لم تزل لدينا كثرة من الأدبيات الشعبية مطروحة
لدى الحفاظ والرواة موقوفة دون تسجيل أو تقييد لتلك المرويات
بالتدوين، وتلك الموضوعات لما تزل بحاجة ماسة للجمع الميداني في معظم
أنحاء الوطن العربي؛ لعدة أسباب، من بينها:
*أولاً: أن موضوعات
الجمع الميداني تعد كنزاً من دفائن التراث الشفاهي التي لا يزيدها
الزمن إلا بُعداً في غور الأرض وارتحالاً في الزمان بعيداً عن إمكان
الرصد والكشف والالتقاط.
*ثانياً: ما لمسته على نحو شخصي على مدار
سنوات سالفة، من تناقص عدد الروايات المحفوظة والمتداولة في عدة بقاع
عربية، بعد أن كانت تملأ وحدها الوقت عندما كان يتصدى لروايتها أهل
العلم بها في الديوانيات والأندية والمناضر والمقاهي في أنحاء الوطن
العربي. وقد لمست ذلك عن قرب لدرجة جعلتني أرى الخطر الكبير يندفع
نحو التراث الشعبي العربي بعامة؛ فعلى سبيل المثال (السيرة الهلالية)
في ميدانين مهمين أولهما ميدان المنطلق في نجد وثانيهما ميدان الممر
في ليبيا(1)، ففي نجد أشهر نسخ السيرة هي روايات من تغريبة بني هلال
وحروب آل ضيغم) للمستشرقة الدكتورة إليسون ليريك(2)، أما في ليبيا
فنسخة وحيدة جمعها أحد الكتاب الليبيين وأضاف إلى نسخته اسم متخصصة
عربية كبيرة، وفي النهاية هي نسخة شديدة التواضع متوسطة القيمة؛ فنحن
بحاجة ماسة إلى مشروع قومي عربي لجمع ودراسة الموروث العربي من
السيرة الهلالية بعد وضع خريطة جغرافية للسيرة مسارها وتطورها، فهي
إلى تشعبها واتساع نطاقها تجمع نمطين من أنماط الأدب الشفاهي: النمط
الشفاهي الثابت وهو الذي تتدخل اللغة في سياق الرواية بدور رئيس ترفع
الرواية أو تضعها بعداً أو قرباً مثلما اشتملت عليه السيرة من حكايات
ذات إلغاز لغوي أو الأشعار اللهجية الشعبية في سياقها، والنمط الثاني
هو النمط الشفاهي الحر الذي لا يرجو لنفسه إلا تناقل الموضوع والفكرة
مثل الحكايات والعبر التي لا تتضمن نصاً لغوياً مقصوداً لذاته في
بنية الرواية.
أسلوب الجمع الميداني:
- على الباحث في عملية الجمع الميداني ألا يقتصر
على نوع واحد من التسجيل بل يجب أن يكون التسجيل والتدوين معاً، أي
أن تتم عملية الجمع من خلال التسجيل الصوتي والتدوين الكتابي.
-
أن يحرص الباحث قاصداً على أن يسبق جمعَه الميداني الدراسةُ النظرية،
حتى لا يقع في أسر النظرية فيضطر إلى أن يلوي إليها عنق النص المجموع،
أو يكون عرضة لوجهة نظر سابقة في الموضوع المجموع. وعليه كذلك أن
يتنارل عن معارفه المسبقة فيما يتعلق بموضوع بحثه، في مرحلة الجمع
الميداني.
- أن يعيّن الباحث الحدود الميدانية للبحث فيحصر الجمع
الرئيس فيها ويحكمه، وهي جغرافياً خريطة تطور النص أو الموضوع
وتداوله، وهي تلك البقاع التي تتميز بأنها أكثر البقع الميدانية حملاً
لأخبار أو نقاط الموضوع، وتواتراً في الرواية.
- أن يستعين الباحث
برواة من أعمار مختلفة لتتبع تطور المادة والنصوص من جيل إلى جيل،
وظهور الأبعاد الثقافية والمعرفية من تعليم واتصال في السياق الروائي
عند المتعلمين الصغار منهم، على أن يحرص في اختيار الدليل على أن
يكون من أهل بيئة ميدان الجمع والرواية، وأن يستفتح حديثه معه
بالسؤال المباشر عن موضوع الرواية، فإذا لقي معه رواية، حوَّله من
دليل إلى راو، وبحث من ثم عن دليل آخر، فإذا لم يجد لديه بدأ في
أسئلة الدلالة حول الروايات ومن يقوم بروايتها في بيئته ومن رحل ومن
بقي منهم على قيد الحياة، حتى يصل الباحث إلى أقرب المصادر للهدف
الذي يتمثل في الرواية الشعبية التي يرجو الباحث جمعها، وفي عمليات
التسجيل، أو مرويات الرواة، أو حتى إبداء آراء شخصية خاصة، ويفضل أن
يكون الدليل من متوسطي الثقافية، أو من عامة الناس الذين لا يملكون
ثقافة ما حول الجمع الميداني والدراسات الأرتثولوجية بعامة
والفولكلورية بخاصة.
- أن يفتح الباحث الطريق للتسجيل العشوائي كي
يصل إلى المهاد الذي نسميه (فرشة الرصد)؛ ثم يعمد إلى تحديد الأداء
واختيار الرواة الذين انتقاهم للاعتماد على رواياتهم، آخذاً في
الاعتبار الدقة والشمول والاستغراق الكامل قدر الإمكان بمنقولاته عن
الرواة من نقاط البحث والجمع الميداني.
