الأصول الاقتصادية

 

الأصول الاقتصادية

د. بدر محمد ملك   د. لطيفة حسين الكندري

 

الأصول الاقتصادية 1

واقع العالم العربي والإسلامي اقتصادياً 6

دور الأسرة في تحقيق التنمية 8

الأمية وتدهور الاقتصاد 9

معالم التربية الاقتصادية في الإسلام 16

الحاسب الآلي. 27

اليونيسف والمشاريع التنموية 30

 

تهدف التربية إلى ربط المتعلم باحتياجاته المادية والمعنوية وتهتم باستثمار البيئة المحيطة به وترشيد الجهود ويظهر هذا التوجه جلياً من خلال تعليم الطفل وتدريبه على الحِرف والصناعات وحسن استغلال الموارد الطبيعية حسب طبيعة المجتمع الذي قد يعتمد في معيشته على الزراعة أو الرعي أو الصيد أو الأنشطة البحرية أو التجارية. من نافلة القول أن نذكر هنا أن التنمية الاقتصادية في أي مجتمع مرهونة بفاعلية نظم التعليم التي تقوم بإرشاد وتوجيه الطاقات البشرية، وتحسين المهارات الإنتاجية ومن يدرس تجربة النمور الأسيوية مثل سنغافورة وماليزيا يعلم أن الأمم الفقيرة حققت نجاحاً باهراً وتقدمت تقدماً اقتصادياً ملموسا لأنها تملك نماذج تعليمية متفوقة.

قبل أربعين سنة كان الكثير من أطفال جمهورية سنغافورة ينامون في كل ليلة وهم جياع لأنهم فقراء جداً.  سنغافورة دولة ذات موارد طبيعية محدودة مقارنة بكثير من دول العالم ولكنها - كما يقول هورد غاردنر – اعتنت بتنمية العقول فأصبحت في مصاف الدول التكنولوجية الغنية (Gardner, 2000, p. 109). هذه الجزيرة الديمقراطية لها مكانة مرموقة في قائمة المسابقات الثقافية التي تعقد لطلاب وطالبات المدارس في العالم. لقد غدت المناهج التعليمية السنغافورية محط أنظار الباحثين والدوريات المطبوعة لأنها قادت إلى مكاسب ملموسة ورغم الهزات المالية العنيفة التي أصابت مجموعة النمور ودول جنوب شرق آسيا في نهاية القرن الماضي إلا أنها اقتصادها شكل واحداً من أقوى اقتصاديات دول العالم.

المعادلة التنموية في عالم اليوم يمكن أن نختزلها بكلمات قليلة وهي: إن المعرفة قوة، والقوة عماد الاقتصاد في الأمم الراقية. تتجلى أهمية البُعد الاقتصادي في الدور المتعاظم لوسائل التكنولوجيا العابرة للقارات التي بدأت تخزن العلوم في طرائق الكترونية مبتكرة تمتاز بجودة التخزين ودقة التنظيم كما تجمع بين السهولة والسرعة ولعل وفرة المعلومات الناتجة من ثورة الاتصالات وغزو الفضاء من الأدلة التي تكشف لنا صدق ما سبق ذكره. هذه الخصائص التي اختزلت الوقت والجهد جعلت مؤسسات التعليم ترسم سياساتها المالية على ضوء المعطيات التكنولوجية التي تعتبر عصب العولمة. العولمة نتاج لحركة رأسمالية غربية اقتصادية لترويج بضائعها التجارية ولتوسيع أنشطة شركاتها. لذلك فإن الثقافة ومؤسساتها لا بد أن تتأثر بهذه المتغيرات العالمية التي اجتاحت الساحة التعليمية وهيمنت على مساراتها العلمية.

"إن تحليل الجذور التاريخية لظاهرة العولمة يوضح قيامها، منذ نشأة بدايتها الأولى، على عالم الاقتصاد والسياسة، فقد بدأ مفهوم رأس المال في البزوغ مع تهميش السلطة، وتزايد حركة التجارة الذي أسهم في كسر العزلة الاقتصادية، على صعيد الكرة الأرضية، وقد استرعى هذا كل انتباه القوميات، فكان أن التقت القوميات ورؤوس الأموال، مما أتاح الفرصة لانفتاح الاقتصاديات القومية على ديناميكية العلاقات التجارية، وتوحيد الأسواق الداخلية" (مراد، 2002 م).

من هنا نعلم أن النقلة الثقافية اليوم لا بد من فهمها وفق المعطيات الاقتصادية لأنها شديدة التعلق بها فالازدهار الاقتصادي يواكبه حركة تقدمية علمية تعليمية. مؤسسات التعليم تواجه تحدياً حقيقياً لأنها مسئولة عن إعداد وتنمية الأجيال لخوض التنافس الحضاري للأمم التي إما أن تقود أو تقاد وهذا يتحدد حسب مهاراتها في معرفة حاجة الأسواق المحلية والعالمية وحسب تلبية الحاجات وإعداد العمال المهرة، والإدارات الناجحة. إن التغيرات الجوهرية الناتجة من حركة العولمة وانعكاساتها على الأسواق طبقاً للتطورات السريعة تستدعي تغيرات مناسبة من مؤسسات التعليم لاستيعاب الواقع ومواجهة الاحتياجات وإلا أصبحت مناهج التعليم تعيش في حالة انفصام تجعل الطالب يشعر بالإحباط بمجرد تخرجه من المدرسة لأنه تعلم ما لا يحتاجه وأفرط في تعلم المهارات التي ينبغي أن تؤهله للحياة العملية.

اليوم من معاني اقتصاديات التربية Economics of  Education أن المؤسسات التربوية تقوم بدورها المنشود نحو تنمية الإمكانيات المتوفرة بأقصر الطرق، وأقل التكاليف، وأفضل النتائج كماً وكيفاً وأن تدعم مؤسسات التربية عملية التنمية الاقتصادية في المجتمع بشكل شامل. وفق الرؤية السابقة تُصبح التربية عملية استثمار Education is investment له عائد ومردود على الفرد والمجتمع خاصة على المستوى البعيد لأن التعليم عملية إبداعية طويلة الأمد: Learning is a long-term creative process. 

التعليم استثمار مزدوج متوازن للطاقات البشرية من جهة والإمكانيات المادية من جهة أخرى. هذه المواءمة تقود إلى مفهوم الاستثمار بمفهومه العام إذ أن الإستتثمار هو حُسن الاستفادة من جميع  الموارد المتاحة محليا وعالميا لخدمة المجتمع. العلم هو إكسير الحياة الذي يحول المواد الخام إلى مواد ثمينة تنفع البشر ولهذا فإن التعليم أفضل وسيلة للاستثمار وزيادة الإنتاج وتجويد نوعية الإنتاج وهكذا فإن الأسر والمدارس والكليات هي البنوك الحقيقية في المجتمعات المتقدمة كله. عندما تنعزل التربية عن توجيه الناشئة اقتصادياً لا يمكن وقف الهدر الناتج من الجهل باستخدام الموارد الطبيعة ويمتد الضرر كما هو مشاهد إلى خسائر مادية فادحة تنتج من تدمير الناشئة للمرافق العامة في البلد. ومن جهة أخرى فإن هجرة العقول ذات التخصصات النادرة إلى البلاد الأجنبية من ضمن عوائق التعليم التي تهدد اقتصاد الشعوب وتشتت الطاقات وتبدد الآمال. الدول التي تتمتع بالرخاء المادي لا تبخل على مؤسساتها التعليمية فتقوم بتلبية مطالبها وخاصة فيما يتصل بتمويل الأبحاث العلمية، وإنشاء الصروح الثقافية والتخصصية. لذلك فإن هذه الدول ترصد ميزانيات خاصة من دخلها القومي لتعزيز الأوضاع التعليمية ولا تقبل فكرة التقشف في مثل هذه القضايا المصيرية.

من الكلمات الأساسية في ميدان اقتصاديات التربية كلمة العائد ويقصد بها نوعية المخرجات التعليمية ومدى جودتها فإذا كانت مثلاً كليات الجامعة تُخَرِّج كماً كبيراً من الطلبة ولكن الطلاب يعانون من صعوبة في عمل الأبحاث العلمية وعندهم مشاكل في فهم تخصصهم وليست لديهم القدرة على الانخراط في سوق العمل المحلي فإن المُخرجات هنا تدل على أن العائد غير جيد مما يسبب الإهدار للطاقات والإمكانيات.

