الأصول الإدارية

الأصول الإدارية

د. لطيفة حسين الكندري     د. بدر محمد ملك

سمات الإدارة الناجحة 2

أسس القيادة 3

نظرية إكس (X) وواي (Y) في الإدارة 7

نظرية القائد الخادم 9

آداب القائد التربوي. 11

الإدارة والتجديد 13

قاعدة "طموح" لوضع وتنفيذ الأهداف.. 16

 

عندما يختار الإنسان مهنة التدريس فإنه يكون بذلك قد وافق على أن يدير شئون الفصل ويتعاون في إدارة المدرسة ويشارك في سياساتها الداخلية والخارجية عندما تتاح له الفرصة. يقول فورست Forst أن الإدارة Administration فن توجيه النشاط الإنساني فالإدارة المدرسية مثلاً وسيلة تنفيذ وتسيير اللوائح أو الإستراتيجيات التربوية العليا والتي تترجم النظريات والخطط من خلال تحويل ما هو متوقع إلى ميدان الواقع. القيادة من أهم المهارات في الإدارة الفاعلة لأنها تحث الآخرين نحو الهدف وتوفر لهم دوافع الرغبة وعوامل الإقناع العقلي المطلوبة. "نُعرف الإدارة التربوية بأنها علم وفن تسيير العناصر البشرية في إطار المؤسسات التعليمية ذات الأنظمة واللوائح التي تهدف إلى تحقيق أهداف معينة بوجود تسهيلات وإمكانيات مادية في زمان ومكان محددين. كما تفهم الإدارة التربوية على أنها عملية توجيه وسيطرة على مجريات الأمور في مجالات التربية والتعليم" (بستان، وطه، 1983 م، ص 39). يؤكد مورجان (Morgan, 1986) على أن التنظيمات الإدارية تتكون من أنماط معقدة جداً وأن التحدي يتمثل في قدرتنا على تفهم درجة التعقيد وكيفية التعامل مع مشاكلها (ص 17). فلسفة علم الإدارة تتركز حول فكرة حسن إنجاز وتنظيم الأعمال في ضوء الوقت المتاح من أجل تطبيق الأهداف وذلك من خلال مشاركة العاملين في ميدان العمل بصورة واعية.

الإدارة في المؤسسات الرسمية مبنية على القوانين الإدارية Administrative Law  ودور القوانين الإدارية هو تنظيم العلاقات وتحديد المسئوليات لأداء مهمة المؤسسة بشكل منظم. بعض النظم الإدارية والتي قد تكون منتشرة في وطننا العربي بشكل كبير تعتمد على وسيلة الإدارة المدرسية البيوقراطية القائمة على المركزية والروتين وتطبيق القوانين حرفياً في حين أن الإدارة المتزنة يجب أن تقوم على الإدارة الجماعية وعلى توزيع المهام بغرض التعاون أما النمط الدكتاتوري في الإدارة فهو ينطلق من قوة مطلقة لشخص أو فئة دون اشتراك الآخرين.

سمات الإدارة الناجحة

1-الرؤية الواضحة من خلال صياغة أهداف عامة محددة وترتيب آلياتها المطلوبة وتخطيط ومتابعة الأنشطة المرحلية. اللوائح هي البوصلة المعينة للمؤسسة في شق طريقها في عالم الإنتاجية واللوائح بحد ذاتها وسيلة وليست غاية.

 2-المرونة في التعامل مع المستجدات الخارجية ومعرفة الثوابت والمتغيرات في سياسة المؤسسة. الاستفادة من الأفكار الجديدة والتفاعل الإيجابي مع المتغيرات والمستجدات.

 3-توثيق العلاقات القائمة على الاحترام والتقدير بين القادة أصحاب القرار والقاعدة من العمال والموظفين.

4-التقييم المستمر والتطوير الدائم وعدم الإسراف في الإشراف أو المتابعة.

5-تنويع الحوافز ورفع الدافعية للعمل والإنتاج والإبداع عند أفراد المؤسسة.

 6-الاعتناء  بتجارب المؤسسات الأُخرى.

 7-التعامل مع المشكلات بجدية وعلمية وعدم تجاهلها داخل المؤسسة.

 8-التنسيق والتلاحم بين جميع قطاعات المؤسسة رسمياً وودياً.

 9-التنمية الدائمة لأفراد المؤسسة لتطوير مهاراتهم من خلال الدورات لضمان التحسن المستمر من جهة وتبصير العاملين بالقوانين والحقوق والأهداف من جهة أخرى. ويجب أن تكون هذه الدورات غير مملة أو مجهدة للعاملين وكلما توفرت رغبة العامل في الاشتراك في هذه الدورات مع توفير حق اختيار الدورة أو مواعيدها كلما كان الإقبال عليها أنفع.

10-توفير الاحتياجات المادية لدعم أداء المؤسسة ومراجعة الميزانية والشئون المالية.

 12-توطيد الروابط والعلاقات مع المؤسسات الأخرى فالإدارة المدرسية الناجحة لها جسور من التواصل والتعاون مع الأسرة ومؤسسات المجتمع.

 11-الحزم في تطبيق القرارات يجب أن لا يكون على حساب النواحي الإنسانية فالموازنة والمرونة والحكمة أقصر الطرق لتطبيق روح القوانين ففرض القوانين لا يعني رفض القيم. 

