*
 صفحة بحوث علاء الدين رمضان 
  *  رقم العدد : 272 * تاريخ العدد :  01/01/2005

مجلة الحرس الوطني
واحة التراث الشعبي


نشأة الشعر اللهجي


بقلم: علاء الدين رمضان

 

في القرن السابع الميلادي، نشأت في العالم دولة عظيمة، انطلقت من شبه الجزيرة العربية، فانضوت تحت رايتها شعوب كثيرة، ذات حضارات مزدهرة ومنوعة، بعد أن صار الإسلام ديناً رغبت فيه أكثر الشعوب، تلك التي اتخذت اللغة العربية -فيما بعد- لغة لها.
وقد ظهرت اللهجات غير الفصيحة في العربية من جراء هذا الاتساع، وانتشار اللغة العربية خارج حدود شبه الجزيرة العربية، ولاختلاط العرب بغيرهم من أبناء الأمم التي أسلمت وسعت لتعلم العربية، كما سعى العرب للعيش بين أبناء الأمم التي فتحت أبوابها للدين الجديد في بلادهم شرقاً وغرباً.
ومع تقدم الزمن ازداد هذا الاتصال بالأعاجم بعد الإسلام في سائر الأمصار، وخالطوا أهلها، فنشأ أولادهم من السبايا يسمعون عجمة أمهاتهم وحواضنهم، بعد أن كان العرب، منذ جاهليتهم، وحتى الدولة الأموية، يتكلمون العربية الصحيحة على اختلاف قبائلهم ولهجاتهم، سليقة وإرثاً، كما كانوا قليلي الاتصال بمن حولهم من الأعاجم، فقد كان بين الفرس وعرب الجزيرة، والروم وعرب الشام، شيء من الاتصال دعا إلى أن يدخل بعض هؤلاء الجزيرة العربية، وتعلموا شيئاً من اللغة ونطقوها تقليداً ومحاكاة لمن هم في ديارهم... إلى جانب هذا نجد أن اللغة العربية كما انتقلت إليها تلك اللغات، انتقلت هي إلى لغات مجاورة مثل القبطية، التي كانت من اللغات المؤثرة تأثيراً مبكراً في اللغة العربية، لأن القبط (بمصر) من المجتمعات التي جاورت العرب، حيث إن "المدن القبطية، في مصر العليا، نصف عربية، منذ زمن (استرابون)، وحتى القرن الأول الميلادي"(1).
وقد نشأ عن هذا الجوار تسرب الألسنة المتفرقة واللغات المختلفة، فنشأ الفساد في اللغة، وظهر اللحن بين بعض العرب؛ وهذه المخالطة كانت مع الفرس في ريف العراق، ومع الروم في مشارق الشام، ومع الهند في البحرين، ومع القبط على حدود مصر، وفي بعض مدنها التي كان يقطنها العرب، وقد نقل لنا القرآن الكريم صورة حية متكاملة للمعاملة المتبادلة بين العرب ومصر من خلال "سورة يوسف"؛ بل إنني أستطيع -متكئاً على نص صريح لابن خلدون- أن أقرر أن الفساد كان مستشرياً في بعض اللهجات العربية الفصحى بمقارنتها بلغة قريش التي هي أفصح لهجات العربية وأقومها، والتي اختارها الله لهذا السبب حتى تكون هي اللغة المشتركة للعرب والمسلمين، ولغة قرآنه الحكيم..، يقول ابن خلدون: "كانت لغة (لهجة) قريش أفصح اللغات (اللهجات) العربية وأصرحها (أفصحها وأوضحها)؛ لبعدها عن بلاد العجم من جميع جهاتهم، فصانها بعدها عن الأعاجم من الفساد والتأثير بأساليب العجم، حتى إن سائر العرب، على نسبة بعدهم من قريش، كان الاحتجاج بلغتهم، في الصحة والفساد عند أهل الصناعة العربية"(2)؛ أفلا يدل ذلك على أن العرب زجوا بنا في مأزق معرفي ومنهجي بعدم تفريقهم بين اللغة واللهجة آنذاك، بل تجاوزوا ذلك إلى اعتماد كافة التصرفات اللهجية داخل اللغة بوصفها لغة، مما رسخ لديهم فكرة رفض الخروج على النسق اللغوي الرسمي ومن ثم رفض اللهجة، كما أنهم تميزوا بالمرونة الكبيرة في استيعاب مقدار كبير من الألفاظ والتصريفات؛ وساعدهم على ذلك