ومن الكلمات الهامة في ميدان اقتصاديات التعليم مصطلح الفاقد في التعليم "والفاقد في التعليم معناه زيادة نفقات التعليم زيادة لا تقبلها النتائج التي كان من المفروض أن تحدثها. أو أننا نستطيع أن نصل إلى نوع التعليم الذي نحصل عليه الآن بتكلفة أقل" النجيحي، 1977 م، ص 329).

كانت اقتصاديات التربية والتعليم وما تزال تحظى بنصيب كبير من اهتمام المجتمعات لأسباب عديدة ومتداخلة منها:

أن التربية في جوهرها عملية تنمية شاملة لتهيئة الفرد لتعمير بيئته المحيطة بما يعود عليه وعلى مجتمعه بالنفع كما أنها عملية تنمية للطاقات أينما وجدت.

المؤسسات التعليمية تحتاج اليوم إلى إمكانيات مادية كبيرة كي تصل إلى أهدافها التربوية.

لا يمكن فصل العملية التربوية عن الواقع والأمن الاقتصادي فحالة الركود أو السيولة في البلد لها صلة بنمط التثقيف.

التنافس الحضاري بين الأمم اليوم قائم على تربية المجتمع ليصبح قوة اقتصادية عالمية.

توعية المجتمع بمخاطر العادات الخاطئة صحيا ونفسيا واجتماعيا مثل التدخين، والمخدرات، وأمراض السمنة وضغط الدم ومرض السُّكر ..يمكن أن ترشد ميزانية الدول (الاستهلاكية) وتضمن فاعلية الأفراد إذ أن مقارعة الجهل بمخاطر تلك الأمراض وكيفية مواجهتها حتمية تربوية يجب أن نمارسها لنكبح غُلَوائِها ولنقلل غَوائِلها قبل أن تُلتهم الأموال بلا طائل وتُستنزف الطاقات بالباطل أو بالجهل أو الكسل.

التعليم في رحاب الإسلام يحث المتعلم على بذل الوسع في الإنتاج ونفع الغير وتعمير الأرض. "وفي كتاب الأدب للجاحظ‏:‏ اعلم أنّ تَثْمير المال آلةٌ للمكارم وعَوْنٌ على الدِّين وتأليف للإخوان" (ابن عبدربه، العقد الفريد، باب في فضل المال).

الاستقلال السياسي لا يكتمل إذا كانت الدولة تخضع للعبودية باسم الديون الخارجية فتكون ورقة الضغط في اتخاذ القرارات المحلية والإقليمية والدولية. القروض الخارجية التي تقدمها الدول المتقدمة صناعياً للدول النامية أضرت بمصالح الشعوب الضعيفة ولا بد من نهضة اقتصادية قوامها العلم والإرادة لتحرير الأمم المستضعفة من قبضة النظام الرأسمالي.

قضايا العصر المصيرية وثيقة الصلة بالكيان الاقتصادي. الاهتمام العالمي يتزايد يوماً بعد يوم بقضايا التنمية ومنها قضايا ترشيد الاستهلاك، وحُسن استغلال الموارد الخام، وتقليل التلوث الصناعي، وحماية البيئة، وزيادة متوسط دخل الفرد، ومعالجة الزيادة السكانية، ومواجهة الفقر والآثار الناجمة عن البطالة والأمية وعدم العدالة في توزيع الثروات.

يؤكد خبراء الاقتصاد على أن أركان عملية التنمية الاقتصادية الحقيقة هي: رأس المال، الموارد الطبيعية، والتقنية، واليد العاملة. هذه الأركان لا يمكن عزلها أبداً عن حركة التربية والتعليم بل إن المؤسسات التعليمية من أقدر المؤسسات على توجيه هذه الأركان.  العلم والمؤسسات التعليمية من أقدر وسائل الاستفادة الحكيمة من الموارد الظاهرة والثروات الكامنة.

نادي الكثير من رواد التربية بضرورة "خصخصة التعليم" بمعنى إتاحة الفرصة للقطاع الأهلي والمؤسسات التجارية الخاصة باستثمار أموالها في حقل التعليم وبدأت هذه الحركة –بسلبياتها وإيجابياتها- تتزايد باستمرار في الساحة العربية ولا بد من تحديد سبل التعامل مها.

تزايد الهوة بين الفقراء والأغنياء يستدعي تحركات عادلة في توفير الفرص التعليمية.

 

واقع العالم العربي والإسلامي اقتصادياً

 تشتد حاجة العالم العربي والإسلامي إلى ربط الأنشطة التعليمية بالمحاور الاقتصادية لتخرج من حيز الدول النامية الضعيفة إلى فضاء الدول المتقدمة. ورد في مجلة المجتمع الكويتية العنوان التالي: (3.5 تريليون دولار قيمـة النفط العربي في 25سنة). "أظهرت دراسة اقتصادية أن عوائد تصدير النفط العربي خلال ربع القرن الأخير (1973 ـ 1998م) بلغت 3.5 تريليون دولار، وتساءلت الدراسة التي أعدها  د. هشام الخطيب ـ وزير الطاقة الأردني السابق ـ عما إذا كان هذا الدخل الكبير قد آتى أُكله، وهل ساهم في التطوير الاقتصادي والاجتماعي للمنطقة العربية بصورة تتناسب مع قيمته، والمفاجأة أن النتائج لم تكن بالمستوى المطلوب، ففي مجال التنمية البشرية لا تزال الأميّة تشمل أكثر من 45% من السكان، وحوالي 60% من النساء، وإن كانت معدلاتها قد انخفضت في الدول البترولية نتيجة تحسن الدخل. وفي مجال الدخل فإن مجموع دخل المنطقة العربية بسكانها البالغ تعدادهم 260 مليون نسمة لا يزيد إلا قليلاً على دخل هولندا ذات السبعة عشر مليوناً، وقد انتشر الفقر في أجزاء جديدة من المنطقة"[1].

التنمية حركة مهمة للعالم الإسلامي الذي يعيش 37% من سكانه تحت خط الفقر ولقد أثبتت بعض التجارب التنموية نجاحها وتعتبر تجربة مكافحة الفقر في ماليزيا من أبرز التجارب التي كُللت بالنجاح على مستوى العالم الإسلامي فقد استطاعت ماليزيا خلال ثلاثة عقود (1970-2000م) تخفيض معدل الفقر من 52.4% إلى 5.5%؛ أي أن عدد الأسر الفقيرة تناقص بنهاية عقد التسعينيات إلى أكثر من ثلاثة أضعاف عما كان عليه الحال في عقد السبعينيات. ويُتوقع إذا استمرت جهود الحكومة والجهات الشعبية المساندة لها في محاربة الفقر على نفس الوتيرة أن يصل معدل الفقر بحلول العام 2005 حوالي 0.5%، ويكون الفقر المدقع قد تم القضاء عليه قضاءً مبرماً وذلك من خلال جهود تعليمية مكثفة وسياسة مرنة (بشير، 2002 م). لقد رحبت التجربة الماليزية بالدورات التدريبية التي ركزت على العديد من الاستراتيجيات مثل:

تحسين المهارات الإدارية.

الاعتناء بأكثر من لغة للتسويق التجاري.

زيادة المعرفة بالكمبيوتر.

تنمية مهارات التفكير السليم.

تحسين عملية التحصيل الدراسي.

تغيير الأنشطة الزراعية التقليدية إلى مزارع تجارية حديثة.

 

دور الأسرة في تحقيق التنمية

من المعلوم أن الإنسان أينما كان لا يستغني عن الرعاية الأسرية, ومن المعلوم أيضاً أن الأسرة اللبنة الأولى والأهم في بناء المجتمع قديما وحديثا. إن الالتزامات الشرعية والممارسات القانونية التي تضبط الزواج مثل المهر والإنفاق تبين العلاقة الوثيقة بين الأسرة المسلمة وبين الاقتصاد. لا شك أن الأسرة هي التي تحث الأبناء على الكسب وتحمل المسئولية والاشتراك في مسيرة التنمية وزيادة الصادرات المصنوعة وغيرها. ذكرت موسوعة الأسرة (2002, ص 170) إن دراسة الأسرة تعني دراسة الجانب الاجتماعي في تناول الظاهرة الاقتصادية, والأسرة كوحدة اقتصادية تنبع من أصل كلمة (Economics) ذاتها المشتقة من الكلمة للاتينية (Oconomie) والتي تعني إدارة المنزل (Household Management). تعزز الأسرة البناء الاقتصادي بصور متعددة:

تمارس الأسرة دورا فكريا في تشكيل اتجاهات الأفراد وغرس القيم الإيجابية في نفوس الأبناء كي يشاركوا في تنمية اقتصاد المجتمع.

