عندما أغير مكان نومي أصاب
بالأرق ، وزاد هذا الأرق تلك الوسادة ،
فقد تعودت النوم على وسادة عالية ،
وعندما شاهدتها شعرت بالارتياح ،
فحجمها مناسب جداً ، وأكيد سيستريح رأسي
وجسدي المنهك من وعثاء السفر ، لايهم أن
أنام ، فقد تعودت على هذا الأرق عندما
أغير مكان النوم ، ولكن يكفي أن أشعر
بالراحة وأنا مدد على السرير ،وتلك
الراحة تبدأ عندي من الرأس أن تكون
الوسادة عالية ، جلست على السرير ،
المرتبة إسفنجية ولكنها متماسكة إلى حد
ما ، لايهم ، المهم الوسادة ، شكلها يدل
على حجمها المعقول ،فتحت الحقيبة
وأخرجت ملابسي ونسقتها في الدولاب
المزروع في الحائط ، دلفت إلى الحمام ،
وجدت الماء باردا ، ونحن في شهر أمشير ،
لايهم ، لابد من أزيح أوساخ النهار ،
وأطرد كل ما حملته من طهطا إلى القاهرة ،
لايهم ، لا يستطيع جسدي المنهك أن يشعر
بالراحة إلا إذا تخلص من حمله الثقيل ،
وتعب السفر إلا بهذا الدش أياً كان
نوعه، الماء بارد أصاب الجسد المنهك
بقشعريرة ورعشة أحسها تخرج من روحه ،
ولكن سرعان ما يتموسق الجسد المنهك
وتأقلم مع الماء ، فوجدتني أشعر بسعادة
دفعتني إلى الدندنة ، وإلى السرحان
كالعادة في كل ما يهم ذاكرتي المشحونة
بالكثير ، خرجت من الحمام أكثر نشاطاً
وحيوية ، فعل الماء على الجسد له وقع
وخصوصية ، وكأن جسدك دخل حاجاً وخرج كم
ولدته أمه ، بكر ، خالي من الأردان ، فعل
الطهر هذا يجعل الجسد يتموسق مع الروح
فتشعر بتلك النشوة وأنت منسجم مع الماء
تمارس طقوس الحج ، وبعد أن تخرج طاهرا ،
نظيفا .
خرجت من الحمام في منامتي جلست
على السرير ، نعم وسادة جميلة ، حجمها
كافي لراحة رأسي المنهكة ، أمسكت جهاز
الراديو ، داعبت موجاته باحثاً عن ((
نجاة الصغيرة )) أو (( أم كلثوم )) عندما لم
أجدهما هرولت إلى إذاعة القرآن الكريم ،
أمسكت برواية (( قميص وردي فارغ )) التي
ابتعتها من بائع الصحف المقابل لمد بولي
في طلعت حرب ، ودفعت فيها خمسة جنيهات
دون تردد ، ومنذ متى وأنا أتردد في شراء
أي كتاب مهما كان ثمنه ، وطالعت إخراج ((
اللباد )) المتميز ، ونظرت إلى صورة (
نورا أمين ) صورة مشاكسة ككتاباتها ،
وغصت في أعماق نورا ، ودخلت معها قميصها
الوردي الذي لم يعد فارغاً ، شعرت
بزغللة في العين ، وصداع ، لابد أنني
منهك من السفر ، ومن تجوالي في القاهرة ،
محاولة إعادة بعض الفعل الذي كنت أمارسه
أيام زمااااااان !! ، ، وضعت الرواية على
الكمودينو الذي امتلكته بأشيائي بعد أن
كان فارغاً ، الحقيبة السونسينايت ،
بودرة الأسنان ، بار فان الفوريو ،
ماكينة الحلاقة ، القلم ، الكتب ، منديل
كلينكس ، حافظة النقود ، ألقيت بنفسي
على السرير محاولاً الاسترخاء ، ولكن
صدمت وقمت بسرعة أنظر ، ماذا حدث ،
الوسادة مكانها ، وضعت يدي ألمسها غاصت
يدي بداخلها حتى كادت تلامس المرتبة ،
قبضت عليها بقوة ، وجدتها هشة ، ما هذا؟
، مجرد إسفنج ضعيف ، من النوع الطري ،
بخلاف المرتبة ، ، ضغطت عليها بكلتا يدي
، تحولت إلى كرة صغيرة ، أصابني إحباط ،
لا أستريح إلا على وسادة عالية وهذا
