جامعـــــــةباتنـــــــة
كليــة الآداب والعلــوم الانسانيــة
قســم علم النفــس وعلــوم التربيــة
إعداد
د/ العربي فرحاتي
السنة الجامعية
2006 ـ 2007
فهرس الموضوعات
مقدمة
أولا : نشأة وتطور علم النفس الاجتماعي
ثانيا : نمو الدراسات في علم النفس الاجتماعي
ثالثا : تطبيقات علم النفس الاجتماعي وفروعه
رابعا : مشكلات صعوبات علم النفس الاجتماعي .
خامسا : القياس في علم النفس الاجتماعي المدرسي .
سادسا : علم النفس الاجتماعي العربي .
سابعا : أمثلة عن القياس النفسي في بعض مواضيع علم النفس الاجتماعي .
ثامنا دينامية الجماعة المدرسية .
تاسعا : مقاربة دينامية لحدث الانتقال من البيت إلى المدرسة .
عاشرا صعوبات التعلم .
إحدى عشر الأخصائي النفسي الاجتماعي ودوره في المدرسة .
ومن خبرتنا في تدريس علم النفس الاجتماعي المدرسي كمقياس جامعي لطلبة السنة الثالثة علم النفس تخصص ( مدرسي )، وعلوم التربية ( وتوجيه وإرشاد ) تبين لنا أن الطالب في حاجة ماسة لهذه المعرفة المتخصصة، لتوظيفها في تطبيق معارفه السابقة في علم النفس الاجتماعي على الوسط المدرسي ومتغيراته في ضوء العلاقة بين الفرد والجماعة .فندرة مثل هذه المعرفة المتخصصة في مكتباتنا الجامعية وتشتتها في مراجع متعددة يتعب الطالب في تجميعها والاطلاع عليها .لا سيما وأن المراجع المتخصصة في علم النفس الاجتماعي المدرسي بالعربية تكاد تكون منعدمة.
ومن ثمة جاءت هذه المطبوعة الجامعية الجامعة والشارحة للخبرة الغربية والعربية في رصد الظاهرة النفسية والاجتماعية وتفاعلاتها في الوسط المدرسي لتغطي هذا الجانب من المعرفة التطبيقية، وتلبي حاجة الطالب في ذلك بشكل سهل وأسلوب بسيط ومختصر للمعلومات بما ينسجم ويناسب تكوين الطالب الجامعي وتأهيله بحيث توفر عليه معاناة البحث عن المعرفة في المراجع المتعددة .
فعرضنا المعرفة الخاصة بعلم النفس الاجتماعي من حيث نشأته كعلم وبحث تعاريفه المتعددة ثم عرضنا علم النفس الاجتماعي المدرسي كفرع من فروع علم النفس الاجتماعي .وتطرقنا في هذا الجزء إلى تطبيقات القياس النفسي على الظاهرة النفس اجتماعية .
ثم بحثنا في نقطة تالية في هذه المطبوعة المواضيع التي يتناولها علم النفس الاجتماعي ومن اختصاصاته كالتفاعل والقيم والاتجاهات والقيادة وتوزيع الأدوار ...الخ .وبينا كيفية دراستها بمناهج وأدوات علم النفس الاجتماعي ودعمنا المعلومات بأمثلة من الدراسات العربية والجزائرية .
وتطرقنا بعد ذلك لموضوع دينامية الجماعة بصفة عامة ودينامية الجماعة المدرسية بصفة خاصة، ودرسناها على مستوى النماذج التربوية المختلفة .
وتلى ذلك بحث صعوبات التعلم، ثم عرض للتعريف بالأخصائي النفسي ودوره في المدرسة .
ونعتقد أن هذه المواضيع هي المواضيع المركزية في علم النفس الاجتماعي المدرسي تغطي حاجات الطالب المعرفية في هذا الميدان، ونأمل أن تكون بمثابة مفاتيح معرفية تؤهل الطالب لممارسة التعلم الذاتي وفق منهجية سليمة .
والله الموفق
أولا : نشأة وتطور الأفكار المؤسسة لعلم النفس الاجتماعي المدرسي
1 ـ الفردية والجماعية في سياق تأسيس علم النفس الاجتماعي
تعد لحظة
الميلاد في سياق الانقسام والتكاثر حالة بيولوجية طبيعية ومرحلة من مراحل النمو
الطبيعي تبدأ من اكتمال نضج الجنين وحينما تصبح بيئة الرحم غير مؤهلة وغير مناسبة
لنموه،يحدث هذا الانقسام الطبيعي الذي يوحي بفطرية الجماعة من خلال عملية التكاثر
وانفصال الولد عن الأم
ليصبح الواحد اثنين ( فرد جماعة ) كما يمكن إدراج عملية انقسام
وانفصال لما كان قد التحم واتحد ( الأم والجنين ) بناء على الدلالة القرآنية من
مقتضيات الخلق ( ومن كل شيء خلقنا زوجين اثنين ) ..
وظاهرة الميلاد وقطع الحبل السري بما هي عملية بيولوجية فإن ذلك يصاحبه صرخة ميلاد تفسر في عرف الفيزيولوجيين استجابة آلية لمنبهات حسية نابعة من الوضع البيئي الجديد وهي بداية التفاعل الضروري للتكيف العضوي والنفسي، وبما هي كذلك حالة فيزيقية، فإنها أيضا تبطن معاني رمزية أخرى تتصل بالفردية والجماعية .فمن حيث هي صرخة تعبر عن استجابة لحالة سوء التكيف وتلقي مثيرات غير مألوفة، فإنها بذلك تعد أيضا إيذان لنقص الفردية وضعفها في مواجهة المثيرات الخارجية، وفي الوقت نفسه إيذان لانبعاث فطرة الجماعية للسطح، كميكانزم دفاعي، فالتحام الجنين بجسم الأم ونظام الحياة الجنينية بما في ذلك نظام التغذية البيولوجية لم يعد ممكنا بعد الميلاد لانفصال الجنين عن جسد الأم، الأمر الذي يستدعي صيغة أخرى للوصل والاتصال يكون فيها الفعل والممارسة وآليات التكيف البيولوجي والنفسي الفطري قيد الانبعاث والتكون التدريجي أي: انبعاث فعل الإرادة في التواصل بين الأم ووليدها بدل الآلية البيولوجية، أو ما يمكن أن نسميه وضع المولود في الرحم الاجتماعي بدل الرحم البيولوجي، وهو بداية تحمل مسؤوليته، فتجسيد الفردية بدأت في الانفصال الحتمي الذي يعبر عن نمو الاستقلالية، وتجسيد الجماعية بدأت بصرخة الميلاد التي تعبر عن التواصل الحتمي بالوسط الفيزيقي والاجتماعي كضرورة للتكيف النفسي والاجتماعي .ومن ثمة فكل من الفردية والجامعية هي إنبثاقات من الأصل البيولوجي للسلوك.
وإذا كان الإنسان أثناء ولادته تطغى على سلوكاته الاستجابات الطبيعية البيولوجية، ويبدوا ذلك للعيان اقرب في استجاباته إلى سلوك الحيوان منه إلى الانسان الراشد، فانه سرعـان ما تطفـوا على سلوكاته بصفة تدريجية وعبر آليتي اللغة ونمو التفكير الطبيعة الثقافية التي بواسطتها يتخلص الإنسان تدريجيا مـن طغيـان الطبيعـة البيولوجيـة، وهي الطبيعة التي كانت كامنة ثم بعمليات النمو والنضج في الوسط الاجتماعي تبدأ في الظهور . وهو ما يجعل الانسان اجتماعيا أكثر، ويؤهلـه إلى دور اجتماعي معين، ذلك أن التربيـة في الأسرة والمدرسة وكل الأوساط الاجتماية، من حيث هي مؤثـر خارجي، تعمل على مساعدة الإنسـان علـى الإفصـاح تدريجيا على طبيعته الاجتماعية والتواصلية؛ فإكسابه للخبرة في مواجهة مواقف بيئية واكتسابه للذاكرة الجماعيـة والخبــرة التراثية واستعمالها فـي مواجهة صعوبات الحياة ومثيراتها وتوظيف مهاراته المكتسبة القبلية والبعدية المتنوعة في الارتقاء إلى افضل حــالات الـعيش مـع الآخرين، كل ذلك يجعل من الإنسان اكثر تواصلا بالآخرين واكثر تقمصا وتمثلا للأنساق الاجتماعيـة القيمـية، و اكثـر انتمـاء للمنظومة الرمزية، فقـد ثبتت البحوث الاجتماعية و مـن بينها " دراسة مارغريت ميد " أن الإنسان فـي نموه ينتقل من الفعل الفردي تدريجيا إلى الفعل الاجتماعي حتى يصبح في سلوكاته واستجاباته انعكاس للطبيعة الثقافية اكثر منها استجابة للطبيعة الفردية البيولوجية.
2 ـ صياغة تعريفات علم النفس الاجتماعي : ـ
فقد عرفه " دانييل كاتز " مبرزا التأثيرات المتبادلة بأنه ( الميدان الذي يدرس الكائنات من حيث أنها تؤثر وتتأثر بالآخرين من أقرانها .)
وعرفه " بارون ، وبايرن Baron ,Byrne " مبرزا الجانب العملي من عملية التأثيرات المتبادلة بأنه ( الدراسة العلمية للطرائق التي لا حصر لها والتي بها نتأثر بالأفراد المحيطين بنا، وغالبا ما تنبع هذه التأثيرات من أفعالهم ... المتضمنة في خصائصهم الشخصية، وأحيانا تنبع من مجرد حضور الآخرين، أو حتى أفكارنا أو ذكرياتنا عنهم) .
وعرفه " برشانسكي وسيدنبرج Proshansky and Seidenberg " مبرزا الوقف السلوكي في المجال بأنه (الدراسة العلمية لسلوك الفرد بما يتضمنه من خبرة ذاتية في مجال وموقف اجتماعي يؤثر ويتأثر به .)
وعرفه " كلينبرج Klinberg " بأنه : دراسة الفرد في موقف الجماعة .
وعرفه " كمبالاينج K.young" مبرزا التفاعل بين مكونات الجماعة بأنه (دراسة الأفراد في صلاتهم البينية المتبادلة أي: صلات بين فرد وفرد، صلات بين فرد وجماعة، صلات بين جماعة وجماعة،) من حيث أن هذه الصلات تولد التفاعل .
وعرفه " ألبورت G.w.Allport "مبرزا بعد التخيل بجانب البعد الواقعي لوجود الآخرين في عملية تبادل التأثير بين العناصر المتفاعلة على أنه (محاولة لفهم وتوضيح كيف أن تفكير وشعور وسلوك الأفراد يكون متأثرا بالوجود الضمني أو الواقعي أو المتخيل للآخرين .).
واهتم أبو النيل بعلم النفس الاجتماعي من حيث هو (دراسة علمية تفاعلية لسلوك الفرد وخبرته والمجال الذي يتم فيه السلوك) ويعني بسلوك الفرد وخبرته دراسة كافة العمليات النفسية التذكر والتفكير والذكاء والاتجاهات والميول والانفعالات...الخ، ويعني بالمجال كل ما يتعلق بالمجال الحيوي الثقافي الذي يحيا فيه الفرد بما في ذلك الثقافات الفرعية الاثنية والطبقية والحضرية والريفية والمجتمعية ...الخ كما يتضمن المجال المجتمع المخطط أو المصنوع ويقصد به أبو النيل المجتمع الذي يقوم الباحث بإعداده للدراسة وفقا لمحكاته وأدواته المنطقية والأمبيريقية . ( 1: 79 ـ 80 ).
3 ـ موضوع علم النفس الاجتماعي :
من المقاربات الابستمولوجية السابقة يتضح ان علم النفس الاجتماعي كعلم تطبيقي يهتم بدراسة الانسان من حيث هو كائن اجتماعي فيدرس تأثيرات الفرد كذات وسيكولوجية خاصة في المحيط الاجتماعي بما يتضمنه من طبيعة فيزيقية واجتماعية في آن واحد، وهو بذلك يهتم بدراسة الكيانات الاجتماعية والمؤسسات والجماعات ذات الطابع الاجتماعي المنظم وعلاقتها بالفرد، فيهتم بدراسة التأثيرات المتبادلة والعلاقات بين الأفراد والجماعات التي ينتمون إليها ( 2 : 54 ) ويهتم بذلك سواء في الأسرة أو في الزمر الاجتماعية والحماعات المهنية والعلمية والأيديولوجية والنقابية أو في مؤسسات رسمية أو غير رسمية أو في إطار الانتماء الاجتماعي القومي أو الانساني، فالفرد في الجماعة أينما وجد وبأي صفة كان وجوده هو موضوع علم النفس الاجتماعي. وبالتالي فهو يدرس إجمالا ما اصطلح عليه بدينامية الجماعة من حيث هي متحركية الفرد المنتمي لجماعة ومتحركية الجماعة المتكون من بنيات وعناصر وتفاعلات .
4 ـ تحديد العلاقات بين علم النفس الاجتماعي والعلوم الأخرى .
أ ـ علاقة علم النفس الاجتماعي بعلم الاجتماع :
يمكن اعتبار مقولة أن مجموعات الظواهر تجد الشروط الضرورية لوجودها في المجموعة السابقة لها، وأن ثبوت العلاقة بين الظواهر الاجتماعية بشروطها البيولوجية والنفسية تكون المدخل المناسب في تحديد العلاقة بين علم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع، فمن حيث أن علم النفس الاجتماعي هو ظاهرة أكاديمية ـ إن صح التوصيف ـ تتعلق بدراسة سلوك الإنسان كمحتوى فيزيولوجي وسيكولوجي، وسوسيولوجي، فهو ـ أي علم النفس الاجتماعي ـ في أكثر تمظهراته الأكاديمية الأولية يعد من نتائج ومترتبات تفاعل البحث في علم الاجتماع، حيث ترتب عن تطورات علم الاجتماع ودراسة الظواهر الاجتماعية عدة إشكالات وتساؤلات حول دور الأفراد وما للشروط البيولوجية وعلم وظائف الأعضاء من دور في تكوين الظاهرة الاجتماعية من جهة وما للتصورات الاجتماعية والأفكار الجامعة من دور في الشخصية من جهة أخرى. وما قانون الأحوال الثلاثة لأوجست كونت من حيث هي قوانين اجتماعية ـ بغض النظر عن صحتها ـ إلا معرفة بتطور تاريخ الذكاء، وقد طبق على المستوى الفردي في النمو حيث وجد من الباحثين من يعتقد بأن الطفل يبدأ في النمو بالمرحلة اللاهوتية ثم الميتافيزيقية ثم الوضعية . وهو ما يعد برهانا بنفوذ الحياة العقلية في الحياة الاجتماعية، وتأكيد أن التأثيرات التي تحدثها الأجيال السابقة على الأجيال اللاحقة إنما يتم بالشروط البيولوجية والنفسية، ويعد كل ذلك تأكيدات على جدل الذات من حيث هي الفردية والمجال المركزي لعلم النفس، والموضوع من حيث هو الجماعة والمجتمع والمجال الحيوي لعلم الاجتماع، ومن ثمة فيعتقد أن هذه الملاحظات فتحت منافذ واسعة لتأسيس علم النفس الاجتماعي ، يحتل حسب زعم " بلوندل " أو على الأقل ينازع مكانة علم النفس العام ويحاول تفسير العمليات العقلية في ضوء شروطها الاجتماعية ( 3: 131 )
ومن الناحية التاريخية نجد العلاقة بين العلمين ثابتة وواضحة في أعمال الأوائل المؤسسين لعلم الاجتماع من الفلاسفة كـ" اوجست كونت، ودور كايم، وتارد " فمبادئ ومعارف علم النفس الاجتماعي قبل تأسيسه كانت مبثوثة بوضوح في أفكار واستنتاجات هؤلاء العلماء .حيث يؤرخ لعلم النفس الاجتماعي بأعمال ومبادرات دوركايم وتفسيراته للعلاقة بين ما هو عقلاني بما هو اجتماعي رغم تطرفه في واقعية وموضوعية المجتمع ووجوده كمعطى سابق عن الأفراد، ومبثوثة كذلك في آراء تارد رغم تطرفه في القول بأن المجتمع ذا وجود مجرد عقلاني ولا واقع له والفرد هو الموجود وجودا حقيقيا، فعلى الرغم من هذا التطرف عند العالمين فإنهما يبدوان اتفاقا واضحا في أن الحياة العقلية ما هي إلا ظلا للحياة العضوية، والإنسان عقل ويعد عقله ظلا للحياة الاجتماعية والحضارية، فالحياة النفسية بحسب "بلوندل " تمتد وتزدهر لتصبح حياة اجتماعية . ( 3: 115 ) . فمن هذا الاتفاق تأكد من الناحية التاريخية لدى كثير من المفكرين بأن علم النفس الاجتماعي في أصله فرع من فروع علم الاجتماع. وارتبط بعلم الاجتماع ارتباطا عضويا، من حيث المنهج والتفسير .
فمن حيث المنهج : رغم تميز الدراسات النفسية الاجتماعية في طريقة معالجتها ومقاربتها للظواهر محل الدراسة عن المقاربات والطرق المؤلوفة في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، بأن يتخذ علم النفس الاجتماعي الفرد والدراسة التحليلية السيكولوجية منطلقا لها وينحاز لها عكس الدراسات في علم الاجتماع، فإنه رغم ذلك لا يستغني عن مناهج علم الاجتماع وإدراج الجماعة والمؤسسة كوحدات لها نفوذها في الفرد وصياغة شخصيته، فهو يتعاطى مع أدواته التحليلية فالعقل الجمعي واللاشعور الجمعي والأنا الجمعي مثلا لها معالمها في شخصية الفرد وسلوكه ولا يمكن الوقوف عليها ومعرفتها بدراسة عمق الإنسان وحده بل بدراسة عمق الجماعة وتمييز ما هو مشترك مؤثر في شخصية الأفراد . ويترتب عن ذلك دراسة الظاهرة النفس اجتماعية على مستويات ثلاثة( تحليل الفرد، تحليل الجماعة كمعطى، تحليل المؤسسة والمنظمة) وهو ما جعل الدراسات في علم النفس الاجتماعي تستعين بطرق ومناهج علم الاجتماع في دراسة الزمر .كالمناهج البنيوية والوظيفية وتحليل المعايير القيم والكشف عن محددات سلوك الجماعة ومدى تأثر الفرد بها أو تأثيره فيها .
أما من حيث التفسير، فعلم النفس الاجتماعي وفقا لموضوعاته التي لا تنفصل عن علم الاجتماع . من حيث أن لها امتدادات مزدوجة تمس الفرد والجماعة فهي متعددة العوامل والمحددات التي تتفاعل لتكون الظاهرة. فظاهرة الانطواء الذي يظهر على فرد ما ينتمي لجماعة معينة لا يمكن تفسيره بمحددات الشخصية وحدها بل بتفاعل المحددات الشخصية الوراثية والمحددات البيئية الطبيعية والاجتماعية، فكثير من الدراسات تكشف أن بعض سمات الشخصية تكونت نتيجة عوامل ثقافية والأساليب النمطية في التنشئة الاجتماعية، ووجد أن التعصب كثيرا ما يفسر في ضوء تفاعل الجماعة والمكانة المنخفضة للمتعصب داخل الجماعة .
ب ـ علاقة علم النفس الاجتماعي بالأنثروبولوجيا:ـ
اختصت الدراسات الأنثروبولوجية من حيث هي علم سلوك الإنسان ـ بصفة عامة ـ بدراسة سلوك التجمعات البشرية البدائية للوقوف على طبيعة السلوك الفردي والاجتماعي وأصله وهي في ذلك تتناول الظاهرة الاجتماعية في بداية تشكلها كنظام ثقافي اجتماعي عام يتجلى في سلوكات الأفراد كدراسة العائلة كنظام والقرابة كنظام والفن كنظام والثقافة كنظام يؤثر على نمط حياة الرهط والتجمعات والقبائل الأولى، وهي بذلك تشترك موضوعاتها وتتداخل بموضوعات علم النفس الاجتماعي الذي يدرس سلوك الإنسان كوحدة فردية اجتماعية، ولذلك فالفرق بينهما لا يرى إلا من حيث طريقة المقاربة للظواهر من حيث العمومية والخصوصية، حيث يتناولها علم النفس الاجتماعي كظواهر جزئية خاصة فيدرس الطلاق والزواج والجريمة كموضوعات جزئية لها علاقة بالشخصية والجماعة، لا كأنظمة ثقافية كما هو في الأنثروبولوجيا .
