أوتار الحب

كتابة : محمود رمـضان الطهطاوي
مسرحية من فصل واحد

المشهد الأول

المسرح خالي تماما ، الخلفية عبارة عن واجهة لجانب من شارع ، تظهر لفتة ، مكتوب عليها بخط بارز وأنيق : ( جريدة المؤيد ، لصاحبها الشيخ علي يوسف . يفتح الستار . يدخل المؤلف حاملاَ في إحدى يديه مجموعة أوراق وكتب وصحف ، وبالأخرى قلم ، مخاطبا الجمهور :

 

: اسمحوا لي أن ندخل معاَ أعماق التاريخ ، ونقف قليلاَ عند صاحب هذه الجريدة ، جريدة المؤيد ، نحن الآن في شارع عماد الدين ، أمام مقر الجريدة ، يقول لنا التاريخ .. إن الشيخ علي يوسف ، ولد سنة 1863م في بلصفورة التابعة لسوهاج ، إحدى محافظات صعيد مصر ، ويقول التاريخ أن الشيخ علي يوسف ...

( يدخل الشيخ علي يوسف بزيه الأزهري ، من الخلف ، ويقترب من المؤلف ، الذي يسيطر عليه الخوف من هول المفاجأة )

المؤلف

: ( مخاطباَ المؤلف ) من أنت أيها الفتى المتفرنج حتى تزعجني وتقلقلني وأنا راقد منذ زمن في أعماق التاريخ ، وفوقي أطنان من الأحداث والأيام ........

الشيخ علي يوسف

( وعلامات الدهشة على وجهه ) من ؟! ( فترة صمت ) شيخنا الجليل علي يوسف ؟!

المؤلف

: لا تندهش أيها الفتى ، أنا بشحمه ولحمه ، لم تجب على سؤالي بعد !! من أنت؟! ولماذا توقظني من نومي ؟

الشيخ علي يوسف

: ( مازال مندهشاَ ) أنا يا شيخنا الوقور ، مؤلف ، مؤلف شاب ، قرأـ عنك كثيرا ، ووجدت تاريخك مادة خصبة لعمل مسرحي ...

المؤلف

: ( مقاطعاَ ) إنها لعبة الكتابة ، عليها اللعنة ، ماذا أخذت منها غير وجع القلب ، لا .. لن أسمح لك ، أوراقي قديمة ، متهالكة ، باهتة ، تراكمت عليها الأوراق ، وشخصيتي طمستها الشخصيات التي تتكالب فوقي وترقد ، وتتزايد مع الأيام ، اتركني وشأني ، وأبحث لك عن لعبة أخرى .

الشيخ علي يوسف

: يا شيخنا .. تاريخك في قلوبنا ، وشخصيتك واضحة وعظيمة ، وسامقة بين كيان التاريخ ، دعني أقلب أوراقك ، أمارس معها الكشف والنبش ، أرجوك يا شيخنا الجليل ، فأنا واحد من عشاقك ، أعتز بك .. وبتاريخك العظيم ، ونضالك المتفرد .

المؤلف

: أنت شاب لحوح وهذه ميزة أعشقها ، من أي بلد أنت أيها الفتى اللحوح ؟! .

الشيخ علي يوسف

: من طهطا يا سيدي .

المؤلف

: ( فرحاَ ) طهطا ، بلد الشيخ رفاعة الطهطاوي ، الله يجازيك أيها الفتى المتفرنج ، لقد طلعنا قرايب .. إيه أيها الولد المشاكس ، لقد قلبت علىّ المواجع ، لك ما تريد ، لكن ترفق بي وأنت تقلب أوراقي ، أنا لا أتحمل أي طعنة بعد أن أكلني الدهر ، وطواني الزمن .

الشيخ علي يوسف

: لاتخف يا مولانا الشيخ ، فأنا أعتز بك وبتاريخك العظيم ، نضالك ، تفردك ........

المؤلف

: ( مقاطعا ) ولكن ما الذي دفعك لتتناول شخصيتي أنا بالذات والتاريخ ملئ بشخصيات أكثر مني شهرة .

الشيخ علي يوسف

: ولماذا تقلل من شأنك يا شيخنا ، وأنت في أعماق التاريخ جوهرة تضئ وتبرق ، دُرة نفيسة ، ثم ....

المؤلف

: ( مقاطعا ) ثم .. هات ما بعد ثم !!

الشيخ علي يوسف

: سأحدثك بصراحة يا شيخنا الوقور ، في عصرنا هذا وقعت حادثة لكاتب ومفكر مصري اسمه الدكتور نصر حامد أبو زيد ، وهي تقترب مما حدث لك بعد زواجك من السيدة صفية ابنة السيد السادات

المؤلف

: ( يهز رأسه ويهمس كأنه يحدث نفسه ) سامحها الله .. بعد كل ما فعلته من أجلها ، لم تصن العيش والملح والعشرة الطويلة ، فلا يكفيها أنها نكدت عليّ حياتي ، وعكرت صفوها ، ومن تصرفاتها تركت الصحافة ، وانزويت بعيدا ، لم يكفها كل هذا ، ولكن بعد أن أصبحت في ذمة التاريخ ، أحبت ولد مشخصاتي اسمه زكي عكاشة وتزوجته !!

الشيخ علي يوسف

: ماذا تقول يا شيخنا ؟؟!

