بئـر العـســـل

محمود رمـضان الطهطاوي
* رواية *

(1 )

الغواية الأولى

ماذا جرى لك يا قاسم ؟! يا قاسم ماذا جرى لك ؟! . لم تفعلها من قبل ،كنت دائما أمام أي أنثى كالبنت البكر المستحية ، لم ترفع طرف عين في أنثى !! ماذا حدث لك ؟!، عيناك لا تستطيع انتزاعهما من على عيني البنت الجالسة قبالتك على الكرسي المقابل على محطة المترو ، لا بل عيناك تتجولان فاحصة كل شئ فيها ، تخترق بلوزتها البيضاء الشفافة التي تظهر حمالة الصدر لتصطدم بدون وعي بهذا الصدر الشامخ الناهد ،وكأنك تداعب الأخدود الغائر بين النهدين ، تسرق ملامح الجسد النافر من البنطلون (( الجينز )) ، ماذا حدث يا قاسم ؟! ، يا قاسم ماذا حدث ؟! . لأول مرة تتقابل عيناك بعيني أنثى دون أن تهرب من نار النظرة ، سحرتك عيناها السوداوين ونظراتهما الواعدة . لم تعبأ بنظرات المحيطين بك وأنت تأكلها بعينك ، تتجول على راحتك وكيفك ، تتأمل أناملها وهي تزيح خصلات شعرها الأسود الفاحم المنسدل على كتفيها إلى الوراء وترمي إليك بابتسامتها الطالبة .

*****

هذا الدماغ المشحون ، المكدس ، الراكد ، المشتت ، الفارغ ، المخبول ، المدرك ، الفاقد ، العارف ، المسجون ، المطرود ، المتآكل ، الضائع ، الـ ......... !! .

ماذا جرى ، كف عن الهذيان ، عن هذا الخلط ، ركز على شئ

حتى أفهمك ، أريد أن أدخلك ودائما تطردني برعونتك هذه ، كل شئ فيك غير مكتمل .. متداخل .. حتى أنني أحياناَ-رغم تعاطفي معك .. لأنني مدرك حالك وأحوالك ، وأحس بك - أريد أن أهرب منك ، فلم أعد أتحمل هذيانك ، غليانك ، تتداخل الأشياء بداخلك ، دون أن تفرغ شئ منها ، كل شئ يصب بداخلك يركد ، ويتراكم ، ولا تفكر في إخراج أي شئ ، حتى أصبحت سلة محشوة بالمتناقضات ، إلى متى أحتملك ، إلى متى أصبر عليك ، لماذا لاتخرج بعضا من هذا المخزون ، المتداخل ، المتنافر ، إلى متى تعاني من وجع الصمت ، أم تحول هذا الوجع إلى لذة ، لذة الصمت !! ها ها ، كلمة فلسفية جميلة تصلح عنوانا لمحاضرة مخبولة ، أو عنوانا لكتاب رائع من مؤلفاتك ، هيا أسكب ما عندك ، أفرغ ما عندك ، ألفظه بلسانك ، أو أسكبه على الورق كعادتك ، أو تقيأ في الحمام ، أو .... أفعل أي شئ ، المهم أن تخرج هذا الكم الهائل الذي تراكم بداخلك ، وتفاعل بعضه ببعضه .. وأخشى عليك الانفجار ، أو الموت كمداَ من تأثير الضغط ، فالشحنة زادت ، وتحولت إلى ديناميت سينفجر من أول عود ثقاب .

*****

عيناها !! عيناها يا (( قاسم )) يجردانك من وقارك ، يكهربان رجولتك البكر ، يخترقان أعماقك ، نظراتها حُبلى .. تطاردك ، تدفعك على الخروج عن المألوف ، تنتزعك من الوقار الذي صنعت منه سياجا يهربن منه دائماً ، ويبتعدن عنك ... هاهي تهبط من قطار المترو ، تتوجه إلى محطة السكة الحديد ، قدماك يقودانك خلفها دون أن تشعر ، تستقل خلفها القطار ، تجلس قريباً منها ، في مواجهتها ، وكأنك مسلوب الإرادة ، مغلوب على أمرك ؟! مسروق من ذاتك !! .

****

قالت لك الساكنة في أعماقك يوماَ :

لا تكتم حبك لي ، أِشاهده في عينيك ، ألمسه في تصرفاتك ، ولكن أريده من همساتك ، أود لمسه من كلماتك ، هبني كلمة حلوة ساكنة في أعماقك تريحني وتسعدني ، وتخرج ما في داخلك وتسعدك ، وتجعلك تشعر بالارتياح .

قلت لي : أحسست بذلك الإحساس يوم صارحتها بحبك ، ووجدت السعادة تجوب وجهها الجميل ، ووجدت قلبك يقفز فرحا ، ومن يومها وأنت تخرج كل ما في أعماقك نحوها في كل لحظة لقاء ، تشعر بأنك فارس انتصر في أعظم حرب ، لقد علمتك تلك الأنثى الجميلة أعظم درس في التاريخ ، أن تخرج من صمتك ، أن تجعل لسانك سفير عقلك وقلبك وكل جوارحك .

الصمت أفضل بكثير ولو كان حارقا ، ولو جعلك تحترق .. تموت ألف مرة في اللحظة، لماذا كل هذا . جبن . خوف . هلع . أي شئ ، قل أي شئ ، فأنا لم أعد أهتم بما يقال ، لا يفيد الكلام ، فقد قيد اللسان بلا قيود ، لا نملك إلا أن ننظر في صمت ، نرقب في صمت ، نمشي في صمت ، في صمت .. في صمت .. في صمت .

***

نظرتها الُحبلى تجسد فيها أنوثة طاغية ، تحاصرك من كل الجهات ، تفقدك أتبزانك ، تخترقك ابتسامتها وكأنها تدفعك على المزيد ، تساعدك على الاختراق والتجول عبر مسامات الجسد الفائر ، وكأنها تنادي :

-هيت لك .

وكأنك تصرخ :

- لبيك وسعديك .

***

وكأنها تتعمد إظهار أخدود صدرها الذي يطل من بلوزتها ، ويهتز مع هزات القطار، وكأنه يعزف موسيقى الجسد الفائر ، وكأن الوجود كله عدم إلاها ، وكأن القطار فارغاً إلانا .

أي قطار هذا ، إنه في حديقة غناء لا يوجد بها إلا زهرة وحيدة ، يتشممها وحده ، يتحسسها وحده ، تمايل وتراقص له وحده ، يخترقه عبيرها ، يسكنه جمالها .

****

البنت ( شريفة ) أكلتني بعينيها السوداوين ، وكثيرا ما تسمرت أمام شباك حجرتي المتهالكة التي استأجرتها في بدروم المنزل المتآكل لتلملم جسدي وتسترني ، تقف البنت الفائرة بالساعات في برد يناير القارس يلفحها الهواء وهي في أتم زينتها ، في انتظار كلمة مني ، فكنت أبادلها النظرة وأحيانا تحية المساء أو الصباح ، وأكتفي بذلك ، وأصمت خوفاَ من أمها العقربة التي تشاكس طوب الأرض .. ولخجلي أيضاَ من النساء ، وكثيراَ ما دفعتني دفعاَ للحديث معها ، ولمجاراتها في فعل أي شئ معها ، ولكني لم أفعل ، حتى أختها الكبرى ، التي تأكل من تراه بعينيها ولها علاقات كثيرة ومتعددة مع أهل العزبة وغيرهم ، هكذا سمعت ، وشاهدت هذا في عينيها ، كثيراَ ما رواد تني بعينيها ، وبالاحتكاك بي عند الكوبري العلوي على شريط مترو الأنفاق ولكن كنت أهرب من عينيها ، ولكن عندما أجلس مع نفسي في غرفتي الخربة كنت أتمناهما .

الله يخرب بيتك يا بعيد ، كفاية هذيان ، وكف عن هذا الهراء ، ستظل هكذا طول عمرك تحدث نفسك ، وكلها شعرة ويذهب عقلي ، ونبقى أنا و أنت في الباي باي !! .

****

ما الذي تفعله يا (( قاسم )) ماذا فعلت بك تلك الأنثى ؟ . جردتك من كل شئ ، أين وقارك ، أين سياجك المنيع الذي تهابه كل النساء بمجرد الاقتراب منك !! ، بل أين أنت يا قاسم ؟! ، لقد فتحت كل مساماتك المغلقة ، ........

***

بعد الكلام ده ، فيه كلام تاني ؟!!

هاها .. هذا مجرد مدخل ، وحياتك لأخرج كل ما بداخلي مهما كان ، مش أنت عاوز كدة ؟؟ خلاص سيبني براحتي يا سيدي واللي يحصل . هذه الفاتنة حركت في داخلي زوبعة ، فجرت مستودعا من الديناميت ، اخترق القلب فأشعله ، ونفذ إلى العقل وهزه بعنف .. حرك كل شئ بداخلي

ربنا يستر عليك وعلينا ، أنا غلطان واستاهل ضرب البلغة القديمة ، الصمت لك أجمل ، أنا مالي كنت سبتك كاتم على نفسك وكنت رحت فيها ، أحسن من وجع الراس .

لا تفرق معي ، بعد أن جربت الحديث حتى لو كان على الورق ، كل شئ له لذة ، إلا الصمت كله وجع !!!

دعني أتحرر من كل هذا الهم الثقيل القابع بداخلي ، هذا المدمر الذي يجتاحني

بقوة ، أنا الآن أشعر بالارتياح ، فمالك لو تخلصت من كل هذا المخزون المتراكم ، هل سأشعر بهذه السعادة .. أم وقتها سأشعر بالخواء ، لنجرب ونلتقي غدًا ، إذا جاء الغد ونحن على القيد الحياة ، أو نملك الورقة والقلم و..........

*****

ا لولد الجالس على الكرسي المجاور قال لصاحبه وهو يهمس :

-البعيد ولا هو فاهم ، قاعد كالصنم من ساعة ماركبنا القطار

13

، وهي شغالة غمز ولمز .

تنهد الآخر وهو ينظر إليه بسخرية :

-حظوظ . تنبه لحديثهما فأكتسى وجهه حمرة سرعان ماذابت في سواد الزبيبة الساكنة في منتصف جبينه و انطلقت عيناه تمرح في الجمال القابع قبالته .

توقف القطار وجد نفسه منساقاً خلفها ، نازلاً من القطار ، متتبعها في طرقات المدينة وهي تتأود أمامه وتمشي الهوينة وترميه بنظراتها فيشعر بقشعريرة تغزو جسده ، يقترب منها ، يدنو كالمسحور ، وهو لايشاهد النظرات المتأملة في الطرقات وهي تتبابعهما ، وتلعن أجداد البنت القحبة التي تجلب الغرباء إلى البلدة ، دون اعتبار لأحد ، وكثيراَ مابلغ أحدهم رجال الشرطة الذين اقتحموا دارها أكثر من مرة ، ويخرجون ، وهي تودعهم بإبتسامة ، و هم ينظرون إليها وكأنهم يقدمون إعتذارهم ، وعندما لم يجدوا فائدة تركوها وشأنها ، البلدة كلها تعرف أنها تستقبل الغرباء ، أنها فاجرة ، والبعد عنها غنيمة ، ومن يحاول ملاحقتها من الشباب الطائش لا يجد إلا الصد ، والنساء يتعجبن من فجورها ، ويتغمزن كلما شاهدوها ، ولا مانع من كلمة قذرة تخرج من إحداهن ، أو بصقة على الأرض تزيح مابداخلها من غل .

- أهلاً

- أهلاً

- قاسم .

- سلوى .