وتبرز العلاقة بين العلمين أكثر في الجانب النفعي منها خاصة، فقد وفرت الدراسات الانثروبولوجيا حول المجتمعات البدائية أفكار هامة مبثوثة ثقافية ذات العلاقة الوطيدة بموضوعات علم النفس الاجتماعي كما حددها لا حقا علماء النفس الاجتماعي وهو ما أعده الباحثون الرصيد المعرفي الأول الذي وفرته تلك الدراسات لتأسيس علم النفس الاجتماعي لاحقا، وتزويده بمفاهيم ومصطلحات جاهزة للاستعمال، حيث مكنت من معرفة طبيعة الظاهرة النفسية الاجتماعية وكيف نشأت ورصد الاختلافات بين الأمم والشعوب والعصور في استجابات الأفراد وسلوكاتهم تجاه مثيرات البيئة الاجتماعية والايكولوجية، كما في دراسات مارجريت ميد التي كشفت عن عالمية ظاهرة المراهقة من حيث مكوناتها الفطرية، وخصوصيتها أو طابعها المحلي وتمايزها من حيث الاستجابات. ومن هذه الدراسات وتطور تقنياتها المنهجية استفاد علم النفس الاجتماعي باستخدام تقنيات البحث الأنثروبولوجي، كأساليب الملاحظة والاختبارات وأدوات القياس . ( 1 : 134 ـ 135 ) .
ج ـ علاقة علم النفس الاجتماعي بعلم النفس :
يدرج معظم علماء النفس علم النفس الاجتماعي، كعلم تطبيقي تفرع عن علم النفس العام ومن ذلك ما نجده في تعريف غريب له في المنهل التربوي حيث يؤكد بأنه " يكون أحد فروع علم النفس، ويتناول الظاهرة الاجتماعية بالدرس والتحليل في بعديها الأفقي والعمودي، الأفقي بإتباع التحليل السوسيولوجي والعمودي بإتباع التحليل السيكولوجي ( 4 : 789). والواضح من هذا التعريف مدى ارتباط العلمين منهجا وموضوعا، بل ومدى التداخل وانصهار أحدهما في الأخر في كثير من الحالات بحيث يصعب تصور الفرد المتفرد كمجموعة غرائز داخلية ذاتية ويصعب تصور الجماعة خارج نطاق الأفراد، فالفرد يتضمن الآخر فيصبح بالضرورة جماعة، وممثلا، وبهذا الصدد يقول فرويد : تنطوي حياة الفرد النفسية على وجود فرد آخر على الدوام باعتباره نموذجا أو موضوعا أو نصيرا أو خصما، بحيث يكون علم النفس الفردي منذ البداية علم النفس الاجتماعي . وقبل ذلك يعد تفسير فرويد للمجتمع البدائي في ضوء ما يسميه الطوطم من حيث هو الذكر القوي الأب الذي تخضع له القبيلة ويتميز بالقدرة الكاملة على السيطرة، إقرار صريح من متطرفي التحليل النفسي منذ البداية بنفوذ الفرد في الجماعة . ويذهب كلينبرج وهو من علماء النفس الاجتماعي إلى هذا المنحى حيث يقول " أن علم النفس الفردي هو في نفس الوقت علم النفس الاجتماعي، حيث أن علم النفس العام أو الفردي يهتم بدراسة العمليات النفسية الفردية وعلاقتها بالبيئة، ويدرس علم النفس الاجتماعي التأثير المتبادل بين العمليات العقلية والبيئة الاجتماعية .ومن ثمة فهم في وضعية التطابق، فكلاهما يدرس الذكاء والوجدان والاتجاهات والتنشئة الاجتماعية والتفاعل والذاكرة والتفكير ...الخ . ولعل ثبوت عدم إمكانية رؤية الفرد مستقلا عن الجماعة ومعزولا تماما، حتى على مستوى البيئة المصطنعة للبحث واستحالة استبعاد قدرات الفرد وسمات شخصيته من الاستجابة للمنبهات الطبيعية والاجتماعية يعد ذلك أهم دليل برهاني آلي على الترابط العضوي الحتمي بين العلمين، فدراسة توافق الأفراد والجماعات يتم من خلال الدراسة النفسية لظاهرة التوافق في السياق الجماعي المجتمعي، وليس مجرد استجابة عن مثير؛ حيث تدرس الدوافع والتفكير والرغبات والإدراك وطريقة التعلم والتنشئة الاجتماعية والتفاعل والتأثير المتبادل والتكيف كمحددات لسلوك التوافق . ومن ثمة تفسر في ضوء تلك العوامل مجتمعة . ويمكن من خلالها فهم تعلم الأفراد للسلوك الاجتماعي وكيف يدرك الفرد الآخرين وكيف يستجيب للمواقف الاجتماعية المعقدة بمدركاته ( 5: 81 ـ 82)
د ـ علاقة علم النفس الاجتماعي بعلوم التربية : ـ
تعد التربية من العلوم اللصيقة بعلم النفس الاجتماعي، فالتربية في شكلها المؤسسي أو التلقائي العفوي غير الرسمي، هي فعل يجري في جماعة ( شخصين فأكثر) بغرض استحداث تأثير ما بين أطراف الفعل؛ فالتربية توجد أينما وجد التفاعل بين الصغار والكبار في صيغة التنشئة الاجتماعية أو التربية النظامية المقصودة، والتعريف التقليدي لدور كايم للتربية يرسخ منحى التفاعل كوظيفة مركزية للتربية حيث عرفها على أنها تلك الأعمال التي يمارسها الكبار تجاه الصغار من أجل دمجهم في السلك الاجتماعي . فالتربية إذن مساحة للتفاعل البيداغوجي والتأثير بين الأنا والموضوع الخارجي( الإنسان الآخر، الموضوع، الأشياء الطبيعية...الخ ) وهو ما يعد الموضوع المركزي لعلم النفس الاجتماعي، وبذلك فالتربية في ظل هذا المفهوم تعد من أهم مواضيع أو الظواهر التي يدرسها علم النفس الاجتماعي وميدان فسيح لتطبيقاته .
ومن منظور التحليل النفسي وحسب " أريكسون Erickson " أن تربية الطفل هي طريقة الجماعة في نقل وحدتها الجماعية إلى خبرات الطفل البدنية المبكرة وذاته الناشئة، وينتقل الطفل إلى الوحدة الاجتماعية بتربية انفعالاته في نطاق الجماعة، حيث يبني الطفل مثله الأعلى الذي يتناغم مع شخصيته ويؤهله للتكيف الاجتماعي .
ومن منظور التنشئة الاجتماعية من حيث هي فرع من فروع علوم التربية فيعد الفرد محل تمثل الأساليب الاجتماعية بعملية التقمص والتوحد التي تبدأ بالوالدية ثم تتعمم إلى من يمثلهما من المجتمع كالمعلم والمدير والرئيس والشيخ ...الخ .وبقدر استجابة الفرد وتقبله للثواب والعقاب ومختلف القوانين والقواعد الاجتماعية بقدر ما يحصل تكيف الطفل وانسجامه الاجتماعي. وبقدر ما يفتح المجتمع فرص الإشباع للذات بقدر ما يتحقق للطفل توكيد ذاته في نطاق اجتماعي معين، ودلت بحوث العالمة الأنثروبولوجية "مرجريت ميد" أن الطفل ينتقل عن طريق التربية من حالته الطبيعية البيولوجية حيث تمركز سلوكه حول الاستجابة للمنبهات البيولوجية، تطبع سلوكاته بالغريزة والإشباع الآلي، إلى حالته الثقافية حيث تتركز سلوكاته حول الاستجابة للمنبهات والمثيرات الاجتماعية فتطبع سلوكه بكل ما هو اجتماعي ويتميز بالإشباع النوعي الواعي ويتراجع سلوكه المشبع بالغرائز كلما نمى في اتجاه التكيف والتوافق، أو ما يسمى بالكائن الاجتماعي وهو الكائن الذي لا نلمسه كوجود عيني في خريطته الجينية إلا عن طريق التربية والمكتسبات الاجتماعية، فالتربية إذن تعمل لنضج كيانين في كيان واحد، يعتقد أن لهما أصولهما الفطرية، يتعلق أحدهما بتحقيق الكائن الفردي المستقل في ذاته المتميز عن الآخرين، والكائن الاجتماعي المتكيف والمندمج والمتوافق مع نظام الأفكار والمعتقدات والأخلاق والمعايير والقوانين والتقاليد والأعراف ( المجتمع ) ( 6: 14 ـ 18) . ويتوقف تحقيق الكائنين على مدى تحقيق التربية للنضج السيكولوجي للفرد . الأمر الذي لا يمكن للتربية تحصيله أو بلوغه إلا بالاعتماد على معطيات بحوث علم النفس الاجتماعي التي تتناول قضايا التكيف والتأقلم والتفرد والاستقلال ...بمنهج ورؤية تكاملية تفاعلية بين الظاهرة والذات، أو بين الموضوع المدرك والذات المدركة .
وتتعاظم علاقة علم التربية بعلم النفس الاجتماعي المدرسي عند الفرويديون الجدد من بينهم اريك فروم، والسيدة كارني هورني، وأدلر، وهاري ستاك سوليفان؛ فالفرد عندهم ليس بنظام مغلق بدوافع فزيولوجية بقدر ما هو مشدود إلى دوافع خارجية اجتماعية تقوم التربية بتيسير إشباعها وتمكين الفرد من أداء دوره الاجتماعي بالتأهيل الاجتماعي اللازم لتحقيق الذات . وهو الأمر الذي يجعل اللجوء للتربية من أجل معرفة الأساليب التربوية والعوامل الاجتماعية للشخصية من الأمور الحيوية في دراسات علم النفس الاجتماعي. فتداخل اهتمامات علوم التربية كبيداغوجيا وعلم النفس الاجتماعي كبحوث أكاديمية جعلهما علمان متكاملان يتعاضدان من أجل أهداف واحدة تتعلق بتكوين الشخصية المعيارية
وتعد المدرسة كمؤسسة تربوية رسمية أهم مؤسسة تعمل بانتظام وأهداف تتعلق بالكائن الاجتماعي باستهدافها للشخصية النمطية وفق مقتضيات ثقافية في الزمان والمكان، فرغم تمظهرها بالحياد العلمي تجاه كثير من القضايا الثقافية الاجتماعية وتركز نشاطاتها التربوية على تحقيق وإنماء الذات وفعالية الشخصية السوية من الناحية السيكولوجية والاجتماعية، وتولد الخبرة العلمية والمهارة، اللازمة للمؤسسات والأنشطة الوطنية من أجل ترقية الأداء الفردي والاجتماعي وتأهيلهما في سياق حضاري معين . إلا أنها تعد من جهة أخرى المكان أو المحضن الذي يتم فيه تحويل وانتقال الكائن من كونه طفل إلى كونه تلميذ و المدرسة كمؤسسة اجتماعية و بدورها التربوي تعد من العوامل الرئيسيـة المنظمة والهادفـة التـي تعمـل على مساعدة الفرد ليصبح أكثر تأثيرا بالمنظومة القيمية و الاجتماعية .
والطفل عبر هذا الانتقال، الموجب لتكيفه الاجتماعي، يتعرض بشرعية قوية في المدرسة وباستسلام تام للأولياء لما يسميه باسونز وبورديو بـ "التعسف الثقافي للمدرسة" . فكل الأنظمة الاجتماعية ( الثقافة، السياسة الأيديولوجيا، الدين، الأخلاق، الاقتصاد، العرف، إنما يتمثله الطفل كرها ويشكل تفكيره وعقله وأسلوب حياته وحتى حركاته وتموضعاته في المكان عن طريق ما تمارسه المدرسة من انضباط تعسفي . فقولبة الجسد والفكر وتنميط الشخصية وتكوين الطباع هي من مهام المدرسة حديثا وقديما.
وخلاصة القول في العلاقة بين التربية وعلم النفس الاجتماعي هو ثبوت العلاقة التبادلية بينهما، فمن خلال وظائف المدرسة التي طرقناها يتضح مدى أهمية المدرسة كحقل معرفي ومعطى بيئي لعلم النفس الاجتماعي ودراساته، فالتلميذ مادة خام لدراسة عوامل ومحددات الشخصية في بعديها الاجتماعي والذاتي ودراسة مختلف التوافقات وأنماط الاتصال والتفاعل الاجتماعي في الجماعات والأفواج البيداغوجية، والمستويات التعليمية والأنماط الشخصية والجنسية والمدرسة بما توفرها من إمكانات التجمع والتفاعل والاتصال هي البيئة الاجتماعية المنظمة التي تتيح إمكانات تطبيقية هائلة لعلم النفس الاجتماعي حول دينامية الجماعات بكل حيثياتها،
وعلم النفس الاجتماعي بمضامينه وحمولاته المعرفية حول الفرد والجماعة والتفاعل وببحوثه في البيئة التربوية من شأنه أن يساعد الفريق البيداغوجي على اعادة النظر في الوضعيات التربوية على مستوى الفرد والجماعة بما يساهم في بناء تصور افضل للوضعيات البيداغوجية المنتجة . كما يسمح بمعرفة طبيعة التفاعل ومستوياته وحدوث عمليات الادماج، فالمعلومات حول دينامية الجماعة وكيف يحدث التأثير المتبادل بين الفرد والجاعة، وكيف يتمثل الفرد أنظمة الضبط الاجتماعي من شأنها مساعة المدرسة والمعلم على الخصوص على معرفة آليات البيداغوجيا في تحقيق إشباع الفرد لحاجاته للعلاقات الاجتماعية الضرورية لتكيفه المدرسي وتوافقه الاجتماعي ، وقد وضح ميزونوف هذه العلاقة بما يراه من أن دراسة الفرد أصبحت في حاجة ماسة إلى علم النفس الاجتماعي يدرس الشخص كذات متفاعلة باستمرار مع وسطها الاجتماعي والثقافي. ( 7 : 15 ـ 16 ) .
5 ـ الحدود بين علم النفس الاجتماعي والعلوم المحاذية : ـ
نقصد بالعلوم المحاذية تلك العلوم اللاصقة بعلم النفس الاجتماعي وتشاركها في مساحة كبيرة من مجاله المعرفي وهي على الخصوص ( علم النفس، وعلم الاجتماع والأنثربولوجيا وعلوم التربية ) . ويبدوا أن رسم العلاقة بين العلوم التي تبحث الشأن الإنساني كسلوك فردي واجتماعي في بنيته وسياقاته وخصوصا (علمي النفس وعلم الاجتماع بتخصصاتهما وفروعهما ) لم تكن صعبة بالمقارنة بالمحاولات الرامية لرسم الحدود الفاصلة بينها معرفيا نظرا لتداخل موضوعات كل من علم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم النفس الاجتماعي، والاشتراك في دراسة الظواهر والموضوعات، وهي العلوم المتاخمة لبعضها البعض، بحيث يصعب رؤية الحدود الفاصلة بينها إلا بصفة وهمية، فتمدد الظاهرة النفس اجتماعية لتشغل مساحات واسعة من مجالات علم النفس من جهة وعلم الاجتماع والأنثربولوجيا من جهة أخرى، يضفي رمادية قاتمة على حدود كل منهم، ورغم ذلك حاول بعض العلماء رصد الحدود بينها، وتباينوا في ذلك وسنقتصر على عرض محاولات بعض علماء الاجتماع كدوركايم التي أسسها على أفكار أستاذه أجست كونت ومحاولات بعض علماء النفس، ومحاولة بلوندل كأستاذ لعلم النفس الاجتماعي، من خلال بحثه نصيب الجماعة في الفرد .
فبالنسبة لدوركايم ومن قبله أوجست كونت وبعض علماء الاجتماع فرأوا أن علم الاجتماع كما لو أنه علم نظري شمولي عام أو هو علم العلوم تتفرع عنه العلوم الاجتماعية كلها بما في ذلك علم النفس، وعلم الأنثروبولوجيا هو علم ثقافي إنساني يركز على الأدوات الثقافية التي تسهم في تشكيل المدركات والسلوكيات وتطورها لدى الأفراد والجماعات، كما كشف ذلك الأنثروبولوجي ليفي ربول عن الأفكار الجامعة في المجتمع البدائي وكيف أثرت في سلوك الأفراد وشكلت عقولهم ووجهت سلوكهم، كما يميز البعض بين الدراسات الأنثروبولوجية وعلم الاجتماع في أن الأولى تهتم بالوضع الكلي الثقافي للمجتمع كنظم كاملة لها تداعياتها على سلوك المجتمع وأفراده كنظم التربية والثقافة والفرق السلالية والنظم القانونية ونظم القرابة ونظم البيئة الايكولوجية...الخ بينما يتناول علم الاجتماع موضوعات أكثر تخصص كظاهرة الانتحار والتسرب والطلاق والزواج والجريمة، وإضرابات العمال وحقوقهم وواجباتهم ...الخ .
ومن جهتهم رأى بعض علماء النفس حدودا تفصل بين علم النفس والعلوم المتاخمة، فيحددون مركزية موضوعات علم النفس العام في الفرد ودراسة فردانيته وخصائصه المتميزة وعمقه الشعوري واللاشعوري، بنظرة ومناهج تحليلية وتتفرع عنه بعد ذلك علوما أخرى تكون بطبيعة الحال لها صلة عضوية بعلم النفس العام، إلا أنها قد تتخذ بعض الطرق والمناهج المغايرة، كعلم النفس الاجتماعي الذي تفرض موضوعاته المركزية اعتماد النظرة التكاملية بين الفرد وبيئته. ونعتقد كما يعتقد الكثير من الدارسين أمثال كرتش وكرتشفلد بأن كل من تطورات علم النفس الفردي أو العام وتطورات علم الاجتماع استحالة في النهاية إلى تكون علم النفس الاجتماعي وهو الآن يتطور ليصبح بديلهما من الناحية الأكاديمية. فكما بدأ التأليف فيه موزع بين علماء النفس وعلماء الاجتماع بالتساوي، فإنه الآن في اتجاه الجمع بينهما واستيعابهما في مناهج موحدة تبعا لوحدة وجود الإنسان (فردي واجتماعي ).
أما محاولات " شارل بلوندل " فنستشفها من خلال ما بحثه بجدية واضحة في مسألة المضمون الاجتماعي للفردية حيث كتب عن نصيب الجماعة في الحياة العقلية يكشف بشكل لا يدع مجالا للشك ما للجماعة من تأثير على مدركاتنا وذاكرتنا ووجداننا بشكل خاص. وبنى ذلك كمبرر لتوزيع دارسة الفرد في هذه النواحي على علم النفس الفيزيولوجي وعلم النفس الفردي وعلم النفس الاجتماعي .
فالإدراك من حيث هو التحقق من ذاتية الشيء سواء أكان في تجربتنا الماضية أو هو جديد علينا كل الجدة فإنه لا محالة أنه يتوقف على تجربة الفرد الذاتية وهو مشبع بالذكريات مما يجعله أكثر قابلية لتأثير الذاكرة، وهو ما يعد مدخلا واسع لتدخل وتأثير التصورات الاجتماعية في نمط إدراكنا، فالتعبير عن إدراكنا تتم من خلال لغة ذات ألفاظ ومعاني تكون دائما جاهزة وفرها لنا المجتمع الذي نحن في داخل تركيبته فقد كشف برغسون عن العلاقة الوطيدة بين المكان ولغة التعبير عن ما ندركه عقليا في ذلك المكان، ومراقبة المجتمع بقيمه وتقييمه لتطابق اللغة في المعنى، للعادات والمعايير، وهو ما يعطي لعملية الإدراك طابعها الاجتماعي .
والنماذج الثلاثة من الادراكات( الإدراك الجزئي للكائنات المحسوسة، كالأشخاص والأشياء، والإدراك الحسي أي: إدراك الشكل والجسمية، والإدراك للنوع ) التي حددها وميزها " شارل بلوندل " ووضعها موضع الدراسة من حيث تأثير الجماعة فيها، تؤكد نتائجها على وجود انفصال بين هذه المدركات وتميزها عن بعضها البعض، مما يجعلها أكثر قابلية لتصنيفها وتحديد نوعية دراسة كل منها؛ وبالتالي تحديد حقلها المعرفي، وتأكد ذلك أيضا حين دلت تلك التجارب في المصحات على أثر الجماعة على حياتنا العقلية الاداركية مما يدعوا لفتح مجال واسع لتنوع الدراسات النفسية والمقاربات للوقوف على حقيقتها.
وتأسيسا على المعطيات التي جمعتها التجارب أمكن للدارس اعتبار الحياة الوجدانية في مضمونها الداخلي ومظاهرها الخارجية وليدة الجماعة، بالقدر الذي تعتبر فيه وليدة الإرادة الشخصية. لاعتبارات ثلاثة كما يحددها بلوندل
ـ للحياة الوجدانية شروطها العضوية .