تقوم الأسرة بتحديد ماهية الإنتاج وكيفية الاستهلاك.

تدرب الأسرة أفرادها على طرائق الاستثمار والتعاون المالي والتكافل وهي قيم لا بد من تواجدها في المجتمع المتماسك.

تهتم الأسرة بجميع أبعاد الاقتصاد (البعد الصحي, والتعليمي, والاجتماعي).

تقوم الأسرة بتدريب أفرادها على المهارات الحياتية للتكيف مع البيئة واستثمار طاقاتها.

تحث الأسرة على الوفاء بالالتزامات المالية كما أنها تلعب دورا كبيرا في مواجهة المصاعب الاقتصادية.

 

الأمية وتدهور الاقتصاد

لقد أصبحت الأمية مشكلة تربوية ذات أبعاد اقتصادية، وانحرافات دينية، ومخاطر صحية، وويلات سياسية، وانعكاسات حضارية لذلك قامت الكثير من الدول بعلاج هذه الظاهرة السلبية بوسائل شتى حتى أصبحت نسبة الأمية في بعض دول العالم مثل الولايات المتحدة أقل من 0,5% في حين أن هناك دولاً في العالم الثالث تصل نسبة الأمية فيها إلى 85%. اليابان أصبحت تعتبر من يجهل استخدام الحاسب الآلي أمياً. ما المقصود بمصطلح الأمية؟ ما أسبابها؟ وانعكاساتها؟ وما حجمها في العالم العربي؟ وما طرق الوقاية والعلاج؟ أسئلة هامة ينبغي مناقشتها لمن يتصدى العمل التربوي.

  إن من المؤلم حقاً أن نجد معظم دول العالم الإسلامي مازالت تعاني وبشكل حاد من ظاهرة الأمية وانعكاساتها السلبية على الفرد والمجتمع. لم تعد الأمم اليوم تُقاس بما تملكه من ثروات طبيعية ومميزات جغرافية فقط ولكن الأمم أصبحت تقاس أيضا بمدى نسبة التعليم فيها والإنتاج والابتكار والتصنيع. الشخص الأمي -في تعريف اليونسكو[2]- هو الذي لا يقرأ ولا يكتب - بصورة واعية- العبارات البسيطة التي تمس حياته اليومية وثقافته. الشخص الذي يقرأ ولكنه لا يكتب أو يكتب ولا يقرأ يُعتبر أمياً. الشخص الذي يعرف أن يكتب اسمه وبعض الكلمات أيضاً يُعتبر أمياً. هذا التعريف عموماً للأُمِّيةِ Illiteracy يُعتبر الأكثر استخداماً في المنظمات العالمية، وبين الدول، وفي التقارير السنوية المُتخصصة. الأرقام التي بين أيدينا عن أعداد الأميين هي لأشخاص أعمارهم 15 سنة فما فوق. والمراد بمحو الأمية كل الجهود المنظمة التي من شأنها إنهاء أو تقليل تلك الظاهرة.

كتب مختصون عرب عن الصعوبات الرئيسية أمام التنمية العربية وأكدوا في "تقرير للأمم المتحدة أن دولاً عربية تبدد الثروة التي يدرها النفط وتحرم شعوبها من الحريات الديموقراطية الأساسية، مشيرا إلى انتشار البطالة بين الشباب العربي والأمية خاصة بين النساء والأطفال حيث يوجد في البلدان العربية 75 مليون بالغ غالبيتهم من النساء لا يزالون أميين كما أن عشرة ملايين طفل لم يلتحقوا بمدارس. وأفاد التقرير الذي أعده خبراء عرب على مدى 18 شهرا أن الكثير من أبناء الدول العربية من المحيط إلى الخليج محصورون داخل عصور الظلام بحريات سياسية محدودة فيما تتعرض المرأة لكافة أشكال القمع وأن عوائد النفط لا يعاد استثمارها بشكل إنتاجي"[3] وهكذا فإن الأمية من ضمن أهم القضايا التي تعوق نمو العالم العربي.

تشير بعض الدراسات إلى أن نسبة المتعلمين في الوطن العربي في عام 2000 م تقارب 72,1 % بواقع 62 % للذكور وما يقارب 50 % بالنسبة للإناث مما يشير إلى أن ربع العالم العربي بل أكثر في عداد الأميين في حين أن نصف الإناث في عداد الأميات وهو الأمر الذي يمثل عائقاً حقيقياً يهدد الحركات الإصلاحية في الوطن العربي، فلا سبيل إلى نهضة حقيقية وهذا العدد الكبير من أفراد الأمة في ظلمة الجهل وظلام الأمية خاصة ونحن نعيش في عصر الانفجار المعرفي والتنافس الحضاري.

في كل عام تُراجع وتُقيِّم دول العالم جهودها في مضمار مكافحة الأمية. إن الدولة المتقدمة مادياً بدأت في وضع تعريفات جديدة للأمية بعد أن اجتازوا مرحلة الأمية الأبجدية. إنهم اليوم في تلك البلدان يسعون إلى القضاء على الأمية الوظيفية والحضارية، إذ أصبحت الأمية قد تدل على الإنسان الذي لا يعرف استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة، وفي مقدمتها الحاسب الآلي الذي أخذ طريقه إلى معظم المدارس الابتدائية في حين أن جامعاتنا العربية ما زالت تُخرِّج أجيالاً لم تمض حتى ساعة واحدة أما الحاسب الآلي لمعرفة مزاياه وكيفية تشغيله.

يقول القرضاوي في كتابه الحياة الربانية والعلم: "ومن المفروض فرض عيـن في عصرنا: أن يتعلم المسلم القراءة والكتابة، ويزيل عن نفسه وصمة الأمية، فقد أصبحت الأمية عائقاً للأمة عن التقدم والتنمية، وغدا التعلم من أسباب انتصارها وعزتها. وفي ميدان المنافسة الاقتصادية والحضارية في عصرنا لا مكان لأمة أكثرها من الأميين".

الأمية تعني غياب المعرفة الأساسية في جانب من الجوانب الحيوية لحياة الإنسان ثقافياً أو صحياً أو قانونياً، لذلك نحن بحاجة إلى التفكير في كيفية تعزيز ونشر المعرفة والثقافة في مواجهتنا مع الأمية وخاصة في ميدان تعليم الكبار. أهم عقبة تواجه الأميين على المستوى المهني بلا شك أن هؤلاء الأميين قد لا يتكيفون مع وظائفهم ومهنهم مما يسبب انخفاض في الأداء وضعف في الإنتاج. هذا على المستوى القومي والاقتصادي لكل من الدولة والفرد.

تمتد أضرار الأمية في ميدان الكبار لتصيب الجانب التعليمي في النطاق الأسري، فالأم الأمية أو الأب الأمي قد يسبب جهلهما حرمان الطفل من الرعاية الثقافية المطلوبة من الأسرة وغيرها من أشكال الرعاية والمُتابعة مما يتطلب المزيد من الاهتمام لتعويض النقص، وهو ما يعيق الحركة التعليمية ومخرجاتها. لهذه الأسباب وغيرها تضافرت الجهود في عدد من دول العالم لمقارعة الأمية وكان أن نالت بعض الدول نتيجة رائعة تدل على جهود عملاقة في محو الأمية.

المتأمل في الإحصاءات الصادرة بخصوص الأمية يلاحظ أن المرأة في الوطن العربي -للأسف الشديد- تعاني من الأمية بصورة أكبر من الرجل. وإذا كانت الأُمَّة تتكون من نسيج الأمهات فإن الوضع الراهن للمرأة المسلمة لا يمكِّنها من ممارسة حقها في الاعتناء بنفسها فضلا عن تهيئة المناخ الملائم للتنشئة الأسرية الصالحة. إن الدراسات العلمية في علم النفس تشير إلى أن السنوات الأولى في حياة الطفل هي من أهم مراحل تربية الإنسان. الحق هو الذي نطق به الرسول  في قوله: "كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه". وفي حديث آخر: "كل مولود يولد على الملة فأبواه يهودانه وينصرانه  ويشركانه".