- تصدقي لا أعرف لماذا فعلت ذلك ؟

ضحكت ،فغاب عن الدنيا ، وضغطت على يده ، فتبدل ، وتحول ، وبادلها الضغطة ، وهو يغوص في عينيها المكحلتين بالسواد ،وهمس :

- أحببتك .

- من أول نظرة

- نعم!!

وكأنه مسحور ، منقاد بجوارها ، غائب عن الدنيا ، يسير بجوارها ، يشعر بيدها في يده كأنها مركبة تقله إلى عالم بعيد ، جديد ، ولم يشاهد خلق الله في الشوارع ، لم يعرف إلى أن يتجه ، ولا كم مشى ، ولا أي الشوارع والدروب سلك ، ولا كم من الوقت مضى عليه وهو سائر بجوارها .

اقتربت من قصر جميل ، يقف شامخاً في آخر حدود العمار ، عملاقاً بين البيوت الواطئة الكالحة ،خلفه تطل الزراعات ، واللون الأخضر يأخذ مداه ، ولا تظهر إلا هياكل لبيوت بعيدة ، ورائحة الخضرة تعطي للمكان سحراً خاصاً .

وقالت وهي ترمقه بنظرة تاه فيها عن الوجود :

- أدخل .

ولا يدري لماذا تذكر أغنية أم كلثوم : (( خذني في حنانك خدني عن الوجود وأبعدني ))

كيف قرأت أفكاره وقالت :

-(( بعيد .. بعيد )) .

وهي تشده من يده وتدخله من باب القصر

- ولكن !!

- لاتخف أسكن وحدي ، هذا القصر أسكن فيه وحدي .

قصر عتيق وقديم ولكنه جميل ، تحوطه حديقة جميلة ، هو الوحيد الذي يقف عملاقاً وجميلاً بين ما تشاهده من بيوت هذه البلدة الذي نسى أن يقرأ اسمها وهو نازل خلفها من القطار ، لم يشاهد غيرها ولم يعرف كم سارت قدميه وهو يسير خلفها ومعها ، وجد نفسه داخل القصر جالسا في صالة واسعة ، كل شئ فيها أنيق وجميل ، لم يشاهد مثل هذا إلا في الأفلام القديمة ، الأسود وأبيض ، تركته منبهراً ودخلت إحدى الغرف ، عادت بعد

قليل وقد نزعت عنها البنطلون والبلورة ارتدت جلباباً أنيقاً ، وردي اللون مطرز على الصدر ، مفتوح ، فيطل الصدر بشموخ ، ورغم أنه فضفاض إلا أنه يشي بتقاطيع الجسد الفائر وأنوثته ، استقبلته بابتسامة وجلست قبالته ، تواجه بريق عينيها ، وتدخله بسهامها ، فيمتزج كله في كله وهو ينظر إليها متوغلاً في بحورها ، وكأنه في حلم ، مازال غير مصدق كل ما يدور حوله ،

ولكنه يشعر بها ، يحس بأنفاسها تلهب الصالة الفسيحة ، وتخترق كل مسامات جسده ، لم تتحول عيناه عن عينيها ، لم يستطع إبعادهما عن نظرتها المخترقة ، المحترقة .

لم تحدثه ولم يحادثها ‍‍

ماذا حدث يا قاسم ، يا قاسم ماذا حدث ؟!

لا يدري قاسم ، هناك قوة خفيه كانت تحركه هي التي تدفعه على الفعل....................

وطاب له المقام في بيتها ، وتغير قاسم . قاسم تغير ، تحول تبدل ، لا يعرف في الدنيا غير ( سلمى ) ، له في بيتها أكثر من شهر ولا يعرف غير اسمها ، ولم تسأله عن شئ .

وعندما شاهده الناس ، قالوا أغوته القادرة ، أنه غريب لا يعرفها ، من أين جاءت به ، همس أحدهم : وإحنا مالنا يا عم ، دي لعنة والبعد عنها أسلم .

نعم له أكثر من شهر ولا يعرف غير أسمها ، المأذون عندما كتب عقد زواجهما ، كان(قاسم ) في عالم آخر لم يشعر بشيء ، لم يشاهد أحد غير سلمى ويدها في يده ، وعيناها في عينه ، وروحها في روحه .

وعندما بدأ الخروج من المنزل ، والذهاب إلى المسجد القريب للصلاة بدأ الناس ينظرون إليه نظرات لا يفهمها ، أنه يدخل المسجد قبل أي رجل فيهم ، ويؤدي الصلاة جماعة ويتبعها بالسنن والنوافل ، ثم يدلف إلى منزل الغواية .

-أي صنف هو من الرجال ؟!!.

قال ( الأكتع ) وهو يضرب كفاً على كف ويشد من نار النرجيلة ما يلهب صدره .

فأضاف الجالس قبالته سيصلح النار بالماسك :

-هي فاجرة قادرة ، ومن عاشر القوم أربعين يوم صار منهم ، وهو له عندها أكثر من نصف العام .

وتعجب (( قاسم )) من ذلك الرجل الذي يعرفه ، وهو يبصق عليه إثناء خروجه من باب المسجد ، وهو يتمتم بكلمات مبهمة .

وكثيراً ما شاهد نظرات غريبة من أهل البلدة ، رجالاً نساءا

وعندما يحدثها تلك التي منحته من حنانها ، وأرضعته من زبد الدنيا ، تقول له بعد أن تداعبه بحنان ، وتلقي بأنوثتها في فحولته :

- غيورون ، أولاد كلب ، صعبان عليهم أتزوجك أنت الغريب عن البلدة ، بعد ما رفضتهم جميعاً ، يموتوا بغيظهم ، مالنا ومالهم ، أنا وهبتك عمري . يرضخ لكلامها ، ويذوب في أنوثتها .

ولكن تعجب بعد ذلك من تغيرهم المباغت ، وتعود منهم نظرات لا يستطيع فض معالمهما ، ولكنها فيها رهبة وحذر ، ولهفة و ............

 

(2 )

بئر العسل

 

بئر العسل هذا لغز محير حتى لأهالي بلدة (( العسالة )) أنفسهم ، فقد أطلق هذا الاسم على بلدتهم نسبة لهذا البئر اللغز ، وتحكي الألسن ، أن هذه البقعة من الأرض كانت مجرد صحراء جرداء لازرع فيها ولاماء ، أول من سكنها هو (( السامق )) ابن عمدة(( المراشدة )) بعد أن طرده والده ، عندما غوته بنت جنية قابلته في رحلة صيد ووقع في غرامها ، بنت كانت في جمالها حكاية ، القوام سبحان من صور ، جمالها كان يسحر كل من ينظر إليه ، أحبها وأحبته ، وكشفت له عن حقيقتها ولكن بعد أن توغل حبها في قلبه ، فقرر الزواج منها وطلب منها مصاحبته إلى بلدته وعرض الأمر على والده الذي انبهر بجمالها و رحب بالزواج ولكن بعد أن عرف أنها جنيه ، انتفض ، وطرده بعد أن عصاه ورفض الابتعاد عنها ، واصطحبها (( السامق )) إلى هذا المكان ، وبقوتها وجبروتها ، ومساعدة أهلها من الجان ، بنت له قصراً جميلاً ، وعاشت معه أنجبت له بنتاً جميلة (( سلمى )) ، وحفر أهلها بئر بجوار القصر ، كانت تستحم فيه هي وحبيبها كل يوم، بعد أن يلعبان ويتناجيان ، ويرتشف منها الحنان ، وتسعد هي بالوصال ، بعد أن ماتت الزوجة ، جف البئر ولكن في كل عام وفي ذكرى وفاتها يطفح البئر بشيء يشبه الزبد ،وله طعم أحلى من العسل والشهد ، من يشربه أو يسقيه لأحد يحقق له أمنية يتمناها ، ثم بعد ذلك

وبعد موت (( السامق )) أصبح البئر خرب إلا من الجزران والحشرات ، ولكنه يخرج عسله في غير ميعاد المهم أنه يأتي بالعسل مرة في العام ، يزبد ويطفو ، وبعد دقائق تشرب البئر هذا الزبد وتجف وتخرج منها الجزران التي تسرح في البيوت المجاورة باحثة عن طعام ، وكثيرا ما فكر أهل البلدة ردم البركة ـ‎، ولكن فعلها من قبل (( السيد الروش )) بعد أن خرجت ((سوسية))وأكلت كل الكتاتيت من على سطح داره وذبحت كل الفراخ العتاقي ، وحمل فأسه وأقسم بأغلظ الإيمان أن يردم هذا البئر اللعين ، ومع أول ضربة فأس تسمرت يداه ومات مشلولا من فعلته .

- بيقولوا مسكونة ، أو يمكن محروسة من أهل زوجة (( السامق )) .

هذه حكاية .

وحكاية أخرى تذكر أن هذه البئر حفرها (( السامق )) بنفسه ، يوم أن جاء إلى هذه البقعة الخربة وعمرها بنفسه وكان يحمل فاسه كل صباح ولا يكف عن الزرع ومراعاة الأرض إلا في الغروب ، تساعده زوجته (( إحسان )) وكانت كفلقة القمر، قوامها فارع ، وأنثوتها صارخة ، لما تنظر بعنيها لسامق وهو منهمك في زراعة الأرض يترك كل شئ ويمتطيها ، كانت قادرة وعارفة متى تستدرجه لحضنها ، وكان السامق طيب و يجب كل الناس ، وبجوار البئر بني تعريشة جميلة تستوقف الرائح والغادي ، يستقبل كل الغرباء ليستريحوا من وعثاء السفر ، وكثيرا منهم طلب المأوى والعمل فبنى لهم بيوتا وأسكنهم بجواره وشاركوه المأكل والملبس ، ويقال إن (( شمعون )) الذي استقبله ضمن ما استقبله من خلق الله ، واسكنه الدار القبلية تمرد وطلب حقه في كل شئ حتى البئر ، فهو يتعب مثله في الزرع والحصاد والعمل داخل المزرعة ، وهذا يعطيه الحق في ملكية جزء منها ليؤمن مستقبله ومستقبل أسرته ، هكذا قال (( شمعون )) فغضب السامق من هذا الـ (( شمعون )) ، لقد حذروه من قبل وقالوا له :

- (( يهودي وخائن ، لا تأمن له ))

ولكنه قال بصدق : (

- ( كلنا أخوة المسلم والنصراني واليهودي ، أبونا واحد وأمنا واحدة وكلنا أولاد عم وخال يجب أن نعيش في سلام ووئام وحب ))

ولكن بعد فعلته هذه طلب منه مغادرة المكان ، فليس له حق فيها ، ولا العيش معهم مادام يحاول الفتنة والتفريق بينهم ، ولكن شمعون الخبيث دبر مكيدة للسامق وهو يستحم ذات ليلة عند البئر أرسل ابنته التي نزعت ملابسها دون أن يراها السامق واقتربت من البئر ، وصرخت واستغاثت وهي تولول وتتهم السامق بمحاولة استدراجها مقابل أن يعطي الأرض لأبيها، وعندما جاء الناس وألتف الجمع ليتبينوا الأمر السامق واقف مندهشا محاولاً لم عريه ، نظر الناس إلى البئر فوجودها زبدت و طفحت وسرعان ما ابتعلت كل شئ بداخلها ، وجفت وخرجت الجزران والسحالي تزحف ، وحط الخراب على المكان ، ومات السامق مكانه بجوار البئر، خجلاً من عريه الذي يراه الجميع ،وهجرت زوجته وابنته الطفلة الرضيعة المكان ، ومن يومها والبئر كل عام تزبد وتطفح لدقائق ثم تبلتع ما أخرجت وكأن شئ لم يكن .