ـ أن الحياة الوجدانية تخضع للأوامر والنواهي والتصورات الاجتماعية المختلفة والمتباينة من مجتمع لآخر ومن عصر لآخر.
ـ أن لكل فرد مميزاته وخصائصه في الصفات العضوية وصفاته النوعية الاجتماعية. ( 3: 191 ـ 237 )
وبناء عليه رسم حدود وهمية للعلوم التي تشترك في دارستها. حيث أن التداخل الذي عليها مختلف مظاهر الحياة الانفعالية وتجلياتها جعلها تتوزع بين عدة علوم:
ـ فيختص علم النفس العام والفردي والفسيولوجي ببعدها الطبيعي ويركز على نطاق الأفعال المنعكسة الشرطية، دون إهمال الجوانب الاجتماعية،
ـ ويختص علم النفس الاجتماعي ببعدها وطابعها الاجتماعي دون إهمال الاستعانة بعلم النفس الفسيولوجي والفردي ومناهجهما في رصد الجوانب الفردية للحياة الوجدانية
ـ وبتكامل هذه العلوم ومناهجها يمكن الوقوف على حقيقة حياتنا الوجدانية بشكل أفضل .
ثانيا : نمو وتطور الدراسات في علم النفس الاجتماعي:
1 ـ التأسيس المنهجي الأول :
يؤرخ لعلم النفس الاجتماعي بصفة عامة بأواخر القرن التاسع عشر بأبحاث"روس، E.A.Ross "وماكدوجال Mcdoujal في الولايات المتحدة الأمريكية، ثم يؤرخ له بصفة خاصة بالبحوث الأكثر تخصصا وتحديدا لمنهجه وموضوعه ببحوث ما بعد 1925 . حيث كان في بدايته مرتبكا في منهجيته وموضوعه فتوزعت اهتماماته بين فصل دراسة الفرد عن دراسة الجماعة، ودراسة الفرد عن طريق الزمر، وتفسير الجماعة بالفرد، حتى صارت هذه إشكالات ثلاثة في علم النفس الاجتماعي تحفز العلماء للتخلص منها، البحث على مقاربات أكثر استيعابا للجدل بين الفردية والجماعية.
وبدأ علماء النفس الاجتماعي يتوجهون نحو بناء النماذج بغرض التنظير يكون موضوعها (التفاعل)، بدراسات وبحوث ولدت أساسا من رحم الدراسات الأنثروبولوجية، ودراسات حول التكيف الاجتماعي، ودراسات حول بعض المفاهيم كالدور والموقف والتكيف .حيث بينت هذه الدراسات ما للمؤسسة الاجتماعية من دور في بناء وتكون الشخصية وهي فكرة من وحي مالينوسكي B.Malinowski دشنت حسب المؤرخين لعلم النفس الاجتماعي التجاذبات والجدل مع الفرويديين المتطرفين، وقد ثابر أوائل علم النفس الاجتماعي أمثال برول، وبلوندل، ودوتارد، وغيرهم على تأكيد تأثر شخصياتنا بالقوالب الاجتماعية وبذلك تدشن الجدل بين الذين ينحازون للطابع السيكولوجي للثقافة والذين يؤكدون على البعد الاجتماعي للشخصية.
وهو ما ولد الإحساس في ما بعد لدى بعض الأكاديميين بضرورة التخلص نهائيا عن ما يبدوا من التطرف في تفسير التفاعل بالفرد عند البعض وبالجماعة والثقافة عند البعض الآخر، وهو ما اعتبر عند هؤلاء إشكاليات ثلاثة تعتري طريقة التفسير التكاملي للظواهر "النفس اجتماعية" أي
ـ التخلص من فكرة الفصل بين دراسة الفرد ودراسة الجماعة كما لو أنهما كيانان مستقلان في كيان واحد . كما هو الشأن في السيكولوجيا التجريبية، وكان بداية هذا المنحى ( عدم الفصل ) قد تأسس وظهر في مجلدات " فونت " وكتاباته حول سيكولوجيا الشعوب.
ـ التخلص من فكرة الجماعة المستقلة عن الأفراد والمجتمع المعطى والتطرف في تفسير الفرد ( الشخصية ) بالتمثلات الاجتماعية كما هي في مقاربات الدوركهايميين، وما ورد في مؤلف" هلبفاكس Halbwacks" بعنوان الأطر الاجتماعية للذاكرة، ومؤلف " بلونديل CH.Blondel " المدخل إلى علم النفس الجماعي؛ فكلها تتطرف في تفسير الفرد عن طريق الزمرة الاجتماعية وتؤكد على تنقل التمثلات الاجتماعية للفرد والعكس غير صحيح.وكذلك دراسات الأنثروبولوجيين كدراسة، مالينوفسكي الذي أنجز أبحاثه حول المجتمعات في جزيرة غينيا ليرصد أهمية الثقافة بطريقة الملاحظة بالمشاركة ومارجريت ميد الباحثة الأمريكية التي درست الحياة الثقافية، وانخراط الطفل الاجتماعي في الثقافات العالمية، فدلت هذه البحوث على أن الفرد البدائي كان نتاج ثقافته .وانحازوا لتفسير الفرد عن طريق الجماعة .
ـ التخلص من تطرف تفسير الجماعة بالفرد، فكثير من الدراسات في علم النفس تؤكد وفقا لمنهجها على أن صفات الفرد وميزاته تنتقل بشكل كلي إلى الجماعة كما هو الشأن عند "ماجدوجل" والقول بأن الأحداث الاجتماعية إن هي إلا تمظهرات للغرائز التي تدفع الإنسان للعيش في المجتمع، أو كما نلمسه في قول " تارد " (إذا استبعد الفردي فلن يبقى للاجتماعي شيء أبدا ) ونظرية " أيزنك H.J. Eysenck " حول الاتجاهات الاجتماعية وتأكيداتها بطريقة التحليل العاملي على استقلالياتها في التأثيرات على الفرد. فأعطت هذه الأبحاث للفرد دور رئيسي في حياة الجماعة والزمر الاجتماعية، أكثر من تأثير الجماعة على الفرد. ( 8: 147 ـ 150 )
وطور الباحثون من هذه الأبحاث نظريات عامة تجريدية تحاول تفسير الظواهر المصنفة ضمن علم النفس الاجتماعي كنظرية الغريزة التجميعية ( القطيعة ) لـ"ماكدوغال "ونظرية سيكولوجية الجماهير لـ "غوستاف لوبون" ونظرية" أيزنك" غير أن إغراقها في العموميات أفقدها الدقة في تفسير الجزئيات واعتبرت مثل هذه النظريات رغم طابعها التقدمي في الأبحاث بالخطر الذي يهدد علم النفس الاجتماعي بالخروج عن منطق العلم من حيث أن العلم يقوم على الملاحظة والتجربة والقياس، ( 8 : 151 ) . وعاد البحث في علم النفس الاجتماعي يبتعد عن التنظير ليستقر ويرتكز على الصياغة التقنية للأحداث وتجزئتها، وبذلك اكتفى بأخذ بالمفاهيم والمقاربات والنماذج بدل إبداع النظريات العامة المجردة . ( 8: 152 ) .
2 ـ استعمال النماذج والمفاهيم في علم النفس الاجتماعي.
تروي كتب تاريخ علم النفس أن علم النفس الاجتماعي استخدم بدل النظريات مفاهيم ونماذج استعارها وطبقها على موضوعاته، ونذكر من بين هذه المفاهيم :
أ ـ المبدأ الثقافي في تفسير الشخصية: وبرز هذا المبدأ كنموذج في أبحاث كل من روث، وكاردينر، لينتون. في تفسيرهم للشخصية حيث :
ـ طورت "روث بنديكت Ruth Benedict" الثقافة كنموذج في علم النفس الاجتماعي، تفسر به سلوك الفرد والجماعات، وبناء على تمييزها لنموذجين ثقافيين للحضارة عبرت عنهما بنموذج الشهواني والنموذج غير الشهواني، فسرت الشخصية في ضوء مرونة الثقافة وتنوعها وفي ضوء الشذوذ والانحراف، فالشخصية تعلوا وتكتسب قيمتها أو تستبعد وتناهض حسب دراساتها بناء على النمط الثقافي المختار في بناء الشخصية .
وأما "رالف لينتون Ralph Linton " 1893 ـ 1953، فيعطي بعدا عالميا للشخصية من خلال الثقافة من حيث أن الثقافة إرث اجتماعي، فالتثاقف الاجتماعي الذي يمارسه الأفراد مع بعضهم البعض هو العامل الحاسم في تكوين الشخصية، بل أن الثقافة هي تمظهرات للسلوك المكتسب، وعليه يركز لنتون على الدور وعلاقته بالثقافة من خلال دراسة الشخصية النمطية وسماتها الثقافية.
ـ أما "مارغريت ميد Margaret Mead " وهي عالمة أنثروبولوجية درست الصدمة الثقافية التي يتلقاها الفرد، وطبقت بحوثها على شباب ساموا بيوزيلندة واستنتجت أن اضطرابات المراهقين لا تعود إلى الأزمة العضوية المصاحبة للبلوغ بقدر ما تعود إلى صعوبات أوجدها المجتمع، ( 9 : 11 ـ 18 ) .
أ ـ الاتجاه : َAttitude ويعود الفضل في نقل وتعميم هذا المفهوم من حيث هو وسيلة لفهم الآخرين كما دلت عليه الدراسات النفسية في الإدراك والانتباه والوعي، إلى التطبيق على ظواهر علم النفس الاجتماعي، يعود إلى "توماسW.L. Thomas وزنانيكي F.Znaniecki " حيث عرفوا الاتجاه على أنه حالة فكرية تدعوا الفرد إلى تكوين رأي وإلى التصرف بشكل ما، ولم يقتصر على مجرد استعدادا محركا للعمل، وسمح استعمال هذا المفهوم في تفسير موضوعات ومتغيرات علم النفس الاجتماعي باستخدام مختلف التقنيات والتعبير الرقمي الكمي، والمعالجة الإحصائية حتى عرف بأنه علم الاتجاهات. ( 10: 154 ـ 155 )
ب ـ الإدراك الكلي: ومفاده أن إدراك الإنسان للظواهر يكون إدراكا كليا جشطالتيا واقتبس هذا المفهوم من أبحاث المدرسة الشكلية في علم النفس (تجارب الجشطالتيين) وعمم على المواقف الاجتماعية والنفسية، فكما أن الحركة في أبحاث فرتمير 1912 والتفكير في أبحاث " كوهلر " 1929 و " كوفكا " 1935 تؤلف شكلا وتدرك كـ " كل " ولا تتجزأ إلى إحساسات أولية كما هو الشأن في علم النفس الترابطي، فإن المواقف الاجتماعية هي الأخرى ينطبق عليها قوانين الشكلية الكلية فتدرك ككل وصيغة مبنينة فنحن بحسب الجشطالتيين ومن بينهم الشكلاني " ك . ليفين " ندرك الآخرين والمواقف الاجتماعية كوحدات كلية، كما تؤكده أبحاثه من أن المواقف الاجتماعية مبنينات كلية Touts .
د ـ الاتصال: Communication : ويقصد به طريقة نقل المعلومات والأخبار والمعارف داخل الجماعة والزمرة الاجتماعية . ونقل بهذا المفهوم إلى علم النفس الاجتماعي من نظرية الاتصالات الرياضية لـ " شانون Shannon 1948" وبذلت الجهود لإنتاج نماذج اتصالية داخل الزمرة تسمح بنقل المعلومات نقلا جيدا .
هـ التكيف : ويقصد به الاندماج الكلي أو الجزئي للأفراد في سياق اجتماعي معين بمعايره ومفاهيمه وتصوراته ورموزه . فتعاطي الأفراد مع التجربة الاجتماعية يؤدي بالضرورة إلى تشكيل الأنا، ويظهر ذلك جليا في نمو الطفل وتعاطيه اللين مع الأم والأب وأعضاء الأسرة، وما تشكله هذه العناصر من صور ذهنية خاصة تطبع شخصية الطفل، ( 9: 13 ـ 14 )
و ـ التفاعل : إن فكرة " الشخص يحدد الموقف والموقف يحدد تصرف الشخص" عند التفاعليين كانت مدعاة لدراسة المواقف والأفراد والعلاقات، وأدرج المحيط في أعمال " بويرزBowers " و" موراي Murray " كعامل هام في التعزيزات والإشباع أو في الحرمان، وذهب جوزيف إلى أبعد من ذلك يحث يرى أن الشخصية والعالم يشكلان بنية واحدة ذات قطبين، فالشخصية تولد في العلاقة مع وفي العالم فالأنا والعالم حقيقتين بل هي حقيقة مركة من شبكة نشطة من التفاعلات الآنية والمستقبلية وعليه فالتفاعل هو المحتوى النفسي وهو مركز الشخصية وبه يتم التقرب من الآخرين والألفة بين الأعضاء أو الابتعاد والنفور .( 9 : 21 ) .
ثالثا : تطبيقات علم النفس الاجتماعي :
1 ـ تطبيقات علم النفس الاجتماعي في مختلف الميادين :
يعتقد، ك. ليفين السيكولوجي الشكلاني أن نتائج دراسات علم النفس الاجتماعي يمكن أن تكون محل تطبيقات واسعة على حياة الزمر والأفراد، فانطلاقه من فكرة (الكل المبنين من الفرد ومحيطه) وانطلاقه من نتائج تجاربه في المخبر الاجتماعي، جعله يؤكد على إمكانية تغيير وتعديل المواقف من خلال تجارب مخبرية اجتماعية . فتجربته المشهورة على زمر الأطفال من عشر سنوات حول السلوك العدواني والتي أجريت أثناء المواقف والنشاطات التعليمية الترفيهية ووضعهم في مناخات ثلاثة ( ديكتاتوري، ديمقراطي، دعوهم يعملون كل على مزاجه ) مكنت من معرفة الاتجاهات العدوانية وكيف تنموا، كما مكنت تجارب أخرى بمقاييس واختبارات من اختيار القادة والنجوم والمؤهلين نفسيا واجتماعيا في المجالات الاقتصادية والعسكرية والتعليمية. واختيار المجموعات المتجانسة والمتباينة في العمل . ( 8: 165 ـ 167 ) .
وبتقنية سبر الآراء لمعرفة الاتجاهات والمواقف أصبح علم النفس الاجتماعي مصدرا ممولا رئيسيا لميدان الإعلام والدعاية بالمعرفة السيكواجتماعية .
وبتقنية السوسيومتري تمكن الأعضاء في الجماعة من التعبير بكل حرية عن آرائهم واتجاهاتهم وفضح ما هو مكتوم ومستور ومسكوت عنه في جماعتهم. كما ساعدت على كشف الجماعات الصغيرة وكل ما هو مستتر في الجماعات وحركيتها وديناميتها وتفاعلاتها وعوامل تماسكها واضطرابها، وتنافر وانسجام أعضائها.
وتمكن ميدان الشغل والعمل والصناعة من إيجاد الظروف الملائمة والمنسجمة من العلاقات الإنسانية ونموها في الاتجاه الايجابي الذي يعزز عمليات الإبداع والمبادرة والتعاون.
ومكنت المدرسة من تقسيم الأفواج التعليمية على أسس علمية موضوعية وحيادية، واختيار أنسب نظم الاتصال البيداغوجي وحصر العوامل الاجتماعية والنفسية المساهمة في تكوين القادة والعاملين الفاعلين مستقبلا . كما مكنت المدارس من اختيار نمط تسيير القسم والجماعات المدرسية ووضع القواعد الانضباطية أكثر انسجاما وتقبلا مع نماذج الشخصية ومعرفة الجماعات الصغيرة وتفاعل تلك الجماعات مع بعضها البعض.
2 ـ علم النفس الاجتماعي المدرسي :
2 ـ 1 تعريفه
تجاوزا لعدة اعتبارات منهجية وأكاديمية يعبر بعض الكتاب عن تطبيقات علم النفس الاجتماعي في عدة ميادين بعلوم تطبيقية فرعية لعلم النفس الاجتماعي، فيسمون مثلا تطبيقات علم النفس الاجتماعي على مسائل البيئة الصناعية والعامل بعلم النفس الاجتماعي للعامل أو المنظمة، وعلى مسائل سيكولوجية الثقافة بعلم النفس الاجتماعي الثقافي وعلى مسائل التربية بعلم النفس الاجتماعي المدرسي وهو ما نجده في منظومة التكوين الجامعي في أقسام علم النفس وعلوم التربية بالجامعات الجزائرية . ونحن لا نميل إلى هذا الرأي إحتراما للشروط المنهجية في تأسيس العلوم مستقلة، ونفضل تسمية تطبيقات علم النفس الاجتماعي في المدرسة . ومهما يكن فيمكن إعطاء تعريف لما يدعوه البعض بعلم النفس الاجتماعي المدرسي كالتالي : هو دراسة التأثيرات المتبادلة بين الفرد والجماعة في مختلف الأنساق التربوية في ضوء المواقف البيداخوجية التعليمية التفاعلية .
2 ـ 2 مبررات علم النفس الاجتماعي المدرسي :
يستمد علم النفس الاجتماعي المدرسي وجوده المعرفي من مجالات علم النفس الاجتماعي وموضوعاته حيث تتوزع على دراسة منظومة الدوافع والغرائز الفطرية، ومنظومة الحوافز الاجتماعية والدوافع المكتسبة ومنظومة مكونات الجماعة وسيرورتها وهو ما جعله يهتم بجانب التأثيرات والتفاعلات المتبادلة بين الذات والجماعة في سياق اجتماعي، ويحجب كل نظرة تفصل بين الشخصية والتعلم .ولقد لخص موضوعه " زهران " في أنه دراسة السلوك من حيث هو نتاج العلاقات الديناميكية الصادرة عن تفاعل الفرد مع امكانية البيئة المادية والاجتماعية والمعنوية والثقافة .(يوجد في 7: 15 ) . وهو ما يجعل وجوده الاكاديمي والوظيفي لا يمكن تصوره خارج البيئة التربوية والمدرسية لا سيما وأن نتائج دراسة الحيوانات في سلوك التجمع أثبتت في بعض جوانبها عجزها الكامل عن تفسير الظواهر الانسانية والاجتماعية .
والمدرسة من حيث هي البيئة التربوية التي توفر الحوافز وتنمي الدوافع في السياق الاجتماعي وضمن العمل الجماعي هي المحضن الملائم لدراسات علم النفس الاجتماعي حول متحركية الفرد ومتحركية الجماعة .
2 ـ 2 ـ 1 المبررات الابستمولوجية التي تؤسس لعلم النفس الاجتماعي المدرسي
ونعني بها في هذا المقام تلك الأفكار أو المعرفة المبثوثة في نظريات التعلم وعلم النفس التي تؤسس لعلم النفس الاجتماعي المدرسي .
أ ـ أفكار تؤسس لعلم النفس الاجتماعي المدرسي في نظرية المثير والاستجابة .
باستعمال القياس والمقارنة عمم الشرطيون نتائج تجاربهم على الحيوانات وبنوا نظريتهم المسماة بالمثير والاستجابة، تصدق أكثر من غيرها في نظرهم في تفسير تصرفات وسلوك الإنسان، وأسروا على تعميم فكرة التنبؤ بسلوك الفأر في متاهته بمجرد معرفة طرق المتاهة التي يوضع فيها الطعام ومكان الصدمة الكهربائية، على سلوك الإنسان والتنبؤ به بمجرد معرفة ظروف متاهتهم من حيث هي نظام حياتهم في بيئة اجتماعية تتضمن صدمات تعمل كعوائق ومسببات لانطفاء السلوك الضار وغير المفيد وتعلم الابتعاد عنه وتحاشيه، كما تتضمن مكافئات وتعزيزات لتثبيت السلوك النافع وتكوين العادات الصحيحة والمقبولة اجتماعيا وتؤدي إلى الارتياح النفسي .