12-عدم إغفال رأي العاملين الموافقين والمخالفين لسياسة الإدارة- في تقييم وتطوير البرامج واللوائح في المؤسسة وخير فلسفة هي الفلسفة التي تؤمن بأن تطوير المؤسسة يبدأ من الداخل فالعامل داخل المؤسسة قد يكون أفضل خبير لتطويرها.

13-تشجيع التجارب الإبداعية الفردية الناجحة والإعلان عنها والاستفادة منها على مستويات أوسع.

 

أسس القيادة

تحتم الأنظمة المدرسية على المعلمين والمعلمات فهم فن الإدارة لأن التعليم بحاجة إلى إداريين لهم قدرة عالية على فهم احتياجات الميدان التربوي. إن المدرسة يجب أن تنطلق من سياسات مدروسة لا مجرد ردود أفعال متسرعة غير موزونة. هذه السياسات المدروسة تعصم المؤسسة من التناقض وتوحد جهد العاملين. يؤمن بعض الفلاسفة بأن القائد يولد ولا يصنع فالقيادة تأتي بالوراثة ولكن الصواب أن صناعة أو إعداد وتربية المعلم ليكون قائداً هو في حقيقة الأمر نتاج يجمع أمرين: تنمية القدرات الفطرية الكامنة وحسن استثمار الإمكانيات المتاحة فلا ريب في أن الظروف الخارجية من العوامل التي تلعب دوراً كبيراً في عملية صقل شخصية القائد. فكرة بعض الفلاسفة في أن الإنسان إما أن يولد ليكون قائداً وإما أن يولد محروماً من هذه الموهبة ما زالت عند بعض الجهات التربوية حيث تؤمن بهذه الفكرة على الأقل نظرياً ولكن المدارس يجب أن تدار من قبل قياديين يؤمنون بأهمية البيئة في تنمية الميول القيادية (McNergney & Herbert, 2001, p. 208).

يري الكثير من التربويين المتخصصين في الإدارة أن الرجل يختلف عن المرأة في بعض سمات القيادة في المؤسسات التعليمية. بعض الدراسات في هذا الصدد تشير إلى أن الرجل يحاول حل المشكلات وتجنبها قدر المستطاع وأنه أكثر شدة وحزماً والتزاماً بالروتين في حين أن المرأة تعمل في جو جماعي تعاوني يسعى إلى الحصول على المكاسب والثناء. القائدة تهتم بمشاعر الموظفين ولا تحل المشاكل بلهجة أو فكر غاضب فهي هادئة تتصرف تصرفات تخدم الجميع ولا تتفرد في القرار. وهناك بعض الدراسات لا تشير إلى فروق جوهرية بين الرجل والمرأة في القيادة فهي سمات عامة للنجاح لا صلة لها بهذا التصنيف البيولوجي. ومهما تكن نتائج الدراسات ومدى الخلاف في الأنماط الإدارية فإن الذي لا شك فيه أن النساء لهن مساهمات قيادية متميزة لا يستغني عنها العاملون في قطاع التعليم (Razik & Swanson, 2001, p. 80-81) وغيره. إن فتح آفاق المشاركة الإدارية للمرأة وتمكينها بأن تتقلد المناصب الهامة من سمات الحركة التربوية المعاصرة التي تطالب بالعدالة وبالمزيد من الحقوق وترفض تهميش دور المرأة واستبعادها من موقع القيادة الفاعلة في مؤسسات الدولة.

يفترض في القائد أن يكون بصيراً بالقوانين العامة للمؤسسة التي يعمل بها ولا يطبقها بمعزل من مراعاة العوامل الأخرى ويعمل بروح القوانين لا نصها كما ينبغي أن يكون صبوراً في تحقيق الأهداف ومتابعة الأمور.  سمات القائد الأخلاقية كثيرة منها: لاستقامة -الثقة بالنفس-تكوين علاقات جديدة-الولاء لرسالة المؤسسة-الشجاعة-تصور واضح للهدف-الاعتناء بالمظهر الخارجي-العمل الجماعي-التركيز على النتائج.

ينادي بعض المفكرين بتنمية المهارات القيادية الذاتية عند الأفراد إذ يدعو ستيفن كوفي Stephen Covey  إلى غرس سبع عادات هامة في القائد. ويقصد بالعادة ارتباط المعرفة بالمهارة والرغبة. المعرفة عنده هي الإطار النظري والمهارة تمثل الجانب العملي والرغبة يريد بها الناحية النفسية. يمكن تلخيص نظرية ستيفن كوفي بالنقاط التالية:

1-كن سباقاً أي المبادرة في اقتناص الفرص وهذا الأساس من أهم سمات الإداري الناجح. يحث ستيفن الإنسان بأن يكون إيجابياً لا يستخدم كلمات تبدأ بـ لو ..وإذا ..ولا يلقي اللوم في جميع شئونه على الآخرين لأنها لغة المتقاعسين المهزومين نفسياً أما لغة السبّاقين فهي تبدأ بـ "سوف أعمل كذا..أستطيع..سأقوم بالدور المطلوب مني"..

2- ابدأ والنهاية في ذهنك لأن الأهداف إذا كانت واضحة أصبحت المهمة محددة.

3-ضع الأمور التي لها الأولوية أولاً وذلك لتوفير الجهود.

4-الاهتمام بالنصر العام أي أن الفرد  يحرص على تحقيق مصلحته الشخصية وفي نفس الوقت يحقق الآخرون مصالحهم.

