القصـــــــــــة

محمود رمـضان الطهطاوي

مناوشة

متى ؟ وكيف؟ .

متى مالم أستطع تذكره! ، ولكن قد يدرك بذلك العارف والمتابع ، من يسجل سكناني وحركاتي ، يومها ، بل لحظتها تغيرت ،

- تغيرت كثيراً .

قالها محمد أبو المكارم وعلى وجهه علامات استفهام عديدة .

ربما قبل ذلك بكثير ، ولكن أتذكر هذه اللحظة الهائمة في ملكوت الوقت ، منذ أن أخترقتني بعينيها السوداوين الواسعتين الجميلتين ، وتعودت تلك النظرة الواعدة كلما مررت من أمامها ، أو اقتربت منها ، أشعر بأن هذه النظرة تعريني ، تكشف كل ما بداخلي ، نظرة لم أستطع مقاومتها ولا مجاراتها ، فتهرب عيني مهرولة من شعاعهما القاتل ، الذي أصاب القلب الواهن بكل سهام الهوى .

- هوى ، أي هوى أيها المخبول ، هكذا بهذه السرعة ؟!

- الحب من أول نظرة !!

وحملتك تلك النظرة التي لاتعرف لها تاريخ ، والتي تتماوج في سماء ذاكرتك ، تنغرس في كيان روحك ، حمتلك أوجاع لذيذة ، تستدعيها في لحظات عذبة ، بل هي التي تستدعيك ، تنبهك ، توقظك من ذاتك ، تسرقك من أعماقك ، تدخلك من كل الأبواب ، تناوشك ، النظرة الأولى بأفاعليها كما تغنى بها الشعراء ، كنت تضحك ملء فيك من هذا الشعر ، وتظنه مصطنع ، مالك اليوم أراك تجمعه وتقرأه بتأني ، وبإحساس مختلف ، كأنهم يكتبون لك ، يكتبون منذ أربعة عشر قرنا أو يزيد من أجلك أنت .. يعبرون عن تلك اللحظة ، يعبرون عن تلك العيون التي صدمتك ، والجفون التي أقلقتك ، والابتسامة التي سحرتك ، يصفون عيناها هي ، يتسربلون مع لحظتك أنت ، أراك تقرأ غراميات كثير لعزة ، ولهفة قيس ليلى ، وصراع عنترة من أجل عبلة ، تجالسهم ، تتفاعل معهم وتشعر بهم وتواسيهم ، ترق لحالهم ، بعد أن قتلت العيون التي ، العيون .

متى ؟‍ .

عندما حدث لي هذا التحول ، عندما سرقتني ابتسامتها التي تأسرني بها ، وتحاصرني ، دخلتني أشياء جديدة ، توغلت عالمي ، أحياناً أسعد بهذا التحول ، كثيراً ما ألعنه ، فما خلقت لأعذب ، وأعد النجوم ، وأُسرق من ذاتي في الليل البهيم الذي لا يرحم ، هذا الظلام الدامس الذي يستدعي نظراتها ، ابتسامتها ويمررها أمامي ، ويضعها على شاشة ناصعة كما السينما ، أنا لم أحتمل هذا الوجع ، تقفز هاتين العينين من صفحات الكتاب ، وتطل النظرة الواعدة من شاشة الحاسب ، وأجدني أداعب أزراره وأرسم بحروفه أسمها ، أما ابتسامتها ، فتفترش قلبي ، وتتسربل مع روحي في عناق يشعر به الجسد المجرب ، فتتملكني لحظة وجد صوفي لايدركها ولايحسها إلا العارف . وكما قالوا لا يعرف إلا من ذاق .

كيف ؟‍ .

 
القصة القصيرة

الصفحة الرئيسة

 

مع تحيات المحرر : علاء الدين رمضان
 تصميم
غابة الدندنة
موقع الشاعر علاءالدين رمضان
كافة الحقوق محفوظة ©