عدم تخطي العلاقات النحوية والقواعد البنائية للغة، أو حدوث ذلك بعيداً عن المؤسسة اللغوية المتمثلة في الشعراء والخطباء؛ فلما طال اللحن النحو بل تجاوز الاستخدام المعيشي إلى الاستخدام الجمالي بأن تسرب إلى الشعر، بدأت الحاجة تظهر ملحة إلى السماح لهذا التيار بالظهور حتى ولو كان بين يدي غير العرب، لأنهم كانوا يمثلون آنذاك نسبة تكاد تفوق في كمها وقيمتها المعرفية والعلمية كمّ وقيمة العرب؛ فظهر أول ما ظهر من اللحن في النحو: التراكيب العربية لدى أولئك الطارئين على العرب من الموالي والمتعربين، من الفرس والترك وغيرهم، في الأطراف البعيدة للدولة الإسلامية، فجاوبهم العرب خروجاً بخروج، وكان الخليفة المعتصم بالله (218-227هـ = 833-842م)، الذي كانت أمه تركية تسمى "ماردة"، هو أول من اتخذ من الترك جنداً له، ليتخلص بوساطتهم من سيطرة العنصرين العربي والفارسي على أمور الدولة، وقد اعتز المعتصم كثيراً بحماية الترك، ويدل على ذلك بيتان له، قال فيهما:
قرب النحام، واعجل يا غلام
واطرح السرج عليه واللجام
أعلم الأتراك أني خائض
لجة الموت، فمن شاء أقام(3)
واطّرد أمر المعتصم ووزرائه فقلده من قلد ووازى ذلك تيار العجمة واستشرى حتى القرن الخامس الهجري، أو عصر الدويلات، إذ بدأ في المشرق الإسلامي استعمال الفارسية، كما دخل كثير من الألفاظ التركية، من قبل، وحفلت بها اللغة العربية؛ فما بقي من ولايات العرب سوى منطقة (تهامة) التي ظلت حتى أوائل القرن السادس الهجري تستخدم الفصحى -بلهجاتها غير الملحونة نحواً وتركيباً- في لغتها اليومية، حتى إن (شبه الجزيرة العربية) نفسها، التي ظلت السيادة للغة الفصيحة فيها إلى أواخر القرن الرابع وبداية القرن الخامس الهجريين، وهذا بالنسبة للبدو، أما الحواضر في الجزيرة، فقد تسرب إليها فساد اللسان من جراء الاختلاط بالأعاجم، وبخاصة في موسم الحج، وأيضاً إقليم "صحار" من البادية، حيث يعقد فيه سوق على غرار سوق عكاظ، في الجاهلية، وكان لهذا السوق أهمية أدبية كبيرة عند العرب، وإن أكثر أهل جدة وعدن - إلا أن اللسان عربي عييّ.
وبلغ الأمر أن انقسمت لغة التخاطب، أول مرة في تاريخ اللغة العربية، فكانت لغة تخاطب الخاصة من الخلفاء والرؤساء والعلماء -في المشرق- وسطاً بين الفصيحة واللهجية المعاصرة، لقلة أخذهم باللغة الفصيحة من صغرهم، إذ كان القيم على الخليفة، وأهل بيته من الترك أو الديلم، أو النساء وأكثرهن من السبايا الأعاجم من جواري القصر، ولأن أكثر الرؤساء كانوا من الأعاجم الذين لم يغلبوا على السلطان إلا بالقوة والاغتصاب، لا بعلم، ولا حسن تربية ودين.
أما لغة تخاطب العامة، فكانت هي اللغات الأعجمية الوطنية في تلك الأرجاء، وأهمها الفارسية المحدثة، وذلك لانقراض العناصر العربية من العامة السامانية باندماجها في غيرها، وفشوّ الجهل بينها، وامتدت هذه العجمة حتى قاربت من حدود بغداد عاصمة دولة الخلافة، ولأبي الطيب المتنبي قصيدة في شِعْب بوّان بشيراز، ذكر فيها ذلك، حينما قصد عضد الدولة البويهي بفارس، فما إن زايل بغداد حتى وقع في عجمة لا إفصاح معها، ومن هذه القصيدة قوله:
مغاني الشِّعب طيباً في المغاني
بمنزلة الربيع من الزمان
ولكن الفتى العربي فيها
غريب الوجه واليد واللسان
ملاعب جنة لو سار فيها
سليمان لسار بترجمان