ينظر العالم اليوم إلى التعليم كناحية استثمارية أيضا، إذ أن المجتمع المتعلم يستطيع أن يعيش في أجواء مليئة بالوعي الصحي والتربوي والصناعي مما له انعكاس إيجابي مباشر على الوضع الاقتصادي، وعليه فإن إهمال المرأة تعليمياً برغم أنه يتنافى مع التوجيهات الإسلامية فإن أضراره على الوضع الاقتصادي والسياسي إجمالاً من الحقائق الواضحة. رغم أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كانت تشتغل بالتجارة إلا أن المرأة المسلمة قلما تخوض هذا الميدان أو تتخصص فيه وأنى لها هذا وهي بين نارين: نار الأمية ونار التقاليد العقيمة التي تسمح للمرأة أن تذهب لسوق الذهب أكثر مما أن يُسمح لها أن تدخل كلية التجارة.

وللأسف أن بعض العلماء كان يرى أن تعلم الكتابة للمرأة قد يكون جائزا للسلف دون الخلف لفساد النسوان في هذا الزمان ورد عليه بعضهم بكتاب عقود الجمان في جواز كتابة للنسوان، ولقد قال الآبدي: "وقد استدل بعضهم على عدم جواز الكتابة للنساء بروايات ضعيفة واهية، فمنها: " لا تسكنوهن الغرف ولا تعلموهن الكتابة ". وبذلك يصبح الجهل وحرمان المرأة من تعلم الكتابة طاعة وعبادة استناداً إلى بعض الأحاديث الضعيفة.

المتخصصون في التربية في العالم العربي يربطون بين أمية المرأة العربية وبين العادات والتقاليد والأعراف الناتجة من الظلم التاريخي الذي تعرضت له المرأة عموما على مر العصور وساهمت في الحد من التمتع بالحقوق الممنوحة لها (نصار ورويشد، 2000 م، ص 371، ص 308).

 كانت نسبة الأمية عام 1960م لأعمار 15 سنة فما فوق في العالم العربي 81 % من مجموع السكان. تحسن الوضع نسبياً إذ أن نسبة المتعلمين بدأت تزيد بشكل واضح في السنوات الماضية ومع بدايات الـقرن الـ 21 كانت نسبة المتعلمين من الراشدين 72%. لا ريب أن مواجهة مشكلة الأمية تستدعي تضافر الجهود على المستوى الحكومي والشعبي ولكن بعض الدول العربية تسعى إلى حل المشكلة دون اشتراك المؤسسات والهيئات الخيرية الشعبية. يجب أن تصبح مشكلة الأمية في العالم الإسلامي قضية وطنية إسلامية تتكاتف فيها المساهمات الشعبية مع جهود وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية ووزارة الإعلام والمالية والشؤون الاجتماعية وغيرها من الوزارات من أجل حل القضية أو على الأقل تقليل نسبة الأمية. هذا الأمر يدعونا إلى الدعوة إلى المزيد من تفعيل دور المؤسسات الخيرية لتتضامن مع الجهات الحكومية والمراكز التعليمية.

الأمِّية دليل قاطع على بُعد الناس عن جانب من أهم جوانب دينهم الإسلامي العظيم الذي جاءت رسالته، وآيات كتابه، وأقوال نبيه لتحث على طلب العلم حتى صار طلب العلم عبادة قيمة، وفريضة مُحكمة في رحاب الإسلام. لقد درس مربيان غربيان (Muessig & Allen, 1962) التربية الإسلامية وأكَّدا على أن أهم دور في حياة النبي  هو توجيه أصحابه نحو العناية بالعلم، ومحبة البحث، والتعطش إلى الاستكشاف. كما أكد الباحثان على أن الإسلام ساهم في إثراء التراث التربوي والعلمي في بلاد الغرب بشكل واضح.

لقد كانت الشفاء بنت عبد الله القرشي تُعلِّم أم المؤمنين حفصة -رضي الله عنهما- الكتابة ليكون بيت النبوة قدوة حسنة لسائر بيوت المسلمين وحتى يعرف المسلمون أهمية تعليم المرأة فهل حقاً نحن اليوم نقتدي بالهدي النبوي وفي بلاد العرب أكثر من نصف المسلمات لا يعرفن القراءة والكتابة؟ ولا عجب بعد ذلك أن ينادي البعض بتخصيص جزء من زكاة الأموال والأوقاف لإنفاقها على مراكز الأمية في البلاد الإسلامية الفقيرة كاستراتيجية من الإستراتيجيات الاقتصادية المُقترحة لحل المشكلة. و نجد في قرارات المجمع الفقهي الإسلامي لرابط العالم الإسلامي (1985) أن المجلس قرر بالأكثرية المطلقة أن بناء المدارس والمرافق التعليمية مصرف من مصارف الزكاة لأنه يندرج تحت باب "وفي سبيل الله" ومن طرق الخير ووسيلة لإعلاء كلمة الله تعالى ومواجهة الغزو الفكري والعقدي (ص 162-163).

قال د. يحيى الصادي -منسق عام الإستراتيجية، عضو المنظمة العربية للتربية والثقافة والفنون-: "إن العرب ليسوا بحاجة إلى جلد أنفسهم، بل للإقرار بواقعهم الذي يقول إننا منذ 36 عاما نعقد مؤتمرات ونعد خططا دون جدوى، فلدينا 68 مليون "أُمّي" بنسبة 40% من السكان، وهي نسبة مرفوضة في القرن الحادي والعشرين"، مشيرا إلى أن الأمّية في غالبية دول العالم "تنحسر" بينما الدول العربية تضع مشاريع وخططا وللأسف لا تنفذها. وأضاف الصادي أن فشل الدول العربية في القضاء على الأمية يعود إلى عدة أسباب، منها: سيادة ثقافة "الهامبورجر"[الثقافة الاستهلاكية]، وضعف وتعقيد التعليم العام وفشله في استيعاب الطلبة "، إضافة إلى أن إدارات تعليم الكبار بوزارات التربية في الدول العربية هي الأقل حظًا من النواحي المادية والمعينة داخل مجتمعاتها" (موسى علي، 2002، باختصار).

يذهب البعض إلى إطلاق مصطلح الأمية على عدم القدرة على التفاعل مع عصر العولمة ويمكننا أن نقول أن التوقف عن عملية التعلم في أي مرحلة من مراحل العمر يقود الفرد إلى شكل من أشكال الأمية في حقل من حقول المعرفة.


معالم التربية الاقتصادية في الإسلام

يربي الإسلام المتعلم على بذل الوسع في الإنتاج ونفع الغير وتعمير الأرض لقوله تعالى "هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فيها" (سورة هود آية 61). ومن الوصايا  النبوية "أَنْ يَتْرُكَ المسلم وَرَثَتَهُ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَكَفَّفُوا النَّاسَ" (صحيح البخاري: كتاب الوصايا) وهكذا يرعى المسلم عائلته في حال وفاته إن استطاع أن يترك لهم ما لا يجعلهم عالة على المجتمع ولهذا لا يحق له أن يوصي بأكثر من ثلث ماله. هذا التوجيه الحكيم في فضل النفقة على الأهل يجنب الأسرة من نكبات الدهر ويقلل ضغوطاتها ولأن الأسرة أهم مكون للمجتمع جاءت التوجيهات الإسلامية لتنظيم الإطار الاقتصادي لها.

ومن روائع الكلمات التي تفخر بها الإنسانية قول رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ" (مسند الإمام أحمد-باب باقي المكثرين).

هدد الله جل ثناؤه كانزي الذهب والفضة والمال ممن لا يؤدون زكاته وفق المقادير المعلومة فقال "وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ " (سورة آل عمران، 180). وقال سبحانه "وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ {34} يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ {35} (سورة التوبة) المجتمع المسلم لا يحترم تصرفات الإنسان الشحيح الذي يسخر كل طاقاته لكسب وتكديس الأموال لنفسه ويمنع حق السائل والمحروم. ولأن المال عصب الحياة فإن المسلم عليه أن يحسب حسابه ويوازن أموره في كل درهم يحصل عليه أو يصرفه قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعن عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ [فِيه]، وعن مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفيمَ أَنْفَقَهُ، وعن جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاَهُ" (رواه الترمذي). وعلى ضوء هدي هذا الحديث فالطفل يحتاج إلى أن يتعلم منذ الصغر ماذا أنفق كي يكونا ماهراً أميناً في تصريف شئونه المالية ولأجل هذا فإن الأنشطة الصفية يمكن أن تحول القيم الإسلامية إلى أنشطة وتمارين حياتية.

