أنظمة ترتعد.. وأفواه خائبة
أنظمة, ومنظرو خيبات, وبقايا سيوف وحناجر,
ومتاجرو أفواه وألسنة.. كل هؤلاء, ممن اعتادوا
تصغير عدوهم وهم فاقدو الامكانية , راهنوا على
فشل المهمة الاميركية في العراق. خدموا
رهانهم بالمدبجات السقيمة, وتوقعاتهم
المخالفة للواقع, والمعبرة عن أمانيهم. قالوا
ان لم تقتل المقاومة العراقية الاميركيين
فسيقتلهم حر العراق. وقالوا ان الاميركيين
سيغرقون في مستنقع عراقي موحش كما غرقوا في
مستنقع فيتنام.. وقالوا وقالوا, ونسوا ماسبق
وقالوه عن افغانستان, وتحريرها. فالحرب هناك
انتهت بالانتصار في غضون شهرين , والحملة اخذت
طريقها المرسوم فلم تواجه مستنقعا, ولا حرب
عصابات,وافغانستان اصبحت بلدا يتطور كما هو
مراد له , على رغم وجود بقايا وعدد لاتزال
موضوعة على جداول التغيير. في افغانستان هذه
الايام كهرباء, وماء, وأمن, وجيش , وأجهزة شرطة,
ولا ينغص عليها الا مهووس ضحكوا عليه, وغسلوا
دماغه, فذهب الى العبث والجهاد اليائس, ففجر
نفسه بحزام ناسف, وكان من اكبر الخاسرين.
أنموذج افغانستان تكرر في العراق,البلد تحرر
ب¯ 21 يوما , وخلالها تدمرت هياكل نظام ثقيل جثم
على صدور العراقيين 35 سنة, خرجوا بعده الى
الحرية, والى تسيير المظاهرات المطلبية, حتى
ضد محررهم الذي كان يتفاءل بالتظاهر
والاحتجاج, ويقول هذا مايفعله الاحرار,
ونريدهم ان يعبروا , ويمارسوا حريتهم. بعض
الانظمة , ومنظرو الخيبات والهزائم, ظنوا ان
الاميركيين دخلوا المستنقع العراقي, وان
تظاهرات العراقيين هي البداية, ونسوا ان
هؤلاء اصحاب حاجة, وصاحب الحاجة أعمى حتى
تنقضي , ونسوا كذلك فشل منطقهم الذي أقاموه
على استصغار عدوهم , وتكبير انفسهم, برغم
فقدانهم لكل ادوات القوة , والامكانات
الذاتية. نحب ان نقول هنا لبعض هذه الانظمة
ورواسبها التابعة ان ماحدث في العراق هو
أنموذج قد يمتد الى دول اخرى, ومقدمات ذلك
بدأنا نشاهدها بأم العين. المظاهرات اخذت
تندلع في ايران احتجاجا على النظام, والاصوات
ارتفعت في العراق لعودة الثقل الى الحوزة
العلمية في النجف انطلاقا من مشاعر وطنية
لاتجيز الولاء للمذهب الشيعي, بل للوطن.
وبموجب هذه المقدمات لامتداد النموذج
العراقي الى ماسواه من الدول, نرى بعض الانظمة
ورواسبها التابعة تبعث بالمقاتلين في العراق
للتضامن مع بقايا حزب البعث الساقط, اي
للتضامن مع الظلام وسنوات الموت والقتل, وكان
عليهم ان يوفروا حياة هؤلاء المغرر بهم, لان
الجهاد , وطنيا كان او دينيا, لايتوفر له لا
الظرف, ولا المكان, ولا الفتوى الشرعية.
أما المظاهرات التي نراها تخرج في بغداد , فهي
مرحلة في سياق عملية التغيير والتحديث
والتطور, سبق وشاهدنا مثلها في افغانستان,
وسرعان ما استوفت نفسها وتوقفت. لقد قلنا ان
صاحب الحاجة أعمى حتى تنقضي , وصاحب الحاجة
هذا , وهو المواطن العراقي, سيفتح عيونه قريبا
على مصالحه الحقيقية, وسيرمي وراء ظهره مصالح
الذين تاجروا به وبحياته, ولم يقدموا له شيئا
سوى افواههم وحناجرهم, وبعضهم , ربما, استغل مع
الاسف دينه وقرآنه وسنة نبيه. كفى.. فتجارة
الدم يجب ان تتوقف, والدعوات المفتوحة الى
الانتحار الجماعي يجب ان تغلق, فالكلمة الان
للشعوب وليس لمن قهرها واستعبدها, واستحل
دماءها.
أحمد الجارالله
عن صحيفة السياسة الكويتية
أعلى الصفحة