فمن هذا المنطلق يولي الشرطيون أهمية بالغة للبيئة الاجتماعية ودورها في التعلم والتنشئة الاجتماعية، ويعتقدون بأسبقيتها على العوامل الوراثية من حيث الأهمية في التعلم سواء في الاشراط الكلاسيكي كما أسسه بافلوف وثورندايك بناء على أفكار واطسن وموقفه من الوراثة أو الاشراط كما صممه سكينر، ويؤسسون تربيتهم على العلاقة بين المثير ( البيئة ) والاستجابة ( السلوك ) حيث يعتقدون بوجود علاقة ارتباطيه خطية موجبة قوية بينهما، فالتعزيز الايجابي للموقف التعليمي بالمكافأة والإثابة سيؤدي حتما إلى تثبيت السلوك المتعلم وتدعيم استمراره، والتعزيز السلبي يؤدي إلى الانطفاء بالعقاب بمختلف أشكاله المادية والمعنوية . وبهذا تكون نظرية التعلم في ضوء مفاهيم التعزيز والانطفاء والتثبيت للسلوك وتكوين العادات وفق معادلة طرفاها (المثير والاستجابة) تعطي الدور الحاسم للمؤثرات الاجتماعية ويتراجع عندها دور الشخصية والعمليات المعرفية من ذكاء ووجدانات في تفسير التعلم . ومن ثمة فالتربية من حيث هي علم تعتمد على دراسات علم النفس الاجتماعي في ضوء المثير والاستجابة حول الدور الحاسم للمثيرات الاجتماعية البيئية، ذلك أن الشرطيين يتفقون مع الفرويديين في مركزية ومحورية الطفولة في تكوين الشخصية بأساليب التنشئة الاجتماعية فما يتعرض له الطفل من مثيرات مكثفة بيئية اجتماعية متناقضة ( حب وعطف /قسوة وعنف ) يساهم بشكل كبير في تكوين ما يسميه علماء النفس بالصراع اللاشعوري الذي يشكل في ما بعد مع نمو الشخصية الاضطرابات الانفعالية، فيعتقد في نظرية المثير والاستجابة أن عدم تقديم ما يحتاجه الطفل من غذاء أو شراب أو...في وقتها ينشئ أو ينمي لدى الطفل الخوف من الوحدة، وعند خفض التوتر وحصول الإشباع ( تغذية إرواء ...) عن طريق حضور الأم أو الأب؛ فإن ذلك يؤدي إلى اقتران حضور الوالدين أو أحدهما وحصول الإشباع باستجابة الخوف، وهو ما يعد إنماء لردود الأفعال السلبية في المجال الوجداني، أما إذا اقترن طلب الطفل لتلبية حاجاته باللغة أو الحركات الطبيعية أو حتى البكاء فإن ذلك سيؤدي إلى تعلم الاستجابات الايجابية بالاقتران يبن المثير والاستجابة بصفة إيجابية .
ب ـ أفكار تؤسس لعلم النفس الاجتماعي المدرسي في نظرية المجال .
وتأكد دور البيئة في تكوين الشخصية أكثر في نظرية المجال وهي تنشط قريبة من نظرية المثير والاستجابة في مقارباتها للحياة النفسية، حيث فسر " كيرت ليفين Kurt Lewin " الأحداث السيكولوجية بالمجال من حيث هو كلية من الفرد والبيئة، وعامل الوحدة أو الكلية في تفسير المواقف والأحداث تجعل عناصرها تعتمد على بعضها البعض، وهو ما ناقض النظريات النفسية القائلة بالفصل بين المحددات النفسية ( الغرائز الدوافع والوراثة ...الخ ) والمواقف في البيئة . ونتيجة وحدة العوامل كاكتشاف لعلم النفس الاجتماعي في تفسير السلوك أصبحت التفسيرات الخطية بعوامل البيئة وحدها أو بالبيئة وحدها غير مقبولة وغير دقيقة، وأعيد النظر في تفسير تولي القيادة مثلا بسبب قوة الشخصية، أو تفوق التلميذ بسبب ذكائه، أو الفوج الدراسي المتماسك أكثر تحصيلا من الفوج غير المتماسك، فهذه العوامل ليست أوحادية مستقلة في حدوث السلوك بقدر ما يعود ذلك السلوك إلى التفاعل بين الفرد وبيئته في وحدة كلية . والمعرفة بالفرد وحدها ( ذكاؤه، قدراته، انفعالاته، سماته الشخصية، خبراته...الخ) لا تحقق للبيداغوجي اشباعا معرفيا كافيا بإدراك الموقف التعليمي الايجابي اللازم لتعلم خبرة ما، بل لا بد من معرفة الموقف الراهن الذي يعيش فيه الطفل ، والمتكون من الطفل والبيئة كطرفين في معادلة السلوك المتعلم.
فالموقف التعليمي ككل المواقف والأحداث في نظر ليفين هو عبارة عن كلية متفاعلة من العناصر تقع في مجال وزمان معين يستدل عليه من خلال معطيات التحليل النفسي، والاختبارات الآنية للوقوف على الحالة الراهنة، والاستمرارية في الزمن .
وتعميما لما قدمه ليفن لعلم النفس الاجتماعي على مسائل التربية في بحث وتفسير الموقف التربوي وصياغته في المجال والزمان ،فإن الموقف التعليمي يمكن تفسيره ووعيه ب:
ـ بحث الفعل البيداغوجي من حيث هو مشكلات أو تساؤلات، وإدراك لمخاطر عدم حصول التعلم، وتساؤلات العمل من أجل تفادي تلك المخاطر، وهو ما يتطلب وجود أو توفر معايير موضوعية لقياس التحصيل وتقييمه وتمكين أطراف العملية التعليمية من شروط التحصيل الواقعية الآنية بما فيها المحفزات والشعور بحق الرضا عن عمل كل طرف .
ـ إدراك الفعل البيداغوجي في مناخ الفعل الجماعي فالتحصيل عملية فردية ولكنه لا يتم إلا بجهود جماعي فالجماعة عنصر يجب إدراجه في البحث البيداغوجي ودراسة الجماعة المدرسية في خصائصها البنيوية وديناميتها على مستوى كل أنساق المؤسسة المدرسية ( نسق ألأقسام، نسق الإدارة، نسق المعايير، نسق الأهداف، نسق التقييم، نسق التلاميذ، نسق البيئة ...الخ . فهذه الأنساق وغيرها متفاعلة في بنيتها وسياقاتها لتؤلف مجهود كلي ينتج في النهاية تحصيل التلاميذ من حيث هو تغير في السلوك بمعناه الشمولي. ( 1: 176 ـ 179 )
ج ـ أفكار تؤسس لعلم النفس الاجتماعي المدرسي في نظرية التحليل النفسي .
وجد علم النفس الاجتماعي المدرسي مبرراته في نظرية التحليل النفسي، القائمة على وقائع أسطورة أوديب، فما ألفته من نسق مفاهيمي ينحاز ويتمي أكثر لتحليل الفردية كالتوحد والتقمص والتماهي والإسقاط واليبيدو والطابو والجنس إلا أنه نسق ومفاهيم ذات حمولة من المعاني تشير إلى العلاقات بين الذات والآخر بل تؤكد حضور الآخر ممثلا في المجتمع أو البيئة في الجهاز النفسي للفرد . لأن أحداث الأسطورة لم تقع بمعزل عن المجتمع الأوديبي، مما يؤهل هذه المفاهيم لتفسير الحياة الاجتماعية المدرسية وتشتق منها التأثيرات المتبادلة بين الفرد وبيئته. انطلاقا من فرضية أن ما ينطبق على سيكولوجية تحليل الفرد الأوديبي ، ينطبق أيضا على سيكولوجية الجماعة الأوديبية . فالشخصية الأوديبية لا تنموا إلا في المجتمع الأوديبي
ففي أقسام الشخصية والجهاز النفسي للفرد ( الأنا، الأنا الأعلى، الهو )وإن هي تعبر عن مكونات الشخصية الفردية، إلا أن هذه المكونات لا تنشأ إلا من خلال تفاعل الذات بالمجتمع والبيئة ولا يمكن فهمها إلا من خلال أصولها الاجتماعية، المكتسبة ولا تكفي المعطيات الوراثية وحدها لتفسير ديناميتها .
فالأنا ( الضمير الحاضر ) من حيث هو تعبير عن سلطة الفرد الإرادية في ما يستقبله من العالم الخارجي أو هو من تأثيراته، فهو في اتصال مباشر بالبيئة الاجتماعية ومتأثر بها من خلال ما يؤديه من وظائف توسطية وقمعية وسلطوية وخضوعية، فهو يؤدي وظيفة طلب اللذة وتجنب الألم من العالم الخارجي، ويؤدي وظيفة التحكم في المطالب الغريزية وقمع ما هو وحشي منها، تحت تأثير مطالب الأنا الأعلى وأوامره في الكبت بإشباع بعضها وتعديل المنبهات واستحداث التكيفات المطلوبة والتعامل بالانتقاء للخبرات الخارجية بتخزين بعض منها وتجنب البعض الآخر وفق ما يحقق المصلحة الذاتية، وهو في ذلك تربطه علاقة الخضوع والتبعية للضمير الاجتماعي،وتعد التربية الوسيلة الأولى أو المسؤل الأول على إنماء هذه العلاقات وتكوين الأنا الثقافي في ضوء المعطى البدني ( الأنا البيولوجية )
والأنا الأعلى من حيث هو الجهاز النفسي الناقد والمراقب وسلطة الضمير المتكون من الأخلاق والدين والمعايير والقيم فهو يضفي على الأنا الطابع الثقافي الاجتماعي . حيث أن الأنا الأعلى من حيث هو تمثل الفرد لسلطة الوالدين أو المدرس أو المجتمع يجعل الطفل يتخلى عن الرغبات الأوديبية بالتربية والدين والأخلاق، فالمدرس يعمل كالأنا الأعلى من الناحية التربوية ويصحح الأخطاء التي نشأت عبر تربية الوالدين للطفل باستعادة استقلالية الأنا وبعث الكفاح ضد مطالب الهو .
أما الهو من حيث هو تعبير عن الكائن المجهول ( الضمير الغائب ) المقابل للأنا ( الضمير الحاضر ) المتكون من الغرائز الفطرية والمكبوتات الناتجة عن قمع الأنا .فهو سلطة الوراثة مقابلة ومتكاملة أحيانا وتتداخل مع سلطة الحضارة ممثلة في الأنا الأعلى . وتشتق من سلطات الأنا، والأنا الأعلى، والهو، من حيث هم على التوالي ( سلطة الحاضر والواقع، سلطة الحضارة والمجتمع، سلطة الوراثة والغرائز المكبوتة ) التأثيرات الاجتماعية والدينية على الشخصية.
ويعكس هذا التحليل الأوديبي للشخصية الفردية حتمية وجود الآخر في الذات واستيعابها للتأثيرات البيئية والاجتماعية بما يعزز ذاته ويؤثر في محيطه ويشكله بما يلائم ذاته، فيصير كائنا اجتماعيا يتمثل وحدة الجماعة وينظم وجداناته وتصوراته تجاه الآخرين عن طريق التربية .
وعليه فعلم النفس الاجتماعي المدرسي بما توفره نظرية التحليل النفسي يجد مبرراته في تنظيم الواقع التربوي المدرسي وتصنيع بيئته بما يؤثر إيجابيا في تكوين الشخصية السوية، ويخفف من حدة صراعات أقسام الشخصية، وقد برز ذلك أكثر في ما ذهب إليه الفرويديون الجدد أمثال إريك فروم، وأدلر من أن الحياة الاجتماعية فطرية في الإنسان وأن الفرد ثقافي في تكوينه وأصله ويتوقف نموه على ما تتيحه التربية من فرص في تحقيق الهوية الشخصية . ( 11 : 57 ـ 70 )
وأما المفاهيم المركزية التي طورتها نظرية التحليل النفسي كنسق نظري يفسر سلوك الفرد فهي الأخرى تتضمن معاني ودلالات علائقية بين الفرد والآخر كجماعة أو فرد أو مؤسسة.لها أهميتها التربوية في تفسير سلوك الطفل.
فالأنانية مفهوم يعبر عن النرجسية والتمركز حول الذات أو الإشباع الذاتي والاهتمام بالأنا وتهميش ما عداه . ويقابلها الغيرية التي تعني توجيه الاهتمام للغير وحبه لهم كما يحب نفسه، وفي هذا المعنى للمفهومين المقابلين تكمن صورة من صور حياة الجماعة العلائقية التربوية وهو ما يجعلها موضوع لعلم النفس الاجتماعي المدرسي يستمد منهما تفسيراته .
ومن مفهوم التوحد نشتق كيف يستخدم الطفل صورة الأب ويتمثل من خلاله أسلوب الحياة الاجتماعية ومن ثمة تأثيرات التنشئة الاجتماعية في تنميط الشخصية . وتعد المدرسة بعد الأسرة من أهم بيئات التنشئة الاجتماعية .
وفي التقمص والتماهي والتعيين نشتق معاني حضور الآخر في ذات الشخص كليا أو جزئيا وامتثال أدواره أي جعل الأنا على منوال الأنا الآخر، فالطفل يختار مثله النموذج الذي يحتذي به في كل سلوكاته فيتماهى به ويحاكيه ويشاركه في وجدانه ويطابق تفكيره وحركاته والطفل لا يتوحد ولا يجعل أناه على شاكلة الآخر إلا بعد التأثر والإعجاب به، وهو الإعجاب الذي لا يتحقق إلا في صورة العلاقات المباشرة وعبر التربية والتنشئة الاجتماعية.
والإسقاط مفهوم نفسي يعبر عن غريزة تتعلق بإخراج ما لا نرتضيه كوقائع في ذواتنا من صفات ومشاعر وسلوكات ونتنكر لها ونعمل على إلصاقها بالغير ( فردا أو مجتمعا أو رمزا )، وهو ما يشير إلى علاقات النبذ والتخلص من صفات وسلوكات لا نرغب فيها، في حين أن ما يجلب لنا اللذة نستدخله ونستدمجه في الأنا . فجملة هو يكرهني تستلزم أنا أكرهه، وهو يحبني فأنا أحبه.
وفي مفهوم التجاذب من حيث هو وجود ميول ومواقف ومشاعر متعارضة كالحب والكره التي تجتمع في العلاقة بنفس الشخص، وحالات طرح الفكرة ونقيضها، والرغبة الآنية في الإقبال على سلوك ما والإدبار عنه . يتكشف مدى عمق التجاذب الوجداني في الفرد وتجلياتها في غريزتي الموت والحياة أو الحب والكره من خلال سلوك حفظ الذات وتحقيقها وهو ما يجعل للنفوذ التربوي في تكوين الدوافع والاتجاهات أهمية خاصة من خلال التعلم الاجتماعي للتوفيق بين هذه التجاذبات المتناقضة وما ينتج عنه من مواقف حياتية متناقضة تنتج فصام الشخصية . وفي مفهومي (الايروس) من حيث هو الدافع إلى الحب والجنس والتكاثر، و ( الثاناتوس )من حيث هو مفهوم للتدمير والموت، نشتق التربية القائمة على توليف وتجميع مكونات الواقع بما يتلاءم وغريزة حب الحياة والتسامي والاستمتاع بالموجودات والتسامح ونبذ الكراهية والعنف والموت في كل تجليات السلوك . .( 12: 156 ) .
ونستخلص من معاني هذه المفاهيم أن الطابع الفردي للتحليل النفسي حتى في صوره المتطرفة لا يجعله منعزلا أو عاجزا عن تفسير الجانب العلائقي من حياة الفرد بالمجتمع بل يحمل معاني اجتماعية تقضي ـ من أجل تحقيق الشخصية السوية ـ بضرورة تصنيع البيئة التربوية وإعدادها في برامجها وطرائقها ووسائلها بناء على :
ـ منظومة الدوافع والغرائز الفطرية التي تلبي الرغبات الفطرية الأنا البدنية
ـ منظومة الحوافز الاجتماعية وما تثيره في الفرد من نشاط .
ـ منظومة العلاقات بين الدوافع الفطرية والحاجات الاجتماعية .
وبناء عليه ينصح الفرويديون ولا سيما الجدد منهم بأن تصمم التربية على أسس علم النفس الاجتماعي وعدم الاقتصار على معطيات علم النفس الفردي بحيث تكون مشبعة بالثقافة النفسية حول الحياة الجنسية والتكاثر والاتصال والتفاعل بالآخرين وتعلم حياة الجماعة والتكيف لحد التماهي مع الحياة الرمزية الجماعية وتعلم تحقيق الذات وحب الآخرين وإشاعة الحب ونبذ الكره وإزالة العوائق الاجتماعية (المحرمات ) لتحقيق الذات وهو المدخل الذي يتأسس عليه علم النفس الاجتماعي المدرسي لتفسير سلوكات الفرد التلميذ، ودينامية الجماعة المدرسية من حيث تفاعلات وتواصلات وتجاذبات وتأثيرات بين أعضاء الجماعة تولد طاقات وجدانية وسلوكية وعقلية تحرك الجماعة كوجود كلي .
د ـ أفكار تؤسس لعلم النفس الاجتماعي المدرسي في نظرية التعلم الاجتماعي والضبط:
شغلت نظرية التعلم الاجتماعي في دراساتها وملأت مساحة العلاقات الفردية والجماعية التي كانت مهملة في نظرية الارتباط بين المثير والاستجابة و مهملة في نظرية التحليل النفسي، ومهملة في النظرية المعرفية، حيث كانت كل المقاربات في تحليل الشخصية كما لو أنها نتيجة خبرة فردية ناتجة عن ارتباطات عصبية بين المثير والاستجابة أو نتيجة الصراع بين أقسام الشخصية أو نتيجة ما يحدث من عمليات معرفية من تفاعل للذكاء والذاكرة والتذكر والإحساس والانتباه ...الخ، وضاعت في كل المقاربات أو همشت بصفة كلية أم جزئية لأهمية التفاعل ومحددات المواقف الاجتماعية للشخصية وهو ما وفرته نظرية التعلم الاجتماعي التي أسسها في غضون خمسينيات القرن الماضي بصدور مؤلف لـ (جوليان . ب . روتر J.B. Rotter 1966 ) بعنوان التعلم الاجتماعي وعلم النفس الاكلينيكي ثم بصدور تطبيقات نظرية التعلم الاجتماعي في الشخصية لنفس المؤلف وآخرون . وظهرت هذه النظرية كجامع لما كان يعتقد متنافر في مسألة الفردية والجماعية، حيث جمعت بين النظريات المذكورة وغيرها بإعادة إنتاج مفاهيمها لتعطيها وتكسبها دلالة ومعنى مبثوث وسائدة في تلك النظريات دون إقصاء، أي أعطتها دلالات التحليل النفسي ودلالات المدرسة المعرفية ودلالات النظرية السلوكية .وعرفت بالتوجه السلوكي والمعرفي الاجتماعي في علم النفس، وبذلك حاولت انتشال الإنسان من الاستقطاب الفكري الحاد بين تلك النظريات كما حاولت انتشاله من المواقع الهامشية التي منحتها إياه تلك النظريات من السلبية التامة في المثير والاستجابة ومن الصراعات في التحليل النفسي ومن كونه حصيلة التفاعلات المعرفية العقلية للمعرفية، ممزقة بذلك جهوده في الحركة والسكون بين الحوافز والبواعث والحاجات وما توفره العمليات المعرفية من صور للإدراك الذاتي، لتتحدد مكانته في الفعالية والإرادة الواعية والموقف النفسي وتوقعات الفرد وتنبؤاته المفضية إلى تصنيع البيئة وتغييرها في سياق الحياة الاجتماعية والظروف البيئية وهي مكانة تجعل الإنسان في عمق الأحداث الاجتماعية المعقدة مما يتطلب دراسته دراسة معمقة نفسية واجتماعية وبيداغوجية .وهو المجال الثري لعلم النفس الاجتماعي المدرسي .
ويطغى على مقارباتها استخدام مفاهيم كالتنبؤ والتوقع والموقف النفسي والتعزيز وقيمته والعلاقات المتبادلة والوظيفية . فهي تهتم بطريقة الفرد في اكتساب السلوك وتنميط الشخصية وفقا لمدركاته للمواقف في سياقها الاجتماعي وقدرات الفرد وتوقعاته وتهتم بالفروق الفردية والدافعية في السياق الإنساني الذي يوفر خاصية تأجيل الإشباع بما توفره العمليات المعرفية من وعي وإدراك لموضوع الإشباع في سياقات بيئية واجتماعية . وفي ضوء هذه الاهتمامات والمفاهيم اختبرت عدة فرضيات كالتفاعل بين الفرد وبيئته، وهي فرضية تقوم على أساس تفسير السلوك بناء على المتغيرات الشخصية والموقفية معا. وفرضية وحدوية الشخصية، والسلوك الهادف والغائي والموجه، وفرضية التوقع التي تعطي للإنسان دور أوسع من دور السلوك المحفز والمعزز إلى سلوك تفاعلي توقعي واعي.