المؤلف

: لاشيء .. لاشيء .. ، بابني التاريخ يكرر نفسه كثيراً والأحداث تتشابه أحياناً المهم والأهم انك تجد من يتعظ ويستفيد من هذا التاريخ المكدس .

الشيخ علي يوسف

: لا أحد يقرأ يا مولاي ، القراءة موضة قديمة في أيامنا .. وسوق الكتاب راكد

المؤلف

: هذا عكس ما يأتيني عنكم ، من تقدم في صناعة الورقة ، وانتشار دور النشر وكثرة المطبوعات

الشيخ علي يوسف

: نعم يا شيخنا هذا صحيح ، ولكن الأجهزة المسموعة والمرئية طغت وداست على الكتاب بالبلغة القديمة

المؤلف

: ولكن وصلنا خبر مشروع مهرجان القراءة للجميع ، والأرقام تقول غير ذلك .. أهي أرقام وهمية ؟!

الشيخ علي يوسف

: لا، بل حقيقة يا سيدي ، ولكن نجاح هذا المشروع يرجع لرخص الكتاب والدعاية المكثفة له

المؤلف

: إذن هناك من يقرأ !!

الشيخ علي يوسف

: لك حق يا سيدي ، وعذرًا إن كنت أرهقتك وأزعجتك ، ولتأذن لي أن نبدأ الحكاية

المؤلف

: لك ما تريد إلى اللقاء ( يخرج من حيث أتى )

الشيخ علي يوسف

: إلى اللقاء شيخنا الجليل ( بعد خروج الشيخ ) ياه الشيخ دماغه ناشفة قوي ، صدق من قال صعيدي ( يضحك ) هيا يا إخوان لاحسن يرجع الشيخ في كلامه .. لنبدأ الحكاية . ( يخرج )

( إثناء خروج المؤلف ، يسمع صوت قادم من بعيد ، ينادي : المؤيد .. أقرا المؤيد .. يدخل رجل (1) مندفعًا حاملاً بين يده مجموعة صحف ، وباليد الأخرى يلوح بواحدة وهو ينادي :

المؤلف

: ( مخاطباً الجمهور ، متحركاً في كل اتجاه ) أقرا المؤيد .. أقرا المؤيد ، المؤيد جريدة يومية .. كل صبح حتلاقيها معايا ، جرنال الرأي .. أقرا .. أقرا المؤيد .

( يخرج ومازال صوته يُسمع وهو يردد : اقرا المؤيد ، في إثناء ذلك يدخل رجل 2 وفي يده جريدة المؤيد وهو منهمك في تصفحها

رجل 1

: جريدة رائعة ، تعتمد على الرأي أكثر من الخبر ، اليوم ثمانية ربيع الأول سنة 1307هـ ، الموافق الأول من ديسمبر سنة 1889م ، هذا التاريخ سيسجله التاريخ بخط بارز لأنه مولد هذه الجريدة البكر التي ستحقق الكثير ، وعلى رأي المثل الجواب بيبان من عنوانه .

( يخرج رجل 2 ، واقترح تنفيذ رقصة تعبيرية يصاحبها أغنية معبرة ، يعبران عن نجاح المؤيد وذيوع صيتها في كل البلاد وموقفها ضد المحتل ، بعدها يدخل رجل 1 من ناحية يتبعه رجل 2 من ناحية أخرى )

رجل 2

: وجدت المؤيد صدى واسع لدى الشعب المصري

رجل 1

: وجدت أيضاً معارضة قوية من حساد وأعداء ، لأنها وقفت ضد المحتل بكل قوة وعنف دون خوف أو وجل

رجل 2

: ( يدخل ويتوسطهما ) نعم استطاعت المؤيد ان تقف في وجه أعداء الوطن ، وان تسجل تاريخ مصر في ذلك الوقت ، ومن المواقف الرائعة لهذه الجريدة على سبيل المثال .. قضية التعصب الديني التي روج لها اللورد كرومر قبل حادث دنشواي ، ولكن الشيخ يوسف وقف مفنداً مزاعم اللورد كرومر وأعلن من خلال المؤيد ان في مصر من قديم الزمان يتجاور أهلها المسكن رغم اختلاف الديانة ، ويتقاسمون المأكل والمشرب ، يقول بالحرف الواحد : " وفد على القطر المصري منذ أول عهد المرحوم محمد علي باشا الكبير وفود من كل الطوائف المسيحية غربية وشرقية من أرمن وأروام وسوريين وفرنساويين وطليان وانجليز وامريكان ، من بروتستانت وكاثوليك وأرثوذكس وغير ذلك من علماء وتجار وصناع وعملة وهَملَ متشردين فلقى الجميع في مصر صدراً رحيباً "

المؤلف

ك واستمرت الحملة الشعواء ضد المؤيد وصاحبها

رجل 1

: وتوقفت المؤيد عن الظهور في ثلاثين سبتمبر سنة 1891م

رجل 2

: لقد وجدت المؤيد في ذلك الوقت اضطهادا من الحكومة

رجل 2

: نعم .. نعم .. لقد قال عنه شيخنا علي يوسف :" وصل إلى حد إقفال أبواب الدواوين في وجه صاحبه وكتابه ومخبريه "

المؤلف

: ورغم أنف الجميع عادت المؤيد للصدور مرة أخرى تكمل رسالتها ولا تحيد عن دورها

رجل 1

: لقد كانت هناك أيدي خفية تحاول الوقوف ضد المؤيد ، ووشت إلى الحكومة ان هناك جمعية سرية تنفق على المؤيد

