القصـــــــــــة

محمود رمـضان الطهطاوي

الوســـادة

عندما أغير مكان نومي أصاب بالأرق ، وزاد هذا الأرق تلك الوسادة ، فقد تعودت النوم على وسادة عالية ، وعندما شاهدتها شعرت بالارتياح ، فحجمها مناسب جداً ، وأكيد سيستريح رأسي وجسدي المنهك من وعثاء السفر ، لايهم أن أنام ، فقد تعودت على هذا الأرق عندما أغير مكان النوم ، ولكن يكفي أن أشعر بالراحة وأنا مدد على السرير ،وتلك الراحة تبدأ عندي من الرأس أن تكون الوسادة عالية ، جلست على السرير ، المرتبة إسفنجية ولكنها متماسكة إلى حد ما ، لايهم ، المهم الوسادة ، شكلها يدل على حجمها المعقول ،فتحت الحقيبة وأخرجت ملابسي ونسقتها في الدولاب المزروع في الحائط ، دلفت إلى الحمام ، وجدت الماء باردا ، ونحن في شهر أمشير ، لايهم ، لابد من أزيح أوساخ النهار ، وأطرد كل ما حملته من طهطا إلى القاهرة ، لايهم ، لا يستطيع جسدي المنهك أن يشعر بالراحة إلا إذا تخلص من حمله الثقيل ، وتعب السفر إلا بهذا الدش أياً كان نوعه، الماء بارد أصاب الجسد المنهك بقشعريرة ورعشة أحسها تخرج من روحه ، ولكن سرعان ما يتموسق الجسد المنهك وتأقلم مع الماء ، فوجدتني أشعر بسعادة دفعتني إلى الدندنة ، وإلى السرحان كالعادة في كل ما يهم ذاكرتي المشحونة بالكثير ، خرجت من الحمام أكثر نشاطاً وحيوية ، فعل الماء على الجسد له وقع وخصوصية ، وكأن جسدك دخل حاجاً وخرج كم ولدته أمه ، بكر ، خالي من الأردان ، فعل الطهر هذا يجعل الجسد يتموسق مع الروح فتشعر بتلك النشوة وأنت منسجم مع الماء تمارس طقوس الحج ، وبعد أن تخرج طاهرا ، نظيفا .