5-حاول أن تفهم الآخرين ثم أن يفهمك الآخرون.

6- التلاحم من خلال العمل والتفاعل مع الآخرين.

7- شحذ المنشار: أي تنمية القدرات الفردية الكامنة (البدنية-العقلية-الاجتماعية -الروحية).

معظم الذي ذكره كوفي من نقاط لها جذورها في الثقافات الأخرى ولكن كوفي نجح في جمع وتنظيم تلك الأطروحات ونجح في عرضها بأسلوب مُبتكر ومن خلال دورات عملية تخصصية، مُؤسسية، مُكثفة. تُعتبر قواعد ستيفن من أشهر النظريات الإدارية في العالم ولقد تأثر بعض الباحثين التربويين بكتابات كوفي مثل د. ماجد عرسان الكيلاني (1997 م) في كتابه التربية والتجديد. ولقد اعتبرت بعض الأوساط الإعلامية كوفي بأنه ضمن أبرز 25 شخصية مؤثرة في أمريكا اليوم ولقد طبعت ملايين النسخ من كتبه في 32 لغة وفي أكثر من 72 دولة ومازالت دوراته العالمية رغم بساطتها-  تستقطب الناجحين ورجال الأعمال كما بدأ الميدان التربوي أيضا يستفيد من تلك الأسس الإدارية. كتاب العادات السبع (The 7 Habits of Highly Effective People) لستيفن كوفي يعتبره البعض أفضل كتاب أُلف في مجال سياسة النفس ومحيط الأسرة وميدان الوظيفة لأنها تحفز الأفراد والعائلات والمؤسسات لتحمل المسؤولية في العمل والتطوير الدائم وهي أسس لا يختلف عليها عالمياً لأنها نابعة من احتياجاتنا ومتماشية مع رغباتنا.

إن الإدارة الحديثة بدأت تعطي المزيد من الاهتمام للعلاقات الإنسانية في الإدارة الجيدة فلا بد من زرع الثقة والتعاون وتحمل المسئولية عند الجميع لتيسير المدرسة بالشكل الصحيح مع التركيز على منهج العمل من خلال الفِرق والمجموعات بدل الاعتماد على الفرد وأهمية تنمية وتجديد مهارات الأفراد من خلال الدورات الهادفة. ترفض الإدارة الحديثة أسلوب التسلط والهيمنة وتقديس القوانين وفي المقابل تؤكد على المشاورة في صنع القرارات والمشاركة في إدارة المؤسسات.

يفيض التاريخ الإسلامي بالقياديين ممن نحتاج أن ندرس تراثهم ونستخرج من سيرهم أسس الإدارة السليمة ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم من أعظم الشخصيات البشرية قاطبة في فن الإدارة وسائر الفنون والأمور.

 

نظرية إكس (X) وواي (Y) في الإدارة

يرى التربويون أن أنماط الإدارة كثيرة فمنها الإدارة التي تعمل وتدير الأمور بأسلوب أسري مبني على العلاقات الشخصية وهناك من يفضل العمل بالأسلوب العضوي وكأن المؤسسة جسد واحد وكل قسم فيه بمثابة العضو الذي يتحرك وفق حاجات الجسم ووفق تخصصه وهناك المؤسسة التي يغلب عليها النمط الآلي الذي لا يكترث كثيراً بتغير الظروف الخارجية ويستمر العمل فيه دائماً على وتيرة واحدة والعزل يكون مصير أي جزء لا يلتزم حرفياً بنمط العمل.

رغم اختلاف الأنماط الإدارية في تصريف الشئون في أي جماعة أو مؤسسة فإن المتخصصين في الأصول الإدارية يفضلون الحديث عن نمطين هما في العادة من أكثر الأنماط التي تمارس في المؤسسات التعليمية وغيرها وهما نظرية إكس وواي وهي نظرية تشير إلى نمطيين إداريين متناقضين. ظهرت هذه النظرية في منتصف القرن الماضي علي يد دوغلاس ماك جرغر. كيف نعمل مع الآخرين؟ وما موقفنا إزاء قدراتهم؟ وما سبل تنشيط الدافعية للعمل عندهم؟ هذه الأسئلة من أهم المسائل النفسية التي تحدد منهج القائد في مؤسسته.

في نظرية إكس التقليدية القائد لا يسأل نفسه عن أسباب تقصير الموظفين في عملهم ويبادر فقط في تطبيق القوانين العقابية. العامل في نظر القائد عنصر خامل لا يعمل إلا بالضغط عليه فهو بحاجة لمسؤول يتابعه ويوجهه ويحاسبه ويعاقبه لأن العامل بطبيعته لا يحب العمل ودافع الإنجاز عنده ضعيف ولا يحب تحمل المسئولية، ويفضل السلامة فوق كل شيء. هذا المنهج في السيطرة على العاملين يحقق الإنتاجية المطلوبة للمؤسسة ويستطيع القائد أن يحقق الأهداف. القائد قد يقدم بعض الأسباب والتفصيلات في سير العمل ليحث الموظفين على العمل وليقنعهم بأهميته. المراقبة الدائمة هي سمة القائد في التعامل مع الموظفين والقائد وحده هو الذي يصدر القرار دون مراعاة لرأي الموظفين، وتصرفاته توحي أنه ملم بكل المواضيع. في هذا النمط تضيق دوائر الشورى والمشاركة وتتسع دائرة القرارات الفردية فالعمل كله يتمركز حول شخص هو القائد أو المدير.