وبهذه المفاهيم والأفكار صاغت النظرية الموقف التعلمي أو حدوث السلوك في شكل قانون يفسر السلوك التعلمي صيغته في الشكل التالي
إمكان حدوث السلوك في موقف معين
![]() |
|||
![]() |
|||
فإمكانية حدوث السلوك تتوقف على توقعات الفرد وقيمة التعزيز، فاجتهاد الفرد ( طالب أو عامل أو ...) في انجاز مهامه يتوقف إلى حد كبير على توقعات الفرد واقتناعه بان الاجتهاد يؤدي إلى نتائج مرضية ، حيث تصبح تلك النتائج المفضلة المحصل عليها( نتائج دراسية مرتفعة، أرباح، مكافآت...الخ ) بمنزلة تعزيز للسلوك بما تؤديه من راحة نفسية وحصول لذة ومكانة محترمة بين الزملاء وجماعة الانتماء. فقد يحصل أن فردا يمتلك مؤهلات عالية وقدرات ممتازة في إنجاز عمل ( دراسة، مهنة، مشروع ...الخ ) ويتوقع أنه سينجح في مهامه إن أراد، ولكنه لا يكترث بذلك النجاح المتوقع لأنه غير ذي قيمة في حياته في نظره، فيصبح إمكان السلوك لديه منخفض ونستطيع أن نتنبأ به . كما أننا نستطيع أن نتنبأ بانخفاض إمكانية السلوك لدى طالب إذا عرفنا أنه يحب النجاح في دراسته ولكن تجاربه السابقة في الفشل رغم الاجتهاد علمته بأنه مهما حاول سيفشل، فيخفض من إمكانية السلوك ( الاجتهاد ).
وينطبق هذا القول على "إمكانية الحاجة" من حيث أن الحاجة، تعبر عن مركب من مجموعة السلوكيات كإمكان الحاجة إلى المكانة الاجتماعية وتحقيق الذات فهي حاجة مرتبطة بمجموعة من السلوكات كالحصول على التفوق الدراسي، والمكانة السوسيومترية المرتفعة، والتفوق في حل المشكلات، فإشباع هذه الحاجة يتوقف على حصول مجموعة من السلوكات المترابطة، كاجتهاد الطالب في الدراسة ( س1 ) وحسن معاملة الآخرين لجذب ودهم واعترافهم، ( س2 ) والذكاء المساعد على حل المشكلات في المواقف الحرجة والعقدة، (س3 ) . وعليه يكون الموقف النفسي ـ في نظرية التعلم الاجتماعي ـ الذي يكونه الفرد معلما أو تلميذا أو عاملا من حيث هو البيئة الخارجية والداخلية التي تحفز الفرد للتعلم أو العمل والإشباع أو هو مجموعة تصورات ذاتية للتلميذ أو المعلم تعكس إدراكه تجاه نفسه وتجاه المواضيع والأشياء والآخرين هي أهم ما يؤثر في توقعات الفرد أو هي القدرة الكامنة وراء حدوث السلوك .
وبهذا القانون يتأكد تجاوز نظرية التعلم الاجتماعي لقوانين المثير والاستجابة وتفاعل العمليات المعرفية، وصراعات مكونات الشخصية إلى المحددات النفسية والاجتماعية للسلوك . فتبرز في المواقف التعلمية أهمية الحاجات النفسية كالحاجة إلى السيطرة والحاجة إلى الاستقلال والحاجة إلى الآخرين والحاجة إلى الحب والحاجة إلى تحقيق الذات، والحاجة إلى الراحة الجسمية . ( 13: 10 ـ 34 ) .
أما نظرية نظريــة الضبــط :(Control theory) فهي تتحرك وتنشط في نفس السياق الفكري والمفاهيمي لنظرية التعلم الاجتماعي، وتوفر المفاهيم المساعدة لتفسير السلوك المدرسي المنسجمة والمتناغمة مع إمكانية قيام علم النفس الاجتماعي المدرسي .
ويشير مفهوم الضبط حسب "روتر "إلى ما تكون لدى الفرد من اعتقاد وقناعات بأن جهة ما هي السبب في حصوله على التعزيز في سلوك معين، وبالتالي وجهت توقعاته في النجاح أو الفشل في سلوك ما بناء على اعتقاده ذلك .ويطلق على تلك الجهة التي يعزوا إليها الفرد سلوكه الفاشل أو الناجح في نظرية الضبط بـ مصدر الضبط للسلوك (خارجي أم داخلي ) فاكتساب الفرد للتعزيزات قد يفسرها بأسباب شخصية ذاتية تعود إلى ذكائه واجتهاده ومهاراته ومبادراته وميولاته الشخصية، وتسمى بمصدر الضبط الداخلي وقد يرجعها إلى عوامل خارجية كتعاون الزملاء والبيئة الاجتماعية المناسبة، وتشجيع الآخرين، وتوفر الوسائل، وفعل القانون والقيم أو الصدفة والحض والقدر المحتوم ...الخ وهو ما يسمى بمصدر الضبط الخارجي .فالفرد في أي موقف سلوكي يكون بالضرورة في علاقات مع البيئة والمجتمع وبالتالي يكون سلوكه في اعتقاد الشخص موجه إما بفعل قوى خارجية وإما أن يكون في نظر الفرد موجه بفعل قوى داخلية . وتتكون هذه الاعتقادات كصور ذاتية يحملها الفرد عن نفسه وعن الآخرين وتكتسي هذه الصور الذاتية أهمية بالغة في توجيه السلوك المدرسي من حيث تشكل العلاقات بين المعلم والتلاميذ والإدارة والمدرسة بصفة عامة .فالتصور الذاتي لكل من المعلم والتلميذ يوثر على علاقاتهما، ذلك أن كثيرا من الدراسات النفسية والتربية أثبتت أن النجاح والفشل مثلا يرتبطان بالاتجاهات الذاتية للأفراد وتصوراتهم عن ذواتهم وتصوراتهم عن الآخرين . ( 14 : 81 )
وتستخدم نظرية الضبط مجموعة من المفاهيم كنماذج كإمكان السلوك والحاجة والتوقع والتنبؤ والعزو السببي والدافعية الداخلية والجدارة والمهارة والكفاءة ، وكونت من هذه النماذج المفاهيمية نسق نظري متكامل يفسر سلوك الطالب والعامل في أي موقف من المواقف السلوكية
وتنطلق نظرية الضبط في تفسيرها للسلوك الإنساني بصفة عامة من ما أكدته الدراسات النيروفزيولوجية على أن الدماغ البشري هو مصدر السلوك، ويعمل كنظام ضابط لكل النشاطات . وتنطلق في تفسير السلوك المتعلم، مما ثبت عند " وليم غلاسرWilliam Classer "من أن الاضطرابات النفسية هي سلوكيات متعلمة، منشؤها أساليب التنشئة الاجتماعية والتربية، والتي تتطلب بالتالي تطبيق مبادئ ما أسماه ً العلاج الواقعي ً . وذلك بتحويل وظيفة المدرسة من نقل المعارف إلى تربية التفكير الإبداعي.(15: 51 )
وفي نظر غلاسر Classer أن عمليات التنشئة الاجتماعية هي التي تكسب الفرد خلال مراحل نموه بلايين الصور تحفظ في الدماغ وتودع فيه كنظام سلوكي يستخدمه الإنسان كآليات، وخبرات، وطاقات إبداعية تساعده في إشباع حاجاته وإزالة توتراته واضطراباته النفس جسمية، بحيث يقابل كل حاجة آلاف الصور الذهنية لإشباعها . فحين يحدث حرمان من إشباع حاجة استثيرت لدى الفرد، فإنه تحدث حالة من التوتر والاضطراب عند الفرد تستدعي سعي الفرد لخفض أو إزالة ذلك التوتر، وذلك باستدعاء الصور الذهنية المناسبة؛ لإشباع تلك الحاجة من المستودع الدماغي. وإذا ما فشل في تحقيق ذلك، فإنه يبدأ بالإبداع في إيجاد صور أخرى لإشباع تلك الحاجة، فإذا ما تم إشباعها صاحب ذلك بالضرورة حالة الارتياح النفسي، وفي حال حدوث العكس يعقب الفشل في الإشباع حالة الإحباط والقلق النفسي، وسوء التكيف ...الخ . ويختلف الأفراد في طرق الإشباع تبعا لاختلاف المدركات الحسية، وتكون الخبرات السابقة، وبنية المستودع الدماغي
فالفرد بهذه الصورة ـ حسب نظرية الضبط ـ يتوفر على نظام سلوكي ضابط يحاول من خلاله تحقيق إشباع حاجاته وإزالة توتراته واضطراباته المتجددة باستمرار . وكثير ما يحدث تعارض وتصادم أثناء سعي الأفراد لتحقيق رغباتهم، فيتوخى نظام الضبط " المسؤولية " كمبدأ ينظم سلوك الفرد داخل الجماعة، بحيث يحترم كل فرد نظيره حين القيام بعمليات الإشباع، وذلك بسبب التواجد الحتمي للفرد مع الجماعة والآخرين في مجال حيوي مشترك . فمبدأ المسؤولية هو ما يجعل الفرد يرتقي بممارسة الإشباع في ضوء احترام رغبات الآخرين حين قيامهم بعملية الإشباع . وكل صراع وتنافر يحدث بعد ذلك بين الأفراد، يفسر بالنتيجة الحتمية للفشل في نظام الضبط عند أفراد المجموعة، وضعف تعليمهم ممارسة المسؤولية .
وفي ضوء هذا المنظور حددت نظرية الضبط الأدوار الوظيفية لكل من المدرسة والمعلم والتلميذ، وفسرت العلاقات الاجتماعية والوجدانية ( محتوى التفاعل داخل القسم
فأما الدور الوظيفي للمدرسة من حيث هي نظام اجتماعي ضابط خارجي فتلخصه النظرية في استحداث تفاعلات وعلاقات تبادلية وظيفية بين أفرادها، من حيث هم الآخرون عناصر يعمل كل واحد منهم كنظام فرعي ضابط لإشباع حاجاته ضمن المسؤولية التي تضفي بسلوك الأفراد إلى إشباع الحاجات العامة وتحقيق أهداف المدرسة.
والتلميذ ـ في ضوء هذا التركيب ـ نظام فرعي ضابط مدفوع من الداخل لإشباع حاجاته، كالحاجة إلى الانتماء، والاستجمام، وتقدير الذات، والحرية. وتفاعل الفرد وتواصله مع عناصر النظام، وعلاقاته الاجتماعية، وإنجازاته التعليمية كلها تدخل في إطار ممارسة الإشباع لحاجات الجسم والعقل والنفس، وأثناء ذلك فهو يكتسب باستمرار خبرات ومهارات تضاف إلى مستودعه الدماغي للصور الذهنية السابقة كخبرات جديدة لإشباع حاجاته . كما يتمكن من تعديل أو إلغاء بعض الصور الذهنية الخاطئة والتي لا تلبي حاجاته في الإشباع، وكلما نجح التلميذ في إشباع حاجاته من خلال النظام المدرسي الضابط والممارسة الإيجابية للأفراد لمسؤولياتهم أثناء عمليات الإشباع كلما زاد حبا للانتماء، وإمتاعا نفسيا، ونموا عقليا، وتحصيلا معرفيا . وكلما فشل التلميذ في إشباع حاجاته وإزالة توتراته بسبب الإخفاق في ممارسة الأنظمة الفرعية الضابطة لعمليات الإشباع وتعارضها، أو بسبب فقدان الصور الذهنية أو غيابها، كلما زاد إحباطا وشعورا بعدم الرضا الآيل إلى الهروب من الانتماء . وحسب نظرية الضبط فإن عمليتي النجاح والفشل في تحقيق الإشباع النفسي الاجتماعي والعقلي والحركي تعود أساسا إلى الأساليب التربوية؛ فالفشل في تحقيق الانتماء وتحقيق الذات مثلا، يعود إلى حالات الملل والنفور، وفتور العلاقات والتواصل الاجتماعي والوجداني داخل القسم، وهي حالات ناشئة أساسا من تداعيات الطرق التربوية التلقينية القائمة على الضغط والإكراه في معظم الأحيان .
أما الدور الوظيفي للمعلم فهو الآخر يختصر في أنه يعمل كنظام فرعي ضابط، فهو يحاول من خلال مهنته أن يحقق صور الإشباع لحاجاته العامة من الانتماء وتقدير الذات والحرية، ويختلف المعلمون في طرق الإشباع تبعا لاختلاف الصور الذهنية لديهم، وممارستهم للمسؤولية الاجتماعية، ومن ثمة فتنظيم الظروف المساعدة لإشباع حاجات كل واحد منهم، تعزز انتماءاتهم وإحساسهم بذواتهم وحرياتهم .
وحسب ً غلاسر ً فإن حالة الإشباع، وإزالة التوترات في المجتمع المدرسي، إنما يكون بممارسة ما أسماه ً العلاج الواقعي ً داخل القسم، و هو أسلوب بيداغوجي جديد اشتق من العلاج النفسي، يسمح بتفعيل العلاقات الاجتماعية والتفاعل بين أعضاء جماعة القسم، وإنماء التفكير الإبداعي بانتظام التلاميذ وفق نمط ً الفرق التعليمية ً المتباينة من حيث مستوى الذكاء، حتى يتم الحوار والتبادل والإحساس بالحرية والمسؤولية والتعاون والألفة بين الأفراد . وتتحول وظيفة المعلم داخل القسم إلى وظيفة المدير الضابط للفرق التعليمية . ( 15 :65 ).
وتبرز نظرية الضبط أهمية الصور الذاتية في تفسير السلوك المدرسي حيث وجد أن تحديد صفات المعلم الناجح بدراسة التواصل والتفاعل الصفي في ضوء المثير والاستجابة أو في ضوء الموقف الاجتماعي للعملية التربوية أو المواقف الوجدانية وإن هي أضاءت بعض جوانب العملية التربوية إلا أنها بقيت قاصرة في تفسير السلوك التربوي لكل شركاء العملية التربوية ( التلميذ، الإدارة، المعلم، البرامج، الوسائل ...الخ ، فاتجه البحث لدراسة الصور الذهنية التي يكونها الشركاء حول بعضهم البعض ( الصورة التي يكونها المعلم عن نفسه وعن تلاميذه، والصور التي يكونها التلميذ عن نفسه وعن معلمه والمدرسة والعلم ...الخ حيث اعتبرت التوقعات التي يكونها الفرد من خلال تصوراته وادراكه لدوره ودور الآخرين في العملية التربوية بمنزلة القوة والقدرة الكامنة وراء السلوك التفاعلي رغم ما فيها من احتمالية الموقف الانطباعي المتأثر بالثقافة والأسرة . ( 16 : 154 ).
ومن ثمة فسلوك التعلم والتعليم والتحصيل لا يمكن فهمه وتفسيره كما لو أنه مجرد نشاط فردي يعود إلى الذكاء والقدرات الفردية وشأن من شؤون علم النفس المعرفي أو أنه نشاط وجداني يعود إلى دينامية الشخصية وشأن من شؤون التحليل النفسي أو يعود إلى مثير واستجابة وشأن من شؤون المدرسة السلوكية وإن كانت هذه العوامل تضيء كثيرا من جوانب العملية، بل هو نشاط نفسي جماعي تفاعلي دينامي ناتج عن الموقف النفسي الذي يكونه شركاء العملية التعليمية التعلمية عن بعضهم البعض وعن المواضيع والأشياء وما يكونه من توقعات للتعزيز المرغوب توجه السلوك نحو طرق معينة لبلوغ أهداف خاصة تتعلق بإشباع الحاجة إلى التحصيل . وهو ما يستوجب تنظيم وتصميم الموقف التعليمي في ضوء معطيات علم النفس الاجتماعي .
رابعا : مشكلات وصعوبات علم النفس الاجتماعي المعاصر:
1 ـ المشكلات والصعوبات العامة
لكل علم مفاهيم وتصورات وأنساق معرفية طورها عبر سيروراته وتطوراته الأكاديمية وما اختبره من فرضيات، بحيث تكسبه تلك الفرضيات المختبرة والمفاهيم مميزات خاصة في تفسير الظواهر النفسية والاجتماعية، كما تكسبه حدود معرفية وميدانية للظواهر التي يدرسها . وعلم النفس الاجتماعي المدرسي منذ ظهوره طور مفاهيم ونظريات عبر التخصيب بين عدة فروع علمية ومفاهيم مبثوثة في نظريات عدة أنحى به ذلك التخصيب إلى التفسير المتعدد العوامل والمصادر السببية بدلا من الاقتصار على التفسير الأحادي كما ظهر في بداياته حيث طغيان مبدأ واحد كميكانزم التفسير كـ " التقليد أو الإيحاء أو الغرائز أو التدعيم أو القلق أو التنظيم المعرفي أو الطبقة الاجتماعية ...الخ . ففي الدراسات المعاصرة بدا علم النفس الاجتماعي قد أرسى على تعدد العوامل في التفسير . ولم تبقى المشكلات النفسية الي تظهر على سلوك الأفرد والجماعات في مختلف المؤسسات كالقلق والعنف والعدوان والتعصب وعدم الاتزان العاطفي واضطراب الذاكرة وتشتت الانتباه وضعف الذاكرة وعدم الاكتراث وظعف الاحساس بالأخر واللاتوصل وفتور الانفعال مع الأحداث وعدم التجاوب النفسي والتفاعل ...الخ رهينة التفسير القانوني أو التفسير الغيبي بل أخذت طابع التفسير التعددي حيث يبحث سبب المرض النفسي كالقلق في عدة عوامل فقد يعود إلى تاريخ الفرد الأسري، ومنظومته التكوينية، وقد يعود إلى عوامل ثقافية اجتماعية عامة، وقد يعود إلى أساليب التربية، وقد يعود إلى نمط الشخصية وطريقة التفكير، وقد يعود إلى الخوف من مجاهيل المستقبل، وقد يعود إلى تأزم في الوقف النفسي أو الاجتماعي الراهن، وقد يعود إلى ضعف في الشخصية ...الخ .
فيستند علم النفس الاجتماعي المدرسي في تفسيره للسلوك على :
ـ مجموعة العوامل البيولوجية الوراثية: نظرا لما لهذه العوامل من أهمية في التأثير على سلوك الفرد ولا يمكن تجاهلها في تفسير الظواهر النفسية والاجتماعية، كتأثيرات الجهاز العصبي والنشاط الغدي وتاثيرات الحاجات والدوافع الفطرية الأولية ...الخ .
ـ مجموعة العوامل النفسية الشبه فطرية والمكتسبة: ونقصد بها سمات الشخصية التي تميز الفرد عن الآخرين وتتمتع بالثبات النسبي كطريقة التفكير ومستوى الذكاء ونمط الشخصية والمزاج الانفعالي وهي سمات تؤثر في السلوك وتشكل التصورات الفرد وإدراكه للمواضيع والأشياء والآخرين من حوله .
ـ مجموعة العوامل التوافقية المكتسبة: ويقصد بها تلك العمليات التي يقوم بها الفرد من اجل توافقه وتكيفه مع المحيط (الاجتماعي والبيئي) الذي ينتمي إليه ويكتسبها بفعل التفاعل المستمر مع الموجودات من حوله ( أشياء، مواضيع، آخرون من نوعه،...الخ ) وهو ما قاده إلى دراسة الفرد والجماعة في ديناميتهما وتفاعلهما كوحدة تماشيا مع توجهات الطب النفسي وأفكار الفرويديون الجدد التي لا تهمل الفرد في بنيته الذاتية وسياقاته الاجتماعية والايكولوجية والأنثروبولوجية الثقافية، فهو يدرس الإدراك والذكاء والوجدان والدوافع واللغة والثقافة والقيادة والجماعة والتربية والتنشئة والاتصال والتفاعل والانتماء ...الخ كما لو أنها عوامل تسبب حدوث سلوك معين بنسب متفاوتة .( 1 : 144 ـ 155 ) .
2 ـ مشكلات علم النفس الاجتماعي المدرسي :
رغم تقدم الدراسات النفسية في حقل علم النفس الاجتماعي المعاصر لا سيما المدرسي منه والارساء على المقاربة المتعددة المداخل في تفسير الظاهرة النفسية الاجتماعية، إلا أنه بقي كعلم يعاني من مشكلات أكاديمية عدة نختصرها في ما يلي:
غياب النظرية المفسرة للظواهر ذات الطابع النفس اجتماعي : فرغم تطور علم النفس الاجتماعي في تطبيقاته وتحديد مرجعية فكرية عامة مكنته من تطوير بعض المفاهيم، إلا أنه لم يصل بعد إلى صياغة الاطار النظري الذي يمكنه من تفسير الظواهر النفس اجتماعية ويستوعبها في كليتها كوحدة غير منفصلة، وهو ما عبر عن بوضوح " برونر Bruner " بقوله أن أكبر مشكلة يواجهها في الوقت الحاضر علم النفس الاجتماعي هي مشكلة إنشاء نموذج نظري دقيق يستطيع إن يوجه في مل الفروض والتي ينبغي التحقيق منها وإلى نفس الرأي ذهب كل منكرتش وكرتشفيلد وبالاشي.( 1 :143 ) وهو ما جعل الباحثون يواجهون مشكلة التفسير حيث توزعت تفسيراتهم للمشكلات التي يدرسها علم النفس الاجتماعي على عدة علوم ومقاربات شتى ينتمي بعضها لنظريات التعلم وبعضها الآخر لنظرية التحليل النفسي وبعضها لنظرية العمليات المعرفية مما يجعل التوليف بينها صعبا فيظطر الباحث للانحياز إلى نظرية من هذه النطريات في تفسيراته، فتفسير ظاهرة التعصب من حيث هو موضوع من مواضيع علم النفس الاجتماعي، تتجاذبه عدة نظريات فتقاربه نظرية التحليل النفسي في ضوء الصراعات النفسية للفرد وتقاربه نظرية التعلم في ضوء مفهومي الثواب والعقاب ونظرية التعلم الاجتماعي ترجعه إلى كلية من العوامل لذاتية والموقفية، ونظرية العمليات المعرفية ترجعه إلى معتقدات الفرد وإدراكه للجماعة. ( 1 :142 ) .