رجل 2

: ولكن عطوفة باشا رئيس النظار في ذلك الوقت ، حقق بنفسه في الأمر وظهرت براءة المؤيد

المؤلف

: وعادت المؤيد تهز المحتل وتقلقه وتكشف ألاعيب المتاجرين بمصر

رجل2

: هذا رغم الأمية التي كانت متفشية في ذلك الوقت

رجل 1

: ومواقف الشيخ علي يوسف محفورة وظاهرة مؤكدة حسه الصحفي ونضاله المستميت وقدرته على تخطي الصعاب

المؤلف

: ومن هذه الصعاب قضية التغلرافات

رجل 2

: نعم : وقعت سنة 1896م ، عندما ارسلت مصر حملة إلى السودان وبالتحديد إلى مدينة دنقلة ، واصدرت وزارة الداخلية اوامرها بعدم إعطاء جريدة المؤيد اخبار الحملة ، ولكن الشيخ علي يوسف استطاع الحصول على اخبارها ونشرها في المؤيد

المؤلف

: نعم لقد استطاع الشيخ علي يوسف الحصول على انباء الحملة ، من خلال برقية كلماتها 566 ، وصدرت المؤيد تتصدرها البرقية

رجل 1

: وبهذا الانتصار الرائع للشيخ علي يوسف الذي هز الحكومة ووزارتها ومصالحها ، وكان درساً رائعاً للاحتلال

المؤلف

: ولكن جريدة ( المقطم ) لسان حال المحتل الانجليزي لم تسكت وقدمت بلاغا ضد الشيخ علي يوسف وجريدته

رجل 2

: وايضا ضد مكتب برقيات الازبكية التي حصل منه الشيخ على نص البرقية

رجل1

: لقد ......

( يدخل الشيخ علي يوسف مقاطعا )

المؤلف

: انتظر أيها المؤلف الشاب

( رجل 1 و2 ينظران في حالة ذهول )

الشيخ علي يوسف

: أهلاً بك يامولانا الشيخ علي يوسف ، آمل ألا ترجع في كلامك وتجعلنا نكمل الحكاية

المؤلف

: بل خرجت من أعماق التاريخ لأشارككم هذا الحدث الرائع الذي مازال عالقا في ذهني كأنه حدث بالأمس

الشيخ علي يوسف

: أي حدث يامولاي؟

رجل 1

: حدث محاكمتي أنا والصديق توفيق افندي كيرلس ، موظف التلغراف

الشيخ علي يوسف

: قرأنا ماحدث

رجبل 2

: لقد كان الرجل شجاعا ككل المصريين الشرفاء ، فرغم الضغوط القويه ليشهد بأنني المحرض له في حصولي على البرقية ، لكنه رفض بقوة

الشيخ علي يوسف

: مجرد اتهامكما معا ، جعل الاقباط والمسلمون يلتفون حولكما يعزفون سيمفونية عشق مصرية

المؤلف

: نعم أيها الشاب النجيب ، على عكس ماتوقع الانجليز ، كانوا يتصورون ان الاقباط يميلون الى الانجليز أكثر

الشيخ علي يوسف

: هكذا مصر دائماً ، تظهر شخصيتها القوية وقت الشدائد والصعاب .

رجل 1

: نعم يا ابنائي ، فماء النيل مزج الديانات ، فلا يوجد مسلم ومسيحي ، ولكن مصربا بها متدينون يذهبون الى المسجد والكنيسة لأداء العبادة وتتجاور الكنيسة والمسجد كما تتجاور القلوب المصرية

الشيخ علي يوسف

: الله عليك يامصر

رجل 1

: الله عليك يامصر

رجل 2

: الله عليك يامصر .. الله عليك يامصر

( موسيقى وطنية ن تصاحبها اغنية وطنية معبرة )

- إظــــــــــــلام -

الجميع معا

المشهد الثاني

 

المنظر: قاعة المحكمة .

 

الشيخ علي يوسف وتوفيق أفندي كيرلس مودعان قفص الاتهام ، يسمع أصوات متداخلة قادمة من بين المقاعد المكتظة بالناس .

يدخل المؤلف

 

: ( وهو يبحلق في الجمهور ) ياه كل هذا الجمع جاء ليحضر محاكمة الشيخ علي يوسف وتوفيق أفندي كيرلس ، هذا بخلاف ما شاهدته من بشر في طرقات المحكمة وحولها على المقاهي القريبة ( يقترب من القفص ) ياشيخنا الجليل مصر كلها معكما .. تعطلت المدارس ودواوين الحكومة .. الكل في الانتظار ، إنتظاركما لتخرجا لنا بالسلامة .

المؤلف

: الحمد لله على كل حال أيها الفتى المحب ، مصر دائماً ستظل بخير بأهلها وناسها .

الشيخ علي يوسف

: غمة وتزول بإذن الله

المؤلف

: الله مع الجميع ماداموا متحابين ( يصمت قليلاً ) والله كل شئ يهون .. بعد مافعله الأخ توفيق أفندي كيرلس .

الشيخ علي يوسف

: أنا لم أفعل أي شئ أكثر من الواجب .. الواجب الذي يمليه عليّ ضميري .. وتدفعني إليه مصريتي التي اعتز بها .

توفيق أفندي

: بارك الله فيك ياصديقي العزيز .

الشيخ علي يوسف

: لاأنكر انني مع الضغط الشديد كنت سأتراجع وأنفذ تعليماتهم .. ولكنني ذهبت إلى أمين طائفتي تادرس أفندسي شنودة ..