نظرية واي تمثل الجانب الإنساني الإيجابي الديمقراطي في التعامل مع الموظفين كأهم مورد من موارد المؤسسة. فرضيات هذه النظرية تختلف تماماً مع النمط السابق فالعامل من منظور هذه النظرية إنسان إيجابي بطبيعته يحب الإنتاج والعمل والإنجاز كما يحب المرح والراحة. وعليه فإن فلسفة المؤسسة لا تعتمد على أسلوب العقاب والتخويف من أجل حث العامل على تحقيق أهداف المؤسسة. الثواب هو الذي يشجع العامل على الجودة في العمل وإتقان المهارات المطلوبة. العامل هنا يتحمل المسئولية والميدان مفتوح لقبول إبداعاته في تحقيق أهداف المؤسسة، وخدمة العاملين فيها، وحل المشاكل التي تعترض المسار المهني. الموظفون يكون لهم دور بارز في اجتماعات المؤسسة ولهم ثقل في إصدار القرار ويمكن أخذ أفكارهم الجيدة ويمكن العمل بها. العلاقة بين الموظفين وبين القادة داخل المؤسسة مبنية على الاحترام المتبادل.

الفرق بين نظرية إكس وبين نظرية واي أن نظرية واي توازن بين متطلبات المؤسسة وأهدافها وبين حاجات العاملين في المؤسسة وهو الأمر الذي لا يهم نظرية إكس إذ أن مصلحة العمل فقط فوق كل مصلحة وهي المقصد الأول والأخير في العمل. وعليه فإن نظرية واي تناسب طبيعة الناس أكثر من النمط الآخر (Razik & Swanson, 2001, p. 163) فهي على أقل تقدير تتيح المجال للاستماع لجميع الموظفين وتعطي فرصة أكبر للتعبير والتغيير.

نظرية واي أقرب للصواب لأنها تراعي خصوصيات ومشاعر الموظفين وتنظر إليهم نظرة فريق متعاون.  نظرية إكس أقرب إلى المسلك البوليسي الذي يتصيد الأخطاء. ولقد حذر الإسلام من الأخلاق الذميمة وعلى رأسها التجسس فقال للمسلمين عامة وللقائد خاصة "إِنّكَ إِنِ اتّبَعْتَ عَوْرَاتِ النّاسِ أَفْسَدتَهُمْ أو كِدتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ"[1]. هذا لا يعني أن العمل الإداري لا يتطلب المتابعة والرقابة ولكن المبالغة في استخدام السلطة تجعل الوصاية أساس الرقابة وتحرص العين الناقدة على أن تفتش عن الأخطاء وهو الأمر الذي يفسد العمل ولا يصلحه كما يتوهم بعض المدراء والموجهين والنظار في المدارس. النظرية القادمة ستحدثنا عن نمط متميز في الإدارة حيث يقوم القائد بالبحث عن الجوانب التي يمكنه فيها أن يمد يد المساعدة لإنجاز الإعمال.

 

نظرية القائد الخادم

كتب غرين ليف Greenleaf (1904 – 1990 م) عن فلسفة القائد الخادم (Servant-Leadership) في مقال نشره عام 1970 م. ولقد واصل التأليف والتدريب والتطوير في هذا المجال إلى آخر عمره. حظيت فلسفته باهتمام كبير بين المدراء والخبراء وقادة المؤسسات. القائد كخادم نظرية ذات مضامين عملية تدعم كل من يريد أن يخدم الناس ليقودهم كجماعات ومؤسسات. تقوم هذه النظرية على أساس عاطفي ينص على أن الشعور بخدمة الآخرين غريزة إنسانية ينبغي استغلالها بحكمة في محيط القيادة.

تشجع نظرية غرين المبادئ الأخلاقية وعلى رأسها:

التعاون.

الثقة.

الحكمة والنظر في العواقب.

الاستماع.

الاستخدام الأخلاقي للقوة.

تفعيل دور الآخرين.

يقول غرين ليف عن فلسفته التي سار عليها في صياغة نظريته: (Greenleaf, 1996, p. 105) حينما أضع النظريات فإنني مثالي النزعة وعندما أطبق في الميدان فأنا أميل نحو الجانب العملي.

 “As a theorist, I am an idealist.  As a practitioner, I am a pragmatist.”

 أي أن الإنسان القائد يوازن بين التطلعات المثالية والمتطلبات الواقعية. يعتقد الباحثون في حقل الإدارة التربوية أن نظرية غرين ليف تحتوي على مبادئ هامة لصناع القرار في محيط المدرسة لأنها تكوِّن القائد المحبوب الذي يخدم لفترات طويلة. إن صفة الاستماع التي وردت في نظرية القائد كخادم ستقود إلى تكوين رؤية وتحديد هدف (Baushch, 2001, p. 2).