ومن أعوام كان (( مخيمر العجلاتي )) ماراً بجوار البئر ، وشاهدها تطفح وتزبد ، فأخذ منها وشرب ، فردت له عينه التي فقدها في الحرب .

ويقول أحدهم :

-ولكن الناس لم يسكتوا على فعلة (( شمعون )) وبنته الفاجرة ، فقد رجموه بالحجارة حتى مات ، أما البنت الفاجرة فقد ألقوها في البئر حية ، وابتلعتها البئر ، ولم يسمع لها إلا صرخة واحدة ن ويقال أن عفريتها مازال يخرج حتى الآن في الليالي الكحيلة ، ويا ويل من تخرج له ، عفريتها قوي ومؤذي بنت الكلب ، فقد خرجت منذ أعوام لـ (( سعدية )) بائعة اللبن ، وهي خارجة في الصباح الباكر قادمة من قريتها المباركة التي تتمر في طريقها على البئر ، ولم يجدوا لها طب ولادواء ، وماتت ملبوسة .

طلاب الحاجة والذين يسمعون الحكايات الكثيرة عن البئر ، يأتون إلى البئر ويجلسون عندها بالأيام والشهور ، ولكنهم لم ينالوا مرادهم ، قال لهم البعض : إنها للموعدين ، ولا تعطي من ينتظرها ، ومع ذلك لا يكف الناس عن زيارتها والحديث عنها .

الذي يمر من أمامها يجد صنوف من الناس تزورها كل يوم ، ويجلسون في انتظار تحقيق المراد ، حتى أصبحت تعريشة (( السامق )) المجاورة للبئر مأوى يومي للغرباء ، ومقصد يحج إليه أصحاب الحاجة .

حتى الشرطة لم تجد حلاً لهذه البئر بعد اختلاف البلدية وهيئة الآثار حولها ، الأولى تحاول ردمها ، والثانية تؤكد أنها من الآثار ، فعينت الشرطة عليها حارساً من الصباح حتى

المساء ، يجلس تحت التعريشة ، وعندما تبدأ الشمس في الغروب يبدأ في طرد الناس أصحاب الآمال والحاجات ، والحاجين إليها من كل البلدان ، وعندما يهدل الليل سوداه ، وينزل ستائره ، يغادر الشرطي المكان ، و طبيعي لا أحد يستطيع المكوث عند البئر في المساء حتى لو أرغت وزبدت ، خوفاً من بنت اليهودي الجنية القادرة ، والتي تخرج من أعماق البئر لتتصيد خلق الله وتعفر تهم إنتقاما منهم ، كما صرح الشيخ عبد الله قاهر العفاريت الشهير ، والذي أكد في أكثر من جلسة أن من تركبه بنت اليهودي لاتخرج منه ولا بالطبل البلدي قبل أن تنول مرادها ويكون قد فقد عقله .

- لا والله .. البئر مستودع للجن والشياطين والمردة

قالها ( الشيخ مهند ) ، وهو يداعب المسبحة في يديه ، ويفركها في عنف وعصبية ، وأضاف الواثق :

- نعم ، وأنا أخرج جن من أحد المرضى ، حدثته وسايرته ، وأعترف لي قبل أن يتوب إلى الله ويشهر إسلامه ، أنه من سكان هذه البئر ، وأن في هذا البئر كتيبة كبيرة من الجن تقدر بالآلاف ، وهي تعمل على خدمة زوجة السامق .

وكان عندما يقف عند سن الجبال ،كانت الذئاب تتوارى منه وتكن في جحورها ، ويقال أنه ذات يوم وهو واقف بعد المغربية أسفل الجبل خرج عليه جني مارد ، وكان هذا الجن اللعين يصيب أهل البلاد المجاورة بالذعر والرعب ، ويمتنع المارة في المساء من كثرة افعاليه بهم ، ولكن السامق له المج ، تحدى هذا الجن المارد وصارعه وغلبه ، وقيده ولم يتركه إلا بعد أن أخذ منه العهد أنه لا يخرج مرة أخرى لأحد ، ويرحل ويترك هذا المكان ، وحتى يزرع السامق الطمأنينة في قلوب خلق الله الخايفة ، قام ببناء مسجد في هذا المكان .

يقال إن زوجته القادرة بثت فيه من روحها ، ويقال إنها قوة وهبة إلهية منحها الله وما جندها إلا في الخير .

ورغم اختلاف الروايات ، لكن الجميع أتفق على أن ( السامق ) ، له المجد ، كان له هيبة تطل على كل من يراه ، وفي كل مجلس يتعملق ومن حوله يتقوزمون ، وإذا تحدث إصنت له ، وإذا أمر نفذت أوامره من غير مراجعة ، ولكن الجميع كان يحبونه لأنه ودود عطوف ، يعطف على الصغار ، ويحترم الكبار ، و يمر ليلة الجمعة على كل البيوت ليطمئن على أهلها ، ويمدهم بما أفاض الله عليه من رزق ، ولكن إذا غضب ، انزوت عنه الريح وتوارت خوفاً من ثورته .

****‎

***

(3 )

(قاسم )

أقسم بأغلظ الإيمان إنه يوم أن تزوجها وفك طلاسم الجسد وجدها زهرة ما قطفت ، وإن كل ما يقال عنها افتراء ، كيف تكون كما يقولون :

- (( عرفت غيره من الرجال الكثير )) .

واليوم مازال عالقاً كأنه حدث منذ لحظة ، وهي بفستانها الوردي ، كغير كل النساء اللائي يرتدين الأبيض في هذا اليوم ، وعندما أنفردا وجلست على حافة السرير المطرزة ملاءته بخيوط ذهبية ، وعكست الإضاءة الخافتة ابتسامة ثغرها ، ونظرة عيناها النجلا ون ، اللتان يشعان حناناً من سوادهما الفاحم فأحترق قلبه وذاب وهو يداعب خصلات الشعر المنطلق على كتفيها ، وعندما تلامسا وتهامسا وهو يخترق الصدر المرمر مداعباً الأخدود الغائر بينهما ، أنسكبت كلها في كلها ، وذابت فيه ،كانت زهرة ما قطفتت ، لا والله ، كل مايقولونه إفتراء وكذب ، كانت بكراً ، فكيف يقولون كانت تستقبل الغرباء في بيتها ، مؤكد أنهم كذابون ، يريدون الوقيعة بينه وبينها ، لا ، لن يسمع كلامهم ، بل سيسد كل منافذ تحاول إختراقه ، فهي تحبه وتفعل المستحيل من أجل سعادته ، وهو ترك كل شئ من أجلها .

أنها ليلة لاينساها ، فعلت ( سلمى ) كما فعلت ( سالومي ) في رقصتها ، تدللت وتماوجت ، وعزفت بجسدها أجمل لحن ، وهي تتجرد ببطء ، وتسرقه من كيانه ، تأخذه من روحه إلى روحها ،من جسده إلى جسدها .

(( ياااااااااه!!))

قالها (( قاسم )) وهو يهمس لنفسه :

- لقد نسي (( قاسم )) نفسه .

نعم نسيت ياقاسم نفسك !!

... أنا حبيبها ، وعاشقها والولهان بها ، قاسم نسى الأهل والصحب وأحلامه وطموحاته ، نسي كل شئ ، الشهادة الجامعية ، حلمه القديم أن يكون صحفيا مشهورا ، أصبح مجرد بائع فل على قارعة الطريق ، يبيع الفل والياسمين من طرح حديقة القصر ، يخرج كل يوم حاملاً الفل والياسمين إلى البلدة المجاورة ليبيعه ويشتري بما أفاض الله عليه ما يلزم بيته ، ويعود ليجد حبيبة قلبه في انتظاره ، تستقبله بالأحضان والقبلات ، وينسى كل تعب النهار ، عندما يستريح على صدرها الإسفنجي .

تمنحه من روحها ، تسرقه إلى عالمها ....

قاسم زمان راح ، ولم يبقى إلا قاسم حبيب (( سلمى )) ، ولن يفرط فيها مهما حدث ، ولن يجعل الناس في هذه البلدة الغريبة بكل تصرفاتها تفرق بينه وبين سلمى .

قاسم بصمته وقوقعته داخل ذاته ذهب ، كان صمته يقلق الجميع .

****

(( مدرس التاريخ في مدرسة الوطنية الإعدادية ( الشهيرة بمدرسة الفرير ) نهرني وغضب من صمتي وسكوني الزائد عن الحد على حد قوله ، وعندما سأل الأولاد سؤالا في التاريخ لم يعرف أحد منهم ، وعندما رفعت يدي ، شاهدت علامات التعجب ترسم على وجهه ، وعندما أشار لي بالوقوف والإجابة ، وقفت وقلت الإجابة متلعثماَ ، ومع ذلك أقترب مني في حب وهو يصيح بحنان شاهدته في عينيه :

شاطر بابني ، هذا التلميذ شاطر ومذاكر دروسه كويس ، ومن يومها وعلاقتي بمدرس التاريخ علاقة جميلة ، اقرأ له الدرس وأذاكره قبل أن يشرحه ، أجيبه على كل سؤال ، ومن يومها وأنا أحببت التاريخ ، وقرأت كل ما وقع تحت يدي من كتب . كانت تطربني كلمات الشكر ، واستقبلها منه في صمت وخجل .

أما مدرس الإنجليزي ، فرعونته ، وأسلوبه الفظ ، جعلني أكره مادة الإنجليزي ، ولا أهتم بها .. رغم كلمات التحذير التي استقبلها منه في كل حصة في صمت وغيظ ، حتى بعض الكلمات والجمل التي حفظتها من كتاب ( كيف تتعلم الإنجليزية في أربعة أيام )، والذي اشتريته بقرشين نصف مصروفي الخاص ، وأنا في الابتدائية - نسيت كل ما حفظته ، وكنت ألعن أجداد الأستاذ (فايز) في عقلي البا طن ، على عكس الأستاذ ( عياد الراهب ) الذي كان يتموسق معنا في الحصة ، وهو يقول لنا الجمل الإنجليزية مغناة ونرددها خلفه ولا نخرج من الحصة قبل أن نحفظ الدرس ،

مدرس اللغة العربية ، عندما قرأ موضوع التعبير شاهدت الانبهار في عينيه ، وكان يعطيني الدرجة النهائية ويكتب في كل موضوع كلمة شكر ،وفي حصة النصوص طلب مني أن أسمع القصيدة ولكن فوجئ بأنني لم أحفظها فشاهدت الضيق على وجهه ونصحني بحفظ المقرر من القصائد ، وصمت ولم أجب ولم أحفظ ، فأنا أكره حفظ أي شئ وفشلت في حفظ قصار السور من القرآن الكريم .

يومها حرضتك لتصرخ في وجهه وتعرفه أن هذا العقل للفهم وليس للحفظ ، ولكنك سكت وصمت وكتمت في قلبك ، ولكن لا أنكر نظرات الحب والإعجاب بك من كل مدرسي اللغة العربية

****

(( ياااااااه ياقاسم ، تحولت حياتك على غير ما كنت تتوقع ، ألم توحشك أختك ((صفاء )) التي تحبها ، وتجلس بالساعات تذاكر لها الدروس ، وتصر أن تكون أستاذة في الجامعة ترفع رأس العائلة ، كنت دائما تحلم أن تغير لقب (( السقا )) الملصوق بالعائلة ، وكنت دائما تقول : (( إذا كان جدي سقاء ، وأبي بقال بسيط ، سيخرج من صلبهما ومن تلك الشجرة المعدومة من يرفع رأسها ، ويغير هذا اللقب ، ستنسى الناس السقا ، ولا تتذكر إلا قاسم الصحفي المشهور الذي يشار إليه بالبنان ، ويقصده الناس لقضاء الحاجة ، و((صفاء )) الأستاذة في الجامعة ، وربما تكون رئيسة جامعة في يوم من الأيام ، وأمك المبهورة بك ، وتجبر الأب المغلوب على أمره ليلبي كل طلباتكما أنت وأختك ستعوضها عن صبرها ووقوفها بجوارك ، لن تتخلى عنها ، ستغلق دكان البقالة حتى ينسى الناس جذوركم ، ويجلس الأب في المنزل ويكفيه ماعاناه من أجلنا )) .

