متى ؟ وكيف؟ .
متى مالم أستطع تذكره! ، ولكن
قد يدرك بذلك العارف والمتابع ، من يسجل
سكناني وحركاتي ، يومها ، بل لحظتها
تغيرت ،
- تغيرت كثيراً .
قالها محمد أبو المكارم وعلى
وجهه علامات استفهام عديدة .
ربما قبل ذلك بكثير ، ولكن
أتذكر هذه اللحظة الهائمة في ملكوت
الوقت ، منذ أن أخترقتني بعينيها
السوداوين الواسعتين الجميلتين ،
وتعودت تلك النظرة الواعدة كلما مررت من
أمامها ، أو اقتربت منها ، أشعر بأن هذه
النظرة تعريني ، تكشف كل ما بداخلي ،
نظرة لم أستطع مقاومتها ولا مجاراتها ،
فتهرب عيني مهرولة من شعاعهما القاتل ،
الذي أصاب القلب الواهن بكل سهام الهوى .
- هوى ، أي هوى أيها المخبول ،
هكذا بهذه السرعة ؟!
- الحب من أول نظرة !!
وحملتك تلك النظرة التي
لاتعرف لها تاريخ ، والتي تتماوج في
سماء ذاكرتك ، تنغرس في كيان روحك ،
حمتلك أوجاع لذيذة ، تستدعيها في لحظات
عذبة ، بل هي التي تستدعيك ، تنبهك ،
توقظك من ذاتك ، تسرقك من أعماقك ، تدخلك
من كل الأبواب ، تناوشك ، النظرة الأولى
بأفاعليها كما تغنى بها الشعراء ، كنت
تضحك ملء فيك من هذا الشعر ، وتظنه مصطنع
، مالك اليوم أراك تجمعه وتقرأه بتأني ،
وبإحساس مختلف ، كأنهم يكتبون لك ،
يكتبون منذ أربعة عشر قرنا أو يزيد من
أجلك أنت .. يعبرون عن تلك اللحظة ،
يعبرون عن تلك العيون التي صدمتك ،
والجفون التي أقلقتك ، والابتسامة التي
سحرتك ، يصفون عيناها هي ، يتسربلون مع
لحظتك أنت ، أراك تقرأ غراميات كثير
لعزة ، ولهفة قيس ليلى ، وصراع عنترة من
أجل عبلة ، تجالسهم ، تتفاعل معهم وتشعر
بهم وتواسيهم ، ترق لحالهم ، بعد أن قتلت
العيون التي ، العيون .
متى ؟ .
عندما حدث لي هذا التحول ،
عندما سرقتني ابتسامتها التي تأسرني
بها ، وتحاصرني ، دخلتني أشياء جديدة ،
توغلت عالمي ، أحياناً أسعد بهذا التحول
، كثيراً ما ألعنه ، فما خلقت لأعذب ،
وأعد النجوم ، وأُسرق من ذاتي في الليل
البهيم الذي لا يرحم ، هذا الظلام
الدامس الذي يستدعي نظراتها ،
ابتسامتها ويمررها أمامي ، ويضعها على
شاشة ناصعة كما السينما ، أنا لم أحتمل
هذا الوجع ، تقفز هاتين العينين من
صفحات الكتاب ، وتطل النظرة الواعدة من
شاشة الحاسب ، وأجدني أداعب أزراره
وأرسم بحروفه أسمها ، أما ابتسامتها ،
فتفترش قلبي ، وتتسربل مع روحي في عناق
يشعر به الجسد المجرب ، فتتملكني لحظة
وجد صوفي لايدركها ولايحسها إلا العارف
. وكما قالوا لا يعرف إلا من ذاق .
كيف ؟ .