إذا كان الفيلسوف الإيطالي نيقولو ميكافيلي (1469 – 1527 م) قد نصح القادة باستخدام القوة والدهاء لتسيير الأمور Machiavelli, 1998)) فإن غرين ليف يخالفه تماما إذ يؤمن بأسلوب المساعدة وتقديم يد العون لإنجاز الأعمال وتحقيق الآمال. المساعدة لا تعني التساهل بل ستقود حتماً إلى الدقة والسرعة في أداء العمل وتساهم في سرعة تحقيق الهدف لأنها تعزز روح المشاركة. أجاد غرين ليف في استخدام القصص لتوضيح فلسفة القائد كخادم فكتب كتاباً عن المعلم كقائد (Teacher as servant). ولقد ظهرت نظريات معاصرة في علم الإدارة تهتم بالقيادة من خلال أسلوب القصة. والحق أن القصة سفينة رائعة لحمل المعاني النبيلة وغرسها في النفوس ولقد نجح عبدالتواب يوسف (1990 م) في بيان مشاعر المعلم النبيل والإداري الحكيم في المدارس العربية فبطل القصة مارس نموذج المعلم كخادم بين الطلاب ومع الإدارة وفي المجتمع.

في ظل نظرية القائد كخادم تتغير حقيقة الكثير من الممارسات بل اللهجة الدارجة في العمل تصبح مختلفة فعندما يسأل القائد الموظف فإن السؤال يهدف إلى المساعدة لا المراقبة فالقائد الخادم لا يتتبع الأخطاء ولا يتصيد أوجه التقصير ليكتب التقارير ويستخدم صلاحيات العقاب ولكنه يسأل ليطمئن على سير العمل وليقدم الدعم المطلوب ليتحقق المقصود.

أسس غرين ليف مؤسسة خاصة لنشر أفكاره ومازالت مؤسستهThe Robert K. Greenleaf Center for Servant-Leadership تنشر آثاره وتنعم بثماره فإلى جانب التعريف بفلسفة القائد الخادم ومصادرها فإنها تنشر كتب غرين ليف وتشرف على مراكز مشابهة لها في أماكن متعددة كما تعقد مؤتمراً سنوياً تُعرض فيه تحليلات ومناقشات إدارية تعزز النظرية.

يمكن تطبيق فكرة القائد الخادم مع الأصحاب أيضا وفي الأثر "سيد القوم خادمهم". كما يمكن تطبيق هذه الفكرة في محيط الأسرة ومن الوصايا العربية الخالدة وصية أم لابنتها تقول فيها:" فكوني له أرضاً يكن لك سماءً، وكوني له مهاداً يكن لك عماداً، وكوني له أمَة يكن لك عَبداً". وهذا من شأنه تفعيل دور المرأة لتكون قائدة "وراعية" في أسرتها ومجتمعها.

 

آداب القائد التربوي

       القيادة فن توجيه النشاط الإنساني نحو تحقيق أهداف معلومة. الباحثون في الإدارة التربوية يؤكدون على أن القيادة الديمقراطية هي "كل نشاط هادف يدرك فيه القائد أنه عضو في جماعة يرعى مصالحها, ويهتم بأمورها ويقدر أفرادها, ويسعى لتحقيق مصالحها عن طريق التفكير والتعاون المشترك في رسم الخطط وتوزيع المسئوليات حسب الكفايات والاستعدادات المادية المتاحة" (رفاعي, أحمد, الرويشد 2000 م, 158). رغم غياب تعريف واحد جامع لمفهوم القيادة إلا أن المتخصصين في دراسة طبيعة القائد The nature of leadership يؤكدون على وجود مجموعة صفات يحتاج المربي إلى أن يتحلى بها قدر الإمكان (Gardner, 2000, p7) كي يكون عنصراً ناجحاً. ومن الآداب الهامة للمربي:

القدرة على الإدارة المؤثرة بطرق ايجابية تحقق الهدف (Berube, 2000, p5).

محبة العلم (Razik, 2000) فإن المعرفة الصحيحة من المفترض أن تقود لتطبيقات سليمة وتظل الصعوبة كامنة في التطبيق (Law & Glover, 2000; Sergiovanni, 2000; Banks, 2000).

دور القائد في هذا المقام هو تجسير الفجوة بين النظرية والتطبيق.

امتلاك سياسة تعليمية واضحة.

استغلال الأحداث الجارية لتحقيق المقاصد.

معرفة طبائع وإمكانيات العاملين (Beek & Badawi, 1999).

أهم صفات القائد من الناحية العملية: يعطي توجيهات واضحة، ويوفر الدافعية للعمل، ويوقر أهل الاختصاص وأصحاب الخبرات، ويكون قدوة حسنة، ويشكل فرق عمل إذا تطلب الأمر، ويحصل القبول والتأييد من العاملين (Law & Glover, 2000, p. 20).

قامت د. لطيفة الكندري بدراسة مقارنة لصفات القائد في التراث الإسلامي وفي التراث الغربي ووجدت الكثير من أوجه نقاط الاتفاق التي يمكن الاستفادة منها في التربية الحديثة, كما بينت دراستها أن مفهوم "الأمانة" من أعظم صفات القائد ومن مضامين ومتطلبات الأمانة تطبيق مكارم الشريعة في الأرض. أشارت الباحثة إلى مستلزمات الأمانة فذكرت النقاط التالية:

العلم.

التقوى.

العدل.

الشجاعة.

الشورى.

القدرة على توصيل الأفكار.

التضحية.

الصبر (Alkanderi, 2001).

التعليم المستمر.

الإقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.

وختمت د. لطيفة بحثها بالتأكيد على مفهوم القيادة الحقة وهي القيادة التي يقوم بها المعلم وتقوم بها المعلمة عندما يتركان بصمة صالحة تبقى في طلابهم وتخلد ذكراهم.