ماذا جرى ياقاسم ؟! ، ياقاسم ماذا جرى لك ؟! مالذي ذكرك بالماضي ، من أخرجك من دائرة حلمك ؟! من ياقاسم ، لقد ولدت من جديد يوم أن ابتلعتك هذه البلدة وأن تسير على غير هدى خلف (( سلمى ))) واحتوتك هي وأسكنتك قلبها وجعلتك تتحول ، من ذكرك بـ (( صفاء )) والعائلة ، من فجر فيك الطموحات القديمة مرة أخرى ، من ؟؟ يابائع الفل ؟!

(( لاتقل بائع الفل ، بل قل حبيب (( سلمى )) نعم حبيب (( سلمى )) كل شئ من أجلها يهون ، لاقيمة للحياة بدونها ، هل كانت السعادة ستكنني وأنا صحفي وناجح ، هل كانت الحياة ستهبني (( سلمى )) وأنا أحاول جاهداً بناء أسم جديد للأسرة ، لا .. إن لحظة السعادة بين يدي (( سلوى )) ، النظر في عينها ، التمتع بجمالها ، الولوج إلى روحها ، تساوي الدنيا كلها ، كيف لا وهي التي منحتى حياة جديدة ، وأحلام جديدة ، بسيطة لكنها رائعة

- قاسم ، حبيبي قاسم ، العشاء جاهز .

انتشلته موسيقى الصوت العذب من رحلة الهروب إلى الوراء ، وكأن مس أصابه ، توغل في روحه ، انتشله من رحلة الماضي ، إلى هذا الحاضر المغيب فيه ، المكبل بعشق تلك الأنثى ، على الفور نهض وهو باسم ، يجلس بجوار (( سلمى )) يهبها قبلة اسكرته واسكرها ، وتناولا العشاء ، وجلسا أمام التلفزيون يتسامران ، متلاصقان .

 

(4 )

الغواية الثانية

تجد متعة ولذة لامثيل لها وهي تحثه على الخروج من القصر ، ولها طرقها الخاصة التي تدفعه على فعل هذا دون تردد ، وتتخفى وتسير خلفه وهي تتأملهن وهن يأكلنه بعيونهن ، وبعضهن يتغزلن فيه علانية ، والرجال ينظرون إليه بوقار وهيبة ، ولعل طوله الفارع ، ونظرته الثاقبة الجادة أعطته هيبة وجلالة أكثر .

- فلتشرب المفضوحات .

تهمس لنفسها بلذة ، وهي تشاهدن تتدلى الشهوة من عيونهن ، وتكاد تخرج من أجسادهن لتفضح من تحاول مواراتها .

- الله يخرب بيت أبوها بنت الكلب ، ((هنية بنت عبد الوهاب الترزي )) ، يطلع منها كل ده ، ده راجلها ولا كل الرجال ، في الشارع ياخلق .

قال (( علي المدغن )) وهو يضرب كفا على كف ، وهو جالس على القهوة يشد من النارجيلة ويقذف الدخان في الهواء ، ليعكر صفو الشارع .

وقالت العارفة ، والتي تقدر ماحدث :

- وصل الوجع بها، وغلبتها ثورتها المتأججة بداخلها ، فألقت بجسدها في حضن السائر الذي يسير في الطرقات كالمسحور ، المأمور ، لايعير أحد إهتماما ، تراوده عن نفسه ،

تستحثه على الفعل ، ولكن البعيد لم يحس بحرارتها ، وكأنه صنم ، دفعها السائر بعيداَ وواصل سيره وكأن شيئاً لم يحدث ، لقد إعترفت لي (( هنية )) بذلك ، ما هي صديقتي ولاتخبي عني شئ ، (( هنية )) معذورة .

قالت الموجوعة ، وهي تترك شفتها العليا ، تعض السفلى في أسى :

- قادرة وفاجرة ، عرفت تسحره ، وتجعله كاللعبة في يدها .

أضافت السامعة :

- وإحنا كمان ياولية أصبحنا لعبة في إيدها ، سحرته ، وسحرتنا معاه ، من منا لا تفكر في الملعون حتى ورجلها راكبها ؟! .

- أتلمي ياإمرأة !!

- الحقيقة بتوجع ، لكن إلى متى نواري ، ونداري ، وحياة ربنا (( هنية )) معذورة .

******

السائرة خلفه - كانت تشاهد كل ما حدث - فقد بلغ بها المدى ، وتمددت اللذة في كيانها كله .

وهرولت إلى قصرها ، وعندما عاد أستبلت الفارس المغوار قاهرهن ، لتستمع وحدها دون غيرها به ، ولايأخذهن الفاجرات المفضوحات غير الحصرة ، والشبق القاتل الذي سيذهب بعقولهن ، ويظل (( قاسم )) هو حلمهن في اليقظة والمنام ، يتخيلونه ورجالهم فوقهن ، ولن يمسهن ، لن يمسهن ، (( قاسم )) لها وحدها من دون النساء ، ولتشرب الفاجرت نار الوجع ، والفقد ، كما كانت تعاني قبل أن تراه من الوجع ، والفقد ، وكن يظلمنها كثيراً ، ويتقولن عليها ، ويخفن على ما معهم من رجال ، فليشربن هن ورجالهن .

جرأتها الزائدة لم يعرفها من قبل إلا من تلك البنت المراهقة ( شريفة ) التي كانت تقف في مواجهة شباك حجرتك الموارب في الشارع وهي بكامل زينتها وأناقتها ، تخترقتك بنظراتها الطالبة ، وتحاصرك بجرأتها المقلقة لك .

ولكن تعود جرأتها ، وأصبحت تستفز رجولته وتدفعه للفعل .

****

تحول (( قاسم )) إلى نجم في كل بيوت البلدة ، بلدة (( العسالة )) رغم أنف الجميع ،

الرجال يهابونه ، وينظرون إلى طوله الفارع بهيبة وإجلال ، والنساء يتمنينه ويحلمن به في اليقظة والمنام ، وعندما يمرق من شارع أو مكان يشم الجميع رائحته ، حتى لو كانت الرياح نائمة ، والهواء غائب .

ويتقولون أن الملعونة قد بثت فيه من الروح السامق له المجد ، فأخذ منه هذه الهالة الأسطورية ، يشاهدونها في بريق عينيه ن وطوله الفارع ، و وجع نساءهن ، وصبر رجالهن على مايشاهدونه ، بل وخوفهم

وسلمى سعيدة بكل مايدور حولها ، تمتلك رجلاً له مواصفات خاصة .

أما هو ، فلا يعرف مايدور حوله ، لم يشعر به ، كل ما يعيره إهتماما ، هو هذا الفل الذي يقطفه من حديقة القصر ، يأخذه ويبعيه في البلدة المجاورة ، لم يشعر بنظرات النساء الحبلى ، و يعتبر جرأتهن هذه شئ طبيعي في زمن إنهمك فيه الرجال في البحث عن رغيف الخبز ، وتركن أزواجهن وسافرن إلى البلاد البعيدة .

****

قليل الخبرة لايعرف مكرهن ، فعلن معه الأفاعيل .

وهو يصعد درجات السلم ، رآها جالسة أمام باب غرفتها المواجهة لغرفته التي أستأجرها في المدينة الصاخبة أيام دراسته في الجامعة ، مفتوحة الساقين أمام طشت الغسيل ، ملابسها المبللة تظهر ماتحتها بوضوح ، تنحنح ، ألقى التحية ، حتى تلملم جلبابها وتغطي جسدها العاري ، ولكنها ردت التحية وهي منفرجة الأسارير ، تأكله بعينيها ، إستعاذ بالله ن وفتح باب حجرته ، وأغلقه خلفه ، ومن الخارج أتاه صوتها وهو يزعق بأغنية ماجنة ، أمسك كتاب الله وتلا بصوت عالي ، سكتتب برهة ، ثم :

- مدد يامولانا ، بركاتك ياشيخ !!

قالت .. ثم أطلقت ضحكة عاهرة ، إهتز لها كيانه غضباً ، وكثيراً ماشدها في الصباح .. بلجبابها الفاضح ، تحمل فوق رأسها (( بستلة الماء )) .. تتهادى في مشيتها ، فيتراقص جسدها في ميوعة ، وعندما تشاهده قادماً ، ترسم على وجهها إبتسامة ، ونظرة تخترقه ، وهي تلقي بتحية الصباح في دلال ، فيبادلها التحية مرغماً وهو يهرول بعيداً ، أهل الحارة كانوا يقولون أنها أتت من إحدى القرى القريبة من المدينة الهائصة هي وزوجها ومات في حادثة ، وهم يشفقون على أي أحد تدخله دماغها ، فهي أفعى يخافها الجميع ، ويتحاشون شتائمها البذيئة ، وتعود أن يرى لحمها العاري التي تتعمد إظهاره بشتى الطرق كلما شاهدته ، وذات مساء .. سمع طرقات باب الحجرة ، وعندما وجدها أمامه

إندهش ، وإجتاحه خوف داعب كل أوصاله ، قبل أن يلملم أفكاره دفعته وأغلقت الباب وجلست على حافة السرير ، سألها عن مطلبها متلعثماً ، فتسمرت عينيها على وجهه الخجول الذي زاده حلاوة ، واستلقت على السرير فأنحسر الثوب ، شعر بدمائه تتخسر ، إرتبك ، أشاح بوجه بعيداً .

- ماذا حدث يا أستاذ الليل طويل ، وحضرت أسامرك وتسامرني ، ألا تشعر بالوحدة مثلي .

- ياست كلام الناس

خرجت من فم في حاجة إلى نهر النيل

قفزت وشدته ، فوجد جسده مسجى بجوار جسدها ، أحس بحرارتها ، قفز من جوارها ، وصفعها على وجهها بعنف ، لأول مرة يراها تبكي ، شعر بقوة خفية تتوغله ، أمسكها ودفعها خارج الغرفة ، وفي فجر اليوم لملم أمتعته وفي الظلام رحل .

عندما حكى لصديقه ( عمر ) الحكاية ، إنفجر ضاحكاً ، وهو يهمس

- ستظل هكذا دائماً لاتعرف النساء ، ولا كيف تجاريهن .

ولكن (( سلمى ))) أكتشفته ، فضت بكارته ، وحولته وبدلته ، فجرت كل مسامات الرجولة بداخله ، وأدخلته دنيا المرأة بطريقة لم يصدقها هو .

قاسم له المجد يبيع الفل ، و يقلق شهوات النساء ، ويقلق راحة الرجال ، ويطفئ شهوات سلمى مالكته الوحيدة ، ومسيرة أحلامه ، ورجولته .