وفي صحيح البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ (كتاب المزارعة). وفي صحيح مسلم- في كتاب الزكاة-قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لأنْ يَحْتَزِمَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً مِنْ حَطَبٍ فَيَحْمِلَهَا عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلاً يُعْطِيهِ أَوْ يَمْنَعُهُ". وفي الحث على العمل اليدوي ورد أيضاً عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ الزُّبَيْدِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ مَا كَسَبَ الرَّجُلُ كَسْبًا أَطْيَبَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَمَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَخَادِمِهِ فَهُوَ صَدَقَةٌ (سنن ابن ماجه، كتاب التجارات).

وهكذا حث الإسلام على العمل الزراعي وشجع العمل التجاري وكل عمل فيه نفع للناس ومن جانب آخر حذر من التبذير وأمر بالاعتدال. قال تعالى: "وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141)" (سورة الأنعام). وفي سورة الأعراف نقرأ "يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)".

من المتفق عليه أن ترشيد الاستهلاك في استعمال الماء، وتناول الغذاء، واستخدام الأشياء كما ينبغي ودون إجحاف أو إسراف من ركائز التربية الاقتصادية القويمة فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وفي الحديث "ما عال من اقتصد[4]" قال المناوي: في المعيشة أي ما افتقر من أنفق فيها قصداً ولم يتجاوز إلى الإسراف أو ما جار ولا جاوز الحد قال الغزالي: نعني بالاقتصاد الرفق بالإنفاق وترك الخرق فمن اقتصد فيها أمكنه الإجمال في الطلب ومن ثم قيل: صديق الرجل قصده وعدوه سرفه وقيل: لا خير في السرف ولا سرف في الخير وقيل: لا كثير مع إسراف (فيض القدير، ج6، حرف الميم، بتصرف). التثقيف في مجال التعامل مع المال وحسن استعمال المنافع المتوفرة تُعتبر من أنفع الطرق المؤدية لمتانة الأحوال الاقتصادية وفي هذا السياق لا بد من تخصيص شطر من ميزانية الدولة لهذا الغرض مع تفريغ كوادر متخصصة لإدارة وتمويل البرامج المُجدية لتحقيق المطلوب بصورة متواصلة ومدروسة.

قصة أبي يوسف - قاضي القضاة - تبين علاقة العالم بالمتعلم عند الأوائل كما أنها تبين علاقة العلم بالمال. عن أبي يوسف رحمه اللّه قال: كنت أطلب الحديث والفقه وأنا مقل، رث المنزل، فجاء أبي يوماً وأنا عند أبي حنيفة فانصرفت معه، فقال: يا بني! أنت محتاج إلى المعاش، وأبو حنيفة مستغن، فقصرت عن طلب العلم، وآثرت طاعة أبي، فتفقدني أبو حنيفة وسأل عني، فلما أتيته بعد تأخيري عنه قال: ما خلفك؟ قلت: الشغل بالمعاش، وطاعة والدي، فلما أردت الانصراف أومأ إليَّ، فجلست، فلما قام الناس دفع إليَّ صرة، وقال: استعن بهذه والزم الحلقة، وإذا فقدت هذه فأعلمني، فإذا فيها مائة درهم، فلزمت الحلقة، فكان يتعاهدني بشيء بعد شيء، وما أعلمته بنفاد شيء حتى استغنيت وتمولت، فلزمت مجلسه حتى بلغت حاجتي، وفتح اللّه لي ببركته وحسن نيته، فأنتج من العلم المال، فأحسن اللّه مكافأته، وغفر له. توفي أبو يوسف في سنة (182هـ) وكان صاحب ثراء كبير.

مشى الرشيد أمام جنازة أبي يوسف، وصلى عليه بنفسه، ودفنه في مقبرة أهله في مقابر قريش بكرخ بغداد، وقال الرشيد حين دُفن أبو يوسف: ينبغي لأهل الإسلام أن يعزي بعضهم بعضاً بأبي يوسف. رحمه الله بتعليمه الناس العلم، وصبره على أذاهم (انظر ابن العماد ،2001، شذرات الذهب، بتصرف). كَتب أبو يوسف كتابه الفذ الخراج ليبين لنا أن السابقين من المفكرين المسلمين أدركوا أهمية الدراسات الاقتصادية منذ عهد مبكر لأن العلم ينتج المال.

 يركز المتخصصون في علم الإدارة والاقتصاد على دائرة الوصول إلى تحقيق الأهداف الطموحة بأسرع وقت وأقل تكلفة وأفضل ناتج والإسلام حض على ضرورة الإحسان في العمل من أجل جودة الإنتاج الإنساني فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم "إِنَّ اللّهَ يُحِبُ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ"[5]. ومن مقتضيات الإتقان المواظبة على أداء العمل حتى إتمامه بالشكل المطلوب لأن خير العمل أصوبه وأكمله. لا يمكن المواظبة على دوام العمل مع المثابرة والمصابرة من غير تعبئة النفس بحب العمل ولا شك أن إرضاء الله عز وجل من أهم الدوافع لاستثارة النفس وحملها على الإنتاج الجيد بدافع الرغبة. قال محمد رضا (2002 م) وهو يصف الأخلاق النبوية "الإتقان أيها المسلمون الإتقان. فلا تستهينوا بالأعمال ولا يستصغرن أحدكم أمراً مهماً قل شأنه. فالعلم يحتاج إلى الإتقان والصناعة تحتاج إلى الإتقان والتجارة تحتاج إلى الإتقان. والنظام الذي هو أساس الحضارة والعمران ما هو إلا الإتقان؟ وما سوى ذلك فهو إهمال وتقصير يؤديان إلى الإنحاط والارتباك والخراب" .

وأول الدوافع التي تساهم في دفع عجلة العمل ورفع معنويات العمال الحصول على حقوقهم كاملة من غير نقصان أو امتهان وأهم الحقوق بعد احترام الإنسان هو تعجيل استلام رواتبه دون نقصان أو تأخير روى ابن ماجه في سننه -كتاب الأحكام- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَعْطُوا الأجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ". قال السندي في الشرح قوله (أعطوا الأجير) أي ينبغي المبادرة في إعطاء حقه بعد الفراغ من الحاجة وقوله (قبل أن يجف عرقه) الحاصل بالاشتغال.

ومن عظمة الإسلام أنه جاء لتنمية أموال الأغنياء من دون ظلم الفقراء والإضرار بحقوقهم فأحل البيع وحرم الربا. قال سبحانه "الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) (سورة البقرة). وفي نفس السورة "يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)" وأيضا "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278)".

اليوم وفي كل بلد مسلم نجد البنوك الرأسمالية والاقتصاد الرأسمالي يجر العالم نحو تضخم في القروض والفوائد والاستهلاك مما يستدعي غرس الأصول الاقتصادية الإسلامية في النفوس وتشجيع البنوك والمصارف الإسلامية وذلك بترشيد مسيرتها وسد خللها.

لقد حرص القرآن الكريم أشد الحرص على تشجيع المسلمين على تدوين شئونهم الاقتصادية وغيرها لأنها عملية مدنية تساعد على تحقيق قدر أكبر من العدالة فجاءت أطول آية قرآنية في أطول سورة قرآنية للتأكيد على مبدأ كتابة بعض المعاملات: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ ..."{282}.

ولضمان سلامة الحرف والصناعات الشريفة حرم الإسلام بيع الخمر، والعمل بالوشم، وعمليات الربا لأن لها مخاطر جمة على مصالح الناس. ومن الآثار المترتبة على احتراف المهن في ضوء الشريعة الإسلامية:

 أ – "يُعطى الفقير المحترف الّذي لا يملك آلات حرفته من الزّكاة ما يشتري به آلة حرفته.

ب - إذا فعل المحترف فعلاً في حدود حرفته، فأخطأ فيه خطأً يحتمل أن يخطئ فيه المحترفون، فلا ضمان عليه، كالطّبيب. أمّا من عداه فيضمن.

ج - يرى بعض الفقهاء جواز إفطار رمضان لمن يحترف حرفةً شاقّةً يتعذّر ليه الصّيام معها، وليس بإمكانه تركها في رمضان.