 

الإدارة والتجديد

       من الظواهر الهامة في محيط الإدارة ظاهرة التغيير والتطوير والتعامل مع الظروف المستجدة. وهنا سنستعرض عدة مسائل مرتبطة بأسباب التخوف من التغيير وكيفية تكوين عقلية مرنة تعرف التعامل مع المستجدات دون الإضرار باستقرار واستمرار العمل الوظيفي.

من الزاوية النفسية فإن الإنسان يهاب التغيير عموماً لعدة أسباب تتحول إلى استراتيجيات نفسية وعقلية تمنع الفرد من مواجهة التحديات بمرونة منها الخوف من اهتزاز الثقة بالنفس بعد خوض تجارب جديدة غير ناجحة، وعدم الرغبة في التوجه نحو المجهول وكسر المألوف، والخوف من البيئة الاجتماعية المحيطة والتي قد تعترض الجديد وترفض التغيير، وألفة الركون إلى الواقع وسيطرة فكرة قبول الأمر كما هو فالتجديد يخل بتوازن الأمور. يرى الباحثون أن الخوف من المستقبل المجهول هو أكبر سبب نفسي في رفض عمليات التغيير والتجديد والتطوير. ذكر الباحثون في هذا الميدان حديثاً (Razik & Swanson, 2001, p. 318 ) ما سبق واستعرضوا مجموعة عوامل كشفت عنها الدراسات وسنحاول ذكر بعضها.

هناك جملة من الأسباب تساعد على رفض محاولات التغيير داخل أي مؤسسة منها:

1-الخوف من المفاجآت والمستقبل المجهول بعد خوض التجارب الجديدة لتغيير أمر ما في المؤسسة.

2-الجديد يجلب معه إشاعات وتحليلات يتناقلها الموظفون مما يسبب الإرباك في العمل.

3-الخوف من الفشل في تبني التغيير أو التجديد يحول بين المؤسسة وبين السماح بالتغيير.

4-يخشى الموظفون من أن يفقدوا أعمالهم أو بعض الامتيازات التي يتمتعون بها بمجرد نجاح التغيير المطلوب. تجاهل التغيير خير لهم من تبني مسألة تهدد أمنهم الوظيفي.

5-تماسك المجتمع المؤسسي بجميع شرائحه قد يحتم رفض التغيرات التي قد تمس طائفة دون أخرى.

6-الجديد يتطلب اكتساب مهارات جديدة ومن ثم مهام إضافية.

7-مواجهة ردود فعل الرافضين للتغير يعني خلق مشكلات لم تكن من قبل.

8-عدم توفر الخطط المستقبلية الواضحة لتبنى التغيير في المؤسسة يجعل الفكرة الجيدة عُرضة للفشل لعدم وجود مناخ يستوعب التغيرات.

9- يصعب كسر جمود الروتين الذي يعتاد عليه الموظف.

10-قلة الدوافع المشجعة على تبني الجديد.

الإدارة الناجحة هي التي تجعل في حسبانها مثل هذه العوامل الهامة عندما تضطر أو تختار مواجهة التغيرات في المؤسسة وكلما تم فتح باب المشاركة لجميع الموظفين في صنع مثل تلك التغيرات كلما كانت المؤسسة أقدر على معالجة الجديد والتكيف معه وتقليل الخسائر التي قد تنجم منها.

 

تحديات تواجه عملية صياغة الأهداف

تصاغ الأهداف العامة بصورة واضحة تفصيلية مرحلية يمكن قياسها ومتابعتها والتحكم بها قدر المستطاع. من الأهداف العامة مثلاً تنمية مهارات الطالب في كلية التربية الأساسية ومواجهة التحديات العصرية والهدف التفصيلي يمكن أن يتكون من عدة أشياء منها معرفة استخدام التكنولوجيا الحديثة وهذا يتطلب وضع وسائل، وتحديد مراحل لتحقيق الهدف الرئيسي مثل تدريس مادة الحاسب الآلي فمن خلال هذا المقرر وغيره يتم تحقيق جانب من جوانب الهدف العام.

وعلى ضوء الأهداف العامة والتفصيلية يتم وضع المنهج الدراسي وإعداد المعلم ورسم السياسة الإدارية والمالية وهنا تكمن أهمية صياغة أهداف التربية كوثيقة قيمة لأنها مثل النظرية التي تقوم المؤسسات التربوية بتنفيذها بغرض تحقيقها عملياً. صياغة الأهداف بمثابة الرأس أو البوصلة الصادقة لأي عمل منظم.

 الأهداف التربوية هي رؤية عامة غالبا تكتب وتنشر وإذا لم تعمل الوسائط التربوية على تطبيقها على أرض الواقع فلا قيمة لها. لا بد من مراجعة الأهداف التربوية من حين لآخر وتحديثها وفق التغيرات المستجدة ووفق نتائج التقويم الميداني لمراحل العمل وإلا أصبحت الأهداف جامدة لا تدفع بالمسيرة التعليمية نحو الأمام بل على العكس قد تجر العمل إلى الخلف.