- أن يستعمل الباحث في
حواره مع الرواة لهجة قريبة لهجاتهم قدر الإمكان، لخلق حالة من
التواؤم والتلاقي اللهجي لا تتيح للراوي التدخل بتطوير لهجته، ورواية
محفوظاته منها على السجية بلهجتها التي حفظها بها دون تدخل معرفي،
فمن الملاحظ أثناء الجمع العشوائي ميل أهل كل بيئة للتطوير المعرفي
ومساوقة الآخر، لهجةً واتجاهاً، ومن ذلك ما يواجهه الباحث من بعض
الرواة الذين يعرفون مسبقاً أن الجمع عملية بحثية وفكرية ذات عمق
علمي معرفي فيدفعه ذلك إلى التدخل في الرواية بالمثاقفة وتحويل لغة
الرواية إلى اللغة الفصحى فيفقد العديد من الخصائص الرئيسة للرواية
بل يذهب بمتعتها وطرافتها التي تعتمد على التورية اللغوية في بعض
الأحيان، أو أن يتحول الراوي إلى نفسية الاستعراض القيمي للذات بأن
يكرس الحوار للتأكيد على مواهبه الشخصية مما يستنفد من جهد الباحث
ووقته.
- يفضل أن يستهل الباحث حقله الميداني بالبحث عن الموضوع
رأساً لا هوامشه، فإن كان مثلاً يبحث عن شخصية ما عليه أن يسأل عنها
مباشرة ويقوم يتسجيل بعض أخباره، دون التقيد بحدود ميدانية، ثم يطور
معارفه من حول موضوعه، وكل ذلك يستدعي أن يسجل الباحث لموضوع جمعه
الميداني نقاطاً مرتبة تنازلياً بحيث يبدأ بأعم النقاط في بحثه ثم
النقطة التي تليها وهكذا حتى يستكمل موضوعه.
- بعد أن تتم عمليات
الجمع الميداني على الباحث أن يتصرف في تدوين النص الأصلي في ضوء ما
يجمعه من روايات متعددة للحكاية الواحدة، وما تسمح به الدراسات
الفلكلورية في هذا الباب، في سياق أساليب التدوين اللهجي المتعارف
عليها.
معوقات الجمع الميداني:
يواجه الباحثون عدداً من المعوقات التي تكاد تذري
ببحوثهم وتوقف مساراتها، منها ما هو من قبيل الدفاع الاجتماعي ومنها
ما هو عائد إلى أيديولوجية دينية مثل الاقتصار على ذكر محاسن الموتى،
ومنها كذلك شيوع حالة الصدق المطلق تجاه الغرباء في بعض البيئات،
لدرجة يقتصر معها حديثهم إلى الغرباء على ما رأوه عياناً ويكفون عن
كل ما لم يروه، أو العكس من خلال الاستباحة المطلقة فيلغطون ويأخذون
الباحث إلى منطقة الوهم بعيداً عن النسق الأصلي للرواية الشعبية.
فيما يلي تسجيل لبعض المعوقات التي قد تواجه الباحث للاستضاءة بها في
حالة تصدي بعض الباحثين للجمع في بيئة ما، فهذه المعوقات وإن واجهت
الكاتب شخصياً وكانت أشبه بسياق من الخبرة لديه، إلا أنها تتسم بسمة
العموم أكثر من كونها مجرد معوقات خاصة واجهت بحثاً محدداً أو موضوعاً
معيناً، ومن ذلك:
*تحكُّم اتجاه البنية النفسية لميدان الجمع،
ومحاولة بعض الرواة خلق حالة من الخصوصية الجماعية، التي تجعل بعض
الأفراد يخشون الحديث في حضرة مسجل الصوت، أو أية أجهزة تسجل عليهم
أصواتهم، فهذه الآلات تعقد الألسنة وتطوي الضمائر، ثم تجعل تلك
النفسية حتى مثقفي ميادين الجمع في معزل عن المشاركة، ولكن بشكل غير
صريح أحياناً.
*تواتر روايات قليلة بعينها وتكرار روايتها وتناسي
عدد كبير من تفاصيلها مع الخلط الواضح بين المتشابهات أحياناً، مما
يجعل دائرة البحث الميداني مستنزفة جهداً ووقتاً دون كبير فائدة
وكأننا ندور في حلقة مفرغة.
*رفض الذهنية الجماعية في ميدان الجمع
كشف ما تعده من مساوئها أمام الغرباء، يدفعهم أحيانا للتشعب في مسارب
تأخذ البحث بعيداً عن مقصده أو اتجاهه.
إن المأثورات الشعبية
العربية حبل ممتد متصل منذ القديم نأمل أن يمتد ويتصل ويشتد ويقوى
وألا يتهالك أو ينصرم، فهو واصلة طيبة لوجدان مغيب لا تتحكم فيه
السياسة ولا الاتجاهات الأيديولوجية المحسوبة والمقصودة والموجهة، إن
ذلك الحبل هو روح الشعوب.
* الهوامش:
(1) لمس
الكاتب ذلك في زيارات بحثية إلى المملكة العربية السعودية (مارس
1997م)، وليبيا (يوليه 2003م).
(2) د. إليسون ليريك: روايات من
تغريبة بني هلال وحرب آل ضيغم، الرياض: مطابع الفرزدق، د. ت.