 

 

 

(5 )

(سلمى)

بعد أن تملكت الحيرة جسده ، وباتت تشاهدها تطل من عينيه ، وتقفز من مسامات جسده ، قررت أن تريحه ، تجعله يخرج من نار الحيرة ووجعها ، استلقلت وروته وجلست بين قدميه تداعبه قالت لي أمي : أخذت تكوين أبي ، وتشبعت من دمائه ، لاتصدق ما يقال ، الحقيقة أن أبي غدر به اليهودي الملعون (( شمعون)) فقد حاول شراء القصر والأرض منه ، وكان ( السامق )) يرفض ، فأغواه ببنته الفاجرة ، فلم يفلح ، وبالمال فلم يفلح ، فدس له السم في الطعام ومات السامق ، وكنت طفله لم أكمل عامي الأول لم يفرح السامق بي ، ولم تطق أمي المكوث في القصر بعد مقتل أبي ، فقتلت اليهودي ومزقت جسده وأعطته للكلاب ، وعادت لأهلها وعندما كبرت كنت أحس بالغربة بين أهل والدتي ، وكنت أسمع جدي يقول لها دائما : أخذت من والدها أكثر منك يا خايبة ، حياتها معنا لن تستمر ، وعندما وجدتني أمي حائرة ، ساعدتني وأقنعت أهلها بتركي للعودة إلى القصر ، وأعطتني علامات حبيبي ، قالت لي : سيسحرك وتسحرينه ، سيغويك وتغوينه ، هو كالبنت البكر لم يعرف قبلك أنثى ، كان يتحاشى النساء ويبتعد عنهن ، وإذا إقربت إحداهن منه يهرول وكأنه يشاهد أفعى ، ولكن عندما يراك ، سيغير ويتبدل ويتحول ، ستجدين رجل يمتلكك وتمتلكيه ، سيهبك رجولته ، وتهبيه أنوثتك ، سيترك كل شئ من أجلك وينسى أهله وصحبه وستعوضيه أنت عن كل شئ .

قالت وقالت وقالت ......

والبنت الحائرة تلملم الكلام وتطرحه في كيانها ، وتنسج منه جلباباً وترتديه .

كانت تحكي وهو ينظر إليها مسحوراً بعينين مسماريتين ، وهي متكورة كالقطة تحت قدميه تداعب بأناملها جسده النافر ، تتشمم عرقه الذي يسكرها ، ويثير انوثتها .

قالت التي وهبته الحياة بزخمها :

- ومن يوم أن حضرت للقصر ، وأنا ألف وأدور في البلاد بحثا عن حبيبي الذي سيحتويني وأحتويه ، وكلما وجدت واحداً مقارباً لتلك المواصفات التي قالتها أمي ، استدرجته إلى البيت ، وأدلف إلى إحدى الغرف وأنزع جلباي الذي صنعته من كلام أمي وإقرأكلامها ، وعندما أقع في الحيرة أرى أمي وقد حضرت مكشرة ، أخرجه من القصر دون أن يمس شعرة من رأسي ، حتى وجدتك أنت وسحرتني ، بحيائك وجمالك ، إقبالك وإدبارك ، وعندما حضرت معي للقصر ، وخلعت جلبابي ، وقبل أن أقرأ تبعثرت الكلمات في الهواء وهي ترقص ، شاهدت الفرحة تُرسم بكلمات الجلباب ، ضاع الجلباب أبتلعته ذرات الهواء ، شاهدت عُري ، وجدت روحي تقفز مني إليك ، وجسدي بكل ذراته يناديك : هيت لك ، ضاع الجلباب ، تبعثر بكلماته . ولكن وجدتك أنت ، وشاهدت أمي التي حضرت بفستان أبيض كما الفل ، وعلى وجهها إبتسامة لم أشاهدها على وجهها من قبل ، عرفت إنك أنت الحبيب المتظر ، وعندما روادتك عن نفسي ، وأنت في قمة شهوتك وغليانك ، تمنعت ورفضت ، وقلت :حاشا لله أن تكون بدايتنا هكذا ، لحظتها سمعت زغرودة أمي تملأ أرجاء القصر ، كنت ساعتها استحثك على الفعل وأتمنى أن تفعل ، وفي النفس كنت أود أن تمتنع وتطلب مني الزواج .

- كفى ياسلمى .

قال العاشق ، وهو يحملها بين ذراعيه ويدخل بها غرفتهما .

****

سلمى الموجوعة من فعلهن ، من غيرتهن وحقدهن عليها وعلى (( السامق )) والقصر ، على كل مايمت لها بصلة ، بل كل البلدة يكرهونها منذ أن حضرت واستلمت القصر ، هذا القصر الذي صنع هذه البللدة ، (( السامق )) هو الذي صنع هذه البلدة ، هو الذي

وضع حجر أساسها ، هو الذي حولها رمالها إلى حدائق غناء ، كانت مجرد أرض خرب ، فلماذا يعاملونها بهذه الطريقة ؟! ، لماذا يحقدون على السامق صاحب الفضل عليهم جميعاً ، لماذا .. لماذا؟ ، لابد أن تنتقم منهم جميعاً ، أن تجعلهم أضحوكة .

فلتكن ياقاسم ، قدري المنشود ، بك عرفت الحياة ، وبك انتشل وجعي من هذه البلدة التي سلمتني للوجع ، وحاكمتني بدون قاضي ، وأكلت أنوثتي ولاكتها مع أن بشراً لم يمسنني قبلك .

أنت الوحيد الذي استبحت عوالمي الخاصة ، دخلتني من أوسع الأبواب كما دخلتك ، فضتت بكاراتي كما ارتويت من زخمك الأول .

وبك ياقاسم أدخل معترك الحياة وأمتلكها ، وليكن زبد البئر ساعدي وظهيري ، وليكن السموق لبنت السامق ، هذا السامق الذي أسس هذه البلدة الجاحدة .

****
***
**

(6 )

( التحول الأول )

- ماذا جرى ياسلوى ؟! . ياسلوى ماذا جرى؟‍‍ ‍‍‍‍‍‍

كنت تمتليكه ويمتلكك ، تنظرين إلى عينيه فتقرأين مابداخله ، كل شئ تحول وتبدل ، ماذا حدث ياسلمى ؟‍ ياسلمى ماذا حدث ؟‍ تنظرين في عينيه فتخرجين بألف علامة إستفهام ، التأمل في وجهه كان يأخذك من كيانك إلى عالم جميل ورائع ، الآن ينقلك إلى بحر من الحيرة .

هل تغير كما تغير ت أشياء كثيرة من حولك ؟‍

هذا غريب ، وجديد ، لم تتعوده من قبل ، هذا التحول أزعجها ، لأول مرة تشعر بغموضه ، كان كتابا مفتوحاً من قبل ، ما يحدث له جديد عليها ، هل تسكت أم تواجه ، وماذا يفيد الحديث يا ( سلمى ) ماذا يفيد الحديث ؟! ، وكأن الدمع سبقها ، وهي تتكور في الصالة تداعب بالريموت قنوات التلفزيون دون تركيز ، منذ أن عاد وفي يده الصحيفة ، وحاله تغير وتبدل ، هل ستفقده ؟ ، هل يتركها ويرحل ؟

هل ماحدث له طبيعي ؟ هل هو الحنين إلى الأهل والصحب ؟ هل هو محق ؟ هل من حقه أن يعود إلى الوراء ؟ ينبش في ماضيه .

إيه ياسلوى !!

وهي تقف وتدور حول نفسها بعصبية في الغرفة ، تشعر وكأنها ضيقة رغم وسعها الملحوظ ، ترمق الصور المعلقة على الجدران ، تتوقف عند الصورة القريبة من الشباك ، تتأملها وكأنها تراها للمرة الأولى ، تطل البنت بنظرتها الحائرة ، عيناها السوداون ينظران إلى المجهول ، يدها القابضة على صدرها البض تحاول موارة هذا الأخدود الغائر الذي يطل من بين جبلين ، الإطار الأسود حولها وكأنه قيد يشل حركتها ، كل مافيها ينبض بالحياة ، ولكن هذا البرواز اللعين ، بلونه القاتم يجعلها مجرد صورة تطل من على الحائط .

إمتلاكك له كان يشعرك بالقوة ، جندتيه لسعادتك ، حتى عندما زبدت البئر وألقت سرها ، اسقيتيه وتمنيتي ما تمنيتي لتكيدي للنساء لتسعدي أنت وحدك ، لقد حاصرتيه بكل أسلحتك من أجل نفسك فقط ، وضعتيه داخل قفصك أنت لكي تحقي حلم أمك المقهورة التي ترسم سعادتها وسعادتك ، لقد حاصرتيه بكل ما منحك الله من أسلحة الأنثى الجميلة لينسى الأهل والصحب ، لينسى أحلامه ، وماضيه ، ويولد على يديك من جديد . والآن تبدل وتغير ، منذ أن شاهد الصحيفة ، وعاد إليك حاملة بين يديه ، نظراته تبدلت ، نبرات صوته تبدلت ، جنونه بك تبدل .

تتقرب من النافذة ، وتخترق المكان الصامت وقت القيلولة ، يلفح وجهها حر شهر يوليو الذي يخترق الشباك ، فتراجع قليلاً ، وهي تركز بصرها على البئر ، لا أحد حوله ، لاشئ إلا الفئران تلعب وتلهو في هدوء وثقة ، وكلب مستلقي تحت التعريشة المجاورة له ، يتظلل بظلها من حر القليولة القاتل ، كل شئ حولها صامت ، حتى إن دقات الساعة المعلقة في الصالة المجاورة لغرفة تخترق المكان وكأنها بجوار إذنيها ، تزيح الستارة ، وتستلقي على الأريكة المواجهة لجهاز التلفزيون

وعندما عرفتي منه تاريخه الذي يحكيه لك لأول مرة ، وأحلامه التي تركها خلفه ،

جاءت الصورة المذيلة بنداء من الأخت الموجوعة التي تبحث عن أخيها بعد رحيل الأب والأم ، ترجوه أن يعود إن كان على قيد الحياة . يومها أحست بكل شئ ، امتلاكها له لن يجدي ، حصنها ثقب ، شباكها تآكلت ‍.

- اتركيه يا سلمى ، أطلقي سراحه ، اجعليه ينطلق ، ينبش في ماضيه .. حتى لا يهرب بلا عودة ؟

لاتخافي من إنطلاقه ياسلوى ، فهو يحبك ، ولايستطيع الاستغناء عنك ، أتركيه ياسلمى يطير ويحط في أي مكان ، سيعود للـ (( غية )) سيعود لك لأنه يتنفسك ، وتسبحين بين كرات دمه ، وتعسكرين في صفائحه الدموية ..

يتنفسك ياسلمى ، تمنحينه الحياة بكل زخمها وأريجها ، أنت الحياة .. لو غادرك سيموت .

- مغرورة ياسلمى .. ماذا لو تحول ، ربما يكون حبك هذا مجرد صدمة افقدته الذاكرة ، ولو عادت له سينساك ، ستصبحين ماضي ياسلمي ، كما كان أهله وصحبه وحلمه ماضي بالنسبة لك

أين أنت يا امي ، يا أمي أين أنت ؟ تعالي وساعديني في هذه المحنة أخرجيني من هذا المأزق ، سأفقد (( قاسم )) يا أماه ، كما فقدتي (( السامق )) من قبل ؟ ماذا أفعل ياامي ، هل اترك كل شئ وأهرب كما فعلتي ، أترك كل أحلامي وآمالي وسعادتي ، هل أترك كل شئ يضيع ياأماه ؟ أين أنت يا اماه .

من خلف الستارة الشفيفة التي يخترقها ضوء النهار الساطع تظهر النخلة الباسقة ، بجريدها الصامت مع سكون الهواء ، لمحت بعينيها الحائرتين زوج الحمام الواقف على جريد النخل يتناجى في القليلولة محتمياً بخيوط الظل الذي يرسمها الجريد على جسدهما ، وكأنهما يرقصان قبل البدء ، لاتدري من يلاعب من ؟! ، هل الذكر أم هي الأنثى ، لايهم ، المهم إنهما يعشقان بعضهما ، لايهم من الذي بيدأ ، ومن الذي يلاعب ، المهم أنهما عاشقان ، يتناجيان ، يسرقان الوقت ويزرعانه بالسعادة . لقد كانت تفعلها كثيراً مع (( قاسم )) وكانت هي البادئة ، وكانت تجد سعادة في ذلك ، نعم .. فهي التي أغوته ، وهي التي كانت تدفعه في كل مرة على الفعل ، أنها أجمل لحظة للأنثى عندما تراود ذكرها ، ويستجيب ، فهب إذن قادرة ولديها ما يشد إنتباهه ويستفز رجولته .