توفيق أفندي

: ( مقاطعاً ) صاحب جريدة مصر ، منافسي اللدود .

الشيخ علي يوسف

: نعم .. وعرضت عليه الموضوع برمته فقال لي : هل قلت الحق ؟ قلت : نعم . قال : اثبت .. فإن تقول الحق ويصيبك الضر خير من أن تنال النعمة وتكذب على الله .

توفيق افندي

: ( متاثراً ) الله .. الله عليكِ يامصر ، الله عليكم ياأهل مصر .

الشيخ علي يوسف

: أرى الدموع في عينيك ياشيخنا الجليل ؟!.

المؤلف

: دموع الفرحة .. دموع الانتصار ، أنا الآن اشعر بالإنتصار رغم كل شئ .. فهذه المواقف الجليلة تشعرك بالدفء ، تعزف أوتار الحب ، تدفعك بالإيمان بهذا الوطن ، بهذا النسيج الانساني الواحد ، المتفرد ، نعم ان شعب المصري لايوجد مثله على هذه الأرض ، الجميع بإختلاف الديانات وحدة واحد ، يظهر ذلك جلياً في المواقف الصعبة ، الله عليكِ يامصر ، اله عليكِ يامصر .

الشيخ علي يوسف

( يتجمد المشهد . اغنية وطنية ، تصاحبها رقصة معبرة ، في اثناء ذلك يدخل الحاجب والمحاميان وبعدهم القاضي ويجلس على المنصة ، ويستمر المشهد صامتاً بعد انتنهاء المشهد الراقص والأغنية ، ويعبر كل واحد من الحضور بحركات واشارات تعبر عما يدور من صراع داخل القاعة ، بعد قليل يسمع الحوار

 

: الموضوع برمته يا سيدي القاضي مؤامرة على الشعب المصري ، فجريدة المقطم لسان حال الاحتلال الإنجليزي هي التي رفضت الدعوة .. والصحف الأجنبية تساند بقوة هذه المحاكمة ..فهاهي التيمس البريطانية تتابع بمندوبها وتحرض ، وأيضاً الفيجارو الفرنسية لماذا كل هذا الصخب يا سيدي ، ومن المقصود به؟ الشيخ علي يوسف وتوفيق أفندي كبرلس .. أم مصر كلها ، من يا سيدي .. من ؟! .

المحامي الأول

: من فضلك لاتخرج عن الموضوع ، السيد توفيق كبرلس متهم بإفشاء أسرار الدولة العسكرية ، والشيخ علي يوسف شريكاً ومحرضاً له ، هذا هو لب الموضوع ، وحوله يدور الدفاع .

القاضي

: من فضلك ياسيادة القاضي ، انا لا أرى هنا أي اتهام ، الشيخ علي يوسف حصل على حق من حقوقه كمصري ، وتوفيق أفندي لأدى واجبه كمصري وطني تجاه جريدة وطنية .

المحامي الثاني

: 0 بضيق ) لاتخرج عن الموضوع .

القاضي

: بل هو لب الموضوع ياسيدي ، كل المقصود من هذه المحاكمة جريدة المؤيد وصاحبها المناضل الشيخ علي يوسف ، لأن الجريدة تقف كاللقمة في زور اللورد كرومر.

المحامي الثاني

: نعم المؤيد وصاحبها هما المقصودان .

( يدخل المؤلف ويقترب من المنصة )

المحامي الأول

: أيها القاضي كن عادلاً ولاداعي للمغالطات .

المؤلف

: ( مندهشاً ) من أنت أيها الفتى ؟ اخرج قبل أن اضعك في القفص .. أخرج

القاضي

: مهلاً أيها القاضي ، حتى لا أطس معالمك واخرجك من النص ولاتنسى انني احركك على كيفي

المؤلف

: انت مزور ، اقبضوا عليه بتهمة تزوير التاريخ

القاضي

: لاحول ولاقوة إلا بالله ، لاداعي لكل هذه العصبية ، انا احاول اخراجك من اعماق التاريخ ايها المخبول لأضعك في عمل فني جميل .

المؤلف

: لاأفهم ؟! .

القاضي

: انني اكتب نص مسرحي عن شيخنا الجليل علي يوسف ولابد من الاستعانة بك لزوم الحبكة .

المؤلف

: نهار ابوك اسود من قرن الخروب ، على آخر الزمن تعمل مني مشخصاتي ، حطوه في القفص .. لا .. اضربوه بالنار فوراً

القاضي

: الله يخرب بيت انزحتك يابعيد ، اخرس انت علشان منخرجش عن النص ياغبي

المؤلف

: والله العظيم ..

القاضي

: ( مقاطعاً في غيظ ) كلمة ونص تاني حأرميك في أعماق التاريخ واردم عليك .. خش في النص ياغبي .

المؤلف

: ( يبدو عليه الذعر ) خلاص .. منك لله

القاضي

: انت عارف ان القانون مفهوش نص صريح يعاقب على إفشاء اسرار الدولة للصحف .

المؤلف

: ربما يكون هذا صحيحا .

القاضي

: أُمال مالك عمال لك حكاية ليه .. إيه لازمة المحاكمة من أصله ؟!.

المؤلف

: اللورد كرومر ياسيدي اعتبر توفيق أفندي كيرلس ،و هناك بند في قانون العقوبات يقضي بعقوبة موظف الدولة الذي يفشي اسرار الحكومة .