الوسادة منفوخة على الفاضي لا تؤدي
الغرض ، تأملتما مكتوب على قماشها
الخارجي بعض الكلمات الإنجليزية ، لا
أجيدها ، وبجوار الكلمات شفاه غليظة ،
مؤكد أنها شفاه أنثى ، ماهي العلاقة بين
الشفاه وهذا الكلام المكتوب بلغة
مغايرة للغتي ، كثيرا ما سمعنا على
صفحات الصحف عن الألفاظ القبيحة
والقذرة ، وذات الدلالات الجنسية الفجة
، التي تكتب على ملابس الشباب ،
ويلبسونها دون وعي أو بوعي ، هل يكون هذا
الكلام له إسقاط ما على تلك الشفاه
الغليظة ، وإن كان كذلك فكيف تمر على هذا
المكان المفترفض فيه أنه تربوي بالدرجة
الأولى ، لقد خرجت على الموضوع ، المهم
الآن كيف ستستريح على هذه الوسادة الهشة
، لابد من حل ، وضعت يدي على الوسادة
الأخرى على السرير المجاور لا تختلف عن
الخاصة بي ، شعرت بالإحباط وحاولت
معالجتها تحت رأسي بطرق عديدة وعندما
فشلت كل المحاولات التي وصلتني إلى
لاشيء ، استسلمت ونمت على ظهري على غير
العادة ، فأنا معتاد النوم على جنبي
الأيمن ، ولكن تعذر ذلك من فعل هذه
الوسادة ، لا أدري لماذا تذكرت فيلم ((
الوسادة الخالية )) ليس له علاقة
بالموضوع ، ولكن مجرد الوسادة وما فعلته
به من أوجاع جعلتني أتذكر ، ابتسمت ،
حاولت الاستغراق في لحظة حالمة ، ولكن
كيف والرأس مركز الراحة والطمأنينة غير
مستقرة في وضعها الصحيح ، أشعر كأنني
أفتقدها ، بعيدة عني ، عندما بدأ
الإجهاد يتملكني ، وعيناي يغفوان ، شعرت
بأصوات غريبة تخرج من فمي ، حاولت
التوقف لم استطع ، داعبت الوسادة قليلا
ونمت على جنبي الأيمن ، اصطدمت وجنتي
بالشفاه الغليظة ، ماذا لو امتلأت تلك
وتحركت بكل فعلها ؟! ، ما هذه الكلمات
الغريبة ، لايمكن أن تكتب جزافاً ، ولا
يكون لها علاقة بهذه الشفاه الغليظة ،
الجهل وجع ، قال لي صديقي حاول دراسة
اللغات الأخرى ستفيدك كثيراً ، عندما
كنا نسير في ليالي القاهرة ، كان يداعب
الأجنبيات ويحكي معهن بالساعات ، وأنا
سائر بجواره كالأبله لا أعرف ماذا
يقولون ، وعندما ينتهي ، يحكي لي
باقتضاب ، لم استرح على جنبي الأيمن
أشعر بألم في رقبتي الملتوية ، أعتدل
مرة أخرى وأنام على ظهري ، أمي كانت تقول
لنا من ينام على ظهره تداعبه الكوابيس
في الليل ، ومن يومها وتعودت النوم على
جنبي واتحاشى النوم على الظهر ، في
الصباح حكيت لزميلي الراقد بجواري
والذي نام نوماً عميقا ، قال لي وكأنه
قدم الحل السحري ، ضع الحقيبة
السونسينايت أسفل المخدة ، وكأنه منقذي
!!.
أشعر بتحجر الحقيبة في رأسي ،
أقف ، أهرب إلى الشباك ، تصفعني تلك
الأشياء المتراكمة فوق سطح مستشفى
الأنجلو المواجه لغرفتي ، أهرب بعيني
إلى برج القاهرة الشامخ ، أتشوف رواده
وهم يطلون من أعلى كأنهم عصافير صغيرة ،
ضوء البرج المبهر شدني ، يقف هذا البرج
شامخاً وسط دخان القاهرة الخانق ، لماذا
لا أفعل مثله وألقي برأسي على وهج
الوسادة الواهنة بشموخ وعظمة ولا
أجعلها تقلق منامي ، ألقيت برأسي في
هدوء وحاولت الاسترخاء والنوم رغم
شعوري بعدم وجودها بعد أن رفعت الحقيبة
المتحجرة ، ورغم التواء العنق إلا أنني
حاولت الاستغراق في النوم .