انتبهت للموسيقا التي بدأت تغزو المكان ، وعندما أطلت شاهدت المطربة التي يفضلها (( قاسم )) وهي تشدو بإحدى أغانيها ، فإلتفتت إلى جهاز التلفزيون تحاول الإنصات والخروج من وجعها .

(( سارقين النوم والراحة من حياتنا

سارقين السنين وأغلى ذكرياتنا

وفينك يا ليالي الفرح والأغاني

وفينك ياهو ى مش ناوي تزورنا تاني ))

ولكن سرعان ماعادت إلى هواجسها ، وحصارتها الأيام التي أفلت وتجسدت تصارعها ، هل ستفقد (( قاسم )) وتعود لوحدتها في هذا القصر ، تعود لصراعها من أهل البلدة ونظراتهم القاتلة وشكوكهم المريبة ، وإلى معاكسات الشباب ، وإلى غمزات النساء لها في الطرقات ولسانهن السليط ، هل ستفقد (( قاسم )) كما فقدت أمها (( السامق )) ، قالت لها أمها ذات مرة :

- (( قاسم )) يشبه كثيراً (( السامق )) في إتزانه ورجولته وهيبته .

****
***
*

 

(7 )

( التحول الثاني )

وكأنك عملاق ياقاسم ؟

بل عملاق ياقاسم !!

المجد لك ياقاسم

صرت عظيماً ، عندما رجعت لعقلك ، قلبك دائما يدمرك ، يجعلك تابع ، قلبك سجنك في عالم ( سلمى ) ، دائما يفقدك الكثير ، أما عقلك فدائماً هو ارجح ، عقله دائما يكسب ، في كل مرة يخرج عملاقاً .

وكأن اليوم البعيد حدث بالأمس فقط .

****

يوم أن تلقى التعليمات من قائد التنظيم ، أو كما يسمونه (( الأمير )) وعمل البروفة

الأخيرة لتنفيذ العملية ، أخذ كل مايلزم لتنفيذها في حقيبة يده ، وتوجه إلى هدفه المنشود بثبات وثقة ، فما يفعله جهاد في سبيل اله ، ومقاومة منكر بَيّنْ ، هذا مابثه الأمير .. واقنع به هو وغيره من رفاق الطريق . استقل ( الميكروباص ) في الطريق إلى هدفه

المرسوم بعد أن يقابل شريكه في المهمة ، لايعرفه ، لم يقابله من قبل ، كل ما يعرفه عنه اسمه الحركي ، والعلامة المميزة التي سيتعرف عليه من خلالها ، ركب بجوار الشباك ، في المقعد الأخير وبجواره جلست فتاة حلوة في ريعان شبابها ، فأكفهر وجهه وانكمش حتى لايلامس جسده جسدها ، وعيناه لاتفارق النافذة ، انطلقت الميكروباص إلى رحلتها ، داعب السائق أزرار الكاسيت ، فأنطلق صوت العندليب الأسمر ( عبد الحليم حافظ ) يشدو : (( عيش أيامك عيش لياليك ... )) ، لحظتها شعر بالضيق ، ولكنه كتم غيظه ، واستعاذ1 بالله من الشيطان الرجيم وهو مازال ينظر إلى خارج النافذة ، متأملاً الطريق ، والسيارة تعدو مسرعة تاركة خلفها الشريط الأخضر على جانبي الطريق ، وهو شارد يفكر في أول مهمة يقوم بها ، ولابد أن يثبت كفاءته ، ويحقق مايصبو إليه الأمير والجماعة ، أنه يخاف الدم ، كان يخاف من الدجاجة عندما تقوم أمه بذبحها أمام عينيه ، وكانت أخته ( صفاء ) تضحك من خوفه هذا ، واليوم ، وبعد ساعات قليلة سيقتل نفس . (( من أجل رفعة الدين نفعل أي شئ ، الضرورات تبيح المحذورات )) هكذا قال الأمير ، وإن نفذ مهمته على أكمل وجه فقد خدم دينه وله جزاء في الآخرة ، وجزاء في الدنيا وعده به الأمير ، بأن يزوجه أخت له في الله ، السيارة تعدو ، رجل وزوجته يقومان بفلاحة الأرض ، المرأة صلبة قوية ، ممسكة بالفأس وتضرب بها في الأرض بقوة كما يفعل زوجها الذي يغني على صوت الفأس وكأن موسيقى حماسية تنبعث منه عندما ينغرس في الأرض المعطاء ، وفي الآخرة سينال الثواب من عند الله لأنه قتل أحد المرتدين عن الدين ، حماماتان فوق جذع نخلة يتناجيان ، طفل يرمي شجرة التوت بالحصى حتى تلقي بثمارها ، ثور يدور في الساقية بلا كلل . إذا فشلت في المهمة ، أو تم القبض عليك بعدها ، فلا تحزن ، ستجد من يصاحبك في سجنك ، وإن فعلوا فيك مكروه ، فأنت من الصدقين والشهداء والنبين في جنة الخلد ، تنعم بالحور العين ، عيش أيامك عيش لياليك ، خلي شبابك يفرح بيك ، إقتربت السيارة من إحدى التي ترمي بدورها على قارعة الطريق ، صوت المؤذن يخترق زجاج السيارة مناديا : اله أكبر ، عندما سمع السائق صوت المؤذن ، أغلق

الكاسيت ودد خلف المؤذن ، سمع المتكرمش بجوار الشباك الفتاة الجالسة بجواره تردد الآذان بصوت خفيض خاشع ، أقشعر له بدنه ، كل السيارة في من صمت وخشوع ، أتجه ببصره داخل السيارة متأملاً الركاب ، وزنت الأسئلة في عقله المفقود : هل هؤلاء كفرة

كما يقول الأمير ؟‍ لو كانوا كذلك ما أصنتوا ، ما رددوا بخشوع الآذان خلف المؤذن ، وهذا السائق الذي كان يهتز طرباً مع الغناء ، هو الذي أوقف الكاسيت وانتبه للآذان ، يومها تداخلت الأفكار في عقله ، توغلت في أعماقه ، ماقاله الأمير وماتشبع به من أفكار لاينطبق على هؤلاء ـ، وهؤلاء عينة من البشر ، ومؤكد أن معظم الناس مثلهم ، انني مقدم على قتل رجل لا أعرفه ولايعرفني ، لاتربطني به أي علاقة ن ولكنه مسلم ، ولو كان غير مسلم ، ما أدراني إن كافراً أو غير ذلك ؟‍ ، كيف اقنعت بما قاله لي الأمير ، كل شئ تداخل ، لم أعد أعرف ماهو صحيح وماهو خطأ ؟‍ ، كل هؤلاء في طريقهم إلى عمل ما ، قد يكون عمل دنيوي ، ولكن العمبل عبادة ، ومصد رزق ، ورسولنا الكريم حثنا على العمل وهو القائل : (( إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها )) المرأة في الحقل بجوار زوجها تعمل بلا كلل ولاملل ، الثور في الساقية يعمل ، والدنيا فيها الصالح والطالح . من أي صنف أنا ؟ مازلت حتى الآن لا أملك قوت يومي ، أبي يطعمني ويسقين ، ومع ذلك الأمير يكفره ، ويطالبني بالبعد عنه ، أي تعاليم هذه التي تفرق بين البن وأبيه ، عيش أيامك عيش لياليك ، ما العيب في هذا الغناء ؟‍ حاصرته الأسئلة ، واصبح في دوامة ، لم يفق منها إلا على صوت السائق وهو يقول بصوت جهوري باسم : (( حمد له على السلامة ياحضرات )) ، يومها نزل من السيارة وهو ممسك بالشنطة ويشعر برعشة ورعب ، توجه على الفور إلى النيل ، وعندما أحس أن أحداً لم يشاهده ، ألقى بالحقيبة في النهر ، وعندما تخلص منها ، شعر كأنه ولد من جديد ، عاد أدراجه إلى بيته ، وهو في الطريق ، قرر أن يصارح والده بكل شئ ، ويبدأ صفحة جديدة ، يومها قال له والدي : ((( يجب أن تحكم عقلك يا ولدي قبل أن تفعل أي شئ ، فعقل الرجل زينة وتاج.

****

ما عدت الدرويش الذي يهابك الرجال ، ولا هذا الرجل اللغز ساحر النساء ، وفجر أنوثتهن ، ولا الحبيب المتيم الذي يبيع الفل لعشاق ، وما عدت تفلح رسولاً للغرام بعد اليوم ، وهذا القصر الغز الذي بنى حوله أهل البلدة الأساطير ما عاد القصر ، لقد تحول إلى برج عالي ، مدينة بأسرها تدب فيها الحياة العصرية بكل زخمها ، وأصبحت يا قاسم رجل أعمال يشار إليه بالبنان ، وعلا أسم قاسم ، قاسم فقط ، وبدأ حلمك القديم المنسي يعود ، ليصبح قاسم شجرة جديدة ، لعائلة جديدة ، ودفن السقا في أعمق النسيان . محلات قاسم للاستيراد والتصدير ، معرض قاسم للسيارات ، سوبر ماركت قاسم ، مطعم قاسم ، ..الخ ، والناس لاتعرف اليوم غير السيد قاسم بيه ، رجل الأعمال ل لمعروف ، وصاحب الملاين ، نسيت قاسم السقا ، ونسيت قاسم المجذوب بائع الفل ، الأبهة والعظمة قادران للفتك بأي شئ ، أي شئ .

في البداية كانت ( سلمى ) تشاهد ماجرى مبهورة ، ترى في نجاح قاسم نجاحا لها ، فهي التي صنعته ، ولولا القصر ماكان قاسم ، ومابنى البرج ، وجمع الثروة الطائلة التي حولته إلى عملاق ينظر إليه الناس بهيبة ، وهي تر يد ذلك ، تريد أن تبهر الناس بقاسم ، كما فعلت من قبل وجعلته أسطورة لنساء والرجال ، ولكن ( قاسم ) تغير وتبدل ن ما عاد قاسم الذي يعود إلى البيت ليلتقي بعينيها ، ويستريح على صدرها الإسفنجي

- أجمل لحظة هي التي ألقي فيها بكل هموم الدنيا ، وتعب اليوم على صدرك الإسفنجي ، أشم أريج جسدك ، أشعر بأنفاسك وهي تزيل عناء اليوم ، ووجع الأيام .

كثيراً ما قال لها ذلك ، كلما عاد من يومه المعتاد ، اليوم يعود ( قاسم ) محملا بهموم الدنيا ، مشغول بأعماله التي تسرقه حتى في داره ، وسلمى العاشقة تعاني من الفقد ، يُسرق منها حبيبها .

- سيضيع قاسم ، كما ضاع السامق ‍

قالت لها أمها التي حضرت لتنتشلها من وجعها .

