يانرمين ..

ابتسمت نرمين وهى تقول لوليد :-

- حسناً سوف اتركك الأن لتعود الى جولاتك .

وليد :- الى اللقاء اذن ..

نرمين :- الى اللقاء .

 

*************************************

 

استيقظ وليد من سباته ليرى انه ممدد على سرير ابيض فى غرفة اشبه بغرف المستشفيات ذات لون ابيض , وهم بالأعتدال فى مجلسه ولكنه سمع صوت اقدام تقترب من الباب فتظاهر انه مازال فى السبات لعله يعرف ما هية هذا المكان الذى هو فيه , فتح باب الغرفة ودخل منه سارن ومارى ورجل اخر يرتدى بالطو ابيض مما جعله يبدو كالطبيب , على الرغم من ان تظاهر وليد بالسبات كان الهدف منه ان يحاول سماع ما يعرفه بطبيعة المكان الذى هو فيه ولكن ظنه خاب تماماً عندما لاحظ ان الأصوات الصادرة من سارن ومارى والطبيب غير مفهومه على الأطلاق فلم تكن حتى تبدو مثل اى لغة.

على الرغم من ان وليد لم يكن يصدق سارن ومارى وهما يخبرانه انه ليس وليد إلا ان هذا لم يمنع عنه الخوف لجهلة بالسبب الحقيقى الذى يجعل هذان الشخصان يرتبان هذه المواقف كلها لكى يدخلا فى حياته , بالتأكيد لم يعد وليد يرى انهما مجرد مجنونان فلا يوجد مجنون يبذل كل هذا الجهد , ثم ان هذا المكان الذىهو فيه الأن واللغة الغريبة التى يتحدثان بها كل هذا جعله يدرك ان الأمر اكبر مما كان يظنه .

كان استمرار الصوت الغريب الصادر من الثلاثة كافيا لوليد لكى يعرف ان استمرار تظاهره بالنوم لن تفيده فى شئ لذلك فتح وليد عينيه وهو يتظاهر أنه فقط قد استيقظ للتو , وبمجرد ان شاهد الثلاثة ان وليد قد استيقظ حتى صمتوا جميعاً وهم ينظرون اليه قبل ان تقول مارى لوليد بلغة عربية فهمهما وليد بسهولة :-

- مرحباً بعودتك يا وليد .

وليد :- اين انا ..

مارى :- ليس مهماً اين انت .. ومع ذلك تستطيع ان تقول انك الأن تقترب من اهلك الحقيقيين .

جال وليد ببصره فى المكان ببطء ثم اخذ ينظر الى الثلاثة وكأنه يحاول ان يعرف منهم اى شئ دون جدوى مما حدا به ان يقول فى النهاية بصوت تبدو به نبرة رجاء :-

- هلا قلتم لى بالضبط ما الذى يجرى ..

سارن :- هذا ما حاولناه معك من قبل ولكنك لم تعطينا الفرصة لذلك

وليد :- ولكن تلك القصة .. اننى لست وليد .. وان لى اهل اخرين غير اهلى اللذين اعرفهم .. هلى تعتقدون انه من السهل ان اصدق ذلك ..

تبادل سارن ومارى النظرات , فى حين استأذن الطبيب الذى معهم خارجاً فقد بدا بوضوح انه بلا دور فى هذا الموقف , لم يجب سارن او مارى على وليد مما حدا به ان يردف هو قائلاً :-

- صدقونى انا حتى الأن لا اصدق ما تقولونه لى وانتظر ان تخبرونى لماذا كل هذا العناء ؟

مارى :- بل ينبغى عليك ان تصدق ياوليد لكى يكون الأمر اقل عناء علينا جميعاً ..

وليد:- اصدق ماذا..! ان ماتقولونه هو الجنون بعينه ..

هنا تدخل سارن فى الحوار قائلاً :-

- وليد .. لكى نجعل الأمور اوضح فسوف نشاهد الأن فيلما .. ولكن لا تتحدث اثناء عرض هذا الفيلم وسوف نشرح لك كل شئ بعد ذلك .

لم يجب وليد على سارن وان كان لا يملك سوى ان يوافق وهو ماكان يعرفه سارن لذلك وبدون ان ينتظر اجابة وليد اطفأ نور الغرفة ثم ضغط على ريموت كنترول فظهرت شاشة كان من الصعب ان تراها وهى لا تعمل .

أول لقطة فى الفيلم كانت لوليد وهو نائم فيما يشبه غرفة العمليات وحوله العديد من الأجهزة والتى تخرج منها اسلاك عديدة بعضها يتصل بجسم وليد مباشرة , دهش وليد وهو يرى نفسه فى موقف لا يتذكره ولكنه ظن انه حدث اثناء سباته الذى لم يستيقظ منه سوى منذ قليل , ولكن هذا الظن ذهب من ذهنه وهو يرى نفسه وقد بدء يفيق ومن نومه وتتحرك اطرافة تحركات صغيرة قبل ان يدخل احد الأطباء – او من يبدون مثل الأطباء – وينزع عن وليد اغلب الأسلاك المتصلة به ثم بعد وقت طويل تم نزع بقية الأسلاك عن وليد الذى ظل هامداً تماماً ولم يعاود الأتيان بالحركات التى اتى بها من قبل وخرج الرجل الطبيب من الغرفة وقد ترك وليد وحيداً فى الغرفة .

هنا اعاد سارن الضوء الى الغرفة وقد تم ايقاف الفيلم ونظر ألى وليد من دون ان يقول كلمه ومارى هى الأخرى صامته وكأنهما ينتظران ان يريا رد فعل وليد على ما شاهده , والذى لم يجعلهما ينتظران طويلاً قبلان يقول :-

- متى حدث لى هذا ؟!

سارن :- لم يحدث لك ابداً

وليد :- هل تقول انك تختلقان هذا الفيلم اذن ؟ .. ولكن لماذا !!

سارن :- نحن لم نختلق شيئاً ياوليد .. ان كل ما شاهدته هو حقيقة وحدث بالفعل .

وليد :- ولكنك قلت انه لم يحدث لى !

سارن:- فعلاً هولم يحدث لك ولكنه حدث .. حدث مع شخص اخر .

لم يعد وليد يرى ان سارن ومارى مجنونان أو انهما يخدعانه ولكنه كان حائراً تماماً وكان فى قمة عجزة ان يعرف ما الذى يجرى بالضبط , لذلك بعد ما شاهد هذا الفيلم وحديثة القصير مع سارن ادرك ان الأمر اكبر حتى من ان يتخيله ولذلك لم يستطع حتى ان يستمر فى الحوار مع سارن فأكتفى بأن اخذ يحملق فى الأثنين بدون ان يقول شئ مما حدا بمارى ان تتدخل فى النهاية فى الحوار قائلة :-

- مرة اخرى اؤكد لك ياوليد ان الأمر فى منتهى الخطورة والتعقيد وهو يتطلب منك قدرة كبيرة على التعامل مع مختلف الأحتمالات .. مهما كانت غريبة أو شاذه .

قال وليد بصوت هادئ وكأنه يحاول بالفعل الفهم :-

- اذن انتما تقولان ان ما رأيته الأن حدث بالفعل .. ولكنه لم يحدث معى انا .. اذن فهذا الشخص الموجود فى الفيلم يشبهنى تماماً .. اليس كذلك ؟

سارن :- هذا صحيح .. هذا الرجل ليس انت ولكنه يشبهك تماماً .

وليد :- ولكن هذه الغرفة التى كان بها انها تشبه غرفة عمليات فى مستشفى .. هل هو مريض ؟

سارن :- سيكون من الصعب عليك ان تحاول استنتاج اى شئ من المعلومات التى لديك ياوليد فالأمر أعقد من ان تستنتجه .

هنا بدا على وليد انه سوف يفقد هدؤه وهو يقول :-

- أعقد ... أعقد .. ما الأمر فلتقولوا انتم لى ما الأمر اذن طالما لن استطيع ان استنتجه .

سارن :- اعتقد انه من الأفضل ان نعاود متابعة الفيلم ..

نظر اليه وليد من دون ان يعلق فقد كان يشعر ان الكثير من المعلومات سوف يكون متاحاً من هذا الفيلم .

فى الجزء الثانى من الفيلم كان وليد الراقد على الفراش فى الغرفة قد عاود التحرك ولكن هذه المرة لم تكن الحركات خفيفة بل كانت تدل على انه على وشك الأستيقاظ من نومه , وهو ماحدث بالفعل فما هى سوى دقائق حتى كان وليد النائم قد جلس على حافة فراشة وقد دخل اليه الطبيب الذى نزع عنه الأسلاك من قبل فقال له وليد بشئ من الدهشة :-

- أين انا ..؟

الطبيب :- انت بالمستشفى ياوليد لقد تعرضت لأصابة فى حادث سيارة .

وليد :- آه .. تذكرت .. ولكن ما الذى حدث ؟ وماذا اصاب السائق ؟

الطبيب :- اطمئن انه بخير وانت ايضاً بخير ولم تصب سوى ببعض الرضوض .

وليد :- كم غبت عن الوعى ؟

الطبيب :- انت هنا منذ الأمس وقد أجرينا لك كل الفحوصات اللازمة للتأكد من انك بخير فلا داعى لأن تقلق.

وليد :- المهم هو ان أتصل بأهلى فى البيت لكى أطمئنهم على .

الطبيب :- انت لست فى عجلة لكى تفعل ذلك .. ولكن على كل الأحوال تستطيع ان تفعل من الفندق فأنت تستطيع ان تغادر المستشفى الأن .

وليد :- اعتقد ان ذلك سيكون افضل بالفعل .

نهض وليد من فراشة وقد بدا عليه انه مازال متعباً , ولكن الطبيب لم يعلق على حالة الأرهاق البادية عليه مما جعله يرى انها بالتأكيد غير مؤثرة .

حتى هذه اللحظة كان المشهد كله يصور من كاميرا كان من الواضح انها معلقة فى سقف الغرفة او ما شابه , ولكن بمجرد خروج وليد من الغرفة كان من الوضح ان مستوى الكاميرا قد صار فى مستوى طول وليد وكأن شخصاً ما يحملها ويسير خلفة .

اوقف سارن الفيلم مرة اخرى وهو يضئ الغرفة قبل ان يقول لوليد حتى قبل ان يرى الدهشة المرتسمة دائماً على وجه وليد :-

- الشخص الذى تراه فى هذا الفيلم هو بالفعل وليد الحقيقى وهوا لأن قد أستعاد حياته التى كنت تحياها بدلاً منه الى ان يعود .

قال وليد :- ماذا تعنى بأنه الأن قد استعاد حياته!! ..وماذا تعنى بأنىكنت بديلاً له حتى يعودهو !!

سارن :- الم تفهم بعد ياوليد .. ان مارأيته فى هذا الفيلم كان البداية فى عودة وليد الأصلى الى حياته .

وليد :- واذا كان هو وليد الأصلى فمن انا اذن ؟!!

سارن :- لقد كنت النسخة التى تحل محله ..

على الرغم من ان سارن ومارى بالنسبة لوليد كان مؤشراً على ان هناك شئ مهم سوف يحدث وانهما لا يمزحان أو يلهوان إلا ان الغرابة الكاملة فيما يقولانه ويحاولان شرحة له كافياً لكى يشعر انه فى خضم خدعة ما وأن كل هذا لن يلبث ان ينقشع كاشفاً عن تفسير مقنع لكل هذا .

طال الفترة التى شرد فيها وليد مما حدا بسارن ان يعاود تشغيل الفيلم مرة اخرى ووليد- بطل الفيلم – يدخل الفندق متجهاً الى موظف الأستقبال الذى حياه بحماس بعد ان سمع عن الحادث الذى تعرض له بالأمس فقال له :-

- حمداً لله على سلامتك يا أستاذ وليد ..

وليد :- شكراً لك .. هل اتصل بي احد ؟

الموظف :- والدتك اتصلت بالأمس ..

وليد :- وهل اخبرتها عن الحادث ؟

الموظف :- فى الحقيقة لم نشأ ان نزعجها خاصة وان اتصالنا بالمستشفى جعلنا نتأكد من الأمر بسيط ..