د - للمعتدّة - ولاسيّما المحترفة [صاحبة صنعة] - الخروج في حوائجها نهاراً سواء وليس لها المبيت في غير بيتها ولا الخروج ليلاً إلاّ لضرورة.

هـ - للاحتراف أثر في الكفاءة بين الزّوجين، وللاحتراف أثر في تخفيف بعض الأحكام الشّرعيّة، كالتّرخيص للقصّاب بالصّلاة في ثياب مهنته مع ما عليها من الدّم، ما لم يفحش " (الموسوعة الفقهية الكويتية، ج2، باختصار).

عن أهم جوانب المنهج الاقتصادي في تحقيق الازدهار المادي في إطار القيم الإسلامية يذكر الخبير الاقتصادي السعودي محمد عمر شابرا (1987م) عدة أفكار يمكن عرضها ودمجها في أربع نقاط وهي أن:

1-النمو المادي في المجتمع المسلم لا يتحقق مع ترويج سلع أو خدمات محرمة. وعليه فالبعد الأخلاقي من أهم الاعتبارات الجديرة بالمراعاة.

2-المجتمع المسلم لا يفرط في الاستهلاك ولا يوسع الازدهار فيه الفجوة الاجتماعية بين الأغنياء والفقراء.

3-الازدهار والنمو لا يكون على حساب الأجيال الحاضرة أو المستقبلة ولا يكون فيه ضرر للبيئة.

4-العدالة الاقتصادية والسياسية تكفلان العدل للدخل والثروة (ص 48).  

 

تحسين الإنتاج

رفع الإنتاج وتجويده يستلزم جملة من الأمور وعلى رأسها:

إيجاد الحوافز المادية والمعنوية المجزية للعاملين في المؤسسة مع إزالة أو على الأقل تقليل العوائق التي تواجه الموظفين.

تنمية مهارات العمال عبر الدورات التنشيطية الهادفة والبرامج التطويرية المُبرمجة.

الإدارة الناجحة والتخطيط السليم. ومن شروط الإدارة الناجحة فهم احتياجات العاملين وتكوين علاقات اجتماعية وإنسانية قائمة على الاحترام المتبادل والتفاعل الإيجابي من أجل تحسين الإنتاج ومساعدة الجميع في تحقيق الرضا النفسي النابع من الأمن الوظيفي.     

وضوح الأهداف ومرونتها مع ضرورة تقويم العمل. وفي نفس اللحظة يجب فهم الأهداف العامة وتطويرها حسب مقتضيات الأمور.

تشجيع الابتكار والمبادرة في الأخذ بالجديد المفيد.

الترويح المعتدل يدفع الكلل ويقضي على الملل ويزيد من الإنتاج فإن العمل المستمر لا يُكتب له الديمومة لأن الإرهاق الدائم طريق الهلاك المؤكد. كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : إنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ تَمَلُّ كَمَا تَمَلُّ الأَبْدَانُ : فَابْتَغَوْا لَهَا طَرَائِفَ الْحِكْمَةِ .

تأصيل روح العمل الجماعي التعاوني التخصصي.

إعلاء قيمة الوقت وتنظيم الأعمال وفق سلم الأولويات. النتائج الإيجابية في عملية الإنتاج مرتبطة بالقدرة على حسن استغلال الدقائق وهذا خلق اقتصادي لا يمكن إلغاؤه لأنه من الأركان وحفظ الأوقات في رعاية المصالح لا يقل أهمية عن حفظ الأموال.

ما هي المخرجات التعليمية وأين موضع الخلل؟ وهل لدينا بطالة مقنعة في بعض التخصصات أم أن القصة تنحصر في سوء الإدارة والتخطيط؟ إلى أي مدي تساهم القطاعات الأهلية في تأهيل الكوادر الجيدة أو على الأقل جذب شريحة من الخريجين للعمل في القطاعات غير الحكومية؟

المعيار القرآني يربط بين حسن العمل والإنتاجية العالية بالنجاح الدنيوي والأخروي. قال تعالى "تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {1} الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ {2}" (سورة الملك). وقال سبحانه "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا {30}" سورة الكهف). وقال: "إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا {7}" (سورة الكهف).

منذ أمد بعيد والغرب النصراني يمتص الخيرات الخام لدول العالم الثالث البترولية، والزراعية، والمعدنية لأسباب عديدة منها أن هذه الدول لا تمتلك القدرة العلمية والإمكانيات التكنولوجية الحديثة لاستثمار خيراتها البترولية أو منتجاتها الزراعية فتُباع لمصانع الغرب بأبخس الأثمان وتعود ثانية وتُباع علينا بعد إعادة تصنيعها بأغلى الأثمان. ولا يبيع الغرب الأسلحة والمعدات المتطورة والأجهزة المتقدمة لتضمن الهيمنة الدائمة على مصير الأمم المغلوبة. حقيق بنا أن نحاسب أنفسنا قبل أن نلوم غيرنا.

يمكن للمؤسسات التعليمية أن تساهم في النهضة الاقتصادية للدول من خلال عدة أشكال منها:

1-المساهمة في صياغة الأهداف الإستراتيجية للدولة من أجل تلبية الاحتياجات المرحلية والمستقبلية وإعداد الكوادر.

2-تخريج العمالة المطلوبة من أجل تقليل العمالة الوافدة وإيجاد الاكتفاء الذاتي أو على الأقل تحقيق التوازن بين العمالة الوطنية والعمالة الأجنبية.

3-رفع كفاءة العاملين وفق مستجدات سوق العمل والتقدم التكنولوجي والعلمي المتزايد. الدورات التنشيطية وسيلة من وسائل الارتقاء بمهارات الموظفين.

4-إعادة تأهيل أصحاب التخصصات ممن يعملون في تخصصات جديدة في حال وجود فائض في أعداد المتقدمين لوظائف معينة أو الاستغناء عن بعض التخصصات نظراً للتغيرات الطارئة. الأصل أن يعمل العامل في مجال تخصصه ولكن إذا حالة الظروف المتنوعة دون ذلك فهو بحاجة إلى إعادة تأهيل في برنامج قريب من تخصصه الأصلي مما يستوجب على المؤسسات التعليمية المتنوعة أن تقوم بدورات مكثفة للتعامل مع مثل تلك الحالات.

5-تنمية الوعي الاستهلاكي عند طبقات المجتمع من مواطنين ومقيمين صغاراً أم كباراً على حد سواء. يمكن غرس القيم الاقتصادية الإيجابية من خلال تعليمه الاقتصاد في الطعام وفي استخدام المياه وعدم الإسراف في استخدام الطاقة الكهربائية. فيحافظ الطفل منذ نعومة أظفاره على أن يغلق الأنوار إذا خرج من الغرفة ويدرك أن المياه نعمة لا تدوم مع الإسراف وأن الله سبحانه لا يحب المسرفين ولو كنا نعيش بقرب الأنهار الجارية.

6-تأصيل قيم الإحسان والإتقان في العمل وتعظيم شأن تحمل المسئولية فمن أخذ أجراً مقابل عمل قد غش فيه، أو قصر متعمداً فيه فإنه قد أخذ مالاً حراماً ولن يبارك الله جل ثناؤه في مثل تلك الأموال الغير طيبة. من الأهمية بمكان أن يشعر الإنسان أنه لبنة هامة في جدار المجتمع فإذا فرط بدوره وتكاسل في عمله فإن المجتمع يقل إنتاجه.  يجب أن يعتقد الفرد أن أبواب الحلال أوسع من دهاليز الحرام وأن المال إذا كان من كسب الحلال فإنه يدوم ويتصل وأن مال الحرام -إن عاجلاً أو آجلاً- يمحقه الله فينقطع وينفصل. وهنا تأتي المناهج الدراسية لتقوم بغرس هذه المفاهيم الاقتصادية الأساسية لسلامة الأمن القومي والمواطنة.

7-تشجيع المبادرات الإبداعية لاستثمار خيرات المجتمع بالشكل الأمثل في قطاع الزراعة والصناعة. المجتمع القوي هو الذي يحرص على تشجيع المبادرات الجادة التي من شأنها زيادة الدخل القومي وتطوير عمليات استثمار المواد الخام.

8-فتح أبواب المؤسسات التعليمية لذوي الاحتياجات الخاصة .. وجميع الطاقات في المجتمع لينالوا حقهم من التعليم الأساسي والتعليم العالي وفتح ميادين العمل لهم ليقوموا في المساهمة في إثراء سوق العمل.