من الملاحظ أن العملية التربوية تحتاج بشكل جاد إلى أهداف عامة وأخرى مرحلية وكلما تم تحديد الأهداف بوضوح وكانت نابعة من خطط منهجية مرحلية تناسب المجتمع وخصوصياته الثقافية وإمكاناته الاقتصادية كلما كانت المسيرة أسهل لبلوغ الغايات. خبراء التربية عادة من الأكاديميين لا يستطيعون وضع الأهداف من غير دعوة أهل الخبرة والدراية في الميدان ليقوموا بمشاركتهم في عملية بلورة وصياغة الأهداف وكلما زادت المشاركة من الشرائح المتنوعة في المجتمع في عملية وضع الأهداف كلما نجحنا في وضع أهداف نابعة من المجتمع الذي سيبذل جهده في تحقيق الأهداف. يتفاعل الناس مع ما يشاركون في وضعه واختياره أكثر مما يفُرض عليهم ولا يتم التشاور به معهم. وهذا يستلزم نشر الوعي وتطبيق معاني الشورى والمشاركة في صناعة القرارات.

الرؤية التي وضعت قبل عشرين سنة للمؤسسات التعليمية قد لا تكون ملائمة اليوم لذلك فإن خبراء التربية اليوم ينادون بمراجعة جدوى الأهداف العامة في التربية نظراً لتقدم العلوم وطبقاً لحاجات المجتمع (Gardner, 2000, p. 113).

 

قاعدة "طموح" لوضع وتنفيذ الأهداف

تحديد الأهداف وبذل الأسباب طريق النجاح أو كما يقول توماس أديسون المخترع المشهور "لم يحدث وأن فعلت شيئاً ذا قيمة بالمصادفة". إن الذي يمشي مكبا على وجهه ولا يفكر إلا باحتياجاته المادية الآنية ولا يمتلك رؤى زمنية واضحة يستشرف بها المستقبل لا يهتدي إلى غايته. تحديد الأهداف وصياغتها بصورة عامة خطوة تسبق التطبيقات العملية في أي ميدان إذ أن الأهداف هي التطلع المستقبلي للحركة ومن خلالها يمكن قياس وتقويم أي نشاط منهجي. الهدف هو الغرض الواضح المُراد الوصول إليه بسلوك مقصود على المُستوى الفردي أو الجمعي. قد يكون الوصول إلى الهدف بشكل مباشر وفوري وقد يكون بشكل مرحلي غير مباشر. والأهداف أيضا قد تكون قصيرة المدى أو متوسطة المدى أو بعيدة المدى.

تنبع أهمية تحديد الأهداف وصياغتها وكتابتها وتجديدها بعد مراجعتها من جملة اعتبارات منها أن صياغة الأهداف فيها تحديد لمسار الحركة وتوجيه للجهود كما أنها تعمل على إيجاد الدافعية للإنجاز وفي نفس اللحظة فإنها تعيننا على تقييم النشاط الذي نقوم به. ومن فوائد تحديد الأهداف سهولة عرضها على الآخرين كي يقوموا بالمساندة ومباشرة العمل.

يؤكد المهتمون بإدارة الأهداف على أن الناس الذين يحددون أهدافهم يحققون أكثر ممن لا يملكون تصورات واضحة عن أهدافهم. البعض يشير إلى أن 5% من عامة الناس هم عادة ممن لهم أهداف واضحة في حياتهم العملية والعلمية وأنَّ 1% من هؤلاء فعلاً ينجح في تحقيق أهدافهم. وفي دراسة في جامعة "يل" تبين أن نسبة قليلة من الطلاب الجامعيين كانت عندهم مجموعة أهداف مرسومة لمستقبلهم وبعد عشرين سنة وفي السبعينات تم تتبع نفس العينة وتبين أن الذين كانت لهم أهدافهم الواضحة قد حققوا إنجازات أكثر ممن لم يضعوا أهدافهم بوضوح. ولاشك أن معرفة الأهداف ورسم مساراتها علم والعلم دون العمل لا يغني من النجاح شيئاً وليس المطلوب أن يصل الفرد إلى جميع غايته بدقة ولكن الأهم من كل شيء هو أن يبذل ما في وسعه في إطار منهج سليم ثم تظل النتائج دائماً بيد الله وحده الذي لا يضيع عمل العاملين.

الكثير من الناس يتمنون دخول الجنة كهدف عام ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا أعددنا لتحقيق هذا الهدف العظيم؟ وما مستلزمات الإنجاز؟ هل وضعنا مدارج السالكين في عين الاعتبار وهل رسمنا الخطوات الإجرائية كي نعرف المتطلبات، ونراجع الخطوات، ونحاسب أنفسنا قبل أن نُحاسب؟ على النطاق الشخصي والأسري والمؤسسي يحتاج الفرد لوضع استراتيجيات قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى لتحقيق التنمية الدنيوية والدينية وفق خطط صادقة ومشاريع دقيقة. على مستوى الأمم فإن تاريخنا المعاصر يبين لنا أن الخطط التنموية الواضحة لليابان كانت أهم أسباب النهضة الضخمة والتي لو أدركناها لاستفدنا كثيراً منها فالأمة الواعية هي التي تستثمر دروس التاريخ.

المربي المسلم المنظم هو من يصنع النجاح ويتحرك قبل أن ترسل الشمس أشعتها فيستيقظ من رقدته فيبارك الله له في عمله فهو واضح الأهداف ماض في تنفيذها بأناة وصبر وإحسان. الطامحون هم الذين يصنعون النجاح ويؤثرون في أحداث الحياة ولهم رؤية واضحة لخطوات التغيير التدريجي المنهجي في حياتهم. الناجحون يحاسبون أنفسهم قبل أن يلوموا غيرهم ويبذلون جهدهم وفق خطط مرسومة، واجراءات معلومة.