خامسا : القياس في علم النفس الاجتماعي المدرسي .
1 ـ التعريف بالقياس النفسي في علم النفس الاجتماعي .
إن قاعدة كل ما هو موجود يوجد بمقدار ويمكن قياسه، امتد العمل بها إلى كل العلوم الاجتماعية والنفسية واجتاحت كل الظواهر بما فيها الظواهر الوجدانية والعلائقية للفرد والجماعة، وهي قاعدة مستوحاة من المنهج الوضعي الأمبيريقي خاصة والذي يعود في أصله الابستمولوجي إلى الفلسفة الوضعية القائمة في منهجها العلمي على دعامتي الملاحظة والتجربة كمعيارين أصيلين للوصول إلى الحقيقة الموضوعية . وصار هاجس القياس يعم الظواهر النفسية لأغراض أكاديمية تتعلق بتطوير البحث كما تطور في العلوم الطبيعية باستخدام للقياس .
ويمكن تعريف القياس النفسي في أبسط صوره بأنه استخدام للأدوات الأمبيريقية لرصد الظاهرة النفسية في بنياتها وعلاقاتها وسيرورتها كما تلاحظ في الواقع كسلوك فردي أو جماعي، بعد جمع المعلومات بشأنها وتصنيفها وترتيبها منطقيا، بما يسمح تحويلها من وضعها النوعي والكيفي إلى الطبيعة الكمية والرقمية الدقيقة، باستخدام الوسائل الاحصائية الملائمة لكل معالجة، وتحليلها إلى جزيئات من السلوك بحيث تصبح تشعبات الظاهرة النفسية وتعقدها كمركب، بسيطة وأكثر قابلية للفهم والتحكم والتنبؤ .
ولم يشذ علم النفس الاجتماعي عن هذه القاعدة، حيث أصبح القياس من حاجاته وضروراته الأكاديمية توخيا وطلبا للدقة العلمية ولم يعد يكتفي بالأوصاف الأدبية والفلسفية لظواهره، وأدرج كل موضوعاته المتصلة بعلاقة الفرد بالجماعة للملاحظة المباشرة والتجريب بصورة كمية تعميما لما كان يجري في دراسة الحيوانات والرهط في التجمعات الحيوانية، وما كان يطبق على الظواهر الطبيعية، وبذلك اندرجت كل دراساته تحت نزعة القياس الكمي، وأخضعت للتكميم والمعالجة الاحصائية، بالاعتماد على صياغة الفروض الاحصائية القابلة للتحقق والاختبار الأمبيريقي. تقريرية أو صفرية أو تنبئية أو ارتباطية ..الخ . فاتجهت اهتمامات الباحثين في علم النفس الاجتماعي في رصد الظواهر النفس اجتماعية وتحليلها والوقوف على العلاقات والتأثيرات المتبادلة، صوب تصميم الأدوات الأمبيريقية المناسبة للفروض الموضوعة وقياس متغيراتها واختبارها والعلاقات بين الظواهر المتعلقة بسلوك الفرد في وضعياته المجتمعية أو في قياس السلوك الجماعي للجماعات والتأثيرات المتبادلة بين الفرد والجماعة . فالسلوك بكل أنواعه ينتقل آثاره مثل انتقال الفيروسات المرضية عبر الأفراد في المجموعات أو الجماعات الوراثية أو البيئية أو المهنية أو العرقية ...الخ وبالتالي يمكن ملاحظة ذلك على مستوى نوعية السلوك وشدته ومقداره وكيفية تغيره وتطوره وصور تمثلاته لدى الأفراد والجماعات .
2 ـ الطرق الأمبيريقية لقياس الظاهرة النفس إجتماعية :
ـ طريقة دراسة الحالة : يكتسي التاريخ الشخصي والعائلي للفرد في الثقافة النفسية الأمبيريقية أهمية خاصة لدى الأخصائي النفسي الاجتماعي، ويرصدها الباحث النفسي بطريقة دراسة الحالة وهي دراسة تتضمن عادة : معلومات عن الأسرة ـ والوضع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والتعليمي، الدين، الحالة الجسمية والمزاجية ـ الاتجاهات نحو الأسرة ـ التوافق الاجتماعي ـ النمو الجنسي والعاطفي ـ الميول العصابية .
و يمكن الحصول على هذه المعلومات المتعلقة بدراسة الحالة بعدة طرق منها:
طريقة تصميم استبيان يشمل هذه المحاور المذكورة وغيرها بحسب أهداف البحث أو يصمم لكل محور استبيان خاص ويعالج احصائيا بإحدى الطرق الاحصائية المناسبة .
ففي حالة بحث يتطلب رصد الحالة المزاجية للولدين أو لأفراد الأسرة يمكن تصميم استبيان يوجه للمفحوص يتكون من عدة أسئلة أو فقرات يجيب عنها وفق التعليمات التوضيحية التي يحددها الباحث في كيفية الاجابة تكون مرفقة بالاستبيان، وشكل الاستبيان ومحتواه يصمم بحسب أهدافه والصفات المراد قياسها بعدة أشكال منها الشكل التالي :
في الجدول أدناه مجموعة من الصفات المزاجية ضع علامة ( + ) تحت (نعم )إذا كانت الصفة المزاجية تنطبق على أمك أو أبيك أو تشعر بها أنت بصفة دائمة، وضع نفس العلامة ( ) تحت ( لا ) إذا لم تنطبق عليهما وعليك، وضع نفس العلامة (+ ) تحت أحيانا إذا كنت تلاحظ الصفة تظهر أحيانا فقط على والديك أو أحدهما أو تشعر بها أنت أحيانا . على أن تبقي على باقي الخيارات ( الخانات الأخرى) فارغة.
|
الرقم |
الصفة |
الأب |
الأم |
الطفل المفحوص |
||||||
|
1 |
يظهر المرح |
نعم |
لا |
أحيانا |
نعم |
لا |
أحيانا |
نعم |
لا |
أحيانا |
|
2 |
يظهر التسامح |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
3 |
يظهر القلق |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
4 |
يظهر التشاؤم |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
5 |
الخ .... |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
وهكذا في كل الحالات المتعلقة برصد الحالة كحالة التوافق المدرسي حيث تطرح الأسئلة من نوع :
هل تشعر كل يوم برغبة في الذهاب للمدرسة .........(نعم )( لا ) (أحيانا ).
هل تحرص على المشاركة في القسم .................. (نعم )( لا ) (أحيانا ).
هل تشعر بالمضايقة عندما يسألك معلمك ............(نعم )( لا ) (أحيانا ).
وهكذا أيضا في حالة قياس التوافق الاجتماعي وقياس الاستجابات الوجدانية ورصد الاتجاهات...الخ . وتسمى هذه الطريقة بطريقة " ليكرت " ذات التقدير المتدرج، تتكون عادة من ثلاثة بدائل ( نعم، لا، أحيانا ) إلى خمسة بدائل (موافق جدا، موافق، لست أدري غير موافق، غير موافق جدا ) .ويسهل إخضاعها للمعالجة الاحصائية بالتكرارات أو بالدرجات ووالأوزان .
ويمكن تصميم الاستبيان بأشكال أخرى شرط أن يستجيب لمتطلبات البحث وأهدافه ويخضع لشروط المعالجة الاحصائية .كالأسئلة المفتوحة مثل
أذكر في الفراغات التالية ماهي مواقف المعلم التي تنزعج منها أثناء تلقيك للدرس .
1 )................................... 2 ـ................................
.3 ـ .................................4 ـ ..............................
ـ طريقة تفحص السجلات في مؤسسات الانتماء ( المدرسة، المصنع، المستشفيات، السجون ...الخ فالطفل أو الفرد المفحوص عادة ما يكون منتميا إلى مؤسسة من المؤسسات التعليمية والتربوية والتكوينية أو المهنية أو في مصحات ومستشفيات أو في مؤسسات خاصة وتحتفض هذه الؤسسات عادة على الحد الأدنى من المعلومات والبيانات الأولية الشخصية حول الطفل أو العامل أو بيانات حول تاريخه الأسري والاجتماعي بصفة عامة، وتكون هذه المعلومات إما مسجلة في سجلات خاصة أو في كراسات أو في أجهزة الكومبيوتر مصنفة ومبوبة . ويمكن للباحث أن يستعين بها في رصد الظاهرة النفس اجتماعية المراد قياسها.
ـ طريقة المقابلات الشخصية: كما يمكن الحصول على المعلومات الخاصة بدراسة الحالة عن طريق المقابلة الشخصية ورصد الظاهرة المراد قياسها بملاحظتها على سلوك المفحوص اللغوي اللفظي والايمائي أو بما يدلي به من معلومات ويصرح به أثناء إجراء المقابلة لفظا أو كتابة أو رسما حسب إدارة المقابلة وطريقة تصميمها عفوية حرة أو مقننة ومبرمجة وفق أهداف إجرائية محددة . وبالمقابلة يمكن للباحث أن يكشف عن معرفة الشخص بذاته وبالآخرين ونظرته للمستقبل ودوافعه ومعتقداته واتجاهاته وعاداته السلوكية ومخاوفه ومصادر قلقه ودوافعه والوقوف على الخبرات السارة والمؤلمة ...الخ . وفي المجال المدرسي يمكن من خلال المقابلات المنظمة أو العفوية الحصول على المعلومات حول أثر النظام البيداغوجي ونظام الاتصال والتفاعل والقيادة التربوية والعلاقات السائدة بين الشركاء التربويين من المعلمين والتلاميذ والاداريين والموجهين النفسيين على السلوك التعليمي للطفل أو للجماعة المدرسية ومدى تقبل التلميذ واستجابته لهذه الأنظمة وبعث دوفعه للتعلم والتكيف أو التوافق المدرسي
ـ طريقة كتابة السير الذاتية .والسير الذاتية التي كتبت أو يطلب من الشخص المفحوص كتابتها تعد هي الأخرى مصدر هام من مصادر جمع المعلومات المتعلقة بدراسة الحالة، فما يكتبه الفرد عن حياته الشخصية يمكن أن تضيئ جوانب هامة من شخصيته الانفعالية والسلوكية والعقلية وشكل تصرفاته في المواقف الاجتماعية واهتماماته وطريقة مواجهته للمشكلات التي تواجهه وكذا مخاوفه ومستوى شجاعته ومبادراته وتواكله. ويمكن أن تساعد الباحث النفسي الاجتماعي في رصد عوامل ومحددات الشخصية وطريقة استبصاره للمشكلات .
ـ دراسة تاريخ العائلة : التاريخ الاجتماعي والثقافي للعائلة الممتدة يمكن أن يساعد الباحث النفسي الاجتماعي في جمع المعلومات والمعطيات الثقافية الاجتماية التي تؤثر على شخصية الفرد وتظهر في تصرفاته واستبصاره للمشكلات والوقائع، كمعرفة طريقة الحياة وأساليب العاملة وطقوس العائلة واستجاباتها الجمعية في المواقف الاجتماعية ...الخ .
وكل ما من شأنه أن يضم معلومات تلقي الضوء على تاريخ الفرد الشخصي والاجتماعي، ووضعها موضع التصميم الأمبيريقي والتكميم .
الطريقة الاحصائية : البيانات الخام التي يتم جمعها من خلال الاستمارات أو الاختبارات والروائز أو المقابلات المصممة والمقننة أوشبكات الملاحظة بعد تحويلها إلى كم وأرقام وتكرارات توضع بناء على متطلبات اختبار الفروض تحت المعالجة الاحصائية، كحساب المتوسطات والارتباطات والحساب الفروق بين الأفراد والمجموعات كاختبار (ت) واكتبار كا2 والتحليل العاملي ...الخ ويستعملها الأخصائي النفسي الاجتماعي المدرسي في قياس الشخصية لدى المجموعات والفرق التربوية، ومدى تقاربها وتباعدها من السمات المشتركة، وكذا في دراسة دينامية الجماعة وعلاقات انجذاب الأفراد لبعضهم البعض أو التنافر والحياد ...الخ . وكذلك دراسة السمات الذكائية أو المرضية ومدى انتشارها وانتقالها وترابطاتها بمتغيرات أخرى داخلية أو خارجية .
طريقة الملاحظة : وتعد وسيلة من وسائل القياس الأمبيريقي وهي عبارة عن نشاط هادف وغائي منظم يقوم به الباحث لجمع المعلومات التي تستلزم الملاحظة بأي نوع من أنواعها ( بالمشاركة أو بغير المشاركة أو بالجمع بينهما) ويستعمل فيها الباحث بالدرجة الأولى حواسه لمراقبة سلوك جماعة صغرى أو أفراد في جماعة كالجماعات التربوية أو الجماعات العلاجية، ويمكن أن يستعين الباحث بأدوات وأجهزة التي تساعده على الرصد المسجل الصوتي وآلات التصوير والشاشات العارضة ...الخ . والملاحظة العلمية المقصودة تتم بإعداد أدواتها كالملاحظة التي تعتمد على كراسات وشبكات الملاحظة ككراسة تقدير سمات الشخصية ومميزات السلوك الاجتماعي التي أعدها عطية هنا، وعماد الدين اسماعيل تتكون من ستة أقسام ( بيانات عامة، بيانات عن الأسرة، بيانات الحالة الجسمية، بيانات القدرة العقلية والتحصيل الدراسي، مميزات السلوك الاجتماعي وسمات الشخصية، ملاحضات عامة عن الشخصية، مظاهر الانحراف النفسي)وشبكات الملاحظة كشبكة فلاندرز لملاحظة التفاعل الاجتماعي في القسم وشبكة دولاندشير لرصد السلوك الانفعالي .
ومن أمثلة بنود الملاحظة في القسم الدراسي نرد الأمثلة التالية :
ـ في حالة ملاحظة المعلم لطريقة تدريسه :
1 ـ يستعمل تقنية السؤال والجواب
2 ـ يستعمل طريقة المجموعات
3 ـ يفضل التعامل مع كل تلميذ على حدة .
1 ـ يميل دائما للعمل الفردي
2 ـ لا يرغب في حل المسائل والتمارينات مع زميلاته .
3 ـ لايظهر عليه الميل لكثرة الأصدقاء والزملاء .
طريقة التجريب : طرق التجريب الأمبيريقي أحد أهم جمع المعلومات والبيانات التي يعتمد عليها الباحث في علم النفس الاجتماعي، والتصميم التجريبي يجريه الباحث لقياس اثر المتغيرات المستقلة على المتغيرات التابعة، كأن يصمم باحث في علم النفس الاجتماعي المدرسي وضع تجريبي بغرض معرفة مدى تأثر مجموعات التلاميذ وتغير اتجاهاتهم أو مكتسباتهم التحصيلية بتعريضهم لخبرات معينة فيقسم المجمواعات إلى مجموعات ضابطة وأخرى تجريبية فيعرضها ـ بعد ضبط المكتسبات أوالوضعيات القبلية ـ للمتغير المستقل ( الخبرة ) ثم يدرس النتائج والفروق بين المجموعات الضابطة والتجريبية .
طريقة الاخباريين : يلجأ الباحث في علم النفس الاجتماعي في جمع المعلومات لقياس متغيرات دراسته واختبار فروضها إلى طريقة الاخباريين وهي طريقة قديمة تمتد في التاريخ إلى بن سينا حين استعان بالعرافين في علاج مرضى القلب، فكذلك يلجأ الباحث الاجتماعي في معرفة السلوك الاجتماعي بالعرافين لشأن القبائل والقرى والبدو والفرق المعنية بالدراسة من جوانب عدة كالقيادة والتفاعل والتماسك والصراعات والمهن والحرف وأشكال التنافس والاون واللغة والثقافة والعلاقات الوجدانية وصلات القرابة والمستويات المعيشية وأنظمتها الرمزية وعاداتها في التربية والنشئة الاجتماعية وتحقيق الانتماء الاجتماعي للأفراد. .. الخ.
وقد استعملت طريقة الاخباريين في الدراسات العربية المعاصرة نذكر من بينها استعانة محمود عودة بالاخباريين في بحثه حول القيادة في القرية المصرية، واستعانة حامد عمار بهم في دراسته حول التنشئة الاجتماعية حيث تمكنا من جمع معلومات ليس بمقدورهما جمعها بغير اللإخباريين أو العارفين .كوصف دقائق المعيشة، والاخباريين عادة ما يكونون شخصيات اجتماعية ذات نفوذ ثقافي واجتماعي وعلائقي في الوسط ويكونوا على دراية واسعة بمحيطهم ومحل ثقة الجماعة ويتمتعون بسلطة أدبية وثقافة تمكنهم من الاحاطة بضروف حياة الجماعة .
الطريقة التشخيصية : ويقصد بها دراسة الشخصية دراسة هادفة إلى تحديد سمة أو سمات أو تشخيص مرض من الأمراض أو حالة من الحالات النفسية أو وضع من أوضاع الجماعة . وهي طريقة تسمح بتعميمات واسعة وتمكن الباحث من وضع استراتيجية العلاج المناسب كما تمكن من كشف الاتجاهات والآراء ومحددات الشخصية واللاشعور الفردي والجماعي . واشتهرت طريقتان في التشخيص :
ـ طريقة التحليل النفسي وآلياتها في التداعي الحر لكشف اللاشعور وما هو مكبوت لدى الفرد والوقوف على الاحباطات التي تصيب الفرد ومعوقات تحقيق ذاته في الوسط الاجتماعي،
ـ طريقة التشخيص المركز على العميل لكارل روجرز الذي يعتقد في وسائلها وطريقتها في الاستماع للعميل والقائمة على الحرية والدفء العاطفي فرصة لاعادة صياغة العميل لادراكه لذاته وللآخرين ولإتجاهاته وطرق توافقه الاجتماعي .
الحالة الاقتصادية والاجتماعية : طريقة أخرى من طرق جمع المعلومات يستخدمها الباحث في علم النفس الاجتماعي لقياس متغيراته المرتبطة بالحالة الاقتصادية والاجتماعية ، وتساعده في مجال التعرف على أحوال المفحوص تلميذا أو معلما أو عاملا المعيشية الحاضرة، فيبني استمارة في ضوء فروضه الموضوعة للاختبار الأمبيريقي والمنطقي، وعادة ما تكون الاستمارة متضمنة للمعلومات التالية :
ـ معلومات حول البيانات الأولية للمفحوص ـ معلومات حول السكن والحي، ـ معلومات حول ممتلكات الأسرة ـ معلومات حول الوظائف والمهن ـ معلومات حول الدخل الشهري لأفراد الأسرة ـ بيانات حول العلاقات الاجتماعية لأفراد الأسرة . وتعطى اوزان ودرجات محددة لكل معلومة على حدة بحسب المعايير التي يضعها الباحث وتعالج الاستمارة بوسائل احصائية كوحدة لها أبعادها وتفسر نتائجها في ضوء ثقافة المجتمع ونظامه الاقتصادي والسياسي .
3 ـ استخدام الاختبارات الاسقاطية في بحوث علم النفس الاجتماعي :
ولم تقتصر البحوث في علم النفس الاجتماعي على استخدام الاستمارات والاستبيانات والاختبارات المقننة حيث تعدت إلى استخدام الوسائل المعروفة بـ "الاختبارات الإسقاطية " المستخدمة أصلا في بحوث الشخصية لا سيما بحوث علم النفس المرضي والصحة النفسية . كالاختبار المعروف بـ " تفهم الموضوع T.A.T"واستخدم في بحوث اجتماعية بغرض معرفة دينامية الشخصية لفئات معينة وتشخيص الروح المعنوية للعمال والمشرفين .واستخدم اختبار بقع لـ " الجرمان رورشاخ " للاستفادة منه في تشخيص السلوك الاجتماعي والاستجابات المعرفية وقد طبقه في البحوث النفسية والاجتماعية بلويلر لمعرفة الفروق بين المراكشيين والأوربيين في الاستجابات عن المقياس .واستخدم اختبار تكميل الجمل التي تعد هي الأخرى من بين الاختبارات الاسقاطية اللفظية في بحوث علم النفس الاجتماعي، وقد استخدم لمعرفة الميل للاستقلال والاتجاهات. والاختبار عبارة عن مجموعة من الجمل الناقصة ويطلب من المفحوص تكملتها في أقصر وقت بصفة تلقائية . مثل :
الجزائريون قوم .....................أشعر أن زميلي قليلا ما ......................أرى لو أنني كنت مسؤولا لقمت....................