خرجت من الحمام في منامتي جلست على السرير ، نعم وسادة جميلة ، حجمها كافي لراحة رأسي المنهكة ، أمسكت جهاز الراديو ، داعبت موجاته باحثاً عن (( نجاة الصغيرة )) أو (( أم كلثوم )) عندما لم أجدهما هرولت إلى إذاعة القرآن الكريم ، أمسكت برواية (( قميص وردي فارغ )) التي ابتعتها من بائع الصحف المقابل لمد بولي في طلعت حرب ، ودفعت فيها خمسة جنيهات دون تردد ، ومنذ متى وأنا أتردد في شراء أي كتاب مهما كان ثمنه ، وطالعت إخراج (( اللباد )) المتميز ، ونظرت إلى صورة ( نورا أمين ) صورة مشاكسة ككتاباتها ، وغصت في أعماق نورا ، ودخلت معها قميصها الوردي الذي لم يعد فارغاً ، شعرت بزغللة في العين ، وصداع ، لابد أنني منهك من السفر ، ومن تجوالي في القاهرة ، محاولة إعادة بعض الفعل الذي كنت أمارسه أيام زمااااااان !! ، ، وضعت الرواية على الكمودينو الذي امتلكته بأشيائي بعد أن كان فارغاً ، الحقيبة السونسينايت ، بودرة الأسنان ، بار فان الفوريو ، ماكينة الحلاقة ، القلم ، الكتب ، منديل كلينكس ، حافظة النقود ، ألقيت بنفسي على السرير محاولاً الاسترخاء ، ولكن صدمت وقمت بسرعة أنظر ، ماذا حدث ، الوسادة مكانها ، وضعت يدي ألمسها غاصت يدي بداخلها حتى كادت تلامس المرتبة ، قبضت عليها بقوة ، وجدتها هشة ، ما هذا؟ ، مجرد إسفنج ضعيف ، من النوع الطري ، بخلاف المرتبة ، ، ضغطت عليها بكلتا يدي ، تحولت إلى كرة صغيرة ، أصابني إحباط ، لا أستريح إلا على وسادة عالية وهذا الوسادة منفوخة على الفاضي لا تؤدي الغرض ، تأملتما مكتوب على قماشها الخارجي بعض الكلمات الإنجليزية ، لا أجيدها ، وبجوار الكلمات شفاه غليظة ، مؤكد أنها شفاه أنثى ، ماهي العلاقة بين الشفاه وهذا الكلام المكتوب بلغة مغايرة للغتي ، كثيرا ما سمعنا على صفحات الصحف عن الألفاظ القبيحة والقذرة ، وذات الدلالات الجنسية الفجة ، التي تكتب على ملابس الشباب ، ويلبسونها دون وعي أو بوعي ، هل يكون هذا الكلام له إسقاط ما على تلك الشفاه الغليظة ، وإن كان كذلك فكيف تمر على هذا المكان المفترفض فيه أنه تربوي بالدرجة الأولى ، لقد خرجت على الموضوع ، المهم الآن كيف ستستريح على هذه الوسادة الهشة ، لابد من حل ، وضعت يدي على الوسادة الأخرى على السرير المجاور لا تختلف عن الخاصة بي ، شعرت بالإحباط وحاولت معالجتها تحت رأسي بطرق عديدة وعندما فشلت كل المحاولات التي وصلتني إلى لاشيء ، استسلمت ونمت على ظهري على غير العادة ، فأنا معتاد النوم على جنبي الأيمن ، ولكن تعذر ذلك من فعل هذه الوسادة ، لا أدري لماذا تذكرت فيلم (( الوسادة الخالية )) ليس له علاقة بالموضوع ، ولكن مجرد الوسادة وما فعلته به من أوجاع جعلتني أتذكر ، ابتسمت ، حاولت الاستغراق في لحظة حالمة ، ولكن كيف والرأس مركز الراحة والطمأنينة غير مستقرة في وضعها الصحيح ، أشعر كأنني أفتقدها ، بعيدة عني ، عندما بدأ الإجهاد يتملكني ، وعيناي يغفوان ، شعرت بأصوات غريبة تخرج من فمي ، حاولت التوقف لم استطع ، داعبت الوسادة قليلا ونمت على جنبي الأيمن ، اصطدمت وجنتي بالشفاه الغليظة ، ماذا لو امتلأت تلك وتحركت بكل فعلها ؟! ، ما هذه الكلمات الغريبة ، لايمكن أن تكتب جزافاً ، ولا يكون لها علاقة بهذه الشفاه الغليظة ، الجهل وجع ، قال لي صديقي حاول دراسة اللغات الأخرى ستفيدك كثيراً ، عندما كنا نسير في ليالي القاهرة ، كان يداعب الأجنبيات ويحكي معهن بالساعات ، وأنا سائر بجواره كالأبله لا أعرف ماذا يقولون ، وعندما ينتهي ، يحكي لي باقتضاب ، لم استرح على جنبي الأيمن أشعر بألم في رقبتي الملتوية ، أعتدل مرة أخرى وأنام على ظهري ، أمي كانت تقول لنا من ينام على ظهره تداعبه الكوابيس في الليل ، ومن يومها وتعودت النوم على جنبي واتحاشى النوم على الظهر ، في الصباح حكيت لزميلي الراقد بجواري والذي نام نوماً عميقا ، قال لي وكأنه قدم الحل السحري ، ضع الحقيبة السونسينايت أسفل المخدة ، وكأنه منقذي !!.

أشعر بتحجر الحقيبة في رأسي ، أقف ، أهرب إلى الشباك ، تصفعني تلك الأشياء المتراكمة فوق سطح مستشفى الأنجلو المواجه لغرفتي ، أهرب بعيني إلى برج القاهرة الشامخ ، أتشوف رواده وهم يطلون من أعلى كأنهم عصافير صغيرة ، ضوء البرج المبهر شدني ، يقف هذا البرج شامخاً وسط دخان القاهرة الخانق ، لماذا لا أفعل مثله وألقي برأسي على وهج الوسادة الواهنة بشموخ وعظمة ولا أجعلها تقلق منامي ، ألقيت برأسي في هدوء وحاولت الاسترخاء والنوم رغم شعوري بعدم وجودها بعد أن رفعت الحقيبة المتحجرة ، ورغم التواء العنق إلا أنني حاولت الاستغراق في النوم .

- نشرت بجريدة (( المساء )) المصرية ، محلق ( المساء الأدبي ) بتاريخ 6/5/2002م

 
القصة القصيرة
الصفحة الرئيسة

 

مع تحيات المحرر : علاء الدين رمضان
 تصميم
غابة الدندنة
موقع الشاعر علاءالدين رمضان
كافة الحقوق محفوظة ©