وليد :- حسناً فعلت ..

ثم اردف وليد :- سوف اصعد الى غرفتى لكى ارتاح قليلاًَ .

الموظف :- كما تحب يا استاذ وليد .. هل تريد ان نوقظك فى موعد محدد ؟

وليد :- لا أريد ان انام كما اريد

الموظف :- تحت امرك

لم يتابع سارن وليد فى صعوده الى غرفته واوقف الفيلم وأضاء النور وألتفت الى وليد وهو يقول :-

- أعتقد اننا اقتربنا بك الأن ياوليد الى النقطة التى تفهم عندها كل شئ اليس كذلك ؟

بدا على وليد بعض الشرود وهو يجيب سارن قائلاً :-

- اى فهم هذا الذى تتحدث عنه !! .. ما الذى تريدنى ان أفهمة ؟!! .. ان ذلك الشخص الموجود فى الفيلم هو وليد واننى..!!!

اطرقت مارى برأسها وهى بالتأكيد تعرف ما يعترى وليد الأن من حيرة ودهشة وخوف , وعلى الرغم انها أعتادت على المهام التى تقوف بها بالتعامل مع تلك القطع المستنسخة إلا انها كانت دائماً ما تحمل هم تلك اللحظة التى يخبرون فيها هذه النسخ بحقيقتهم تلك اللحظات التى تتأكد فيها انهم ليسوا مجرد ماكينات صنعوها بل أنهم يملكون احساس ويتألمون ويخافون وكأنهم فى طريقهم الى الموت , فى هذه اللحظة التى طالما واجهة صعوبتها كانت تدرك انها تشارك فى انهاء حياة انسان ..

انسان يملك بالفعل حياة ..

انسان يملك حياة وهم ينزعونها منه ..

كانت مارى بالفعل تعانى فى هذه اللحظات ولكنه عملها الذى ينبغى ان تقوم به على اكمل وجه

وهو ماتقوم به دائماً , تقوم بعملها على اكمل وجه .

قالت مارى لوليد فى لهجة لم ترق كثيراً لسارن , كانت تبدو من وجهة نظره انها لهجة ودودة اكثر من اللازم :-

- وليد .. كلنا مدركون ان ما تعانية الأن شئ رهيب , ولكن ما قد يخفف عنك الأمر قليلاً هو انك لن تشعر بأى الم .. بل صدقنى انت لن تشعر بأى شئ على الأطلاق .

قال وليد بإحساس هو خليط ما بين الخوف والبلادة , بلادة جأته من كم الغرابة التى يعانيها الأن :- يبدو من كلامك كما لو كنت انتظر الموت...

لم تحر مارى اى جواب فقد كانت تعلم ان الكلمة الوحيدة التى من المفترض ان تقال الأن هى انه بالفعل سوف يعدم , ولكنه حتى لن يعدم كأنسان , بل كأله لم يعد لها لزوم ..ألة أصابها العطب .

هنا تدخل سارن فى الحوار قائلاً فى صوت اكثر جدية من صوت مارى وان لم يكن قاسياً :-

- انها النهاية ياوليد .. وكما قالت لك مارى الأمر لن يكون مؤلماً لك ... ونرجو ان لا تجعل الأمور اصعب علينا جميعاً .

قال وليد :- حسناً ماهو المطلوب منى بالضبط لكى لا يكون الأمر اصعب علينا جميعاً ؟

سارن :- كل المطلوب منك ان تهدأ ..

وليد :- وما الذى سيحدث بعد ذلك ؟

سارن :- لا شئ ..

وليد :- ماذا تعنى بلا شئ ؟

سارن :- صدقنى ياوليد من الأفضل أن لا تعرف اى شئ إلا فى حينه ..

وليد :- ولكنكم حكمتم على بالإعدام .. فلا اقل ان اعرف لماذا ؟.. ماهو الجرم الذى ارتكبته كى اعدم ؟!

سارن :- ان لم ترتكب جرماً ياوليد .. كما انك لن تعدم ..

وليد :- هل سأظل حياً اذن ؟

سارن :- انت لست حياً ياوليد حتى نبقيك حياً ..

نظر وليد الى نفسه وهويقول فى دهشة ساخرة يائسة :-

- انا لست حياً ..!! ولكن ماذا انا ؟! هل انا ميت ؟!

هنا تدخلت مارى فى الحوار وهى تقول بنبرة غاضبة موجهة حديثها الى سارن :-

نظر اليها سارن وهويقول بحنق :-

- ولماذا نجعل الأمر اصعب عليه وعلينا جميعاً ؟

قالت مارى بصرامة :-

- القانون يعطيه هذا الحق .

هز سارن رأسه آسفاً على ما آلت اليه الأمور , فهو كان يتمنى ان يتم كل شئ بسرعة , ولكن يبدو وكأن مارى قد قررت ان تعود الى اساليبها القديمة التى تجعل دائماً مثل هذه العمليات أصعب كثيراً مما ينبغى ان تكون عليه , وقال فى النهاية :-

- فى هذه الحالة سوف اتصل بدراو.. لابد وان يوافق على هذا اولاً

مارى :- لن يعترض.. انه القانون ..

كان سارن يعلم ان دراو لا يملك ان يعترض على ان يعرف وليد كل شئ ولكنه كان يريد ان يكسب بعض الوقت لعل مارى تغير رأيها ..

 

منذ ان فقد وليد وعيه فى غرفة الفندق , تم قطع الأتصال مابين مارى وسارن مع دراو وكوب وجانس بإعتبار ان الجزء الحرج من العملية قد انتهى بنقل وليد الى احد المقار الفرعية فى جنوب مصر , ولكن هذا لم يمنع ان يتم بأستمرار متابعة مايحدث من خلال الأتصال من آن لآخر بسارن ومارى فى هذا المقر الفرعى , ولكن هذه المرة كان الأتصال من سارن الذى رد عليه كوب قائلاً :-

- أهلاً سارن .. هل هناك جديد ؟

سارن :- اريد الحديث مع دراو

كوب :- هل وقعت مشاكل ؟

سارن :- كلا لا توجد مشاكل .. ولكنى اريد الحديث مع دراو ..

كوب :- كما تريد انتظر معى ..

ضغط كوب على زر امامه فأتاه صوت دراو قائلاً :-

- ما الأمر ياكوب ؟

كوب :- سارن يريد الحديث اليك ... هل احوله اليك ؟

دراو :- كلا .. سأتى اليك واكلمه من عندك ..

انهى دراو الأتصال مما جعل كوب المستفذ يلتفت الى سارن وهو يقول :-

- دعنى اخمن .. المشكلة بسبب مارى اليس كذلك ؟

وكأنما اعتاد سارن على اسلوب كوب المستفذ فقد اجابه بفظاظة :-

- ستسمع حديثى مع دراو وستعرف كل شئ

فى هذه اللحظة دخل دراو الى الغرفة والتفت مباشرة الى الشاشة التى يبدو عليها سارن وهو يقول متسائلاً :-

- ما الأمر ياسارن ..؟

سارن :- انها مارى..

دراو:- ما الذى حدث ؟

سارن :- انها تصر على ان تعرف القطعة المصرية كل شئ قبل ان ننتهى منها .

دراو :- هل طلبت ذلك بالفعل ؟

سارن :- اجل ..

دراو :- وما الذى دفعها لذلك ؟

سارن :- لا شئ ان القطعة المصرية شأن كل القطع كانت مندهشة وتساءلت كثيراً , ولكن يبدو ان مارى قد تأثرت بها فقالت اننا ينبغى ان نعرفها كل شئ .

دراو :- انه القانون كما تعرف ..

سارن اعرف .. ولكن ..

دراو :- لايوجد لكن .. انت تعرف القانون من حق اى من العناصر التى تتصدى لأى مهمة ان تحدد ما اذا كان من حق القطعة التى تتعامل معها تستحق ان تعلم كل شئ ام لا .. ومارى عنصر مهم فى هذه المهمة .

ادرك سارن ان دراو لن يمانع وهو ماكان يتوقعه فقال بصورة مستسلمة :-

- حسناً .. ولكنى سأبذل قصارى جهدى لكى لا اعمل مع مارى هذه بعد ذلك ..

أومأ دراو برأسه متفهماً وان لم يعلق فى حين انهى سارن الأتصال واختفت صورته من الشاشة , والتفت كوب الى دراو وهو يقول :-

التفت اليه دراو وهو يقول :-

- هل تملك انت ان تمنعها عن هذا العمل ؟.. هل تستطيع ان تثبت انها لا تصلح ؟

هز كوب رأسه فى يأس دلالة على ان هذا يعتبر شئ فى منتهى الصعوبة وهويقول :-

- هذا مستحيل .. فلكى تقنع هيئة قضائية بأن مارى لا تصلح لهذا العمل تحتاج الى معجزة .

دراو :- أذن فلنتابع عملنا فقط .

لم يجب كوب على دراو فلم يكن هناك مايقال بعدذلك .

 

*****************************

كانت مارى تجلس على مقعد وثير وهى ممسكة بكوب به مشروب ساخن , وامامها كان سارن يجلس على مقعد اخر وهو يقول لها متسائلاً :-

- لتعترفى يا مارى انك بالفعل تجدين صعوبة فى ان تمارسى هذا العمل .. فلماذا تصرين على العمل به؟.

مارى :- انا لا اسمح لنفسى بالفشل ابداً يا سارن .

سارن :- وهل توقفك عن عمل لا يناسبك يعد فشلاً ؟!

مارى :- عندما يكون التحدى هو المبرر الوحيد لما تفعله فأن توقفك عن ذلك الفعل يعتبر فشلاً

سارن :- ومن هو الذى تتحدينه بهذا العمل مارى ؟

شردت مارى قليلا ً قبل ان تهز رأسها وكأنها تفيق مما كانت تشرد به قبل ان تقول لسارن :-

- اعتقد انه من المناسب ان نذهب الأن لوليد .

سارن :- انا لن اذهب اليه لأظل اشاهد امارات تعجب ودهشة لا تنتهى .. قومى انت بهذا الأمر وحدك فهى رغبتك انت على كل حال .

لم تطل مارى النظر اليه قبل ان تخرج من الغرفة متجهة الى غرفة وليد والتى يعتبر سجيناً بها , ضغطت مارى على بضع أزرار فى تتابع معين قبل ان يفتح باب الغرفة وتدلف هى منه قبل ان يعاود الأنغلاق مرة اخرى , كان وليد جالساً على حافة سريرة وقد القى برأسه بين كفيه قبل ان يسمع صوت باب الغرفة يفتح وتدخل منه مارى , اعتدل وليد فى مجلسه وهو يلتفت الى مارى التى بادرته بقولها بصوت بدا الى حدما ودود :-

- كيفك الأن يا وليد ؟

لم يجبها وليد ولكنه اكتفى بالنظر اليها , مما حدا بها ان تعاود هى الحديث قائلة :-

- لقد جأت اليك هذه المرة لكى اشرح لك الأمر برمته فهل انت مستعد ؟

للمرة الثانية لم يرد وليد وانما اكتفى بأن هز رأسه بصورة خفيفة ,وللمرة الثالثة تقول مارى له :-

- لتعرف اننا الأن وحدنا تماماً ..

واشارت الى كاميرا صغيرة للغاية معلقة فى سقف الغرفة وهى تقول :-

- حتى هذه الكاميرا لا تعمل الأن .. لقد طلبت منهم ان يوقفوها عن العمل فى اثناء حديثى معك الأن ..فهذا حق لى ..ولك.

هنا قال وليد على غير المتوقع من مارى :-

- طبقاً للقانون ايضاً ؟!!

أومأت مارى برأسها وهى تقول :-

- أجل طبقاً للقانون ياوليد ..

وليد :- اى قانون هذا ..

مارى :- انه قانون يجبرنى ان اتعامل معك كأدمى .

وليد :- وهل انا لست ادمى ؟

مارى :- الكثيرين منا لا يزالوا يرون انك لست ادمى .

وليد :- الكثيرين منكم !! .. ولكن من انتم؟!