واستخدم كذلك اختبار الشخصية الاسقاطي الجمعي ( GPPT) لمعرفة المتوافقين من غير المتوافقين، واستخدمه أبو النيل بعد ترجمته في بحث حول العلاقة بين المستوى الاقتصادي والاجتماعي وبين بعض النواحي المعرفية وغير المعرفية . ( 1 : 265 ـ 279 ) .
سادسا : علم النفس الاجتماعي العربي :
هل يوجد علم النفس الاجتماعي العربي في جامعاتنا ؟ وللإجابة على هذا السؤال نعرض المحاولة النقدية الابستمولوجية لعلم النفس الإجتماعي العربي لـ " مصطفى حدية " كالتالي :
طرح السؤال الوجودي الجريئ المذكور المفكر والباحث " المصطفى حدية " بدافع النقد الذاتي للتجربة الجامعية الأكاديمية العربية في تأسيس علم النفس الاجتماي بعيدا عن جلد الذات أو النرجسية، رغم اعترافه بصعوبة مقاربته لفقدان الجهاز المفاهيمي اللازم لرصد الواقع
وبدافع التخلص من التوتر والقلق الذي ينتابه كما ينتاب كل الباحثين الجادين نتيجة الصراع المرير مع الواقع المتغير والذي لا يعرف الاستقرار تحت ضغط تجدد الحاجات الفردية والجماعية في الحياة المعيوشة في الوطن العربي وغيره، مارس الباحث لمقاربة الموضوع الاستبطان الذاتي النقدي لتفحص التجربة العربية في علم النفس الاجتماعي كقضية ابستمولوجية كما تفصح عن نفسها في الانتاج الأكاديمي العربي كهوية معرفية متخصصة " النفس اجتماعية ". وهي تجربة رصدها في كتابات المتخصصين والمقالات والبحوث الميدانية الجامعية . وتبين له من خلال الدراسة المسحية أن التجربة تعاني من قصور في التصور النظري والمنهج أعاق سبيلها نحو تكوين تصور ابستمولوجي لعلم النفس الاجتماعي، وقد خلص إلى هذه النتيجة المأساوية بناء على تقويم التجربة وفق معيار مدى تمثل كتابات هؤلاء الباحثين لتميز الظاهرة السيكوسوسيولوجية التي يتناولها علم النفس الاجتماعي عن مثيلاتها " النفسية " من جهة ومثيلاتها " الاجتماعية " من جهة أخرى . ذلك أن تعريف علم النفس الاجتماعي الذي ينطلق منه الناقد هو التعريف الذي صاغه موسكوفتشي يتلخص في " دراسة العلاقة الاجتماعية التي تكون وتبنى بين الأنا كفرد أوكجماعة وبين الآخر كفرد أو كجماعة من أجل تحليل علاقتهما مع المحيط إجتماعيا كان أم غير إجتماعي واقعيا أو رمزيا . وهذا التعريف يميز دراسة الظاهرة " النفس إجتماعية " عن دراسة الظاهرة النفسية من حيث هي دراسة للدوافع والتعلم والذكاء والعمليات المعرفية العقلية والوجدانات ...الخ من اجل الوقوف على بنياتها وعناصرها الوظيفية وقوانين سيرورتها بغض النضر عن محيطها ومناخها الثقافي الذي لا يرى إلا كعوامل ومتغيرات ثانوية
ويميزها عن دراسة الظاهرة الاجتماعية من حيث هي دراسة للعلاقات بين البنى الاجتماعية في تراكيبها وديناميتها مستقلة عن الأفراد وإرادتهم وقدراتهم .
وعليه يتوقف نجاح أي تجربة على مدى فهم هذه العلاقة وتداعياتها على مستوى الفرد والجماعة من التأثيرات المتبادلة، بنظرة كلية تستوعب أبعادها الفردية والاجتماعية وهي العلاقة التي تميز علم النفس الاجتماعي عن الظواهر الأخرى في أنه علم متميز بخصائصه المنهجية وأدواته منها
أنه علم أكثر تجريدا من باقي العلوم الانسانية الأخرى .
أنه علم تقني تجريبي يرتبط بالحياة اليومية .
أنه مختبر العلوم الانسانية .
وهذه الخصائص تجعله أكثر استقلالية وتمنع أي نظرة اختزالية لعلم النفس الاجتماعي والحاقه بعلم النفس العام أو بعلم الاجتماع .
وبناء على هذه الخصائص والمعايير في تقويم التجربة حدد المصطفى ثلاث عوائق ابستمولوجية اعترت التجربة العربية في تناول الطاهرة النفس اجتماعية كظاهرة كلية وهي:
أـ عوائق تتعلق بقصور التصور النظري لموضوع علم النفس الاجتماعي . فكل الباحثين العرب لم يدركو في بحوثهم وكتاباتهم خصوصية الظاهرة النفس اجتماعية كظاهرة قائمة بذاتها.
ـ فمنهم من يدركها كما لو انها امتداد للظاهرة النفسية ويعكس هذه الرؤية مجموعة من المقاربات التي تؤكد على أن علم النفس الاجتماعي فرع من فروع علم النفس كرأي خليل ميخائيل معوض ، وعباس محمود عوض، وهو ما يعد اجهاض واختزال لعلم النفس الاجتماعي واعتباره مجرد امتداد للظاهرة النفسية .
ـ ومنهم من يدركها كما لو أنها مجرد امتداد للظاهرة الاجتماعية وتجلى ذلك خصوصا في الدراسات الميدانية حول السلطة الأبوية للشباب، لزهير حطب وعباس مكي، ودراسةنادية سالم حول التنشئة السياسية للطفل العربي وهو الحاق صريح لعلم النفس الاجتماعي بعلم الاجتماع .
وكلا الموقفين يخلطان بين الظاهر النفسية والاجتماعية ولا يدركان الظاهرة النفس اجتماعية كوحدة كلية قائمة بذاتها وليس مجرد الخلط والجمع بينهما .حتى بدى علم النفس الاجتماعي في هذه الدراسات كما لو انه مجرد منسق بين علم النفس وعلم الاجتماع يمتص مظاهر الاستقطاب والتحيز ومحاولة تغطية نقائص كل منهما . وهو تصور وموقع وموقف مرفوض من شأنه أن يشكل عائقا ابستمولوجيا في نشوء علم النفس الاجتماعي موضوعي .
وبجانب هذا الموقف المرفوض ينشط موقف آخر يقول بالتفاعل بين ما هو نفسي وما هو اجتماعي في سلوك الأفراد والجماعات وعكس هذا الموقف بوضوح ثلة من الباحثين أمثال الباحث السيكولوجي حامد عبد السلام زهران حين عرف علم النفس الاجتماعي على أنه دراسة للتفاعل الاجتماعي ونتائج التفاعل وهو فرع من فروع علم النفس . وكذلك الباحثان أحمد عبد العزيز سلامة وعبد السلام عبد الغفار حين عرفاه بأنه دراسة التفاعل بين الفرد والجماعة وعوامل هذا التفاعل .
وقد اخفق هذا التصور هو الأخر في استحداثه للقطيعة الابستمولوجية الباشلارية عندما سقط في تناول ظاهرة التفاعل في كل الدراسات العربية في الفردية والتحيز للخصائص النفسية الذاتية ودورها في الظاهرة الاجتماعية دون بروز ظاهرة التفاعل بين الطرفين او الأاطراف كظاهرة مستقلة وشاملة لكل جوانب علاقات التفاعل.
ب ـ أما عن القصور في المنهج كعائق ابستمولوجي آخر هو وليد العايق الأول ونتيجة منطقية له، كما رصدها الباحث الناقد في كتابات الباحثين في حقل علم النفس الاجتماعي؛ فاعتبار الظاهرة " النفس اجتماعية " امتداد للظاهرة النفسية أو الاجتماعية انجر عنه بالضرورة تحيز علماء النفس العام إلى مقاربة الظواهر النفس اجتماعية بمناهج تجريبية مختبرية كما هو الشأن في الظواهر النفسية عامة، وتحيز علماء الاجتماع في دراسة تلك الظواهر إلى المنهج الاستقصائي المتبع في دراسة الظواهر الاجتماعية عموما . فانقسمت دراسات علم النفس الاجتماعي في البحوث العربية على تيارين متضاربين في التوجه مما حجب التصور التكاملي بين الاتجاهين وضاعت مسألة قيام علم النفس الاجتماعي كعلم مستقل بذاته بضياع موضوعه ومنهجه بين التبعية لعلم النفس العام أو علم الاجتماع .
ج ـ ونتيجة ضياع الموضوع المستقل والمنهج الخاص لعلم النفس الاجتماعي ضاع معهما التصور العام وتشكل الاطار النظري للظواهر " النفس اجتماعية" فالقوانين أو النتائج العامة ـ ان وجدت ـ التي تتوصل اليها الدراسات المنحازة توظف لصالح الأنساق النظرية إما لعلم النفس أو لعلم الاجتماع، وغابت بذلك فكرة ابداع النسق المفاهيمي الذي يكون الاطار النظري لعلم النفس الاجتماعي العربي المفروض تكونه عبر نصف قرن من الزمن في البحوث النظرية والأمبيريقية . ( 17 : 67 ـ 76 )
ثامنا : تجارب عربية وعالمية عن القياس في بعض مواضيع علم النفس الاجتماعي
1 ـ قياس القيم : تعرف القيم كما وصفها أبو النيل على أنها نظام معقد متشابك من الأحكام التقويمية الايجابية والسلبية يكتسبه الفرد خلال تنشئته وتفاعله الاجتماعي في وسط ثقافي ونظام اجتماعي رمزي معين تمتد على مسافات اجتماعية ووجدانية بين أحكام القبول والرفض نحو الموضوعات والأشياء والأشخاص .( 1 : 29 ) .
وتعتبر القيم أحد أهم الموضوعات في الشخصية، وتدرج ضمن المحددات المركزية للسلوك والشخصية بصفة عامة، وتقع في تصنيف التحليل النفسي للشخصية ضمن قسم الأنا الأعلى وذات مصدر اجتماعي واقتصادي وديني تتمتع بالثبات النسبي عند اللانسان وتتعلق بالأهداف البعيدة المعيارية وعادة ما تكون مرتبة ترتيبا هرميا عند كل فرد فتبرز مثلا القيمة الدينية عند رجل الدين بينما تبرز القيمة الاقتصادية عن التجاري . وقد كشفت البحوث في علم النفس الاجتماعي أن القيم ذات ارتباط قوي بالادراك وبالاتجاهات والعمل والكفاية الانتاجية وبالتالي فهي من الزاوية الوظيفية والعلائقية تعد من مواضيع التي يهتم بها علم النفس الاجتماعي .
وأورد أبوا النيل الجهود الأولى في مجال قياس القيم، وبحوث القيم في التجربة الجامعية العربية المقتبسة من أصول نظرية غربية نورد بعض منها في ما يلي :
فبالنسبة لقياس القيم قفد بدأ الاهتمام به بظهور أول إختبار يقيسها من تصميم وإبداع " البرت وفرنون ولندزي 1913 وترجمه عطية إلى اللغة العربية ويقيس في صورته المحلية ستة مجموعات من القيم، عبر ثلاثين سؤالا توجه للفرد للاجابة عنه بشكل فردي وفي ظل تعليماته حول كيفية الاجابة .ومجموعات القيم التي يقيسها هي :
القيم الاقتصادية، القيم النظرية، القيم الاجتماعية، القيم الدينية، القيم الجمالية، والقيم السياسية. وصيغت أسئلته على الشكل الذي نسوقه في المثال التالي :
نتعلم من أجل تنوير عقولنا أو لنجد عملا
أ ) التنوير (....) ب ) ( الكسب ) ( ....)
فإذا اختار الفرد الاجابة بـ " أ " بأن وضع علامة أمام التنوير، فإنه يعد من المفضلين للقيمة النظرية، وإذا إختار الاجابة بـ " ب " فإنه يعد من المفضلين للقيمة الاقتصادية . وهكذا في كل اسئلة المقياس . وتعالج بياناته احصائيا بحسب متطلبات البحث وظهرت نماذج أخرى في قياس القيم نذكر من بينها ما رصده أبوا النيل بأمثلتها :
ـ إختبار المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية عن المحافظة والتقدمية ومن صيغها المثال التالي :
ينبغي أن يتزوج الفتى من بين الأقارب نعم لا
ويمكن تكييفه على المدرسة فنصوغ فقرات تقيس قيم المحافظة والتقدم لدى التلميذ من مثل :
ينبغي أن يختلط الذكور بالإناث في المدارس نعم لا
ـ اختبار القيم لمصطفى فهمي ومحمد وأحمد غالي، وهو إقتباس من اختبار الصداقة ويشمل القيم الدينية والاجتماعية والاقتصادية والنظرية والسياسية والعلمية والجمالية . توجه إلى المفحوص في شكل فقرات تعكس صفات معينة يتميز بها أصدقاؤه ويطلب منه تقدير أهمية كل صفة بالنسبة إليه بإعطائها وزن ( درجة ) . ومثاله
في القيمة الدينية :
صديقي يكون شخص "
يحب الصراحة ............................................الدرجة ( ....)
حافظ كثير من القرآن ....................................الدرجة ( ....)
تقي ومصلي وورع .......................................الدرجة ( ....)
أخلاقه عالية ........................................... .الدرجة ( ....)
سمعته حسنة وعنده شرف ................................الدرجة ( ....)
وهكذا في قياس كل القيم المكونة للمقياس المذكورة. وتعالج بياناته الخام بأدوات إحصائية مناسبة .
أما نصيب القياس في بحوث القيم في التجربة العربية فقد كان بدرجة تعكس إهتمامات الباحثين العرب بالوضوع حيث طرقته منذ نهايات النصف الأول من القرن العشرين ببحوث جامعية أكاديمية ذكرها أبو النيل نورد بعض منها كالتالي .
ـ دراسة تطور قيم طلاب التعليم العالي، وهي دراسة تتبعية لقيم طلاب التعليم العالي في عشر سنوات قام بها ابراهيم كاظم استخدم فيها أداة تحليل المحتوى لسير حياة عينة من الطلاب بلغت ستون طالبا في مصر.
ـ دراسة عماد الدين اسماعيل حول قيمنا الاجتماعية وأجريت لرصد القيم السائدة في العلاقات الأسرية وعلاقتها بالبعد الطبيقي وأجريت الدراسة في البيئة الحضرية والريفية والطبقات الاجتماية وطبق فيها تقنية الاستفتاء .
ـ دراسة السيد محمد عبد العال حول دينامية العلاقة بين القيم والطموح في المجتمع المصري للوقوف على القيمة السائدة لدى كل فئة من فئات المجتمع، وهل تختلف هذه القيم باختلاف المستويات الاجتماعية ؟ وطبقت فيها عدة أدوات أمبيريقية .
ـ دراسة جامعة عين شمس حول علاقة القيم بالكفاءة الانتاجية استهدفت معرفة القيم المرتبطة بالكفاية الانتاجية، وطبق البحث في مجموعة من الشركات الصناعية باشراف أبو النيل
ـ دراسة أبو النيل حول القيم الاجتماعية والذكاء والشخصية لدى طلاب جامعة دولة الامارات العربية المتحدة، وأجريت الدراسة متواكبة مع ما كان يجري من تغيرات إجتماعية واقتصادية عقب اكتشاف البترول في الخليج بغرض الوقوف على التغيرات التي تصيب الطلبة في شخصياتهم وقدراتهم العقلية في الادراك والفهم والتفكير والتوترات والصراع وما مدى تأثير ذلك على التحصيل العلمي وعلاقة ذلك كله بتوزيع القيم الاقتصادية والدينية والاجتماعية .واستخدم في الدراسة أسلوب العينة واختيارها وفق معايير محددة وطبق فيها ثلاث اختبارات تقيس متغيرات البحث وهي ( إختبار الذكاء العالي، اختبار الشخصية، أختبار القيم ). وعولجت بياناتها الخام بعد التطبيق في ضوء تعليمات الأدوات وفروض البحث بالوسائل الاحصائية المناسبة .( 1: 236 ـ 262 ) .
2 ـ قياس الاتجاهات:
تعرف الاتجاهات على أنها مجموعة من الميولات اللفظية والحركية (لسلبية أو الايجابية )التي يبديها فرد من الأفراد أو جماعة أو من الجماعات نحو الذات أو الموضوع الخارجي (أفراد و جماعات، أو أشياء، أو قيمة من القيم، أو عمل وتصرف من الأعمال والتصرفات، أو تنظيم من التنظيمات والمنظمات ...الخ . )وبذلك تعني عملية قياس الاتجاه امكانية رصد استجابات الأفراد المتعلقة بالقبول والرفض وتقديراتها بالملاحظة أو التجربة وتحويلها إلى قيمة عددية، باستخدام أدوات القياس.
وقد خضعت الاتجاهات من حيث هي موضوع من مواضيع علم النفس الاجتماعي للقياس والتكميم وصممت لها مقاييس مقننة تستخدم لتسجيل الاستجابات اللفظية والحركية للأفراد والجماعات تجاه موضوع معين أو جماعة معينة أو قيم معينة، وشملت عملية القياس في علم النفس الاجتماعي كل مواضيعه ،وفي البحوث الاستكشافية أو اللائقية أو التنبئية أو السببية، حيث تقاس الاتجاهات نحو الوطن وحول المؤسسة وحول الأشخاص والشعوب والفئات والحركات وفي التربية تقاس الاتجاه نحو المواد الدراسية ونحو العلم ونحو الأساتذة ونحو الادارة ونحو الطرق البيداغوجية ونحو العمل ونحو التنشئة الاجتماعية ونحو الاتجاهات الوالدية، والتصورات الذاتية وعلاقتها لالاتجاهات ، والمراقبة الفهم ورصد الادراك الذاتي ومحدداته ...الخ كل ذك من أجل رصد الميولات والمشاعر الفردية والجماعية البينية ونحو المواضيع في ضوء ( الرفض، والقبول، والحياد ) والكشف عن الأساليب التربوية والمعاملات والعلاقات بين الأفراد في أية جماعة مهنية أو عرقية أو أيديولوجية أو تعليمية ...الخ .كعلاقات التسلط أو الاهمال أو التدليل أو القسوة أو الحب والتسامح ...الخ
ويعد كل من " ثورستون" و " بوجاردس " و" ليكرت " من السباقين الأوائل في تصميم مثل هذه المقاييس، حيث صمم " ثرستون " مقياس عرف بـ " مقياس ثرستون للمقارنة الزوجية "ويتلخص في مقارنة بين مثيرين من حيث أفضلية أحدهما عن الآخر. فيطلب من المفحوص مثلا توضح رأيه في شعوب عدة والتفضيل بينها أو التفضيل بين مجموعة أفراد من زملائه، وتوضع أسماء المجموعة بعددها في مصفوفة ويطلب من المفحوص وضع (+1 ) لكل شخص أو قومية أو فكرة أو جماعة تكون في نظره أقوى وأفضل من الأخرى، ووضع علامة ( -1 ) لكل شخص أو قومية أو فكرة أو جماعة أوو أي موضوع مطروح للتفضيل، لا يفضله أو لايرشحه عن نظيره،. ويمكن إستخدام هذه الطريقة في المجال التربوي بهذا الشكل أو بغيره من الأشكال في دراسة اتجاهات ورغبات التلاميذ تجاه المناهج أو الزملاء أو المعلمين أو الاداريين ...الخ .