يقول أبوحامد الغزالي في كتابه منهاج العابدين "من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل" (ص 136). والسبب في ذلك أن الرؤية الواضحة تولد استثارة الدافعية التي تجعل الفرد يواصل العمل دون كلل حتى يحقق المراد. من هنا فإن أعظم دور للمعلم هو استنباط الطرق المناسبة لدفع الطلاب للمزيد من التعلم وتحفيزهم من أجل الوصول للهدف المنشود كي لا تتبعثر الجهود. إن الكفاءة الإنتاجية تعتمد بدرجة كبيرة على مدى وضوح الرؤية فكلما اتَّضحت الأهداف كلما ازدادت فرص الإنجاز، وارتفعت نسبة النجاح، وتضاعفت الجهود نحو تحقيق المقصود.

هناك عدة ركائز يجب أن توضع في عين الاعتبار أثناء رسم المسار ووضع الأهداف منها تطبيق قاعدة "طموح" التي وضعناها لتبسيط المسألة. فالحرف الأول وهو "ط" يعني طموح الإنسان في صياغة الهدف فالهدف لا بد أن يحتاج للمثابرة للوصول إليه كمرحلة قادمة. الطموح المطلوب هنا هو تشوق إلى تحسين وضع ما وإحراز تقدم يمكن قياسه أو الاستدلال عليه. من سمات الطامحين أنهم يتشوقون للوصول إلى تحقيق أهدافهم ويتخيلون لذة تحقيق الغاية فإذا كانت التمارين الرياضة مثلاً شاقة ومتعبة فإن ثمرتها نافعة.

 الحرف الثاني من كلمة طموح: "م" نقصد منه أن الهدف المُقترح يجب أن يكون:

1) محدداً زماناً ومكاناً ليسهل قياسه وتقييمه وتقويمه.

2) مرناً يمكن الوصول إليه بأكثر من طريق حسب الظروف الراهنة أو القادمة. المرونة Flexibility تعني حرية الحركة وتناسق المواقف لمواجهة التغيرات المفاجئة، ومتابعة المستجدات الطارئة.

والحرف الثالث من القاعدة هو حرف الواو "و" أي ضرورة توافر:

الواقعية في صياغة الهدف والتحرك وفق معايير المجتمع وإمكاناته. الواقعية تعني أن الهدف المصاغ بدقة فيه مقومات قابلة للتطبيق والتحقيق.

الوضوح في رؤية الهدف.

الوقت المناسب للإنجاز. يجب أن يتماشى الهدف مع متطلبات الوقت فإن الزمن جزء هام يجب مراعاته فلا نتسرع في قطف الثمار قبل أوانها فنُحرم منها وخير الأمور هي الأمور التي تتماشى مع سُنة التدرج في تحقيق الأهداف. 

 وأخيراً يأتي حرف الحاء "ح" أي أن يكون المُخَطِّطُ حاسماً في تنفيذ الهدف عملياً وجاداً في اتخاذ القرارات على ضوء المستجدات مع توافر الرغبة النفسية والقناعة العقلية. يقول الفيلسوف برتراند راسل "ليس شيء أكثر إتلافاً للقوى مثل التردد" (كيف تكسب السعادة، 1991، ص 54). الإنسان الحاسم لا يمل من المثابرة ولا يمكن للأهداف أن تتحقق بلمح البصر لأن التغيير العميق يحتاج إلى مواصلة الجهود مع متابعة التقويم.

كل تغيير حقيقي هو ثمرة لاقتناع دقيق، وإيمان عميق، ورغبة جادة. إذا أدرك -على سبيل المثال- أحد المدخنين أخطار التدخين وتحولت القناعة العقلية إلى عقيدة قلبية فهذا الأمر الإيجابي لا يكفي لتغيير واقع المُدخن فيجب أن تتوفر ثالثة الأثافي ألا وهي الرغبة الأكيدة في التخلص من التدخين والبدء في التنفيذ بشكل جاد وحازم وحاسم. إنَّ المرء الحاسم في حركاته وقراراته هو الذي يُتابع الخطوات المطلوبة من غير كلل، ويواصل الجهود المبذولة بلا ملل.

على المستوى الفردي والجماعي يجب أن ننتبه إلى أهمية الكتابة في تدوين الأهداف وفي توثيق بعض أعمالنا لأنها تجعل الخطط المرسومة أكثر قابلية للتنفيذ وأسهل في التقويم وهذا يعني زيادة فرص الوصول للهدف. الأهداف المكتوبة إحدى أهم الطرائق الدالة على وعي وحزم الفرد في دعم مخططاته.

بعد أن بذلنا الأسباب وطرقنا الأبواب فإن الإنسان لن يلوم نفسه إذا لم يحقق كل الأهداف وسنن الحياة كما أوجدها الله تهب الناس على قدر سعيهم ووعيهم في مسيرتهم فإن لم يصلوا للأهداف لحكمة ما بعد بذل الأسباب فليراجع الإنسانُ البدايات والنهايات وليعيد الكرة وفق تخطيط أكثر وضوحاً وطموحاً فإن الأهداف المرسومة تجعل المرء يصل بإذن الله إلى المقاصد.

 



1 (تهذيب سنن أبي داود - لابن القيم  ـ كتاب الأدب- باب في التجسس).