هنا اشارت مارى الى الشاشة وهى تقول :-

- اعتقد من الأفضل ان نشاهد الأن هذا الفيلم , ولكن هذه المرة سيكون من حقك ان تسأل وقتما تشاء .

ثم ضغطت مارى زر بدء التشغيل فى الريموت من دون ان تطفئ نور الغرفة .

 

كان واضحاً ان الفيلم هذه المرة ليس عن وليد الأخر , بل ان بداية الفيلم كانت عبارة عن لقطات لمدينة ما كان واضحاً انها من المدن الكبيرة مثل نيويورك أو طوكيو فقد كانت البنيات العالية جداً منتشرة فى مختلف الأنحاء , كان واضحاً ان اللقطة الأول من الفيلم قد تم التقاطها من السماء –اى من طائرة او ماشابه – وتدريجياً بدأت صورة المدينة تتضح وشوارعها الوسعة تظهر , ولكن المدهش بالنسبة لوليد ان الشوارع لم تكن مزدحمة على عكس معظم المدن الكبيرة بل ان السيارات الخاصة فيها كانت قليلة جداً وفخمة جداً , فى حين ان معظم السيارات الأخرى هى عبارة عن حافلات نقل جماعية , كما كان واضحاً من الناس بالشوارع انهم ليسوا على عجلة من امرهم بل كان معظمهم كان يتجول ببطء مشاهداً للمحال الموجودة بالشوارع وكأن كل من يسير بالشوارع الأن هم من فقط خرجوا من بيوتهم للنزهة أما الأخرين اللذين يخرجوا لأعمالهم فلم يكونوا موجودين فى الصورة , بالتاكيد فى الحالة التى وليد عليها لم يكن يعلق بأى حال من الأحوال على مثل تلك الملاحظات – اذا كان قد لاحظها اساساً – ولكن هذا لم يمنعه ان يسأل مارى :-

- أى بلد تلك ؟

تذكرت مارى كلمة سارن وهويقول انه لا يريد مشاهدة انسان مندهش بأستمرار وهى تجيبه بهدوء متعمد:-

- هذه المدينة ليست على الأرض ..

التفت وليد وقد رفع حاجبيه بدهشة ثم قال وكأنما هذه المعلومة التى توصل اليها تحل الكثير من الغموض المحيط :-

- أذن فأنتم لستم من كوكبنا !!؟

مارى :- أجل نحن لسنا من هذا الكوكب .. ولكنه ليس كوكبك انت ايضاً .

وليد :- اذن فأنا ايضاً من كوكبك !

على الرغم من ان وليد كان متأكداً ان الأمر صار جاداً وخطير إلا ان هذا لم يكن ليمنع هذه اللهجة الساخرة التى لم تخطئها مارى فى كلامه , ولكنها فى النهاية اجابته قائلة :-

- انت من كوكبنا نعم ولكنك لست منا .

هز وليد رأسه وكأنه يقول لها لا بأس بمزيد من الغموض , فأردفت مارى قائلة :-

- هل تريد ان تتابع الفيلم

وليد:- بالتاكيد

لم تكن اللقطات التالية للمدينة عموماً بل كانت لمبنى واحد فقط , ولم تتوقف اللقطات كثيراً امام المبنى بل انتقلت الى داخلة ليبدو مثل مختبر كبير او مجموعة معامل وكانت الغرف تتراص ابوابها على جانبى ردهة طويلة قبل ان يفتح احد الأبواب وتدخل منه الكاميرا ليجد وليد شخص راقداً على سرير وقد أتصلت به العديد من الأسلاك بالضبط مثل الحالة التى شاهد وليد الأخر عليها من قبل , فالتفت وليد الى مارى وهو يسأل :-

- هل هو نسخة مثلى ؟

مارى :- كلا بل انه اصل مثل وليد الأخر .

وليد :- ومتى سيحل محل نسخته هو الأخر ؟

مارى :- هذا غير معروف .. كما ان المرجح انه لن يحل محل النسخة ابداً .

وليد :- وهل هناك فرصة للنسخ ان تظل فى اماكنها حتى النهاية

مارى :- هذا هو المعتاد بالفعل وغير ذلك هو الأستثناء .

وليد :- وما الذى حدث معى وجعلنى استثنى من البقاء فى مكانى حتى النهاية ؟

مارى :- لقد اصابك عطب ما ..

وليد :- عطب ما !!

مارى :- اجل عطب .. فقد خرجت خارج نطاق البرنامج الذى تعمل من خلاله مما جعلك قطعة غير مفيدة ومن الممكن ان يأتى منها ضرر .

وليد :- اصابنى عطب !.. وخرجت عن برنامجى !!.. ماهذا هل انا ماكينة ؟!!

مارى :- بالضبط ياوليد انت مجرد الة تم صنعها بمهارة فائقة وتكنولوجيا عالية جداً .

وليد :- الا ترين ان ما تقولينه الأن فعلاً غريب .. كيف اكون انا الة ؟! ... كيف !!

مارى :- من الصعب جداً ان تجد الفرق بينك وبين الأدمى .. ولكن هذه الحقيقة انت مصنوع صتعاً يا وليد .

وليد :- حسناً انا مصنوع .. فمن الذى صنعنى ؟.. ولماذا ؟

هنا ضغطت مارى على زر فى الريموت كنترول بيدها فظهرت صورة ثابتة لمبنى اخر لم يرى وليد ما الذى يجرى بداخله قبل ان تقول مارى :-

- هذا المبنى الذى تراه يعتبر معمل ابحاث متطور جداً يسبق احدث معمل على كوكب الأرض بحوالى مائة عام وفيه تمت ولادة اول نسخة منذ حوالى ثلاثون عاماً , هذه النسخة الأولى كانت مبنية اساساً على نوعين اساسيين من العلوم احدهما بدء يعرف فى كوكب الأرض الأن , والأخر من المتوقع ان يتم اكتشافة فى خلال سنوات كثيرة قادمة ..

هنا قاطعها وليد وهو يتسائل قائلاً :-

- وما هما هذين العلمين ؟

مارى :- الذى عرف فعلاً وان كان مازال فى بدايته هو علم الأستنساخ .. انه قفزة هائلة لهم هنا وأما العلم الأخر تستطيع ان تسمية بيواليكترونيكس ..

بالتأكيد لم يستوعب وليد هذا المصطلح وهو ما بدا عليه , فقالت له مارى شارحة :-

- هو علم يربط مابين الأليكترونيات الدقيقة والأعضاء البشرية ..

قد لا يكون وليد قد استوعب تماماً تفسير مارى ولكنه تسائل :-

- ولكن كيف صنعتمونى انا ؟!

مارى :- مثل اى نسخة اخرى , يتم اختيار اى جنين فى بطن امه طبقاً لقواعد معينة وننتظر ولادته ثم نأخذ بعض العينات من خلاياه , وننميها عندنا بمعدل اسرع كثيراً من المعدل الطبيعى ثم نبدء نكون من هذه الخلايا تكوين جنين يشبه تماماً الجنين الأصلى فى وسط يشبه تماما رحم الأم لتكتمل عملية النمو بصورة طبيعية إلا فيما يخص عضو واحد فقط ..

وليد :- العقل .. اليس كذلك ؟

اشارت مارى بإصبعها تنفى اجابة وليد وهى تقول :-

- المخ .

وليد :- وما الفرق ؟

مارى :- المخ هو ذلك الجزء الموجود بداخل تجويف الرأس , اما العقل فهو شئ غير محدد .. وقد يكون هو ما بداخل المخ .

لم يبدو على وليد الأقتناع الكامل بالفارق الذى ذكرته مارى ولكنه واصل قائلا ً :-

- ولكن لماذا لا تتركون المخ ينمو بصورة طبيعية ؟

مارى :- لأننا يجب ان نتحكم فى المخ ونجعله بالضبط كما نريد ..

وليد:- ماذا تعنين بجعله كما تريدون ؟

مارى :- أفكارة اهتماماته ودرجة ذكائه .. ثم الأهم من كل هذا ان يكون مستعداً للحظة التى سوف نطلبه فيها

وليد :- بمعنى ..؟

مارى :- الم اقل لك انك خرجت عن البرنامج الموضوع لك .. هذا ما اعنيه .. فأنت بخروجك عن البرنامج لن تستجيب لنا عندما نطلبك .

وليد :- ولماذا خرجت أنا عن البرنامج ؟

مارى :- خلل .. حدث عطب ما .

وليد :-ولكن هل وليد الأصلى سوف يستجيب لكم عندما تطلبونه ؟

مارى :- كلا فوليد الأصلى سوف يكمل حياته السابقة بصورة طبيعية , ومنذ عودته الى حياته لم يعد لنا اى علاقة به ..

وليد :- ولكن اى حياة سوف يستكملها وليد الأصلى ؟.. انها حياتى انا فكيف سيستكملها هو ..؟

مارى :- ان وليد الأصلى كان يعيش نفس الحياة التى كنت تحياها انت ..

وليد :- وكيف هذا وهو كان عندكم ..؟

مارى :- لقد كان خاضعاً هو الأخر لنفس البرنامج الذى كنت انت تعيش طبقاً له ..

وليد :- كيف ؟!

مارى :- الم ترى تلك الأحهزة التى كان متصلاً بها انها نظام متكامل متصل بك انت شخصياً , كل ما كنت تراه او تسمعه كان يراه ويسمعه وكل تصرفاتك التى تقوم بها كانت يقوم بها هو الأخر ..

وليد :- ولكنه كان نائماً عندما رأيته فكيف يفعل ما افعله انا ؟

مارى :- هذا هو الشق الثانى للعمل بأسلوب النسخ , وهو جزء كان يتم بالكامل فى المعمل الذى رأيت وليد به , فهذه الأحهزة التى كنت تراها كان الهدف منها ان يزرع فى عقل وليد الأصلى نفس الحياة التى تحياها النسخة .. ولكن الأمر بالنسبة له كان عبارة عن معلومات تدخل الى عقلة والذى كان تحت السيطرة ايضاً منذ ان تم ابدالكما بعد ميلاده بشهور قليلة ..

وليد :- والهدف من هذا ان يكون مستعداً للتبديل فى اى وقت اليس كذلك ..؟

مارى :- اجل ..

وليد :- ولكن اليس هناك اى احتمال ان يقع خطأ ما ولا نعيش انا وهو نفس الحياة ..

مارى :- هذا وارد .. وحينها يتم انهاء العملية اذا كان الخطأ لا نستطيع ان نتداركه ..

وليد :- ويعود هو ايضاً الى حياته .. اليس كذلك ؟

هزت مارى رأسها موافقة وليد بدون ان تتكلم فقال وليد :-

- ولكن الا ترين ان فى الأمر جريمة هنا ..؟!

لم تجب مارى وليد على هذا السؤال أوتعطى حتى اى اشارة وكأنها لم تستمع اساسا ً الى هذا السؤال ,وفى النهاية لم يكن وليد يملك سوى ان يصدق كل ما يلقى امامه الأن من معلومات , لقد بدا له الأمر الأن متكاملاً لذلك لم يعد مندهش كما كان قبل ذلك وان كان يريد ان يعرف كل شئ , لذلك فقد هز راسه فى تعبير هو مزيج ما بين الأسى والدهشة السخرية قبل ان يقول :-

- لتكتمل الأن المأساة ويكون ذلك الخلل الذى تتحدثين عنه ليس بسببى ..

على الرغم من ان مارى كانت تتحدث مع وليد وهى تتظاهر بالكثير من البرود وعدم الإكتراث إلا انها كانت بالفعل تتألم وهى تتحدث مع وليد , وهو الم كانت تدرك انه اقل عقاب تستحقة لأشتراكها فى هذه المهزلة الأخلاقية – من وجهة نظرها – والتى تشاهد فيها دائماً لحظات يعجز العقل العادى عن تخيلها , فمن من البشر يتخيل انه من الممكن ان يأتى عليه اليوم ليكتشف انه ليس سوى بديل ويكون المطلوب منه ان يموت ليأتى اخر ليحيا حياته , كانت لحظات دائماً قاتلة بالنسبة لها , ولكنها كانت مطالبة دائماً ان تمارس عملها بكل جدية وكفاءة مما جعلها تجيب وليد قائلة بنفس الهدوء :-

- النسخة لا يقع منها اخطاء ابداً ياوليد .. فدائماً الأخطاء تقع من الخبراء المسئولين عن النسخ .