القاضي

: ( ساخراً ) وانت دورك إيه ايها القاضي المبجل

المؤلف

: عبد المأمور .

القاضي

: بل قبل عبد الاحتلال الغادر .

المحامي الأول

: لن نسكت على هذا أبداً

المحامي الثاني

: خلص ايها القاضي .. قبل ما أرميك في أعماق التاريخ .. هات من الآخر ، بعد الاطلاع على المستندات والمداولة وخلافه .. الحكم

المؤلف

: المتهم الأول توفيق أفندي كيرلس ثلاثة اشهر وبراءة الشيخ علي يوسف من التهم المنسوبة إليه ، رفعت الجلسة

القاضي

: شكراً .. عملت اللي عليك .. مع السلامة ، مكانك هناك في أعماق التاريخ ونام ليوم الحساب .

( يلملم القاضي اوراقه ويخرج منكسراً ، يقترب المؤلف من المحاميين ويسلم عليهما عليهما بحرارة ويقول ) : شكراً لكما على مجهودكما الرائع ووطنيتكما .. شكراً يااستاذ ابراهيم الهلباوي

المؤلف

: لاشكر على واجب

المحامي الأول

: شكراً ياستاذ أحمد الحسيني

المؤلف

: لاشكر على دور نقوم به من أجل مصرنا العزيزة ن ولن نسكت على ألاعيب المحتل وسنظل نتصدى لهم وندافع عن الشرفاء .

(إظلام بطئ ، مع أغنية معبرة وأداء راقص)

المحامي الثاني

المشهد الثالث

المنظر : كما المشهد الأول

يدخل المؤلف متوسطاً المسرح

 

: وتمر الأيام والسنوات والشيخ علي يوسف مستمر في نضاله وتتالق المؤيد التي تدافع عن الشعب المصري ، وتقوى علاقاته حتى يصبح صديقاً حميماً للخديوي حاكم البلاد ن وكتب عنه الخديوي في مذكراته بعد ذلك ومن ضمن ماقال : كان الشيخ باسلوبه اللاذع وبلاغته التي لاتغيض ، وعاطفته التي كان يطامن غلواءها ، فلسفة فائقة ، وقد غدا استاذا بفضل اتصاله اليومي بالشخصيات في كل علم وفن وكان يتحدث الى القراء في مسائل تستثير مخيلاتهم لأنها تمس البلاد وتاريخها في الوقت نفسه .

( يدخل رجل 1 ، يقف في الثلث الأول من المسرح )

المؤلف

: لقد ألف الشيخ علي يوسف حزباً سياسياً أطلق عليه اسم حزب الاصلاح على المبادئ الدستورية

( يدخل رجل 2 .. يقف في الثلث الثاني من المسرح )

رجل 1

: واصبح الشيخ علي يوسف زعيما سياسيا كالزعيم مصطفى كامل زعيم الحزب الوطني ، ومحمود سليمان زعيم حزب الأمة .

رجل 2

: ولكن الشيخ علي يوسف كان له خطاً آخر وهذا ماذكره عباس محمود العقاد .. عندما قال : لقد كان لعلي يوسف ومصطفى كامل طريقتان مختلفتان في الكتابة الصحفية ، وفي الخطة السياسية ، وفي الدعوة الوطنية ، ولقد فرق النقاد بين الطريقتين .

المؤلف

: لقد كان الشيخ علي يوسف كما قال الشيخ عبد العزيز البشري .. كان رجلاً شديد العقل قوي النفس ، حديد العزم ، وافر الشجاعة .. لاتتعاظمه قوة خصم بالغة ما بلغت قوة ذلك الخصم ، واذا تحداه متحد ركب راسه في نضاله لايبالي اين يقع المصير .

رجل 1

: وبذلك استطاع علي يوسف أن يقف في وجه كل الخصوم رغم كثرتهم .

المؤلف

: وبعد سنوات ثمانية بعد حكاية برقية حملة دنقلة ، وبالتحديد في عام 1904م يتعرض شيخنا الجليل لهزة عنيفة اثرت في نفسه كثيراً وتركت جرحاً لايندمل .

رجل 1

: تقصد حكايته مع زوجته السيدة صفية ابنة السيد عبد الخالق السادات .

( يدخل الشيخ علي يوسف مهرولاًَ )

المؤلف

: انتظر يها الكاتب المتهور.

الشيخ علي يوسف

: ماذا بك ياشيخنا ؟! .

المؤلف

: انك تقلب في أوراق خاصة جداً ، قلبت عليّ المواجع ايها المغامر ن والمقامر بسيرة الناس .

الشيخ علي يوسف

: ياسيدي انت علم من اعلام مصرنا الحبيبة ، وتاريخك بكل مافيه ملك لنا جميعاً ، من حقنا الاطلاع عليه لنأخذ منه الروس والعبر .

المؤلف

: دائماً تحرجني ايها الفتى النجيب

الشيخ علي يوسف

: وأقدم عذري لشيخنا الجليل واعتذاري ان كنت اصبته بهمٍ أو ألم .

المؤلف

: لاغبار عليك .. لاغبار ( يصمت قليلا ) هذه الحكاية هي التي قضمت ظهر البعير يا ابنائي .. ياه .. لو رجع الزمان إلى الوراء لمحوت هذه القصة من حياتي تماماً ، وما اقدمت على هذا الزواج اللعين .