9-تشجيع الطلاب والطالبات في التخصصات النظرية والعملية التطبيقية التي يحتاج إليها المجتمع حاضراً ومُستقبلاً ولكي لا تتكدس طوابير من أصحاب التخصصات في ميدان معين بسبب فائض عدد الخريجين عن احتياج سوق العمل وبسب وسوء التخطيط كما آلت إليه الأوضاع اليوم.

10-المؤسسات التعليمية الناجحة هي التي تستقطب خبرات العمالة الوافدة المتميزة وتستفيد منها وتتبناها قبل أن تُهاجر إلى بلاد الغرب. إن فتح المجال لتلك العقول المتميزة فيه تطعيم للكوادر الوطنية وتنويع وتجديد للطاقات البشرية.

11- تفعيل دور المؤسسات التعليمية مثل الجامعات في مؤازرة الاقتصاد في المجتمع يمكن أن يكون من خلال إجراء الدراسات وتقديم المشاريع وأحياناً تطبيق ومتابعة نتائجها فيما يتعلق بتنشيط الاقتصاد. كما أن الكليات والمعاهد والجامعات تستطيع مد جسور التواصل الثقافي في ميدان الاقتصاد مع المؤسسات العالمية وتحقيق الاستفادة الواعية من خبرات الآخرين.

12- من المهام المنوطة بالمؤسسات التعليمية أن ترسخ مفهوم التعليم بلا حدود وتفتح أبوابها وتطور مناهجها لتطبيق هذا المفهوم في نمط التربية والبُنى الأساسية الداعمة له. إن التعليم المستمر هو الاستثمار الحقيقي للثروة البشرية كما أنه يضمن التجديد والقوة ويحفظ المجتمع من التخلف الاقتصادي والركود والجمود. المؤسسات التعليمية تستطيع أن تغرس في المجتمع أهمية التعليم بلا حدود وتوفير فرص التعلم للجميع وترسيخ مفهوم التحرر من قيود الزمان والمكان والسن من خلال التغلب على العوائق التي تحول بين المرء وعملية التثقف.

13- من المعايير الهامة التي يجب أن تغرسها مؤسسات التعليم ضرورة الحفاظ على الملكية العامة والمشاريع التي تقدمها الدولة للمواطنين. إن الأضرار التي تصيب المرافق العامة قد تكلف الدولة الملايين من الأموال وهي دلالة على شيوع قيم سلبية لا تعطي المصلحة العامة أي اعتبار.

14- تشجيع العمل اليدوي والمهن التي تتطلب العمل الميداني من الوظائف الشريفة وما زالت أسماء العائلات تُعرف باسم صنعة الأجداد مثل عائلة النجار والبناي والشاوي والحداد والصياد والصفار.كل عمل شريف يخدم المجتمع يجب أن لا يستنكف المرء منه وعندما يحتقر المجتمع الأعمال اليدوية فإنه يتنكر ليقيمه الأصيلة، وتاريخه العريق، وتعاليم الدين. دور المؤسسات التعليمية أن تعطي صورة حسنة عن أصحاب المهن اليدوية وتغرس القيم الموجبة نحو العمال والصُناع.

15-تبني المشاريع التنموية الاستثمارية إذا توفرت أدلة علمية واضحة تدل على أهمية المشروع للمجتمع مع توفير توعية إعلامية كافية لضمان سلامة المخرجات المتوقعة. المشاريع الكبيرة تحتاج إلى دراسة تمهيدية تتوقع علمياً أن المشروع له عائد جيد أو أنه عَدِيم الجَدْوَى.

16-فتح الميدان للمؤسسات الأهلية والجهود التطوعية لخدمة مؤسسات التعليم وتفعيل وتجويد مخرجاتها.

17- تظل فكرة مد الجسور على مستوى الجامعات والتعاون الإقليمي والعالمي لدعم الاقتصاد واستثمار الموارد من مستلزمات الحركة الثقافية. لا بد من تفعيل فكرة التضامن والتكافل والتعاون الاقتصادي بين الأقطار العربية والإسلامية.

18 – تفعيل دور المرأة شريطة أن لا تتخلى عن دورها الأساسي في تنشئة الأجيال ودون أن تفقد كرامتها من خلال أعمال لا تناسب طبيعتها. المجتمع إذا عطل طاقاته فإنه يدفع الثمن من خلال التفكك الذي يصيب المجتمع فكلما نال أفراد المجتمع من الجنسين حظاً كبيراً من التعليم كلما انعكس ذلك على إنتاجهم في العمل.

 

الحاسب الآلي

إن الاستفادة من المخرجات التعليمية للحاسب الآلي كبيرة جدا إذ أن الحاسب جعل المدرسة بلا أسوار، وبفضله أصبح الفكر يجول دون الوقوف أمام المحطات الحدودية الجغرافية وما عاد تفتيش الناس يجدي أو يحول بين نقل ونشر المعرفة فهو باختصار شديد عالم جديد. كان العلم كالماء عينا معينا واليوم مع الحاسب تضاعف نبعه كما وكيفا. تفيد الدراسات أن الحاسب الآلي يمكن أن يعمل على تحسين أداء التلميذ دراسياً وإعداد الشباب لمواجهة الطلب على الوظائف في أماكن العمل. العمالة القادمة والتنمية الاقتصادية للدول ستعتمد على مهارة الحصول على المعلومات من خلال منافسة عالمية وطريق ذلك هو استخدام الحاسب الآلي (اليونسكو، 1996، ص 21، 26).

لقد بدأ الحاسوب يدخل المحلات التجارية ويسيطر على البنوك وينتشر في الوظائف الحكومية ومعظم الأعمال الحيوية ولا غنى للعملية التعليمية عن الاستفادة منه لعدة أسباب منها:

1-الانتفاع من الكمبيوتر في إعداد البحوث وكوسيلة من وسائل التعليم في المدارس من أجل الحصول على مخرجات تعليمية بأقل التكاليف وأفضل النتائج.

2-إعداد الطالب للعمل بعد تخرجه لأن الكثير من الوظائف تشترط في الموظف مهارة استخدام الكمبيوتر.

3-دخول الحاسب في عالم الحياة اليومية.

4-الحاسب الآلي اليوم ضرورة حضارية ودينية لنشر الإسلام في الآفاق ورد الشبهات وتبصير الآخرين بقضايا الأمة والتواصل مع الناس.

إن الحاسب الآلي عالم واسع لا أحد يعرف حدوده إذ التطور في ميدانه يتفجر بشكل لا يستطيع المتخصص بعلم الحاسوب من الإحاطة به ومتابعة نموه المدهش. إن الحاسب الآلي يستطيع في كثير من الأحيان أن يقتصر الوقت والجهد للباحثين مع قدر أكبر من الدقة.

في ميدان العلوم الشرعية التي لا يعوم في كتبها ومراجعها إلا الغواصون المهرة العارفون بتبويب فصولها أصبح من السهل اليوم أن يحمل الباحث كل كتب الحديث النبوي الشريف بيد واحدة وينقلها معه حيثما شاء ويستخرج الحديث من مظانه ويحصل على بغيته بيسر وسرعة ودقة وكذا كتب الأدب والعلوم الأخرى.

وكأي جهاز فإن للحاسب الآلي إيجابيات وسلبيات فمن الإيجابيات أن الإدارة المدرسية تحتفظ بكشوفات وسجلات الطلبة والمدرسين في حافظات إلكترونية صغيرة يسهل حملها والرجوع إليها كما يستخدم في المراسلات السريعة وإعداد الجداول الدقيقة للحصص ولقوائم أسماء التلاميذ أما على المستوى التعليمي فإن الفائدة العظمى تتمثل في تعليم الطلاب أن يستخدموا أكثر من مهارة في عملية التعلم كالسمع والبصر واليد مما يجعل التعليم ممتعا ومؤثرا في آن واحد.

مع الحاسب الآلي لا يصبح الاعتماد  الكلي على جهد وعلم المعلم إذ أن الحاسب قد يقوم بتغطية حاجة المتعلم وتنمية مهاراته دون الاعتماد الكامل على المعلم في كل أمر. من خلال شبكات الإنترنت يستطيع المتعلم أن يصل إلى مكتبات العالم ويحقق الاستفادة من برامجها وخدماتها ويقرأ الصحف والمجلات بالألوان الجميلة والصور المتنوعة.  أما المعلم فيستطيع أن يستثمر الكمبيوتر في إعداد دروسه وتجهيز وسائله. بيد أن استعمال الحاسب الآلي تعليمياً في دولنا العربية قد يواجه صعاب كثيرة أهمها نقص المختصين والكلفة المالية المتجددة وقلة البرامج العربية مقارنة بما هو موجود على الساحة العالمية وثمة عوائق فنية وإدارية.