وليد :- ولكنى لم اسألك حتى الأن لماذا كل هذا ؟.. لماذا تصنعون نسخ وتتابعونها .. ولماذا تهتمون بكوكب الأرض ؟

مارى :- انه قرار للمجلس الأمنى عندنا فأهل الأرض هم الأقرب الينا فى الترتيب الحضارى وبالتالى كان لابد وان نكون عارفين عنهم الكثير , فكانت تلك الخطة بأن نضع نسخ بديلة قد نحتاجها وقت اللزوم .

وليد :- هل ستحاربونهم فى وقت ما اذن ؟

مارى :- نحن لانبحث عن الحرب ابداً ياوليد ولكنها عبارة عن خطة وقائية .

هز وليد رأسه وكأنه يتفهم ماتعنيه مارى بخطة وقائية قبل ان يقول وكأنه يتذكر امر ما :-

- ولكن ما الذى جعلك تصرين على ان اعرف كل شئ ..

مارى :- لأن هذا حقك طبقاً للقانون ..

وليد :- ولكنى اسألك لماذا انت بالذات تصرين ان اعرف انا كل شئ ..

قالت مارى بصوت بدا وكأنها يصارع عقلها :-

- لأنك تستحق هذا ..

اردف وليد على كلمتها كلمة واحدة قائلاً :-

- كأدمى .

اطرقت مارى برأسها قليلاً فى حين اعترى وليد احساس بحزن عميق جداً لم يبدو منه سوى نبرةاليأس فى صوته وهو يقول :-

لم تجب مارى على وليد وهى لا يبدو عليها اى من امارات الضعف وهو ما لم يكن ينتظره وليد الذى واصل حديثه قائلاً وكأنه يحدث نفسه :-

- يا الهى .. هل كل ما كنت انا فيه عبارة عن برنامج محدد سلفاً ..

ثم نظر الى مارى متسائلاً وان بدا انه لا يريد حتى اجابة وقال :-

- حتى مشاعرى كنتم تتحكمون بها ..!!

ثم اردف كأنه تذكر شيئاً :-

- انتم تعرفون نرمين اذن .. هل انتم اللذين قررتم ان احبها ؟ّ! .. اتعلمين لقد كنت دائماً اتساءل لماذا نرمين .. ولكنى الأن عرفت لماذاهى .. انتم اللذين اخترتموها لى .. لست انا من اختارها ..

قاطعته مارى قائلة وكأنها تفاجأه :-

- بالعكس .. ان حبك لنرمين كان بعد ان خرجت من تحكم البرنامج بك .. لقد اخترتها انت بنفسك .. ولسنا نحن من اختارها لك ..

وليد وكأنه لا يصدق هذه المعلومة :-

- ولكن هل تستطيع الة ان تحب ؟!!

مارى :- لقد شرحت الكثير واظن انك عرفت انك لست الة بمعنى الكلمة ..

وليد:- ولكنكم سوف تتخلصون منى وكأنى الة ..؟!

عند مثل هذه الأسئلة كانت تقف مارى حائرة فى كيفية الإجابة , لأنهم بالفعل يتخلصون منهم على إعتبار انهم الات , وهذا هو للأسف عملها ان تتخلص من ألات لا تختلف ابداً عنها فى شئ .

تابع وليد كلامه بتساؤل جديد :-

- اتعرفين ان سارن أو رياض هذا كان علىحق عندماطلب منك ان لا تخبرينى لكى لا يكون الأمر اصعب على الجميع .. ولكن من هو الذى اصدر ذلك القانون بأن من حق النسخ ان تعرف الحقيقة كاملة ؟

مارى :- ان مشروع النسخ فى حد ذاته كان مثار جدل عميق عندنا , وعندما بدا فى النهاية انه سوف ينفذ برغم المعارضة قام احدهم برفع دعوى قضائية بان يتم التعامل مع النسخ كأنهم ادميين فى بعض النقاط , كان منها حقهم فى ان يعرفوا الأمر برمته قبل ان يتم التخلص منهم ..

ثم اردفت مارى وكأنهاتدافع عن نفسها وعن المجتمع الأتية منه :-

- نحن مجتمع راقى ياوليد ونحترم تماماً القانون ..

هنا لم يمنع وليد نفسه من ان يظهر السخرية الواضحة على وجهه وهويقول بنفس الدرجة من السخرية :-

- راقى .. انتم مجتمع راقى !!!

ثم اردف بنبرة حانقة كارهة لمارى والمجتمع الأتية منه قائلاً :-

- بل انتم مجتمع قذر .. مجتمع معتوه .. اى رقى تتحدثين عنه وانتم تعدمون بشر كاملى الروح بدعوى ان هناك خطأ قد وقع وتعتبرونهم الات .. اى رقى .. وانا انظر الى حياتى وهى تنتهى .. والمأساة انها تنتهى بالنسبة لى انا فقط ولكن بالنسبة لأهلى واصدقائى فلن يفتقدنى احد.. وكيف يفتقدونى وانا مازلت بينهم .. اى رقى وانا ارى اخر يحل محلى فى حياتى .. واى تخريف تقولونه عن ان احدنا أصلى الأخر نسخة .. نحن الأثنين نستحق الحياة ..انا ايضاً اصلى ..ولى حياة .. ولكن الكارثة انها حياة واحدة يستحق ان يحياها اثنان ..ولكليهما نفس الحق .. نفس الحق ..

حاولت مارى ان تتخلص من المعانى القاسية التى يجسدها وليد بإحساسه اليائس فقالت له :-

- اعتقد انك عرفت الأن كل ماينبغى ان تعرفه .. فهل هناك اى سؤال اخر لك ؟

أمعن وليد النظر اليها لثوانى طويلة قبل ان يقول بصوت بدا قوياً الى حد ما :-

- هناك سؤال واحد ..

واردف بعد ذلك بنفس الصوت القوى والذى بدا ايضاً عميقاً :-

- ماهو الحل ؟ .. انا لا اريد ان اموت ..

وكأنها تسمع هذه الكلمة لأول مرة ارتجف جسد مارى عندما قال وليد بوضوح انه لايريد ان يموت , على الرغم انها تسمع هذه الكلمة تقريباً من كل النسخ التى ينبغى ان يتم التخلص منها , إلا انها هذه المرة لم تغالب احساسها القوى برغبتهاالدائمة بأن تقوم بعملها كما ينبغى , لعلها كرهت طول مقاومتها لهذا الأحساس , أو لعلها رأت فى وليد شئ ما مختلف .. أو لعلها قررت ان تكون انسانه بالفعل ولو لثانية يرتجف فيها جسدها .. المهم انها فى النهاية لم تستطع ان حتى ان تتظاهر بالبرود او القوة ولم تفكر حتى فى جواب لسؤال وليد فخرجت من الغرفة وعلى وجها امارات من الغضب والأسى لم يراها وليد بالتأكيد ولكن رآها سارن عندما دخلت عليه الغرفة والتى كان ينتظر بها ان تنتهى مارى من مهمتها فقال لها وكأنه يشفق عليها :-

- هذا ماكنت اتوقعه مارى ولكنك لم تنصتين الى .. ما الفائدة من ان يعرف كل شئ , كلنا نعرف ان هذا القانون صدر من ناس لم يروا بأنفسهم مثل هذه اللحظات , فكان الواجب علينا نحن ان نكون اكثر واقعية ونتخلى عن تطبيقة .. فلماذا تصرين على تعذيب نفسك !

مارى :- هذا العذاب الذى تتحدث عنه هو اقل عقاب يستحقة كل من يشارك فى هذه الجريمة ..

كان اغلب من يعملون مع مارى يعرفون انها تعانى من مشاكل فى مثل هذه المواقف ولكنها كانت دائماً تتظاهر امامهم بعكس ذلك , ولكن هذه المرة كان واضحاً انها حتى لا تريد ان تخفى المها مما يجرى مما حدا بسارن ان يسألها مستنكراً :-

- ولماذا اذن يا مارى تعملين فى هذه المهام طالما انك تكرهينها الى هذه الدرجة ؟! ماهو هذا التحدى الذى يجبرك على هذه المعاناة ؟

مارى :- لا يوجد تحدى او اى شئ .. انه فقط العمل الوحيد الذى اجيده الأن ..

بالتأكيد لم تكن تلك الإجابة مقنعة لسارن ولكنه لم يلح اكثر من ذلك فقال لها مغيراً الموضوع :-

- هل تقبل الحقائق التى قلتيها له ؟

أومأت مارى برأسها بلا كلام فتابع سارن الحديث قائلاً :-

- عتقد انك لن تتواجدى اثناء التخلص منه اليس كذلك ؟

كانت تقف امام نافذة واسعة تنظر منها وكأنها لم تسمع سؤال سارن ظلت ناظرة من النافذة وهى تتعمد تجاهل سؤال سارن تاركة لعقلها حرية الشرود لدقائق طويلة قبل ان تقول لسارن :-

- لن يتم التخلص من وليد .. انا اريد الذهاب به الى المجلس الأمنى .. لأثبت لهم ان خطة النسخ المتبعة ذات ابعاد انسانية اكبر مما يتخيلون ..

والتفت مارى الى سارن لترى رد فعله ولكنها فوجئت بأنه غير موجود فى الغرفة فعرفت انه لم يسمع كلامها الأخير , فما كان منها سوى ان خرجت من الغرفة باحثة عنه وهى مصممة ان تخبره بقرارها والذى ستحارب من اجله للنهاية .

 

******************************

 

كان اجتماعاً شاملاً هذا الذى جمع بين دراو ومارى وسارن وكوب وجانس فى مقر شركة الأخشاب وكان بادياً على مارى انها قد تخذت قرارت نهائية ووجهها مرتسماً عليه امارات القوة والتحدى , قال دراو موجهاً حديثه الى مارى قائلاً :-

- الا ترين انك تماديت تماماً يامارى ..؟

مارى :- أى تمادى تتحدث عنه يا دراو ..انه حقى ..

دراو :- هل تسمين عدم أتمامنا لمهمة نحن بصددها حق لك ..!

مارى :- انا لا اطالب بوقف العملية .. كل ما اطالب به هو نعرض على المجلس الأمنى طارئ جديد ليحكم هو بشأنه ..

دراو :- وماهو الطارئ الجديد فى التخلص من احدى النسخ ..

مارى :- الجديد هو ان احد عناصر المهمة يرى انها مهمة فاشلة وينبغى تغيير اسلوب العمل .

سارن :- لقد كانت حماقة ان تدخلى فى هذا النطاق من العمل اساساً ..

مارى :- الحماقة هى مانقوم به بالفعل ياسارن ..

دراو :- ان ما تطالبين به يا مارى يعد سابقة خطيرة .. ذهابك بأحدى النسخ الى المجلس الأمنى ليس بالقرار السهل , ويعتبر فشل لنا جميعاً امامهم .

مارى :- انا لا اراه فشل يا دراو فألأختلاف وارد.. وانا الأن ارى الأمور بصورة مختلفة عنكم ..

ومن حقى ان اعرض وجهة نظرى على المجلس الأمنى فهذا ما يضمنه لى القانون ..

جانس :- يبدو ان القانون هذا يعطى الفرصة للمهاويس امثالك بتعطيل العمل ..

لم تجب مارى على جانس الشاب المتوتر دائماً وهى ملتفته فقط الى دراو بإعتبار انه صاحب القرار الأخير .

دراو :- اعتقد ان قرارك غير حكيم بالمرة يا مارى .. واخشى انى لن استطيع ان أوافقك عليه ..

مارى :- وهل تتحمل ان تخالف القانون يا دراو ؟

دراو :- القانون لم يوضع لمثل هذه الشطحات يامارى

مارى :- ولكنه القانون .. ويعطينى هذا الحق ..

سارن :- كفى عن هذه الترهات مارى , يكفى ان عطلت عملية التخلص من القطعة المصرية .. انا ارى ان تنسى تماماً هذا الأمر .. ونحن ايضاً سوف ننساه ولن نذكر اى شئ عنه لدى المجلس الأمنى ..