الشيخ علي يوسف

: ( متأثرا) كان الله في عون الشيخ ، بداخلك جمل ثقيل ن لم يمحه الزمان وتراكم الأيام

المؤلف

: الحمد لله على كل حال .

الشيخ علي يوسف

: احكي لنا الحكاية ياشيخنا الجليل .

رجل 1

: ( مقاطعاً ) مكتوبة في التاريخ ، ولاداعي لإرهاق مولانا الشيخ ، وسنتناولها في هذا المشهد .

المؤلف

: نود سماعها من شيخنا .

رجل2

: ( بغيظ ) وبعدين ياسادة ، بلاش خروج عن النص ‍ .

المؤلف

: اتركهما أيها الفتى .

الشيخ علي يوسف

: أمرك ايها الشيخ الجليل

المؤلف

: كان السيد عبد الخالق السادات صديق حميم تربطني به صلة ود وكنا نتبادل الزيارات ن وفي صيف 1904 م سافرنا معاً إلى الاستانة والتي كانت في وقتها مصيف للملوك والأمراء والوزراء والأغنياء ، وكان السادات يصطحب معه كريمته صفية على غير عادة المصريين ، شاهدتها واعجبت بها ، وطلبت يدها ورحب السادات ووافق بلا تردد .

الشيخ علي يوسف

: نعم .. لابد أن يوافق ، فأنت ياشيخنا الجليل صفقة رابحة بالنسبة له ، فأنت رجل مرموق عظيم الشأن ، لك صلة بالملوك والأمراء والأغنياء ، وصديق حميم للخديوي حاكم البلاد

رجل 1

: سمعنا أن الصدر الأعظم الذي يعادل رئيس الوزارء في ايامنا هذه عندما علم بهذه الخطبة وكان صديقاً حميما لك ، اهدى العروس عقد من اللؤلؤ .

رجل 2

: نعم .. نعم .. وشاهدت الفرحة تقفز من عيني السادات وقتها ، وكان سعيدا بهذه الخطبة .

الشيخ علي يوسف

: إذن ماذا حدث ؟‍

المؤلف

: مازلت في حيرة حتى هذه اللحظة ، كأن الذي حدث كان كابوساً ، فبعد أن عندنا إلى القاهرة ، انقلب حاله ووجدته يعدل عن الخطبة لعدم الكفاءة ( يصمت قليلا) وباقي القصة معروفة لاداعي لسردها ، وسأترك هذا المؤلف المغامر يقدمها لكم كما يحلو له ، المهم ذكر الحقيقة ( وهو يخرج ) السلام عليكم

الشيخ علي يوسف

: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ياشيخ .

المؤلف

: في رعاية الله

رجل 1

: نم قرير العين في مكانك البارز في تاريخ هذا البلد المناضل

رجل 2

: هيا نخرج بسرعة لنشاهد ماحدث للشيخ

( اغنية معبرة )

المشهد الرابع

المنظر : قاعة المحكمة

يفتح الستار والشيخ ابو خطوة يجلس على المنصة التي تتوسط المسرح ن وعلى الجانب الأيمن يجلس الشيخ علي يوسف ومحاميه ، والجانب الأيسر يجلس السيد عبد الخالق السادات ومحاميه .

المؤلف

: ( بضيق ) لقد حكمت المحكمة في الجلسة السابقة أن تسلم السيدة صفية إلى أبيها حتى افصل في الدعوى .. ولكن الشيخ علي يوسف لم يفعل .

القاضي

: لقد رفضت السيدة صفية العودة إلى بيت ابيها حتى لاتتعرض لأذى

المحامي الأول

: سجل ياحضرة القاضي ، محامي الخصم يتهمني بانني اتعرض لأبنتي ....

السادات

: هذا ماقالته بالفعل ياسيدي ، ولك أن تسالها ان شئت .

المحامي الأول

: أدخل في الموضوع ولاداعي للتفريعات .

القاضي

: لقد اراد الشيخ علي يوسف بعد رفض السيدة صفية الذهاب إلى بيت ابيها خوفاً منه ...

المخامي الأول

: ( مقاطعا ) يكررها أيها القاضي .. يكررها

السادات

: انتظر ياسيد عبد الخالق .. دعه يكمل كلامه .

القاضي

: اراد أن يضع حلاً يرضي جميع الأطراف ، وبعد مجهود شاق ، وأمام إصرار زوجته بعدم الرجوع إلى بيت أبيها ، خيرها بين بيت حضرتكم ( مشيراً إلى القاضي ) وبين بيت مفتي الديار الشيخ النواووي ، أو بيت العالم الجليل الشيخ الرافعي ، فأختارت بإرادتها بيت الشيخ الرافعي .

المحامي الأول

: هذه الاعيب لا أقبلها .

القاضي

: ياسيدي القاضي هذه مماطلة غير مقبولة .

المحامي الثاني

: وقد وصل إلى علمي أن الشيخ الموقر يرسل للسيدة صفية خطابات غرام ملتهبة ، والأكثر من ذلك انه يذهب إليها في بيت الشيخ الرافعي .

القاضي

: أما عن الخطابات فهي زوجتي ومن حقي الاطمئنان عليها ، اما انني أزورها فهذا كذب وافتراء لا اقبله بأي حال من الأحوال .

الشيخ علي يوسف

: ( بغيظ ) كف عن الكلام أيها الشيخ حتى نسمع محامي السيد عبد الخالق السادات .