وأضافت :

- تركت له الزمام ، يا سلمى ، فتحتي القفص على مصرعيه

ولكن ماذا تفعل سلمى أمام غول يأكل كل شئ أمامه ، عملاق يتمدد حتى وصل إلى السحاب ، لقد سقته من بئر العسل وتمنى ، ونالت ما تريد ، وسقاها هو وتمنى وحقق ما أراد ، بل أرحم منها ، هي جندته لأحلامها ، وإشباع أنوثتها ، وغيرتها وحقدها الدفين من

أهل البلدة ، وهو حقق حلمه دون أن يمس أو يجرح فقط ، فقط جعلها تابعة ، متأثرة لا مؤثرة ، تجلس في دارها تنتظره ، تنتظر منه نظرة حب ، أو لحظة انسجام ، يحس بها ، يشعر بالمرارة التي تغلي بداخلها ، ولكن طموحاته وأحلامه أقوى بكثير ، شجرة قاسم لابد لها أن تتفرع تنتشر ، وتقتل كل أوجاع قديمة ، وترسم الحلم الجميل .

سلمى تتابع وتشاهد عملقة قاسم ، الذي محا كل شئ من تاريخها ، ولم يبقى لها إلا هذا البئر الخرب الذي مازال قابعاً مكانه وحوله التعريشة والنخلة اليتيمة ، هذا كل ما تبقى من تاريخ السامق ، السامق صاحب هذا المجد .

تحاول سلمى أن تخرج من هذا الوجع وهي تبحث في الغرفة عن أي شئ يشغلها عن هذا الصراع الذي يمزقها :

- جرى إيه يا سلوى ، قاسم مازال ملكك ، أفرحي له ، اتركيه يعيش حياته ، لم يتركك ، لم يفكر في غيرك رغم أنك عقيم ، لو كان يرغب في غيرك لفعلها منذ زمن ، ولكن قال لك ، يكفيني أنت .

اقتربت من الشباك ، وأزاحت الستارة ، ترمق الطريق الذي يضج بالمارة ، الكل يهرول وكأن الجميع في سباق ، كل شئ يتحرك ، إلا هذه البئر وتلك التعريشة ، وهذه النحلة التي ذبلت ، وأصفر جريدها ، وكأنها تعاني من مرض عضال ، كأنها غريبة عن هذا المجتمع ، الأسمنتي ، الإسفلتي ، غاصت في الئر ، وهي مشدوهة ، وكأن السامق بهيبته ووقاره ونظرته الثاقبة ، قد خرج من البئر ووقف على حافته ، وهو يرمقها بنظرة اخترقتها - يا ........

قبل أن تتفوه بكلمة ، أختفي السامق ، هزت رأسها لتخرج من هذا الوهم ، وهذه التخيلات القاتلة ، ولكن شاهدته ، النظرة ، والجسد السامق ، كل مار وته أمها عنه ، شاهدته فيه في تلك اللحظات ، ولايمكن أن يكون هذا هو ، ولا هذه النظرة العتبى خداع ، لقد قالت هذه النظرة الكثير ، استلقت على أقرب مقعد محاولة الهروب من كل شئ .أغمضت عيناها ، ولكن كيف تغلق تفكيرها . تداخلت كل الأشياء معلنة الصراع معها ، هل ما شاهدته واقع أم خيال ، مجرد تهيؤات في القيلولة ، ماذا جرى لك يا سلوى ؟ ، يا سلوى ماذا جرى ؟‍ لماذا هذا التحول والتداخل والصراع ، ماذا حدث ؟ أين تكمن الفجوة ؟؟ .

هل هو بعد (( قاسم )) عنك ، وانشغاله بأعماله ، ما عاد بائع الفل المطيع الذي يبيع الفل في البلدة المجاورة ، ويعود إليك محملاً بالأشواق يرتمي بين أحضانك ، ما عاد قاسم الذي تمتلكيه ، الذي يمنحك السعادة ، ويهبك القوة ، قوة الأنثى المسيطرة ، التي لايهمها إلا سعادتها ـ، ونزواتها حتى ولو كانت على حساب حبيبها ، ما عاد قاسم هو قاسم ، كل شئ تغير حولك ، حتى أمك ما عادت تزورك إلا نادراً وتتعجل رحليها قبل حضروها ، كل شئ يهرب منك يا سلوى ، فلماذا حضر السامق في هذا الوقت بالذات ، أو لماذا تراءى لك هذا الوهم ، ما الذي دفعه إلى الخروج من هذا البئر اللعين ، سبب سعادتك وشقاءك ، قفزت من مقعدها ، وهرولت إلى المطبخ لإعداد كوب من القهوة لعله يعيد للرأس اتزانها .

****
***
**
*

 

(8)

(الصراع )

جلس (( قاسم )) في غرفته شاعراً بالوحدة رغم كل ما يشغله من أعمال ، جال بصره في الغرفة ، وعندما وقع بصره على الصندوق المهمل في أحد الأركان تذكر أن ( صفاء )) أخته جلبته معها وقالت له أنه يحتوي على أشياء تخصه ، تركته ومازال قابعاً في مكانه لم تمسسه يد حسب أوامره ، اقترب منه وفتحه لأول مرة ، وأخذ يقلب ما بداخله متفحصاً ، وشريط الذكريات يجره إلى الماضي السحيق ، أحلامه الأولى ، أمسك الجريدة القديمة ، ياه ، مازالت هذه الجريدة بحالة جيدة ، فتحها وقلب صفحاتها ، وتسمرت عيناه على تلك الصفحة ، والقصة المنشورة المذيلة باسمه ، والصورة المرسومة مع هذه القصة ، لقد دخل المعتقل ثلاثة سنوات من أجل هذه القصة ، ياه ، لقد نسي هذا الموضوع بكل وجعه وقهره ، قرأ العنوان : (( تمرد الزازير )) ، يوم أن سلمها للأستاذ (( الجندي )) رئيس التحرير ، وقرأها شاهد الابتسامة على وجهه ورحب بنشرها ، ويوم أن شاهدها منشورة بجريدة (( الصحوة )) أشهر صحف المعارضة اجتاحت السعادة كل كيانه ، ولكن في المساء وجد

نفسه ملقى في غرفة مظلمة ومعه إثنان ، الأول يعرفه ، الأستاذ (( الجندي )) والثاني عرف بعد ذلك أنه الرسام ، اكتست وجهه ابتسامة ساخرة وهو يقرأ القصة : عنوان جانبي : (( من التقارير السرية لكلاب أسد الدولة )) . جاء صوت (( سلمى )) من الصالة :

- أعملك شاي معايا ياحبيبي

- شكراً .

- تعالى إتفرج على المسلسل

- مشغول شوية

كان صوتها يسحره ، يدغدع كيانه ، بدأ في القراءة : (( تم القبض على مجموعة من زازير حي النمر الشرس ، وذلك بعد أن أفادتنا التقارير من عيوننا الساهرة في جميع أحياء ودروب وأزقة وبيوت السلطنة الآمنة بعزكم ، وأن هؤلاء الزرازير يحاولون زعزعة أمن السلطنة بالتجني على السلطان -أدامه الله وأبقاه لنا - بكلام خطير وغريب لايخرج إلا من مجانين ، ويقولون ويروجون : أن السلطان أسد الدولة _ حفظه الله ورعاه - له علاقات جنسية مع الحمارة زوج الحمار كبير مفوضي السلطنة ، وأيضاً كاتم أسرار الدولة الذئب العظيم ، وأن الأثنتان يتصارعان بكل الطرق والوسائل من أجل إرضاء السلطان ، وأن حرم مولانا عندما علمت من مصادرها بخيانه مولانا . رن الهاتف ، تجاهله ( قاسم ) ولكن عندما تواصل الرنين رفع هاتف السماعة ليرد :

- آلو ، أيوه ، فاكر ، الساعة التاسعة صباحاً ، جهزي المستندات ، وانتظريني ، أقولك إيه يا ((( فاتن )) إعملي حسابك حتكوني معايا .

عاد إلى الصحيفة باحثاً عن النقطة التي توقف عندها وواصل القراءة : حاولت قدر الإمكان إبعاده عن مبتغاه ، وإستخدمت كل وسائل الأنثى ، ولكنها وجدت الصد والنفور ، وعندما فشلت قررت إرضاء نزواتها مع كلاب ونمور وثعالب السلطنة ، وهو يعرف ذلك وسعيد لأنه إبتعدت عنه وتركته يمارس هوايته . هذا ماوصلنا وماوافتنا به التقارير ، ولأن كل ما يقال محض إفتراء على جلالتكم وجلالتها ، لذا قررنا إعدام هؤلاء إعداماً جماعياً .

توقف بعد إنتهاء هذا المقطع ، وقبل أن ينتقل إلى المقطع الثاني ، تأمل الصورة التي رسمها الرسام لشاب قوي البنية مفتول العضلات ، فارع الطول ينظر بعينة في إستهزاء

لمجموعة من الضباط الأقزام الذين لايصل طولهم إلى ركبته ، وهو يشهرون الأسلحة على جسده ، عاد إلى العنوان الجانبي الثاني للقصة ، وقرأ : (( أوراق متساقطة من تاريخ أسد الدولة )) : عثر في مكتبة (( طلحا هاواي ))) على مخطوط قديم يرجع عهده إلى السلطان العظيم أسد الدولة ، هذا نصه : (( أصدر السلطان أسد الدولة قاهر الإنس والجان والحيوان - حفظه الله ورعاه - فرماناً هذا نصه : إيماناً منا بدور المرأة في المجتمع وبدون مقدمات قررنا منح المرأة أفضلية في كل شئ ، فلها حق التجول في السلطنة الآمنة دون إعتراض من رجالنا ، وأن تتقلد المناصب العليا ، وأن تكون مستشارة السلطان من الجنس اللطيف الظريف ، وحرسه أيضاً ، وأن تعين وزيرة خاصة للنساء تبلغه أولاً بأول بحالهن ومطالبهن ، ومايحتاجونه من ملابس وأدوات مكياج ، وأي فرد أيا كان يُغضب أنثى يعدم فوراً دون نقاش . انتهى المخطوط . ابتسم ( قاسم ) وأمسك علبه سجائره وأشعل سيجارة ، دخلت عليه ( سلمى بقميص نومها الوردي الذي ز ادها فتنة ، وأظهر تقاطيع جسدها البض الذي كان يأكله بعينه كلما رآه ويداعبه بكل الطرق ، ولكنه نظر إليها نظرة عابرة ، وأغلق الجريدة دون أن يكمل القصة .

همست سلوى :

- سأدخل لأنام

قام وهو يلملم الأشياء المبعثرة داخل الصندوق ويلغه :

- خذيني معك .

غرس السيجارة بعد أن أخذ منها نفساً عميقاً في المطفأة ، ودلف خلفها .

استلقى بجوارها على السرير ، لم يلحظ نظرتها الطالبة ، وهو ينظر إلى سقف الحجرة ، ماذا جرى لك يا(( قاسم )) ، يا (( قاسم ماذا جرى لك ؟! . كنا دائم النظر إلى الشعر الأسود الفاحم المنسدل على الكتفين البضين ، وتتوه في العينين السوداوين بأهدابهما الطويلة ، وتتحير من أمر هاتين الشفتين الذين يصرخان بالأنوثة ، تنصهر بين ذراعيها .. و...