مارى :- ماهو قرارك الأخير يا دراو ؟

دراو :- لا يوجد احمق يوافقك على ماتريدين يا مارى .. ان ماتطلبينه لن يتم ..

مارى :- ولكنى أستطيع ان اسبب لكم مشاكل جمة ليس عند المجلس الأمنى فقط بل ولمستويات اعلى من ذلك ..

دراو :- هل تهددينا بمنصب والدك يامارى ..؟!

لم تجب مارى ولكنها اكتفت بأن نظرت الى دراو بتحدى قبل ان يتابع دراو قائلاً :-

- أهذا هو القانون الذى تحتكمين اليه دائماً ..

مارى :- انت من تجاهل القانون يا دراو ..

كان منصب والد مارى الرفيع بالفعل من الممكن ان يسبب بعض المشكلات ولكن كل من فى الغرفة كان يعرف ان القانون اقوى من اى شخصية واى منصب وهو ماكانت تدركة مارى ولكنها لم تكن تريد ترك اى فرصة قد تسمح لها بأن تنال ما تريد , وعلى ذلك قال دراو :-

- طلبك مرفوض يامارى ..

ثم التفت الى سارن قائلاً :-

- متى تستطيع ان تتخلص من القطعة المصرية ؟

سارن :- غداً مساء ..

دراو :- حسناً .. تمم تلك المهمة .. ومارى لن تستكمل معك هذه المهمة ..

هنا قالت مارى بحدة :-

- وما السبب ؟

نظر اليها دراو وهو يعلم ان هذا القرار بالذات قد يجلب له المشاكل لأنه بلا مبرر قانونى , فتراجع عنه وهويقول لسارن :-

- حسناً ستكمل معك المهمة .. ولكن لتعرفى يامارى انى سأرفع توصية بعدم ملائمتك للعمل فى هذه المهام مرة اخرى

مارى :- أفعل ماتراه دراو .. أفعل ماتراه ..

ثم اندفعت مارى خارجة من الغرفة وهى تشعر بالهزيمة , فقال دراو لسارن :-

- انتبه لها , وراعى حالتها .

سارن :- لا تقلق .

 

*************************

كانت توصية دراو لسارن بأن يراعى حالة مارى لا تعنى لدى سارن بأى حال ان يتردد ولو لثانية واحدة فى أداء عمله للتخلص من القطعة المصرية وعلى ذلك تابع هو الأجراءات التى تتم من اجل هذه المهمة التى كان يرى انها ابسط كثيراً من القلق الذى اثير حولها , وكانت مارى تتابع معه من خلال شاشات متعددة تنقل لهم فى غرفة التحكم اعداد غرفة الإعدام والتى لم تكن تختلف عن اى من غرف الأعدام لأى كائن حى , وبين من بين هذه الشاشات كانت شاشة تنقل ما يحدث فى غرفة وليد والتى كانت هادئة تماماً فى ذلك الوقت فلم يكن وليد قد عرف ان اللحظة الحاسمة قد حانت وهو بغرفته وقد القى كالمعتاد راسه بين كفيه منتظراً مصيراً لا يد فيه على الأطلاق , لم تكن مارى مسئولة فى الواقع عن اى شئ فى العملية وسارن هو الذى يتابع كل الترتيبات ولذلك لم تجد مارى اى مانع من ان تظل متابعة لوليد وقد اطلقت كل مشاعر التعاطف معه بلا حرج او تردد , ولهذا لم يتوقف عقلها عن العمل محاولة ان توقف هذه العملية لعرض الأمر على المجلس الأمنى , وهو ماكان يبدو صعب جداً , ولكنها بهدوء وبدون ان يشعر سارن ضغطت على مجموعة من الأزار بصورة متتابعة فتوقفت صورة وليد والذى لم يكن يتحرك اساساً مما جعل سارن لا يشعر بأى اختلاف فى الصورة امامه , ولكن مارى كانت تعرف ان هذا لن يستمر طويلاً لذلك فقد اتجهت للخروج من الغرفة وسارن يتابعها بعينيه حتى الباب قبل ان يسألها :-

- الى اين

مارى :- لا اريد ان اتابع ..

لم يعلق سارن عليها وعاد الى متابعة عمله وقد كان يتوقع منها هذا التصرف بين لحظة لأخرى .

اتجهت مارى الى غرفة وليد وضغطت مجموعة المفاتيح ليفتح الباب ويلتفت اليها وليد وهو يظنها قد جاءت لكى تتابع معه الحوار السابق والذى كان يأمل وليد من خلاله ان يغير شئ فى مصيره المنتظر , ولكنه فوجئ بمارى تقول له :-

- امامك دقائق قصيرة لتنجو بنفسك ..

ثم اردفت وهى خارجة من الغرفة :-

- اخلع ملابسك بسرعة .. سأعود لك حالاً ..

لم يترك وليد الدهشة تتملك منه واستجاب لطلب مارى وشرع فى خلع ملابسه والتى ماكاد ينتهى من خلعها حتى عادت مارى ومعها ملابس تشبه تلك التى بلبسها العاملون فى هذا المكان وتقول له :-

- ارتدى هذه الملابس بسرعة ..

للمرة الثانية لم يتردد وليد وقد بات متأكد ان مارى سوف تساعده فى الخروج من هذا المكان وفى ثوانى قصيرة للغاية كان بالفعل مرتدياً تلك الملابس , فقالت له مارى :-

- والأن سر فى تلك الردهة بسرعة ولكن دون ان تلفت الأنتباه اليك حتى الباب فى نهايتها وستجد بعده سلم اصعد عليه حتى نهايته وهناك ستجد غرفة صغيرة قبل باب الخروج من المبنى تدخل الغرفة وتغير ملابسك تلك بملابس عادية تناسبك ثم انتظرنى عندها حتى اتيك ..

لم تترك مارى فرصة لوليد ان يعقب على ماتقول فقد أخذت تتلفت يميناً ويساراً لتتأكد ان احد لم يلاحظ اى مما حدث قبل ان تشير اليه بيدها ان يخرج .

خرج وليد من الغرفة وهو فى غاية الأرتباك وينطلق الى نهاية الغرفة فى حين اغلقت مارى باب الغرفة مرة اخرى ليبدو الأمر وكأن وليد مازال بداخلها وسارت هى فى نفس الردهة خلف وليد وتباطأت حتى شاهدته يتخطى باب نهاية الغرفة فدخلت هى فى ردهة فرعية تقود الى غرفة القيادة ونظرت من الزجاج بالباب لتجد ان سارن لم ينتبه حتى الأن ان صورة وليد التى امامه ثابته فعاودت السير مرة اخرى فى اتجاه الغرفة التى وصفتها لوليد من قبل .

دخلت مارى الى الغرفة فوجدت وليد قد انتهى تقريباً من تغيير ملابس العاملين بملابس اخرى عادية تخص اياً من العاملين بالمبنى فأخرجت مارى من حقيبتها بطاقة صغيرة ناولتها الى وليد وهى تقول :-

- عند البوابة ستدس هذه البطاقة فى جهاز صغير امام الحارس .. افعل ذلك بسرعة .. وأنا سأجعله لا ينتبه اليك ..

هنا اخيراً قال وليد :-

- هل تساعديننى على الهرب حقاً !!

قالت مارى بحدة خافته :-

- ليس هذا وقت الحديث .. هيا ..افعل ماقلت لك بدقة ..

خرج وليد بصحبة مارى والتىما ان شاهدها الحارس حتى انتصب فى وقفته فهى القائد الثانى فى هذ المكان بعد سارن , وقبل ان يعرف من هذا الذى معها قالت مارى للحارس بصوت بدا غاضباً :-

- اى حماقة تلك التى ارتكبتها ايها الحارس ؟

بدا على الحارس الدهشة والخوف من غضب احد القادة اليه وهو يقول لمارى التى تقترب منه وقد ارتسم على وجهها امارات الغضب:-

- اى حماقة ارتكبتها انا ايها القائد؟!!
مارى :- هل شكوى زميلك منك حقيقية ؟

ازدادت دهشة الحارس وهو يقول بإرتباك :-

- أى شكوى .. وأى زميل ..؟!

فى هذه اللحظة كان وليد يدس فى الجهاز بطاقته لتنطلق صافرة هادئة وينفتح امام وليد ذلك الباب الصغير فأنطلق منه فى حين كانت مارى تقول للحارس فى ذلك الوقت :-

- ثق تماماً ان ذلك الأمر لن يمر دون عقاب ..

تسائل الحارس مرة اخرى :-

- ولكن ما الذى ارتكبته انا ؟!

مارى بإقتضاب بعد ان ادركت ان وليد بالفعل قد مر من الحارس :-

- ستعرف عندما اعود .

واسرعت مارى بالخروج من الباب الذى لم يغلقة الحارس بعد انصراف وليد وهى تقول للحارس :-

- ولا تنسى ان تغلق الباب بعد خروج اياً من كان بعد ذلك .

انتبه الحارس الى الباب الذى لم يغلقة بعد خروج وليد واغلقة بعد خروج مارى وقد تأكد ان القائد الثانى للمكان قد اخذ عنه بالتأكيد انطباع سئ .

اسرعت مارى فى خطوتها الى حدما لكى تلحق بوليد والذى كان يسبقها بمسافة ليست كبيرة , نادت مارى على وليد بعد ان ابتعدا عن الحارس بقدر كاف قائلة :-

- وليد .. انتظر ..

انتظر وليد مارى وهى تتجه اليه قبل ان تشير الى احدى السيارات وتقول :-

- اركب هنا ..

بمجرد ان استقر وليد فى السيارة بجوار مارى انطلقت هى صوب البوابة الرئيسية للموقع والذى يتستر تحت اسم شهير لأحدى المستشفيات الخاصة المعروفة فى اسوان , والتى لم يكن يعلم اى من مرتاديها او حتى العاملين بها ان ذلك ألمبنى المنفصل والخاص بمعمل التحاليل يحتوى تحت ارضه ذلك الطابق السرى والذى يتصل بمخرج اخر فى طرف الحديقة الواسعة والمنفصل عن بقية الحديقة بسور بدعوى انه الجزء الخاص بالتخلص من النفايات الملوثة والذى لا ينبغى ان يقترب منه اياً من كان , عند اقتراب مارى من الباب الرئيسى للموقع السرى والذى يحرسه رجال تابعين لمارى وسارن حتى طلبت من وليد ان يستتر تحت – فى دواسة السيارة – والقت هى عليه حقيبة كبيرة الى حدما مما جعله لا يبدو لمن يلقى بنظرة عابرة على السيارة وهو المتوقع بالنسبة لسيارة القائد الثانى للموقع , وهذا ماحدث بالفعل فبمجرد ان عرف الحارس السيارة وقائدها حتى فتح البوابة وهو يلقى بالتحية على مارى والتى ردت عليه التحية قبل أن تنطلق خارجة , وماهى سوى ثوانى وكانت مارى ترفع الحقيبة عن وليد وهى تطلب منه الأعتدال قائلة :-

- لا بأس اعتدل لقد خرجنا ..

القى وليد نظرة على الشارع الذى تسير فيه السيارة وهو الذى كان يتوقع انه لن يرى ابداً بعد ذلك اياً من ملامح الحياة الطبيعية قبل ان ينظر الى مارى والتى كانت فى هذه اللحظة تبدو كما لوكانت تهتم فقظ بالطريق الذى تسير فيه ولا تريد ان يقول لها وليد شيئاً ولكن وليد لم يستطع بالتأكيد ان يظل صامتاً فقال لها :-

- لماذا .. ؟

نظرت اليه مارى لثانية ثم عاودت الإنتباه الى الطريق مرةاخرى فعاود وليد السؤال ثانية قائلاً :-

- لماذا ..؟ لماذا تساعدينى على الهرب الأن ؟!

اغمضت مارى عينيها لثاينة وكأنها تريد ان تنسى انها بالفعل ساعدت وليد على الهرب قبل ان تقول لوليد :-

- لأن هذا ماينبغى على ان افعله الأن ..