القاضي

: ياسيدي كما ذكرنا في الجلسة السابقة أن الشيخ علي يوسف غير كفء ومستواه الاجتماعي والأدبي لايتناسب ومستوى السيد عبد الخالق السادات ، فهو أي السيد السادات من اسرة عريقة يمتد نسبها إلى فاطمة الزهراء ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

المحامي الثاني

: ( بطريقة رجال الصوفية في حلقات الذكر ) عليه الصلاة والسلام ، نعم .. نعم ونِعم الأصل والفصل .. أكمل أيها المحامي المتمكن .

القاضي

: أما بالنسبة للشيخ علي يوسف فمن أصل وضيع ، كما اثبتنا بالشهود في الجلسة السابقة ، فقد رآه أحد الشهود يقف في إحدى المطابع ويصحح ديوانا من الشعر من تأليفه .. إذ لايفعل ذلك إلا عديمو الأصل ، أضف إلى ذلك أن الشيخ علي يوسف أعجمي الأصل كأهل قريته الحقيرة المسماه بلصفورة في أقاصي صعيد مصر ، بل كل سكان مصر أعاجم ياسيدي ماعدا السر العريقة مثل عائلة السادات والبكري والوفائية وغيرهم ,

المحامي الثاني

: الله .. اله يفتح عليك أيها المحامي الرائع .. أكمل فتح الله عليك .

القاضي

: ان الفرق بين موكلي وخصمي شاسع أيها القاضي الفاضل ، فالسيد السادات يعيش على أملاك ورثها من عائلته ،أما علي يوسف فيعيش من مهنة حقيرة هي مهنة الصحافة ( يصمت قليلاً ) ان الصحافة في حد ذاتها مهنة وضيعة وغير شريفة على الإطلاق ، ويحرمها الدين الإسلامي الذي يمنع التجسس وهذه المهنة الدنيئة تعتمد أساساً على كشف أسرار الناس والتجسس .

المحامي الثاني

: فتح الله عليك . محامي الشيخ علي يوسف

القاضي

: كل ماذكره الزميل محامي السيد عبد الخالق السادات مجرد أباطيل مبنية على أسانيد هشة ، وفتاوى لا أساس لها من الصحة .فإذا كان الشيخ علي يوسف من أسرة متواضعة فقيرة كمعظم أهل مصر فهذا لايعيبه في شئ ، ومع ذلك فهو الآن في مكانة أدبية واجتماعية يحسد عليها ، فعلاقاته بالجميع طيبة ، الغني والفقير ، الحاكم والمحكوم ، أما أن الصحافة وممارسة الكتابة مهنة وضيعة كما يقول الزميل ، فهي في الحقيقة مهنة وموهبة لايهبها الله إلا للخاصة من عباده

( يدخل المؤلف )

المحامي الأول

: نعم ان الكتابة مهنة يهبها الله للخاصة من عباده

المؤلف

: من أنت ايها الفتى الدخيل ؟

القاضي

: وبعدين في الحكاية دي ؟ كل ما أخل يسألوني من أنت ، كأفضل كدة طول عمري ، أكتب وأتعب وابقى مجهول ، مهمش ( ينظر إلى القاضي في غيظ ) أنا ياسيدي اللي خرجتك من أعماق التاريخ ، لأستعين بك في هذا المشهد في المسرحية

المؤلف

: نص ايه ياجدع انت ؟!

القاضي

: النص اللي بتمثله.

المؤلف

: أمثل إيه ياجدع انت هي ناقصة الغاز !

القاضي

: مش مهم ، انا دخلت في النص علشان أدافع عن مهنة الكتابة التي أهتم بها أجدادنا الفراعنة من آلاف السنين وانتم بتهنونا واحنا في القرن العشرين ، تعالوا نشوف الحكيم آني بيقول إيه في إحدى البرديات المحفوظة في المتحف البريطاني في لندن

المؤلف

: (بغيظ ) بيقول إيه ياسيدي

القاضي

: بيوصي ابنه وبيقول : عليك بالكتابة .. فالكتابة مهنة مقدسة .. يابني ول وجهك نحو الكتاب ولاتوله نحو الحقل .. فمهنة الكتابة أشرف المهن وأعلاها .. تعلو بصاحبها فينال احترام الجميع .. ويتقرب إليه الجميع .. فالكاتب فوق كل شئ.

المؤلف

: فتح الله عليك أيها الفتى الرائع .. وهذا مافعله الشيخ علي يوسف ، استطاع أن يحقق بالكتابة عزاً وجاهاَ وان يصاحبه اشرف الناس وأعلاهم قدراً حتى الخديوي نفسه .

المحامي الأول

: والأكثر من ذلك ياسيدي ، لقد كان الفراعنة يعفون الكتاب من الضرائب ويصرفون لهم معاشاً ليمارسوا العمل المقدس ، وأيضاً تموين ثابت من مخازن الدولة .

المؤلف

كف عن الثرثرة أيها الشاب واخرج حتى نكمل ...

القاضي

: ( مقاطعاً ) ثق أيها القاضي الغبي أن هذا محسوب عليك وغداً وانت في أعماق التاريخ ستضرب بالنعال .

المؤلف

: من أنت أيها الشاب سليط اللسان حتى تسبني جهراً في قاعة المحكمة وأنا القاضي وقادر على إيداعك القفص وحبسك .