ولقد بلغ التأريخ للشعر اللهجي مبلغاً كبيراً من حيث الخلط فيه والاضطراب؛ فمن الدارسين من يُرجع استخدام العامية بوصفها لهجة أداء فني وإبداعي إلى دخول التتار إلى الدولة العربية وسقوط بغداد في أيديهم سنة 656ه، ومن الدارسين من يرجع بتاريخ العامية إلى إحدى حقب العصر الأندلسي وتحديداً لعهد شيوع الموشحات في القرنين الخامس والسادس الهجريين، ومنهم من رأى أن البداية الحقيقية له لم تكن إلا في العصر المملوكي، الذي شهد لهذا الفن نهضة واستقراراً وقوة، استطاعت أن تقف مطاولة القصيدة العربية قيمة وجمالاً، وطلباً وذيوعاً، فتناولها الخاصة والعامة، وشغف بها المثقف والعامي.
وكلها اجتهادات لا تجد سنداً من الأدلة القاطعة بأولية هذا الشعر، وبخاصة أن عدداً من الشواهد نجدها ذات دلالة مقدرة، بل هي أكثر دلالة على نشأة العامية الأدبية منذ العصر العباسي الأول، على يد المعتصم بن الرشيد ووزرائه؛ ومما حفظه لنا التاريخ في هذا المجال قول المعتصم بن الرشيد:
الكلب كان يعرج يوم الذي به بعثت
لو كان جاء مجبر اجبر رجل كلب انت
وكان هذا رده على (أشناس) عندما بعث إليه بكلب أعرج، لما طلب منه كلباً للصيد، فبعثه إليه، وبعد أن أعاد المعتصم الكلب، نظراً لعرجه، قال أشناس:
الكلب أخذت جيد مكسور رجل جبت
رد جيد كلب كما كنت أخذت
هنا تظهر محاولة المعتصم تقليد قائده (أشناس التركي) ولا غرو في ذلك، لأن المعتصم ورث عن أمه كثيراً من طباع الترك، مما جعل في نفسه ميلاً إليهم، وقد دعته العصبية التركية إلي التشبه التام بقواده وأصوله منهم. بعد ذلك انتشر اللحن انتشاراً كبيراً، لا في الأطراف البعيدة للدولة العربية فحسب، بل حتى في شبه الجزيرة العربية نفسها(4).
أما تاريخه في مصر فليس له نقطة محددة، شأنه شأن أية تيارات إبداعية أخرى، وبخاصة إذا اتخذت الشكل الجماعي لإنشائها. إلا أنني أستطيع أن أرجع الشعر اللهجي المكتوب بالعامية المصرية إلى صفي الدين الحلي (677-750هـ) العراقي الذي استوطن مصر وهو أحد رواد الأدب اللهجي في الثقافة العربية إن لم يكن أهمهم قيمة ونتاجاً، وله كتاب يسمى (العاطل الحالي والمرخص الغالي) هو ديوان مكرس لعدد من أنواع فنون الشعر اللهجي: الزجل والقوما والمواليا والكان وكان.. وغيرها.
ثم توالت من بعده الشعراء حتى ذاع صيت نور الدين بن سودون العلائي المصري المولود في القاهرة سنة (810هـ) والمتوفى في دمشق سنة (868هـ). وأتصور أن الشعر اللهجي المصري أشد سبقاً لعبدالله النديم ومن هم أسبق منه بقرون، فهو يرجع إلى القرن السابع الهجري.
 

*  الهوامش :
(1) فلاديمر ويج بارتولد: تاريخ الحضارة الإسلامية، ترجمة حمزة طاهر، ط5، دار المعارف 1983، ص 62.
(2) عبدالرحمن ابن خلدون: المقدمة، ط المطبعة البهية، (القاهرة) ص 488 (وكان أفصح العرب -إلى جانب قريش- الذين حافظوا على لغتهم، سليمة لم يطرأ عليها لحن ولا فساد، وهم: هذيل، وكنانة، وثقيف وغطفان، وأسد، وتميم)، ص 379.
(3) المرزباني: معجم الشعراء، تحقيق عبدالستار فراج، (القاهرة 1960)، ص 364؛ وانظر: مروج الذهب للمسعودي، تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد (القاهرة 1964)، 4-46.
(4) عن محاضرة للأستاذ المرزوقي-رحمه الله- ألقاها بإدارة الأدب الشعبي في تونس (1974م).

محصي الزائرينمحصي الزائرين