وليد :- الأن ..!

مارى :- لا تظن ياوليد ان الأمر يتعلق بك انت شخصياً .. ان ما حدث كان لابد وان يحدث لأننا تمادينا فيما نفعل بدون ان نقف لنفكر هل نحن حقاً مقتنعين بما نفعل ام ان الأمر عبارة عن طريق سرنا فيه ولابد ان نكمله ..

وليد :- ولكنك لم تفعلى هذا سوى معى .. فلماذا انا بالذات ..؟

مارى :- كان سيحدث فى وقت ما .. كان لابد وان يحدث , وقد حدث معك , هذا كل مافى الأمر ..

وليد :- اذن اعتقد انى مدين لك بالشكر ..

مارى :- بالشكر ..!! لماذا ..؟ هل نسيت انى ايضاً قد شاركت فى الأمر برمته .. كل ما افعله هو انى احاول اصلاح خطأ شاركت فيه ..

وليد :- أياً كان الأمر كل ما أعرفه انى كنت على وشك ان تنتهى حياتى بصورة مأساوية , وانت التى انقذتنى ..

مارى :- لا يهم الأن كيف ترى انت الأمر المهم هو ان تعرف انى لم انقذك لكى تعود الى حياتك العادية فهذا امر مستحيل الأن .

القى وليد بنظرة نحو النافذة بجواره وقد لاحظ ان السيارة بدأت تخوض فى طريق تحفه الزراعات من الجانبين وشرد للحظات قبل ان يقول لمارى :-

- وما الذى سنفعله اذن ..؟

مارى :- أولاً لابد وان تختفى فى مكان امن حتى نستطيع ان نتصرف بعد ذلك بحرية اكبر .

وليد:- وهل من السهل ان يختبئ المرء منكم ..!

ابتسمت مارى وهى ترى وليد يظن انهم بالفعل اناس خارقون قبل ان تقول له لتطمئنه :-

ثم اردفت قائلة موضحة :-

- نحن لسنا خارقون ياوليد كل ما فى الأمر اننا متقدمون علمياً جداً ..

وليد :- ولكن كيف سأختبئ من اناس يستطيعون ان يروا بعينى ويسمعوا بأذنى .. !!

مارى :- انت كنت على وشك التخلص منك .. اى انك كنت مفصول تماماً عن كل انظمتنا .. والأن انت تهرب منهم كأى مجرم يهرب من سلطة ذات نفوذ وقوة , وإذا ما توخيت الحذر سيبقى الأمر كذلك لفترة مناسبة ..

وليد :- لفترة ..! لأى فترة ..؟

مارى :- فقط توخى الحذر وستكون فترة كافية ..

وليد :- كافية لماذا ..؟

مارى :- لأن نعمل معاً .. على إيضاح ان نظام العمل بخطة النسخ نظام فاشل ..

وليد :- وهل سأعمل معك انا فى هذا ..؟!

نظرت اليه مارى قبل ان تقول :-

- بلا حساسية من ناحيتك .. لابد وان تعرف ان هذا هو كل ماتبقى لك لتفعله لعلك تجد حياة تستطيع ان تحياها ..

فى هذه اللحظة كانت مارى توقف السيارة امام مبنى قديم يبدو مثل مخزن او ما شابه قبل ان تقول لوليد :-

- انزل ..

كان وليد حتى هذه اللحظة متأكداً ان مارى هى التى تقوده , وانها هى التى تعرف بالضبط ما الذى ينبغى عمله لذلك , واساساً هى التى انقذته وهى سبيله الوحيد للنجاة لذلك لم يقل كلمة وهو يترجل من السيارة ناظراً الى المبنى القديم متفحصاً قبل ان تسبقة مارى الى باب المبنى وتدفعه ليفتح مصدراً صريراً عالياً وتدلف الى الداخل وخلفها وليد والذى عرف لأو ل وهله ان المبنى ليس سوى حظيرة قديمة للجياد مخزناً فيه اكوام من التبن .

اشارت مارى الى المكان وهى تقول لوليد :-

وليد :- والى اين ستذهبين .. اعتقد انهم يعرفون انك التى ساعدتنى على الهرب وان عدت اليهم لن اراك ثانية ..

مارى :- انا لن اعود اليهم.. لا تقلق..ولكن لابد وان اقوم ببعض الأتصالات حتى نجعل ما فعلناه ذا جدوى ..

وليد:- ولكن الى متى سأنتظر ..

قالت مارى وهى تؤكد على كلماتها :-

- ستنتظر حتى اعود ياوليد .. ولا داعى لأى حماقة , ولتعرف انك وحدك لن يكون لك اى فرصة والمهم ان تعرف انى ايضاً بدونك لن يكون لى اى فرصة ..

وليد :- واى فرصة تبحثين انت عنها ..؟!

مارى :- هل تظن انك الوحيد صاحب هذه المشكلة ..؟ لتعرف ان هناك الكثيرين غيرك معرضين لنفس المصير الذى كنت ستتعرض له انت .. وانت الأن الفرصة الوحيدة لكى يتغير مصيرهم .. هذه هى الفرصة التى ابحث عنها ..

وليد :- ولكن ما الذى ستفعلينه بالضبط ..؟

مارى :- سأثبت للنظام عندنا انك لست الة .. بل حياة كاملة ..

لم يحر وليد رداً لمارى ولكنه تسائل :-

- ولكن هل هذا المكان بالفعل امناً ..؟

مارى :- فى بعض الأحيان كنت اختفى عن النظام الذى اعمل به ساعات طويلة وكانوا يبحثون عنى بإصرار , ولكنهم ابداً لم يعرفوا مكانى على الرغم من اساليبهم التى تراها انت خارقة .. لم يكونوا يجدونى إلا عندما اريد انا ان يجدونى .. اتعرف اين كنت اختبئ ..؟

لم يرد وليد على مارى فقد كانت الإجابة واضحة , ولكن مارى واصلت حديثها قائلة :-

- هنا .. كنت اختبئ هنا ..

وليد :- ولكن لماذا كنت تختبئين منهم ..؟

مارى :- ألا تأتيك لحظات تريد ان تكون بها وحيداً ؟ فى عملى كان هذا صعب جداً ولكنى كنت اصر فى بعض الأحيان ان اكون وحدى فكنت آتى الى هنا ..

وليد :- اذن فأنتم ايضاً تحوزون بعض المشاعر ..؟

ابتسمت مارى بدون ان تعلق على ملاحظة وليد الذى اردف قائلاً :-

- أتعرفين .. بعد ان اخبرتمونى انى مجرد ألة جلست افكر فى الموقف الذى انا فيه .. كان من السهل على جداً ان ارى انكم انت الألات .. لأنكم فعلاً كنتم بلا مشاعر تدمرون حياة كاملة لأنسان وكأنه لا شئ .. لقد كنتم بالفعل الات بلا مشاعر ..

لم ترد مارى على وليد وأتجهت خارجة من المبنى وهى تتفق مع وليد فى رأيه تماماً .

 

سمع وليد صوت سيارة مارى وهو يبتعد حتى تلاشى تماماً فعاود النظر متفحصاً للمكان قبل ان يجلس على احدى اكوام القش وقد شعر ببعض السعادة لنجاته من الموت ولكن قبل ان يسترسل فى احساسه السعيد تذكر فجأة امه وابيه واخوته ونرمين ..

تذكر حياته كلها ..

وتذكر انهم الأن يتعاملون معه ولا يفتقدونه لأنه وسطهم ..

تذكر انه فى احسن الأحوال سيعيش حياة اخرى تماماً مختلفة عما عاشه من قبل ..

فذهب عنه احساس الرضا .. وحل محله احساس جارف بالظلم ..

وشعر انه ضاع ..

بلا عودة ..

فنهض واقفاً وهو يدور حول نفسه ..

وفى عينيه دموع بدأت قطرات ثم صارت غزيرة ولم يقاومها ..

وشعر بأن حياته تضيق عليه ..

تعصره ..

فأطلق ..... صيحة قوية ...

حرام .. حرام .. حراااام .....

عنيفة وقوية وحزينة ويائسه لترتفع لأعلى .. الى السماء

ومن قوتها بدت الأشجار كما لو كانت تهتز وأوراقها تسقط ..

والسحب ترتجف .. وتصطدم ببعضها لتكون برقاً ..

وينطلق صوت الرعد معبراً عن كل الألم فى صدر وليد

كل الألام ...

 

****************************

 

اوقفت مارى سيارتها فى مكان نائ واخرجت من سيارتها جهاز يشبه كمبيوتر محمول قبل ان تضغط على مفاتيحة لتتصل بدراو والذى ظهر وجهه على الشاشة غاضباً وهو ويقول لمارى :-

- هل بلغت بك الحماقة هذا المدى يامارى ..؟

مارى :- انت لم تدع لى اى فرصة اخرى دراو ..

دراو مهدداً :- لن يحميك اى شخص يامارى .. اعرفى هذا جيداً , ان مافعلتيه خطأ لن يسامحك احد عليه .

مارى :- انا لا ابحث عن العفو والسماح يا دراو ..

دراو :- اعيدى القطعة المصرية يامارى ..

مارى :- لا توجد قطع معى .. من معى اسمه وليد ..

دراو:- ما الذى حدث لك مارى لماذا الأن ..؟ انت معنا منذ سنوات ولم تفعليها ابداً .. ما الذى حدث..؟

مارى :- ليس هذا الوقت المناسب لمثل هذا الكلام يا دراو ..

دراو :- هل تعرفين مدى الحرج الذى ستسببينه لوالدك بهذا التصرف ؟

مارى :- كف عن هذه المحاولات الأن واستمع الى .. انا ووليد لا بد وان نقابل اعضاء المجلس الأمنى .

دراو:- ومن الذى سيسمح لك بشئ مثل هذا ..؟

مارى :- اذا اردتم وليد ان يعود اليكم فهذا هو الشرط , لابد وان يكون ذلك امام المجلس الأمنى.

دراو:- سنستعيد القطعة المصرية يامارى .. تأكدى من هذا سنستعيدها ..

مارى :- وانا سأبذل قصارى جهدى لكى لا يحدث هذا يا دراو ..

دراو :- لقد اخترت اسوأ اختيار يا مارى .. لقد ارتكبت اكبر خطأ فى حياتك .

مارى :- اعرف انى خالفت القانون يا دراو ولكنك ايضاً ستخالفة اذا لم تبلغ المجلس الأمنى انى اريد ان اقابلهم مع وليد .. وانت تعلم ان هذا هو الأسلوب الأسهل لكى يعود وليد الى الظهور ..

دراو :- حسناً يامارى سأخبرهم .. ولكن لتعلمى انك الأن تعملين ضد شعبك ..

مارى :- بل اعمل من اجلهم ومن اجل القيم الحقيقية التى يؤمنون بها ..

فى هذه اللحظة اغلقت مارى الجهاز فقد كان هناك وقت محدد بعده من الممكن ان يعرفوا مكانها وكانت هى منتبهة الى ذلك ولم تسمح به , ثم دلفت الى السيارة وانطلقت بها فى طريق العودة حيث تركت وليد , وقد كانت فى هذه اللحظة تكاد تكون واثقة ان ما فعلته هو الصواب وانه لم يكن لها اى خيار اخر .

ترجلت مارى من السيارة وهى تدخل الى ذلك المبنى القديم ومعها بعض الأطعمة لوليد , ولكن وليد لم يكن بالداخل , انتاب مارى القلق وهى تنظر فى ارجاء المبنى وحوله محاولة ايجاد وليد بلا فائدة , فأنتظرت دقائق طويلة لعله يكون قد ذهب هنا او هناك وسيعود ولكن ايضاً خاب ظنها فلم يعد وليد فأدركت انه بالفعل قد ترك المكان وانصرف , انصرف على الرغم انها لم تغب عنه اكثر من ساعة ..

ذهب وهو يعلم انها فرصته الوحيدة ..

وانه لن يصل لشئ بدونها ..

والأهم من هذا انه كان فرصتها الوحيدة لتغير ذلك النظام الغير ادمى ..

وكأنه يرد لها صاع عصيانها لأوامر قادتها ..

خالف هو اوامرها .. ورحل .