القاضي

: ( يطلق ضحكة هازئة ) حتى لو استطعت أن تفعل ذلك ، هل يمكن حبس لساني ، هل يمكن تكبيل أفكاري ، سأظل أنا وغيري من الكتاب الشرفاء نتكلم ونكتب ونقول ونصرخ ، ونعزف على أوتار الحب من أجل الوطن ، ومهما حدث فالديمومة لنا والباقي غثاء كغثاء السيل .

المؤلف

: ( بضيق ) اخرج

القاضي

: لا .. لن أخرج ، لقد احضرت معي السيدة صفية السادات لتقول كلمتها وننهي المهزلة

المؤلف

: انك ....

( قبل أن يكمل تدخل السيدة صفية ، تلتفت إليها الأنظار

القاضي

: هاهي السيدة صفية ، تقول كلمتها وننهي هذه القضية الشائكة ( محدثاً القاضي ) ما رأيك يا أبو خطوة ؟.

المؤلف

: هذا تزوير للتاريخ ، السيدة صفية حاضر عنها المحامي الشيخ عز زي ما مكتوب في كتب التاريخ ، وهو اللي يدافع عنها ، ولاداعي لحضورها وظهورها في المسرحية حتى لانغالط ماهو مكتوب ومسجل

القاضي

: أنت مال أهلك ، أنا المؤلف واكتب ما أريد وانت تمثل ماهو مكتوب ، مش كفاية بتاخدوا شهرة على قفانا .

المؤلف

: ياعم حرام عليك تلعب بالتاريخ

القاضي

: أنا بكتيب رؤيتي دون الاخلال بجوهر الموضوع ، انا مش بسجل تاريخ لكن باخد منه لقطات وبنسج حولها عمل فني / ومع ذلك لا أخل بالتاريخ المكتوب .

المؤلف

: خلصني .. على راحتك .. عاوز تقول إيه ؟

القاضي

: نسأل السيدة صفية ، إذا كانت متمسكة بالشيخ علي يوسف ولا لأ ؟

المؤلف

:طبعاً متمسكه بيه ، دا جوزي ولن اتنازل عنه ابدا مهما حصل .

صفية

: قديمة ، اعملوا غيرها ، مش مهم السيدة كريمة عاوزة ترجع لجوزها أو مش عاوزة ، المهم ان كلامي انا يتسمع ، وحكمي يتنفذ

القاضي

: وكلامي ياحضرة القاضي، أنا بنتي اتتخطفت مني وسمعتي اتلطخت في الطين ، خطفها الصعلوك ده ، شرف العيلة الكريمة اتلوث علشان ل له أصل ولا فصل .

السادات

: لا يا ابي ، أنا رحت معاه بأرادتي ، تجوزته على سنة الله ورسوله ، بالشرع والقانون .

صفية

: ياخسارة تربيتي فيك .. ياخسارة

السادات

: خلاص.. أنا تعبت منكم كلكم ، أنا هنا أعلن أمام الملأ أضرابي وامتناعي عن الحكم في القضية وأي قضية أخرى حتى يتم تنفيذ حكمي وتعود السيدة صفية إلى بيت ابيها ولو بالقوة .

القاضي

: وفي شرع من ياسيدي تفرق بين رجل وزوجته لأسباب واهية ؟.

صفية

: مسألة عند ، أنا ركبت دماغي واللي مش عاجبه يضرب دماغه في الحيط

القاضي

: حتروح من ربنا فين ، روح منك لله .

صفية

: ولكن الخديو سيغضب ، وستنقلب عليك الدنيا .

المؤلف

: يحصل اللي يحصل أشوف أنا ولا هما ، وحنخرج في الشوارع والميادين وأصرخ بأعلى صوتي جواز علي يوسف من صفية باطل ، علشان يتدخل السيد بطرس غالي رئيس الوزاء ن والله لن أسكت على هذا ، ماله بطرس غالي وهذه الموضوعات اللي تخص المسلمين وحدهم

القاضي

: لاتوجد موضوعات تخص مسلم وموضوعات تخص مسيحي ، كلنا مصريون .. جسد واحد ، إذا تضرر عضوا تتضرر باقي الأعضاء .

المؤلف

: ياعم روح ( ينادي بأعلى صوته ) جواز علي يوسف من صفية باطل ( تكرار ) تدخل بطرس غالي في القضية تدخل مشين ويمس الشريعة ، الحكومة ظالمة ، والخديوي يجامل علي يوسف .

( يخرج ويخفت صوته رويدا رويداً وتعلو موسيقى معبرة يصاحبها إلقاء لقصيدة حافظ إبراهيم :

حطمت اليراع فلا تعجبي وعفت البيان ، فلا تغضبي

فما انت يامصر دار الأديب ولا أنت بالبلد الطيــــــــب

وقالوا المؤيد في غمـــرة رماه بها الطمع الأشعبي

دعاه الغرام بسن الكهول فجن جنونا ببنت النبي

فنادى الرجال بإسقاطـه وقالوا تلون في المشرب

وزكى أبو خطوة قولهم بحكم أشد من المضرب

فيا أمة ضاق عن وصفها جنان المفوه والأخطب

تضيع الحقيقة مابيننا ويصلى البرئ المذنب

ويهضم فيناالامام الحكيم ويكرم فينا المجهول الغبي

ستار

 
الصفحة الرئيسة

القاضي

 

مع تحيات المحرر : علاء الدين رمضان
 تصميم
غابة الدندنة
موقع الشاعر علاءالدين رمضان
كافة الحقوق محفوظة ©