هي الآن بجوارك كما هي لم تتغير ، بل كوم يوم تزداد فتنة ، أنظر إلى نهديها اللذين يفجران فيك الرجولة ، أنهما يطلان من فتحة قميصها الأبيض ، هاهو الأخدود ينتظر أصابعك ليمروا بسلام ، يدغدان جسدها ، ويشعلان في جسدك نار الرغبة ، هاهي راقدة

بجوارك ومازالت نظرتها تفرج براكين الجسد ، هيا ياقاسم ، ماذا فعل بك البئر ؟‍ ، ماذا تمنيت وأنت تشرب زبده ، ليتك كنت كما كنت ، تابع لها ، خاضع لأنوثتها ، ليتك كنت بائع الفل الذي أحبتك ، تحولت ياقاسم ، تحولت وتبدلت ، منذ أن حضرت أختك (( صفاء )) وأسكنتها الدور الذي يعلونا في هذا البرج اللعين وأنت لست أنت ، لا .. بل منذ أن هدمت هذا القصر وبنيت البرج ؟1 ، هذا البرج هو سبب التحول ، أصبحت مهوس بقاسم ، قاسم فقط ، شركات قاسم ، ومحلات قاسم ، وبرج قاسم ، لا .. بل هو البئر الذي غيرك ، شربة العسل الذي شربتها هي التي غيرتك ، هذا البئر سبب تعاستك يا (( سلمى )) ، ياقاسم ، أنظر إلى هذا الجسد الذي وهبك السعادة ، أنظر لعلك ترجع وتعود ، عد ياقاسم ، لأكيد بك النساء ، عد لي وحدي ، أنت ملكي ، أنا التي منحتك السعادة ، منحتك التحول ـ، فلماذا هذا التبدل والتحول ، لماذا تشعرني بالفقد .

ستظل هكذا يا (( قاسم )) تلهث وتجري وراء بناء كيان أسمه (( قاسم )) ، وبعد ذلك ياقاسم ، من سيكمل حلمك ، وامرأتك عاقر لاتلد ، وقد أخذت العهد إلا تتزوج غيرها مهما حدث؟ .. إذن كل مابنيته سيهدم ، حلملك القديم سيقتل ، وبعد ذلك ياقاسم ؟ ، قالت لك (( صفاء )) تزوج ، لابد أن تتزوج وتنجب ولي العهد الذي يرث أسم قاسم ويكمل المشوار الذي بدأته ، لابد أن تزوج يا(( قاسم )) ، حتى (( سلمى )) قالت لك تزوج ، قالتها وكررتها ، ولكن تعلم إن ذلك من وراء قلبها ولاتريدك أن تفعلها ، سلمى ، إلتقت إلى جواره وكأنه لايشعر وجودها إلا لحظتها فوجدها مازالت مستيقظة ، وعندما تلاقت العيون إحتواها بين يديه وحاول أن يخلد للنوم .

أما الراقدة بجواره موجوعة فمن أين يأتيها النوم ، وهي تشاهد حبيبها يسرق منها ، يهملها ، يعاملها بطريقة جديدة لم يعدها من قبل ، أنه يبتسم لخادمة أكثر منها ، عندما يطلب قهوة أو أي طلب ينادي عليها ، أنا تحولت إلى تحفة في البيت ، كان لايأكل إلا طعام يدي ، لايشرب إلا من يدي ، أنا الذي أفعل كل شئ في قصرنا ، القصر ، ولكن القصر دفن ، وشيد هذا البرج العين ، وكل شئ تغير وتبدل ، هدم القصر ، وبدأت حياتها تهدم معه ، بدأت تفقد كل شئ ، طلبت منه الزواج من غيرها إذا كان هذا يريحه ،

ولكنه رفض ، وشاهدت الإصرار في عينيه ، ربما أخته اللعينة التي ترمقها بنظرات لم تفهمها ، وتعاملها بحذر لا تدري له سببا ، قامت الراقدة ، ودلفت إلى الصالة ، وأخذت تبحث في شرائط الكاسيت ، ووضعته واحداً في جهاز التسجيل :

(( سارقين النوم والراحة من حياتنا )) .

استلقت على الأريكة ، و حاصرتها الأوجاع ، غابت أمها عنها كثيراً ، لم تتعود غيبتها كل هذه الفترة ، تود أن تبوح لها برؤيتها للسامق الذي خرج لها من البئر ، لقد شاهدته رأي العين ، ويستحيل أن يكون بصرها خدعها ، أو أوهام الوحدة هي التي رسمت في مخيلتها هذا اليوم ن بل شاهدته بشحمه ولحمه ينظر إليها نظرة ثاقبة ، اخترقتها نظرة فيها عتب ، فيها وجع ، فيها حزن ، فيها فقد ، فيها ...

شدتها الخادمة التي تفرك عينها وتتثاءب :

- تريدين شئ يا سيدتي

- لاشكرا ، سأقوم لأنام

قالت دون أن تنظر إليها ، ودلفت إلى داخل الغرفة وأغلقت الباب .

****

***

**

*

(9 )

( انهيار)

وكأنها ليست هي ، لم تصدق أنها هي الواقفة أمامها ، لقد شمت رائحتها ، وهي في الحمام ، تغستل بعد ليلة رضا وهبها لها حبيبها (( قاسم )) ، عندما شمت رائحتها وكانت منسجمة مع المياه تداعبها وتتموسق معها ، وتترنم بأغنية لـ ((نجاة الصغيرة )) التي تعشقها لأن حبيبها يعشقها ، فاغتسلت بسرعة وخرجت وهي تهلل فرحة :

- أهلاً يا أمي .

ولكنها بهتت التي رأت ، تسمرت وتوقفت الشفاه عن الكلام ، وجالتا العينان فاحصتان ، معقولة أن تكون هذه أمها .

- ماذا بك يا ابنتي ؟‍‍‍

قالت الواقفة تتعجب من نظرات أبنتها

والمندهشة غير مصدقة . واقفة متسمرة فاغرة فاهها في دهشة .

التجاعيد غزت ، والنتوءات ترهلت ، والعظم ابتلع اللحم ، ولم يبقى إلا جلد جاف

وكأنه حديد صدأ ، الشحوب يعتلي الوجه ، والنظرة منكسرة بلهاء ، لقد كانت تملأ المكان بهاءاً ونوراً ، وجمالها المحتفظة به رغم تراكم السنوات يحسدها عليها الناظر المتأمل ولايستطيع تحديد عمرها ، وروحها المرحة لها حضور مؤثر يشع بهجة على المكان ، كله تغير للنقيض فجأة ، وكأن الزمن تحول فجأة وأخذ منها كل شئ اغتصابا بدون مقدمات ، وبلا تدرج ، فقدت كل شئ .. ماذا حدث لك يا أمي ، كل شئ يتحول للنقيض ، القصر الهادئ الجميل تحول إلى برج هائص قميء ، (( قاسم )) حبيبها بائع الفل ، تحول إلى رجل أعمال عملاق ، لا يكاد يحس بوجودها بعد أن كانت كل حياته ، أمها سقت أيامها فجأة في وعاء الزمن ، حتى البئر نادر من يزوره ، نادر من ينتظر زبده ، بعد أن قطف منه (( قاسم )) ، وكأنه همس له لا تزبد بعد أن قطفت منك لأحد ، وكأنه تمنى لنفسه وطلب منه الكف ، كما طلبت أنا لنفسي وحققت ما تمنيت ، ولكنني لم أطالبه عن الكف عن العطاء ، هو بئر جدي حقاً ، ولكنه ملك لناس جميعاً ، مأوى البائسين والتعساء وطلاب الحاجة ، رمز العطاء .

-ماذا بك يا أمي؟!

- (.. .. ... ) .

واقفة تتأمل أبنتها في صمت ، تمسحها بعينين غائرتين فقدتا بريقهما .

فأنغرس الوجع يأكل في كيان الابنة الموجوعة ، وهي تأمل أمها التي أكلتها الأيام ، كما دهستها وسحبت بساط السيادة من تحت قدميها .

قال الأم قبل أن ترحل وتترك ابنتها يأكلها الوجع :

- المرأة العاقر كالنخلة الخنثى لاقيمة لها . مهما فعلت لن ترضي رجلها الذي يريد الإمتداد والديمومة لأسمه ، وبدون الولد سيموت ، وانت لم تلدي له ولد ولا بنت .

رحلت الأم والدموع في عينيها ، وتركت (( سلمى )) حائرة ، مشتتة ، دامعة العين والقلب ، كيانها كله يتصارع ، وكأن الدنيا تشاركها الوجع ، تريد أن تنهش بطنها الفارغ بكلتا يديها ، تمنت أن تحول لوحش كاسر وتأكل نفسها بنفسها بعد أن أكلتها أمها بكلامها الجرح التي أطلقته كالسهام لأول مرة ، فجأة شعرت بكل شئ يهتز حولها ، الصور من على الجدران تتطاير في الهواء ، كل شئ يهتز بعنف ، يميد ، يتطاير ، يتساقط ، حاولت النظر من الشباك ، أن تصرخ ، كل شئ سكن بداخلها في استسلام غريب ، وكأن أعماقها تصرخ بقوة زادت من هذا الهرج : (( يا قاسم ، يا قاسم أين أنت يا قاسم ، يا قاسم أين أنت ؟! )) ، وبعدها .......

*****

قال الذي ينظر إلى كومة المخلفات التي خلفها البرج بعد إنهياره :

- لقد ضاع كل شئ ، كل أحلام (( قاسم )) دُفنت أسفل البرج

أضاف الواقف بجواره :

- حتى البئر ردمت وطمست معالمها

مصمص المتأمل شفتيه وهمس :

- غضب (( السامق )) حل على المكان ، بعد أن غير قاسم كل شئ .

قالت الواثقة للجالسة بجوارها :

- بل أهل (( سلمى )) الملاعين ، لم يعجبهم نجاح (( قاسم )) ، وإهماله لأبنتهم ، بعد أن عرفوا أنه سيتزوج عليها ، فجابوا عاليها وطيها .

- يا أختي بيقولوا غش في المباني هو السبب

قالت السامعة معترضة .

أقسم القائل بأغلظ الإيمان ، وبر أس جده الكبير أنه شاهد (( قاسم )) في البلدة المجاورة يبيع الفل .

همست أم أسماعين وهي تقسم بغلاوة المرحوم : أنها شافت (( سلمى ))، وبجوارها ((قاسم )) بعد المغربية في الجنينة التي أقامتها البلدية مكان البرج في وضع مشين ، وجتتها إتلبشت ومن يومها لاتذهب إلى الجنينة الملعونة .

أضافت المتقرفصة وهي تطبطب على ورك جارتها النافر :

- وحياتك كانت حامل ، حبلت بعد مرار وإنتظار وما اتهنتش بضناها ياحبة عيني راحت وراح الولد اللي مستنياه ، أنا شفت بطنها الأسبوع اللي فات .

وصرح ((محمد العطار )) للصحف : أن هنالك شجرتان ملتصقتان نبتتا مكان بئر العسل وسرعان ماكبرا وفروعهما إلتفا في عناق جميل ، وأنهما يطرحان ثمار مثل النبق ، لها رائحة التمر الهندي ، ويفرزان لبناً محلى ، وهذه الثمار بعد التجربة .. مقوية للجنس ، وتفوق كل الوصفات الطبيعية وغير الطبيعية ، فمن يأكل منها مرة واحدة يظل بقوة وعافية إلى ماشاء الله !! . وكما تزيد من فحولة الرجل ، تعطي للأنثى نكهة خاصة لحظة الفعل .

بعض الذين قرأوا الخبرفي الصحف هرولوا إلى المكان المنشود ولم يجدوا إلا جذع جاف لشجرة كانت مورقة .

قال الذي شاف :

- هجم عليها الناس من كل وادٍ ، ولم يتركوها إلا هكذا !!

أضاف غيره :

- لاأعتقد أنها ستورق ثانية .

أكد آخر:

- بل صنع أباليس ، وستورق ثانية ، بنت الجنية لن تتركنا في حالنا حتى بعد موتها ، وتريد أن تؤرقنا وتفعل بنا الأفاعيل .

قال الواقف بجواره :

- بل هي لعنة السامق

- وربما غضب قاسم .

- بل هي مشيئة الله !!

 

تمت

طهطا في 25/3/2000

 
الصفحة الرئيسة

 

مع تحيات المحرر : علاء الدين رمضان
 تصميم
غابة الدندنة
موقع الشاعر علاءالدين رمضان
كافة الحقوق محفوظة ©