 

*******************************

بعد ان تأكد وليد ان قطار البضائع هذا متجه الى القاهرة قفز فى احدى عرباته الصدئة وهو منطلق بسرعته البطيئة جداً والتى كانت توحى انه سيستغرق اكثر من ثلاثة ايام فى رحلته الى القاهرة , القى وليد بنفسه فى احدى اركان العربة المظلمة لكى لا يراه احداً من كان , وتذكر كلمة مارى وهى تقول له انه بلا فرصة من دونها , ولكنه لم يستطع ان يقاوم رغبته فى ان يعود الى دنياه التى يعرفها واهله الذين عاش معهم .. الى حياته التى عاشها ..

حتى وان استدعى الأمر ان يقتل وليد الأخر هذا ..

وترددت كلمات مارى بأنها شاركت فى هذا العمل منذ البداية وهى مسئولة مثل الأخرين تماماً فكانت هى المبرر الذى ارضاه وهو يهرب من السيدة التى ساعدته على النجاة .

وكم كان وليد مرهقاً وجائعاً وعطشان ..

لذلك لم يجد مهرب من كل هذا سوى بالنوم , وفعلا ماهى سوى لحظات وكان وليد فى سبات ساعده عليه رتابة حركة القطار وصوته .

لم يكن مع وليد ساعة او وسيلة يعرف بها الوقت لذلك لم يكن يعرف بالضبط ما هو الوقت الذى استغرقه نائماً , ولكنه عرف انه بالتأكيد لم يكن وقت قليل حينما لاحظ ان الظلام قد حل عليه فى عربة القطار تلك , وكان احساسة بالجوع شديداً وعطشه اشد فذهب الى باب العربة ليرى الأماكن التى يسير فيها القطار فوجده كالمعتاد يسير فى مناطق كلها زراعية تبدو فيها بوضوح على فترات بيوت الفلاحين التى كان يلاحظها بوضوح هذه المرة بسبب السرعة البطيئة للقطار , كان من السهل على وليد ان يقفز من القطار فى المنطلق ببطء شديد فى اى وقت ليبجث فى اياً من هذه القرى على اى طعام وشراب ولكن ماكان يمنعه انه لم يكن يستطيع ان يفعل هذا ويلحق بالقطار بعدها , ولكن جوعه وعطشه كانا على اشدهما ولذلك بدت له فكرة انه من الممكن ان يستقل اى قطار اخر مار بعد ذلك ليكمل به طريقه الى القاهرة وفى كل الأحوال لم يكن عامل الوقت مهم له فلا فرق بين ان يصل الى القاهرة الأن او بعد اسبوع هذا لن يؤثر فى الواقع القائم هناك بالفعل , ورغبته فى تغيير هذا الواقع لن تختلف ان تأخر بعض الوقت , وعلى ذلك اتخذ وليد قراره وقفز من القطار بعد ان انتظر لحظة كات سرعة القطار فيها ابطء مايمكن واتجه الى تلك القرية التى بدت انوارها القليلة فى الليل بوضوح .

 

لم تكن الساعة متأخرة من الليل ولذلك كانت هناك بعض الحركة فى تلك القرية التى ذهب اليها وليد والذى بدا الى حدما مميزاً فى طرقات القرية بحثاً عن اى مسجد ليشرب منه ، وبالتأكيد لم يطل بحثه فقد وجد المسجد بالفعل وودجد امامه العديد من الأزيار فشرب منها حتى ارتوى ولكنه فوجئ بأن المسجد مغلق فقد كانت صلاة العشاء قد مضى عليها وقت فوقف وليد امام المسجد وقد بدت عليه الحيرة الى الحد الذى دفع بأحد الرجال الواقفين امام باب احد البيوت المواجهة للمسجد ان يتجه اليه ويسأله فى ود :-

- هل تبحث عن احد فى البلده ؟

نظر وليد الى الرجل والذى بدا على وجهه امارات ود لا تقل عن صوته الودود مما حدا وليد ان يقول له فى عفوية :-

- كلا انا لا اعرف احد بهذه البلد ولكنى جأت لأشرب واتناول الطعام .

بدت على الرجل امارات الدهشة وهويردد ما قاله وليد :-

- تشرب وتأكل ..!

تمادى وليد فى عفويته – طمعاً فى ملامح الرجل الودودة – وهويقول :-

- ولقد وجدت الماء وشربت , ولكنى مازلت جائعاً .

الرجل :- هل انت تائه ؟

وليد :- ليس تماماً .. فأنا من القاهرة ولكنى لا استطيع العودة ..

الرجل :- ولماذا لا تستطيع العودة ..

وليد بنفس العفوية :- لا توجد معى نقود للعودة ..

الرجل :- ولكن كيف جأت الى قريتنا ..

وليد :- لقد كنت استقل قطار البضائع الذى مر بالقرب من قريتكم منذ قليل ..

بدا على الرجل التصديق بما يقوله وليد فقال له فى النهاية :-

- حسناً تفضل عندى قليلاً لترتاح فأنت بادى عليك الإرهاق الشديد ..

لم يحاول وليد ان يمتنع ولو من باب المجاملة فقد كان فى امس الحاجة الى الراحة والطعام فهز رأسه للرجل وهو يقول :-

- اكون شاكر لك جداً ..

دفع الرجل باب داره وهو يتنحنح بصوت عالى مفتعل كأشارة لأهل الدار ان هناك ضيفاً معه , دلف وليد خلف الرجل الى البيت فلم يجد اى نساء من جراء النحنحة ولكن كان هناك صبياً وفتاة صغيرة يجلسان على احدى الكنبات البلدي فى غرفة تمتلئ فى كافة جوانبها بالكنب البلدى , نهض الصبى وهو يرى الضيف مع والده فى حين خرجت الفتاة على الفور من الغرفة وكأنها كانت تجلس فى الغرفة فقط كى تعرف من هو الأتى ثم تذهب لكى تخبر الأم , حيا وليد الصبى الذى لم يجد اى غضاضة فى ان يظل محملقاً بوليد بلا حرج او حذر .

قال الرجل لوليد :- ارجو ان تعتبر نفسك فى بيتك ..

وليد :- اشكرك جزيلاً واتمنى ان استطيع ان ارد لك هذا الصنيع ..

قال الرجل فى لهجة مازالت ودودة :-

- لاتقل هذا ان ما افعله معك هو الواجب ..

ثم اردف محدثاً ابنه قائلاً :- احضر جلباباً نظيفاً .. وقل لهم ان يعدو عشاء ..

ذهب الولد من فوره لينفذ اوامر ابيه , فى حين التفت الرجل الى وليد وهو يقول فى كرم شديد :-

على الرغم من ان وليد كان يتمنى هذا بالفعل إلا انه كان يستطيع ان يتحمل ان يبقى بلا استحمام لكى لا يكون ثقيل على الرجل الكريم , ولكن كرم الرجل بدا حقيقياً بالفعل وهو يصر على ان وليد لابد وان يستحم , فى النهاية لم يجد وليد بداً من ان يستسلم لرغبة الرجل الكريمة وهو يشكره بخجل .

خرجت السيدة اخيراً الى الغرفة التى كان وليد جالساً بها بعد ان دخل وليد الحمام ليستحم وسألت زوجها :-

- من هذا ..

الرجل :- انه رجل من القاهرة .. يبدو انه ضل الطريق ولا يوجد معه نقود للعودة الى بيته ..

المرأه :- وكيف تطمئن اليه هكذا .. فقد يكون لصاً .. او مجرم هارباً ..

الرجل :- لا .. لا .. فهو يبدو بالرغم من سوء حاله انه ذو اصل بل واظن انه من الأثرياء

المرأة :- وهل الأثرياء .. يهيمون فى القرى بلا نقود للعودة الى بيوتهم ..

الرجل فى فضول القرويين :-

- هذا ما أود انا اعرفه منه ..

ثم اردف الرجل وكأنما قد مل كثرة سؤال زوجته :-

- اذهبى انت الأن واعدى الطعام فالرجل على وشك الخروج من الحمام ..

اطاعت المرأة زوجها وذهبت لأعداد الطعام , وبقى الرجل وحيداً فى غرفة الضيوف لدقائق قبل ان يعود وليد ومعه الصبى والذى بدا انه الياور الخاص به اثناء الاستحمام فقد ظل فى انتظاره حتى انتهى وخرج .

تأكد الرجل من ظنه بعد ان شاهد وليد وقد اغتسل وصفف شعره فقد بدا بالفعل انه ابن ناس اثرياء بعد ان زالت عنه اثارالأتساخ وهو ما اثار راحة الرجل اكثر تجاه وليد والذى كان يرتدى جلباباً ازرق خاص بالرجل نفسه .

قال الرجل لوليد :- اعتقد انك الأن اكثر راحة يا استاذ ...

قال وليد بتلقائية وكأنه كان ينتظر هذا السؤال :-

- محمد .. اسمى محمد .. وحضرتك اسمك ايه ؟

الرجل :- انا اسمى سيد ..

أومأ وليد برأسه وهويقول :-

- فرصة سعيدة استاذ سيد ..

على الرغم من ان سيد هذا لم يسبق ابداً اسمه لقب استاذ إلا انه لم يعارض وليد عندما قال له استاذ سيد وهو يرى انه لا ضرر من ذلك خاصة وان وليد من القاهرة ومن حقة ان يتحدث بالطريقة التى تناسبه – كما ان مسألة الاستاذ هذه قد راقته تماماً.

فى هذه اللحظة دخل الصبى بالطعام على صينية كبيرة وهى اللحظةالتى كان ينتظرها وليد فقد كان يتضور جوعاً وهو مابد عليه اثناء تناوله الطعام , فلم يتحدث مع سيد بل لم يلتفت اليه مما حدا بسيد ان ينادى ابنه ويطلب من الخروج معه من الغرفة بأى حجة لكى يتركا لوليد حرية تناول الطعام بلا حرج .

بعد ان انتهى وليد من تناول الطعام لم يعرف ما الذى ينبغى ان يفعله لكى يعلم اهل الدار انه انتهى من تناول الطعام , ولكن حيرته لم تدم طويلاً حيث دخل عليه الرجل وقد لاحظ على الفور ان وليد انتهى من تناول الطعام فقال له من باب المجاملة :-

- لماذا لم تأكل ..؟ لم يعجبك الطعام ..؟

وليد :- على العكس انه طعام شهى تماماً .. انا لم اكل بهذه الطريقة من قبل .. شكراً حزيلاً لك ..

هنا بدا على الرجل انه يريد ان يعرف من وليد بالضبط ظروفة التى دفعته الى تلك الحالة التى رآه عليها فقال له متسائلاً :-

- أسمح لى ان اسألك وان كان هذا فيه عدم لياقة منى , ولكن ما الذى جعلك فى هذه الحالة ؟

لم يندهش وليد من السؤال فقد كان يتوقع هذا الفضول من الرجل وبلا تأفف – فهذا قليل مقابل ما فعله معه – اجاب وليد على الرجل قائلاً :-

- فى الحقيقة انا كنت ابحث عن عمل فى اسوان – فى مجال السياحة – وكان هناك صديق لى قد وعدنى ان يساعدنى , ولكنى فوجئت به يتخلى عنى بعد ان اخذ منى كل النقود التى كنت احوزها وتركنى فى موقف سئ للغاية , ولأنى لا امتلك نقوداً فقد قررت العودة مستخدماً قطار البضائع , ولكنى فوجئت بأن بالقطار بعض اللصوص والمجرمين ولم استطع ان اكمل طريقى معهم فقفزت من القطار بعد ان هدء سرعته امام قريتكم , وكما رأيتنى فقد كنت مرهقاً وجائعاً , ولا ادرى بدونك ماذا كنت سأفعل ؟

الرجل متسائلاً :- ولكنك لا تبدو فقيراً او بلا اهل فلماذا لم تتصل بهم لكى ينجدوك من هذه الورطة ؟

وليد :- آه معك حق فى هذا ولكنى فى الأساس جأت الى اسوان على غير رغبة اهلى وبالتالى لم يكن من اللائق ان أتصل بهم لينجدونى .. انت تعرف عندما يتمسك المرء منا بكرامته .. قد يتخذ قراراب غير حكيمة بالمرة ..