الانترنت .. اقتصاد القرن الحادي والعشرين عنوان مقال قيم في مجلة عالم الاقتصاد كتبه ممـدوح التـمار (1998 م) جاء فيه أن "الانترنت هي شبكة تبادل المعلومات العالمية السريعة في جميع المجالات الحـياتية العلمية والطبية والثقافية والاجتماعية والإعلامية بصفة عامة، والمجالات الاقتصادية والصناعية والتجارية والسياحـية بصفة خاصة. وتعتبر شبكة الانترنت أداة لربط العالم ببعضه البعض مما يجعله يصبح وكأنه قرية واحـدة نستطيع من خلالها أن نتعرف على حـضارات وعادات وعلوم هذا العالم. وأما عن فكرة إنشاء الانترنت فهي تعود إلى عام 1969م عندما خشيت وزارة الدفاع الأمريكية أن يؤدي الهجوم بالأسلحـة النووية على الولايات المتحـدة الأمريكية في حـال نشوب حـرب إلى انقطاع قنوات الاتصال بين المراكز الحـربية للمعلومات الخاصة بوزارة الدفاع. ارتبط بهذه الشبكة الجديدة عدد كبير من الجامعات الأمريكية. وببداية التسعينات سمح للقطاعات التجارية الدخول والمشاركة في الانترنت ما جعل الشبكة تنمو وتنتشر وتتعدد استخداماتها " (عالم الاقتصاد السنة السادسة- عدد 79 أغسطس 1998، باختصار).

من سلبيات الحاسب الآلي كأي جهاز قوي التأثير فإنه وبسهولة يمكن استخدامه في اختراق القيم والأخلاق والفضائل والعمل على نشر الفواحش والفساد والرذائل فوسائل الرقابة الأخلاقية محدودة. إذا قضى الطفل مع ألعاب الحاسب الآلي معظم وقته فإنه سوف يُحرم على الأقل من الكثير من الاحتياجات والخبرات النفسية وقد يقود ذلك إلى حب استمراء الانطواء والعزلة وعدم الاحتفاء والاكتراث بالآخرين.

 

اليونيسف والمشاريع التنموية

 تأسست اليونيسف Unicef  عام 1946 م وهي منظمة دولية تابعة لهيئة الأمم المتحدة وتهتم برعاية الأطفال ومتابعة قضاياهم من خلال التعاون مع الحكومات وإقامة المشاريع التنموية وخاصة لأطفال البلدان النامية كما تُسمى. تأسست لخدمة الأطفال المتضررين من الحرب العالمية الثانية ولكنها قامت بتوسيع نطاق عملها لتخدم جميع الأطفال في جميع الأمم.

تشير التقارير العالمية إلى تدني الأحوال المعيشية في دول كثيرة وتطالب بالمزيد "من الإرادة السياسية والأولوية التي تعطيها الدول النامية والمتقدمة على حد سواء لمكافحة الجوع وتخفيف معاناة أكثر من 800 مليون نسمة يعانون من الجوع على مستوى العالم. ويطالب البعض بتحالف دولي لمكافحة الجوع كما تطالب الدول النامية - كما تسمى - بأن تكون في طليعة مكافحي الفقر في أراضيها وألا تكتفي بانتظار المعونات الخارجية. وتقدر الأمم المتحدة أن هناك 2ر1 مليار شخص أغلبهم من سكان الريف يعيشون بأقل من دولار واحد يوميا (CNN, 2002)[6].

 تقوم اليونيسف بتوفير الغذاء والدواء لأطفال في الظروف الطارئة وتعتمد مالياً على إعانات وتبرعات الحكومات إضافة إلى أنشطتها الذاتية. إن الذي يزور رئاسة اليونيسف في نيويورك سيجد عدد كبيرا من العاملين من دول شتى ولغات عديدة كلهم يعملون لخدمة الطفل ذلك الأمل الجديد في عالم متصارع يحدد معاييره ويهيمن عليه القوي سياسياً. حصلت هذه المنظمة على جائزة نوبل للسلام عام 1965م. نشرت اليونيسف ملخصاً لوضع الأطفال في العالم سنة 1995 م ومن الواضح أن التقرير يبين التوجه العالمي لحماية الأطفال من التهميش الاقتصادي ويكشف عن مشكلات التفكك الاجتماعي والنمو العقلي والجسدي والعاطفي. ركز التقرير على الحقائق التالية:

العلاقة بين التهميش الاقتصادي المتزايد والتفكك الاجتماعي هي الباعث لجيل جديد من التهديدات للأمن.

أخذ النضال ضد الفقر يتحول إلى سباق مع الزمن يحمل بين طياته بذور الخير للجميع.

أن العالم لن يحل مشكلاته الرئيسية حتى يتعلم كيف يتعامل بكفاءة أكبر مع مهمة حماية النمو العقلي والجسدي والعاطفي للأطفال.

حماية الطفل من داء البلاهة بسبب نقص اليود.

"أدى نقص اليود إلى إصابة 26 مليون شخص في مختلف أنحاء العالم بتلف في الدماغ كما أدى إلى إصابة ستة ملايين طفل بالبلاهة.  وتعتبر الاضطرابات الناجمة عن نقص اليود السبب الأكبر للتخلف العقلي.  ولو أخذنا بعين الاعتبار الحالات الأقل حدة لوجدنا أن أكثر من 600 مليون شخص مصابون بإعاقات عقلية أو جسدية تتراوح من حيث حدتها.  ويمكن حل هذه المشكلة في إضافة اليود إلى ملح الطعام. 

تقوم غالبية البلدان الأربعة والتسعين التي تعاني من اضطرابات نقص اليود بتنفيذ خطط عمل وطنية لإضافة اليود إلى الملح ويقترب 58 بلداً من تحقيق الهدف كما أن 23 بلداً آخر سيمكنها بلوغ الهدف إذا ما كثفت جهودها .وتعتقد اليونيسف ومنظمة الصحة العالمية أن هدف معالجة جميع أملاح الطعام باليود سيتحقق في كل مكان بعد ثلاثة أو أربعة سنوات من الآن" (ص 6).

وفي نفس  التقرير ورد الآتي :" ارتفعت نسبة الأطفال الذين يكملون أربع سنوات من التعليم الأساسي بنسبة 50 % أو أكثر في جميع البلدان النامية. ويعود الفضل في ذلك  للجهود المكثفة التي بذلت في الستينات والسبعينات. أما في الثمانينات فقد اضطرت حكومات كثيرة إلى تجميد أو تخفيف النفقات التعليمية تحت وطأت الديون المتزايدة وبرامج التكيف الهيكلية الناجمة عن تزايد أعباء الديون. وقد عانى التعليم الابتدائي نتيجة لهذه السياسات بشكل متفاوت حيث انخفضت نسب الالتحاقات انخفاضاً كبيراً في بلدان أفريقيا الواقعة جنوب الصحراء الكبرى" (ص10).

 



1(مجلة المجتمع الكويتية -1998 م عدد 1303).

1 تأسست اليونسكو (UNESCO) في عام 1945 م كجهة ثقافية متخصصة منبثقة من هيئة الأمم المتحدة ومقرها باريس. يونسكو تعني منظمة التربية والعلم والثقافة Educational, Scientific and Cultural Organization .

2 جريدة القبس : الأربعاء الصفحة الأولى 3-7- 2002 م.

http://www.alwatan.com.kw/first.asp?id=83129

1 رواه أحمد عن ابن مسعود ورمز السيوطي لحسنه قال المناوي: فيه إبراهيم بن مسلم الهجري ضعيف وتبعه الهيثمي فجزم بضعفه. ضعف الألباني الحديث في ضعيف الجامع 5101.

 

1 (رواه البيهقي في شعب الإيمان. ضعف السيوطي هذا الحديث في الجامع الصغير، حديث 1861 وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير ج1، ص383).

[6] http://arabic.cnn.com/2002/business/4/18/OEGBS-FAO-HUNGER-NH6.reut/index.html