الشيخ
العدوي هو أحد المشاركين في الثورة العرابية بجميع مراحلها و المناوئين للظلم
و الاستبداد و بعد ضرب الإسكندرية و انحياز الخديوي توفيق للإنجليز كان
العدوي أحد الشيوخ الذين اصدروا فتوى أعلنوا فيها مروق الخديوي عن الدين
لخروجه عن الإجماع الوطني و وقوفه في صف الأعداء.... و بعد فشل الثورة عانى
الشيخ العدوي مثلما عانى باقي الوطنيين من السجن و الضرب و الإهانات و عرفته
غرف السجون و المعتقلات ثم قدم للمحاكمة فحكمت بتجريده من جميع الرتب و
علامات الشرف و الامتياز فخلعها الشيخ العدوي راضيا و بقيت له أعلى المراتب
في نفوس الناس.
و نذكر له أحد الأمثلة
لشجاعته و اعتزازه بكرامته:
ففي أثناء حكم الخديوي
إسماعيل عقد السلطان عبد العزيز(السلطان العثماني) النية على زيارة مصر فوضع
الخديوي أربعة من أكابر العلماء و مشايخ الأزهر ضمن علية المصريين ليمثلوا
بين يدي السلطان و يستقبلهم في قصر القلعة و لم تتعد المقابلة سوى دخول
العلماء القاعة السلطانية و إلقاء التحية على السلطان الذي لم يكن يجيد اللغة
العربية ثم العودة من حيث أتوا.
و تم تلقين المشايخ
الأربعة أصول و قواعد المثول بين يدي السلطان من الانحناء و تطويح الأيدي حتى
ملامسة الأرض و رفعها لمستوى الرأس ثم التقهقر إلى الباب و وجهه إلى السلطان
مكررا الانحناء و التسليم بهذه الحالة المهينة ، و يكون بين المنصة التي يقف
السلطان في صدرها و بين باقي القاعة حاجز مفتوح من وسطه.
فلما جاء دورهم في المقابلات دخل ثلاثة منهم
و فعل ما طلب منه و الخديوي واقفا خلف السلطان و عينه تراقب تحركاتهم ، فلما
جاء دور الشيخ العدوي دخل و انحنى عند الباب كالآخرين و لكنه سرعان ما رفع
قامته و اخذ يمشي إلى السلطان بخطى
وئيدة و حذاؤه الثقيل يدك البلاط المرمري و لم يعاود الانحناء و
التسليم و فزع الخديوي من تصرف الشيخ الذي خرق البروتوكول و لكن الشيخ مضى في
طريقه نحو السلطان حتى إذا وصل الحاجز فجاوزه و صعد إلى المنصة التي يقف
عليها السلطان- و الخديوي إسماعيل يتوارى رعبا- و نظر للسلطان عبد العزيز و
قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة الله فابتسم السلطان بلطف و رد على
الشيخ السلام و انحنى أمامه انحناءة خفيفة..... حينئذ انطلق لسان الشيخ من
عقاله و اخذ يخاطب السلطان فيما يجب عليه نحو رعاياه بصفته كبير الحكام و
مسئولا عن شئون الرعية و أكد له أن ثوابه عند الله سيكون بمقدار ثقل
المسئولية و حسن أدائه لها.
عندئذ امتقع لون الخديوي
إسماعيل و اخذ يتوقع الحساب العسير من السلطان و لكن ملامح الارتياح بدت على
وجه عبد العزيز ، فلما فرغ الشيخ من خطبته ختمها بالسلام الذي بدا به ثم
انحنى أمام السلطان و اقفل عائدا بوجهه لا بظهره كما فعل الآخرون و سبحته
بيمينه و خرج إلى البهو فوجد زملاؤه يتميزون غيظا و يلومونه على فعلته فقال
لهم: و لماذا انتم منزعجون؟ .. أما أنا فقد قابلت أمير المؤمنين... و أما
انتم فكأنكم قابلتم صنما و كأنكم عبدتم وثنا.. .
ثم التفت السلطان إلى إسماعيل و سأله: من الشيخ؟ فبادر إسماعيل
بالاعتذار وقال: انه من أفاضل العلماء و لكنه ابله و مجذوب. فقال السلطان: لا
انه ليس مجذوبا و إني لم أنشرح لمقابلة أحد انشراحي لمقابلته. و أمر للشيخ
العدوي برتبة و ألف جنية جائزة.
======================
المصدر: "مصر من نافذة التاريخ" للأستاذ.جمال بدوي.