الرجل وقد بدا عليه انه يتفهم منطق وليد قائلاً :-

- اجل معك حق .. وعلى كل الأحوال انا كنت مدرك انك بالفعل تستحق ان يكرم المرء معاملتك .. ولا تقلق ففى الغد سوف اذهب معك الى محطة للقطار قريبة من هنا لتستقل القطار منها الى القاهرة .

بدا على وليد انه بالفعل محرج من كرم الرجل البالغ خاصة وهو يكذب عليه فى كل كلمة يقولها فقال له محاولاً ان يثنيه عن عزمه هذا :-

- شكراً لك .. ولكن لا داعى لهذا فأنا فى الغد سوف استقل اى قطار بضائع اخر متجه الى القاهرة اوحتى يقطع بى مسافة وأغيرة بأخر ..وهكذا ..

بدا على الرجل الأصرار وهو يقول :-

- دعك من هذا الكلام .. ثم ما ادراك انك لن تجد مجرمين فى كل قطار بضائع تستخدمه ..؟ ثم انك لست ممن يتحملون هذه المشقة ..

تمنى وليد فى هذه اللحظة لو كان يملك ان لا يكذب على الرجل , ولكنه كان يخشى ان يبحث عنه هؤلاء الناس , وهو لا يدرى اساليبهم وقد يعرفون انه مر بهذه القرية فيصلون اليه لذلك كان فى منتهى الحذر مما دفعه الى الكذب على الرجل وقال له فى النهاية شاكراً :-

- انا لا ادرى كيف اشكرك على كل فعلته وتفعله معى ..؟

الرجل ناهضاَ من امام وليد وخارجاً من الغرفة :-

- لقد قلت لك يا استاذ محمد لا داعى لهذا الكلام .. والأن سوف اتركك لتنام فأنت تبدو مرهقاً وصباحاً اوصلك الى محطة القطار .

أومأ وليد برأسه موافقاً الرجل فى النهاية بدون ان يقول كلمه , فى حين قال الرجل :-

- تصبح على خير ..

وليد :- تصبح على خر ..

خرج الرجل من الغرفة والقى وليد بجسمه على احدى الكنبات الموجودة فى الغرفة وقد قاوم النوم قليلاً وهو يفكر فى احتمال ان يصل اليه الأخرون قبل ان يحل الصباح , ولكنه تذكر كلمات مارى انهم ليسوا خارقين , فطمئن نفسه قليلاً بهذه الكلمة وقد بدء النوم يغلبه بالفعل ,ولم تمضى لحظات إلا وكان وليد غارقاً فى النوم .

 

***************************************

 

كان الرجل فلاحاً بسيطاً فى النهاية لذلك لم يندهش وليد عندما اعطاه تذكرة درجة ثالثة فى القطار المتجه الى القاهرة , فلم يكن وليد يتوقع ان يمنحة الرجل تذكرة درجة اولى مكيفة مثل تلك التى ذهب فيها الى اسوان فى البداية , ولكنها فى النهاية كانت افضل من ان تستغرق معه الرحل ايام فى قطار للبضائع .

قليلون هم من كان يرتدون بنطلون وقميص مثل وليد فى عربة القطار التى كان واقفاً فيها فعلى الرغم من ان الرحلة سوف تستغرق ما يقرب الثمانية عشر ساعة إلا ان الواقفين فى العربة كانوا اكثر من الجالسين والذين لم يفعلوا اكثر من انهم كانوا الأسبق فى الركوب لكى يكونوا جالسين ولكن هذا كان بالنسبة للناس ليس بالمشكلة على كل حال فأغلبهم جلس على الأرض وبعضهم نام فى المكان المخصص لوضع الحقائب اعلى الجالسين , وبصعوبة استطاع وليد ان يجد مكان يجلس فيه على الأرض وقد ضم ركبتيه الى صدره واغمض عينيه كما لو كان يدعى النوم ولم يلتفت الى الأصوات المتداخلة من للراكبين فقد كان مازال مصراً ان كل ماهو فيه الأن اهون كثيراً مما كان ينتظره من مصير مع مارى واصحابها .

 

 

******************************************

واخيراً عاد وليد الى القاهرة ..

وكأنه يرى القاهرة لأول مرة اخذ وليد ينظر الى ارجاء ميدان رمسيس مؤكداً لنفسه انه بالفعل قد عاد ولكنه لم يكن يعرف بالضبط ماذا بعد هذه العودة ..

فالذهاب الى البيت مستحيل لأن سارن والأخرين سيكونون هناك بالتأكيد , بل وكل من يحتمل ان يذهب اليهم سيكونوا ..

كان سؤال صعب ولكن لا مناص من اجابته ..

ماذا سيفعل الأن ..؟

كانت فكرة ان يذهب الى البيت بالنسبة لوليد هى المسيطرة على تفكيرة , ولكن كيف ..؟ كيف؟

جلس وليد على احد المقاهى ليمنح لنفسه فرصة التفكير فى حل ..
وفجأه قرر قرار ما , فنهض من فوره منصرفاً عن القهوة حتى قبل ان يأتيه الساعى بالشاى الذى طلبه وقد وجد فرصة ما فى تلك الفكرة التى طرأت على ذهنه .

 

من احد المحال اتصل وليد تليفونياً بصديقة خالد والذى لم تكن علاقته به قوية الى هذا الحد , ولكن الظروف جعلته يكون هو الأنسب الأن بل لعل عدم قوة علاقتهما سابقاً هو ماجعل خالد الأنسب الأن , قال خالد :-

-اهلاً كيفك ياخالد

- ......

- انا وليد ..

- .......

- اهلاً بك .. هل ستبقى فى البيت لفترة .. اريد المرور عليك لغرض ما ..

- ...........

- فى المسرح .. هذا سيكون افضل ..

- ............

- حسناً سأتى اليك بعد ساعة هناك ..

- ............

- مع السلامة ياخالد .

 

*******************************

 

امام منزل وليد لم يكن هناك اى شئ غير معتاد , فحتى وان كان سارن والأخرون يراقبون بيته بالفعل فلابد وانهم يفعلون هذا بمهارة شديدة فلم يكن هناك مايلفت الأنتباه على الأطلاق , فكانت الحركة امام بيت وليد عادية جداً فهذه سيدة انيقة تترجل من سيارتها متجهه الى احدى البنايات وصبيان يلعبان بدارجتهما فى الشارع وذلك الرجل الريفى المتمهل فى خطوته والعديد من الناس العادية جداً يذهبون ويجيئون فى الشارع ككل يوم , لم يكن هناك ما يلفت الأنتباه على الأطلاق حتى حينما عرج ذلك الرجل الريفى على البناية المجاورة لبناية وليد لم يكن الأمر يثير اى شك او ريبة .

ولكن الرجل الريفى بمجرد ان دخل الى الحديقة الصغيرة التى تحيط بالبناية والتى يحيطها هى نفسها سور لم يتجه الى مدخل البناية نفسه وانما اتجه الى تلك الغرفة الخاصة بالبواب او الحارس وهو يناديه بأسمه قائلاً :-

- عم سعيد ... عم سعيد ..

خرج اليه عم سعيد وكان رجل هرماً يقارب السبعين وهو ينظر مناديه قبل ان يقول :-

- نعم .. ماذا تريد ..

الرجل الريفى :-

- اين عم حسن ؟ لقد ناديت عليه فلم اجده ؟

عم سعيد :- لعله ذهب ليقضى مصلحة ما , هل انت قريبه ؟

الرجل الريفى :- اجل انا قريبه من البلد ..

عم سعيد :- اهلاً ومرحباً بك .. تفضل معى حتى يعود اذن ..

الرجل الريفى :- كلا لا داعى لذلك سوف انتظره هناك حتى يعود ..

عم سعيد :- سأذهب معك الى هناك اذن

الرجل الريفى :- حسناً هيا بنا ..

من يرى الرجل الريفى وهو يتحدث مع عم سعيد فى اثناء ذهابهما الى بناية عم حسن يظن انه صديقة او قريبه او حتى حارس لبناية اخرى بجواره فقد كان يبدو فى حديثه معه بالفعل كما لو كان يعرفه كل المعرفة , ولكن قبل ان يدلفا الى داخل البناية متجهين الى غرفة عم حسن حيث سينتظر الرجل الريفى قريبه حتى قال الرجل الريفى لعم سعيد :-

- هناك من ينادى عليك يا عم سعيد ..

عم سعيد :- اين .. من الذى نادى على ..؟

الرجل الريفى وهو يشير الى شرفة فى الطابق الرابع لا يوجدبها احد :-

- لقد نادت عليك سيدة من هذه الشرفة ودخلت ثانية .. يبدو انها تريد من الصعود اليها ..

عم سعيد :- انها مدام ثريا .. حسناً سوف اذهب الأن فهى سيدة عصبية ولا تتحمل التأخير عليها .

الرجل الريفى :- لا بأس يا عم سعيد وسوف انتظر انا عم حسن حتى يعود ..

انصرف عم سعيد ذاهباً فى حين اتجه الرجل الريفى الى غرفة عم حسن , ولكن قبل ان يصل اليها غير اتجاهه الى مدخل البناية وهو يسير بثقة ويدخلها ويصعد درجاتها بتهمل حتى باب شقة وليد فى هذه اللحظة نزع الرجل الريفى عن رأسه هذه العمامة وخلع الجلباب ليبدو من تحته قميص وبنطلون وما ان نزع شاربه الغليظ حتى بدا انه وليد والذى كان متنكراً فى صورة الرجل الريفى لكى يتخفى عن سارن واعوانه .

طرق وليد الباب وهو قلق, فهو حتى لا يضمن ما الذى قد يجده عندما تفتح له والدته الباب , ثوانى قصيرة وفتحت والدته الباب بالفعل وما ان شاهدت ابنها حتى بدا عليها بعض الدهشة قبل ان يقول وليد وكأنه يختبر الموقف :-

- كيف حالك ياأمى .. لقد افتقدتك ..

زالت الدهشة عن الأم سريعاً وهى تجيب ابنها :-

- أهلاً يا وليد .. ولكن ما الذى جاء بك مبكراً عن ميعادك ..؟

وليد :- لا شئ لقد مللت البقاء هناك ..

كان وليد فى هذه اللحظة قد دخل الى الشقة واتجه الى غرفته وامه تسيرخلفة , بدا وليد وكأنه يبجث عن شئ ما فى البيت وهو يطوف بعينيه فى كل الأرجاء مما حدا بأمه ان تسأله :-

- ما الأمر ياوليد ..؟ هلى تبحث عن شئ ما ..؟

وليد :- لا ابداً انا فقط ابحث عن ابى .. هل هو هنا ..؟

الأم :- كلا هو لم يعد من العمل بعد .

هنا جلس وليد على احد المقاعد فى وقد بدا عليه بعض الأرهاق فقالت له الأم وهى مازالت على دهشتها :-

- اين حقائبك يا وليد ..؟

وليد يشئ من التلعثم :- الحقائب ..آه .. انها عند خالد صديقى ..

الأم :- عند خالد ..؟ من خالدهذا ..؟

وليد:انه احد اصدقائى وقد قابلته فى القطار وانا عائد وذهبت معه الى بيته لظرف ما فتركت حقائبى عنده وسيحضرها هو الى بسيارته ..

على الرغم من كلام وليد لم يكن مقنعاً تماماً إلا ان الدهشة بدأتزول عن الأم وهى تقول لأبنها :-

- ولكن لماذا مللت فجأة من اسوان .. فأنت بالأمس فقط قلت لى فى التليفون انك تستمتع بهذه الإجازة .

قال وليد وكأنه يريد ان ينهى هذه المناقشة :-

- لقد اردت ان افاجئك اليوم يا امى .. والأن انا اتضور جوعاً هلا اعددت لى طعام يا امى .

الأم :- بالتاكيد يابنى ..

واتجهت الأم الى المطبخ لتعد بعض الطعام لأبنها فى حين اخذ وليد يتلفت فى ارجاء الشقة وكأنه يبحث عمن يراقبه