أما " بوجاردوس " فصمم مقياس عرف باسم " مقياس البعد الاجتماعي لبوجاردوس " وهو يقيس درجة تقبل أو رفض الأشخاص في مجال العلاقات الاجتماعية .والمقياس من نوع الموازين المتجمعة بمعنى أن المفحوص إذأ أجاب عن الؤال الثاني بالايجاب والموافقة فإنه يترض فيه منطقيا أن يجيب عن السؤال الأول من المقياس بالاجاب وإذا أجاب عن السؤال الثالث بالايجاب فإنه يتوقع أن يجيب عن الأول والثاني بالايجاب أيضا . وصيغة هذا المقياس هو أن يطلب من الشخص المفحوص أن يضع الأشخاص من أجناس مختلفة حسب تقبله لهم في قسم أو أكثر من الأقسام السبعة الموضوعة على شكل جدول ( تقبلهم في علاقة زواج، في العلاقة بالنادي، جيرة بالشارع، العمل بنفس المهنة، مواطن ببلد، زائر بلد، لا أقبله) وتعطى لكل قسم منها درجة محددة . وتعالج بياناته بالنسب المائوية ودراسة الفروق .
|
الأقسام الشعوب |
|
علاقة بالنادي |
جيرة بالشارع |
العمل بنفس المهنة |
مواطن ببلدي |
زائر بلد |
لا أقبله |
|
الأنجليز |
|
|
|
|
|
|
|
|
الزنوج |
|
|
|
|
|
|
|
|
الفرنسيون |
|
|
|
|
|
|
|
|
...الخ |
|
|
|
|
|
|
|
ويمكن تطبيق هذه التقنية لتحديد درجة التقبل والرفض للأشخاص الآخرين على التلاميذ في الأقسام الدراسية لكشف اتجاهاتهم نحو الآخرين من أجناس أو لغات أو طبقات أو أديان مختلفة . كما يمكن وضع اختبار مستحى من هذا الاختبار يقيس تقبل التلاميذ للطرق أو المناهج أو المعلومات أو الفروع ...الخ .
مقياس ليكرت للاتجاهات :صمم " ليكرت " مقياسا عرف بـ " مقياس التقدير المتدرج البياني " ويصنف ضمن مقاييس موازين التجميع، بمعنة أن الدرجة الكلية التي يتحصل عليها المفحوص هي مجموع الدرجات على الوحدات المختلفة في المقياس . وصمم أساسا لقياس إتجاه الشخص نحو موضوع أو شخص حيث تحدد درجة اتجاه الشخص من الموافقة والمعارضة على ميزان أو سلم متكون من خمس درجات :
![]()
![]()
![]()
![]()
أوافق بشدة
أوافق محايد أعارض أعارض بشدة
ويمكن أن يصاغ المقياس في شكل فقرات أو أسئلة ويطلب من الشخص أن يجيب بتحديد درجة موافقته أو عدم رضاه عن الفقرة.وتوضع في جدول كالتالي :
|
الرقم |
الفقــــــــــرات |
موافق بشدة |
موافق |
محايد |
غير موافق |
غير موافق بشدة |
|
1 |
أشعر بالارتياح عندما أكون خارج المدرسة |
|
|
|
|
|
|
2 |
أشعر بالضيق الشديد ينتابني داخل المدرسة |
|
|
|
|
|
وقد تختصر بدائل التقدير المتدرج إلى ثلاثة وتكون مثلا ( نعم، لا ، أحيانا ) وقد تكون في صيغة (لا، نعم )أو (موافق، غير موافق) .
وتعطى درجة التقدير ( أوزان ) لكل سلم فتعطى مثلا درجة ( 5 ) لـ تقدير أوافق بشدة، ودرجة ( 4 ) لموافق، ودرجة(3 ) لمحايد، ودرجة (2 ) لأعارض، ودرجة (1 ) لتقدير أعارض بشدة .بحيث يستطيع الباحث ويتمكن بهذه الأوزان من :
ـ اجراء التصنيفات أو الترتيبات المطلوبة للأفراد المفحوصين، ويقصد بها وضع الأفراد بحسب اتجاهاتهم نحو موضوع أو مواضيع معينة، كما تبينه شدة ميولهم ورغباتهم واختياراتهم المبينة في استجاباتهم على مقاييس التقدير كما في المثال السابق.
ـ ومن خلال التقدير الذي يبديه المفحوص يستطيع الباحث تفسير اتجاهات الشخص نحو الموضوع المفحوص .
فإذا تم تفحص آراء التلاميذ حول معلم أو مدير أو أي شخص أو موضوع أو مادة ووضعت وحدات التقدير متصاعدة ومنظمة كالتالي :
صفر 25 50 75 100
فإن الباحث يستطيع تقدير استجابات التلاميذ ووضع العلامة التي تناسب استجابته بحسب فئات التقدير .
وتعالج البيانات الخام التي يتحصل عليها الباحث بالطرق الاحصائية المناسبة لاختبار الفرضيات المقترحة .
ويمكن ان تستخدم طرائق عدة أخرى لقياس الاتجاهات نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر :
الاستبيانات والاستمارات: وهي عبارة عن قائمة من الأسئلة أو الفقرات تصاغ في ضوء شروط إعداد الاستبيانات من وضوح ودقة وقياس ما وضعت من أجله والصدق والثبات والتمييز ....الخ وتكون أسئلتها حول ذات الشخص أو ظاهرة أوموضوع أو شيء أو شخص أو جماعة، بحيث تكون مبنية في وحدة شاملة لكل أبعاد الموضوع حسب المعطى النظري ومتغيرات الموضوع المراد دراسته وذات محتوى يكشف عن ميل الشخص واتجاهه نحوه .تساعد الباحث على رصد كل المعلومات المطلوبة لاختبار فروضه، وتكون مرفقة بالتعليمات تصاغ في ضوء اهداف الاستبيان والغرض منه وشروطه العلمية الأكاديمية .
ونماذج الاستبيانات عديدة ومتعددة في محتوياتها وصيغها وأشكالها تتضمن عادة بيانات عامة شخصية ( الاسم، والخبرة، والجنس ، والسن ...الخ ) .
ـ أسئلة تمهيدية وتوضيحية .
تكون أسئلة الاستمارة متسلسلة أو مقسمة ومنظمة حسب أبعاد الظاهرة.
وفي ما يلي استبيان لرصد اتجاهات التلاميذ نحو الدراسة من تصميمنا وطبق على تلاميذ السنة السادسة ابتدائي في جزء من بحث الدكتوراه حول التفاعل وعلاقته ببعض المتغيرات، ويتعلق هذا الجزء بدراسة التفاعل وعلاقته بالاتجاه نحو الدراسة. وهو عبارة عن مجموعة أسئلة حول الجوانب الانفعالية والوجدانية للتلاميذ نحو الدراسة أعددناها في ضوء مفاهيم (القبول ،الرفض ،الحياد ) كما حددت في الاطار النظري للدراسة بمعانيها ومدلولاتها، وصممت وفق نموذج ليكرت.واختبرت من حيث صدقها وثباتها ووضعت في صورتها النهائية، تضم 30 سؤالا مميزا، 17 منها موجبا ، 13 منها سالبا وموزعة على أبعاد المقياسحسب الجدول التالي.
|
الرقم |
أبعاد المقيــاس |
عدد الفقرات |
المجموع |
النسبة |
|
|
|
|
الموجبة |
السالبة |
|
|
|
1 |
بعد الحافز على التعلـم |
5 |
5 |
10 |
33.33 |
|
2 |
بعد الميل نحو متابعة الدراسة |
2 |
3 |
5 |
16.66 |
|
3 |
بعد الميل نحو المدرســــة |
6 |
3 |
9 |
30 |
|
4 |
بعد الميل نحو المعلـــــم |
3 |
3 |
6 |
20 |
|
المجمـــــــــوع |
16 |
14 |
30 |
99.99 |
|
ولئن المستويات العمرية لعينة المفحوصين لا تتجاوز السنة الثالثة عشر (مستوى السنة السادسة أساسي ) وهو المستوى العمري الذي يتجاوب أكثر مع صيغة (سؤال ـ جواب) . صيغت مفردات المقياس في شكل أسئلة مباشرة وعلى نمط نموذج ليكرت بحيث يقابل كل سؤال ثلاث خيارات كطريقة للإجابة (نعم ـ لا ـ أحيانا ) بدلا من خمسة ، وهو النموذج الذي يناسب ـ في نظرنا ـ الإمكانات العقلية لهذه الفئة العمرية .
وصممت مرفقة بورقة التعليمات وورقة خاصة بالبيانات وتم حساب خصائصها السيكومترية في دراسة استطلاعية وأعدت للتطبيق النهائي على النموذج التالي :
بيانـات أوليـة
إسم المدرسة:............................... إسم المعلم..............................
إسم التلميذ:...........................السن:......................................
معيد ( ) عادي ( ) الفوج............. التاريخ.............................
|
رقم |
الأسئلـــــة |
نعم |
لا |
يانا |
|
01 - |
هل تتضايق عندما يكلفك المعلم بالواجبات المدرسية |
|
|
|
|
02 + |
هل تبذل كل مجهوداتك لتتجنب الفشل في دراستك |
|
|
|
|
03 ـ |
هل تشعر بالقلق أثناء إنجازك لواجباتك المدرسية |
|
|
|
|
04 - |
هل كثيرا ماتتحايل لتتجنب المشاركة في القسم |
|
|
|
|
إلى 30 |
.......................................................... |
|
|
|
طريقة تصحيح الاختبار والحصول على الدرجات الخام:
بعد تطبيق الاستمارة على العينة الاستطلاعية مرتين حددت أوزان الفقرات ذات التقدير المتدرج على نمط ليكرت ذو الثلاثة بدائل للإجابة ، كالتالي :
ـ الفقرات الموجبة : تعطى الدرجة ( 3 ) لكل إجابة بـ ( نعم ) ، والدرجة ( 2 ) لكل إجابة بـ "أحيانا" والدرجة ( 1 ) لكل إ جابة بـ ً لا ً .
ـ الفقرات السالبة : تعطى درجة ( 1 ) لكل إجابة " نعم" والدرجة ( 2 ) لكل إجابة بـ " أحيانا " والدرجة( 3 ) لكل إجابة بـ "لا" .
ـ تجمع درجات أسئلة كل بعد للحصول على الدرجة الكلية للبعد على الوحدة ، ثم تجمع درجات أسئلة المقياس للحصول على الدرجة الكلية للمقياس .ومن ثمة يمكن معاجتها احصائيا حسب متتطلبات اختبار الفرضيات المطروحة .
3 ـ التفاعل النفسي الاجتماعي وقياسه :
3 ـ 1 حول التعريف
يعد التفاعل من حيث هو علاقات التواصل وما ينتج عنها من التأثيرات الايجابية والسلبية بين المتواصلين أفراد أو جماعات وهيآت ومؤسسات، من أهم مواضيع علم النفس الاجتماعي، وقد عرفه المنهل التربوي على أنه "الأثر الذي يحدثه تدخل أوموقف شخص ما على آخر في إطار حوار أوعلى آخرين داخل جماعة بحيث يصبح ذلك الأثر باعثا على فعل معين لدى هؤلاء ومثيرا في الوقت نفسه لرد الشخص المتدخل " ( 4 : 528 ) ويبرز هذا التعريف الدينامي الطابع لعلاقة التواصل بين الأفراد والجماعات حيث تصبح فيه عملية نقل وإرسال المعلومات والمعارف وتلقيها متحركة ومتنقلة بين المتواصلين وهي صيغة للتفاعل مرنة تسمح بانتقال الأفراد من وضعية إلى أخرى في إطار العلاقات التواصلية من وضعية المرسل إلى وضعية المتلقي . فلا أحد يحتكر الدور ولا أحد يثبت في وضعية التلقي أو الارسال .
ومن هذا المنظور الدينامي النمائي للتفاعل يحرص الباحثون على إدراج التفاعل في الفعل البيداغوجي كأحد أهم ميكانزمات النمو المعرفاتي ، ذلك أن البناء المعرفاتي لا يتحقق إلا بشرطين ( بالمشاركة، وبالمآزرة بين المعلومات ) فمشاركة الطفل في حوار وتواصله مع الآخرين سيؤدي بالضرورة إلى صراع أو تنافس بينه وبين المشاركين في عملية البناء المعرفاتي وهو البناء الذي لا يتحقق إلا بعد حدوث الانسجام والتناغم بين الأفكار المتبادلة وخالية من أي صراع سوسيومعرفاتي .( 4: 529 ) .
وبهذا المفهوم " النفس إجتماعي" يكون التفاعل موضوع لا يرى في أبسط صوره إلا في جماعة إجتماعية صغيرة أو كبيرة، ويدرس من خلال مفاهيم نظام الاتصال في أبعاده الاجتماعية والنفسية والبيداغوجية وعلاقاته الخطية والدائرية والتأثير المتبادل (السلبي أو الايجابي) والمشاركة،. وفي ما يلي تفصيل ذلك :
ـ فبالنسبة للجماعة الاجتماعية كمجال للتفاعل وشرط لوجوده فيتأسس على أن الفرد( طفل أو راشد ) لا يمكن أن يعد متفاعلا من الوجهة الانسانية أو يوصف كذلك إلا حين ممارسته لأي سلوك أو نشاط ـ غائي هادف، أو عفوي تلقائي، أو في سياق فعل المبادرة، أو الاستجابة وردود الأفعال ـ داخل اطار جماعة صغيرة كالأسرة أو جماعة الرفاق واللعب، أو جماعات المدرسة، أوكبيرة كالتنظيمات الاجتماعيةكالطبقة والأيديولوجيا والزمرة والجماعة وفئات العمل والمؤسسات والجمهور والحشود...الخ ووجود الفرد داخل الجماعة إنما هو وجود في إطار ما يمكن تسميته بالعقد الاجتماعي أو العقد المدني ـ التلقائي العفوي أو الطبيعي أو المنظم ـ في أية صيغة من صيغه يتنازل خلاله الأفراد عن بعض خصوصياتهم نظير مكتسبات تتعلق بوجودهم الاجتماعي والوظيفي والفردي ومقتضيات انتماءاتهم وتأمين حتى حياتهم، وهو ما يضع الفرد بالضرورة عند ممارسة تكاليفه ومسؤولياته ونشاطاته في أي مستوى أو مراتب الوجود الاجتماعي يضعه في حالة حوار مع أقرانه ونظرائه ضمن علاقات ـ تكافئية تناضرية أو انعكاسية خبرية أو سلطوية أو تعاونية أو تنافسية سلطوية أو ديمقراطية أخوية أو عدائية ـ وذات مضامين سيكولوجية وبيداغوجية وسوسيولوجية،
ـ أما بالنسبة لعلاقات التواصل كشرط لحدوث التفاعل الانساني، فتؤكد تعاريف التواصل كتعريف "شارل كولي " الذي يعده الميكانيزم الأول في وجود العلاقات الانسانية، على أنه الانطلاقة الضرورية الأولى أو الأساس الأول لحدوث التفاعل، وتتأسس هذه الضرورة أو الأساس على أن مجرد حدوث اللقاء وتجميع الأفراد في مكان ومجال زماني معين لا يؤدي بالضرورة إلى تفاعل بين الأعضاء المجتمعين إلا إذا باشروا في ما بينهم بصيغة أو أخرى لعلاقات التواصل والحوار.وهي العلاقات التي لا يمكن فهمها إلا بفهم متغيرات وأنظمتها.
ففعل الاتصال الذي يجري بين المتواصلين هو نظام يتألف من عدة عناصر كثيرا ما تختزل في عناصرها الأساسية وهي
المرسل : وهو الشخص أو الجماعة أو الآلة التي تنتج الرسالة وتقوم بإرسالها بصفة مباشرة أو عبر وسائل تكنولوجية .
المستقبل : وهو الشخص أو الجماعة المتلقية للرسالة والمستهدفة من التبليغ .
الرسالة : وهو موضوع النقل ومادة الاتصال بمضامينها الاخبارية والسيكولوجية والسوسيولوجية .
القناة : وهي الوسائل الذاتية الحسية منها والسيكولوجية، و وكذا الوسائل التكنولوجية المادية التي بواسطتها تنقل الرسالة إلى المتلقي .
ويمكن حصر العلاقة بين هذه العناصر في :
ـ متغير المرسل وعلاقته بالمتلقي حيث يظهر المرسل بوضعياته ورموزه الذهنية ودوافعه وأفكاره ومقاصده الانتاجية والاستهلاكية والعرضية وقدرته التبليغية رغبة في التأثير في الآخر المتلقي.وينتج عنها ثلاث أشكال من الاتصال التربوي ( الشكل المركزي الخطي، والشكل المتمركز حول الأفراد، والشكل الدائري للعلاقات حيث تنعدم فيها الحدود أي من أين يبدأ الحوار وإلى أين ينتهي) ( 18: 81 ) .
ـ متغير المتلقي وعلاقته بالرسالة :حيث العلاقة بين قدرات وامكانات المعرفية والوجدانية في ادراك مقاصد المرسل من الرسالة وقدرته على الاستيعاب الكلي أو الجزئي للرسالة، وقدرته على الانتقاء والتمييز، ووعي قيمتها وفك رموزها وفهمها واصدار ردود أفعال واتخاذ القرارات بشأنها. وينتج عن هذه العلاقة بحسب ميالاريه خمسة مواقف ( رفض المستقبل للرسالة كلية حين وصولها، أورفضها جزئيا، أووصولها بدون أن تترك أثرا في المستقبل، أو وصولها واستحداث أثر ما في سلوك المتلقي، وصولها واستحداث التأثيرات المطلوبة في المستقبل ) .( 18: 79 ـ 80 ) . ويتوقف ذلك على :
فهم الرسالة من طرف المتلقي من حيث هي نظام من الدلالات والمعاني والرموز لفظية أو غير لفظية مباشرة أو غير مباشرة .
أ ـ ملاءمة التشفير واختيار الكلمات والألفاظ أو الحركات المناسبة لفعل التواصل وموضوعه أي قياس علاقة الاختيار اللغوي بهوية الجماعة أو ذاتية الشخص المعني، فلجماعة القسم منظومتهم اللغوية بطابعها التعليمي وللأطباء شفرتهم اللغوية، ولجماعة الحي شفرتهم اللغوية كذلك . فلكل جماعة هويتها اللغوية المناسبة لتواصلها كشخصيات لا كأفراد.
ب ـ الشكل : للرسالة الموجهة للمتلقي أشكال، تتأثر بالقناة التواصلية والموضوع، فقد تكون عرضية صغيرة بحسب حجم القناة كالرسالة التلغرافية، وقد تتطلب الرسالة شكلا أكثر تركيبا كالرسالة التي يرسلها المعلم فتحتاج إلى الاخبار والافصاح والشرح والتوضيح للمواقف والاتجاهات والانفعالات وقابليتها للفهم وللتأويل والانتقاء والعزل وقوتها في التأثير ومستواها من حيث الصريح ( ما يدل عليه صراحة ) والضمني ( ما وراء الخطاب) .
ج ـ المحتوى : ويعد متغير من متغيرات الرسالة ويقصد به أن مضمون الرسالة، قد يكون أخبارا آنية، أومعلومات وخبرات تعليمية وتكوينية أو تقارير وتتضمن بعدين :
ـ بعد مؤسسي : ويقصد به في التواصل البيداغوجي القواعد الضابطة للرسالة الصوتية أو الكتابية أو الايمائية وتحديد ما ينبغي قوله وما ينبغي تركه والمسموح منه والمحضور
ـ بعد ذاتي ويتعلق بأسلوب المدرس في التعامل مع الدرس وادراكه للرسالة وتأثيرات شخصيته في أبعادها الاجتماعية والثقافية والنفسية .
3 ـ 2 صيغ الاتصال كنظام من العلاقات :
ينتظم فعل التواصل كما رصدته الدراسات في علم النفس الاجتماعي من حيث هو نظام من العلاقات إما في صيغة علاقات خطية أو علاقات دائرية.
ـ صيغة العلاقات الخطية بين المكونات الثلاثة : وتعرف على الشكل التالي
![]()
(
المرسل الرسالة المتلقي ) :
وهي صيغة عمودية وأوحادية الاتجاه تصدر عادة من المراكز الأعلى إلى الأدنى تستهدف إيصال المعلومة كأخبار وفي صيغة الأوامر والنواهي ينفذها ويتمثلها المتلقي الذي هو في وضعية أدنى تفرض عليه والسمع الطاعة، ولا تعير أي إهتمام لردود أفعاله خارج نطاق الطاعة والامتثال ورصد هذه الصيغة نموذج شانون القائم على السببية والنقل والابلاغ .
رسم شانون
وسادت وتسود هذه الصيغة كل المواقف الموصوفة بالديكتاتورية المحتكرة للمعلومات والمعارف وهي علاقات ينتج عنها مركزية السلطة في يد المرسل، والامتثال والطاعة للمتلقي، وتجليات هذه الصيغة في الممارسة البيداغوجية تظهر في احتكار المعلم للمعرفة والحقوق البيداغوجية وإدراج التلميذ ككائن ضعيف تابع له يسمع ويطيع ما يقوله المعلم وما يأمر به؛ بل يفرض عليه تمثل معارفه وله الحق والشرعية في تغيير أهداف المتلقي ووضعياته وتموضعاته وخبراته وتمثلاته وخصائصه ودمجه في نسقه المعرفي .
ـ صيغة العلاقات الدائرية بين مكونات الاتصال : وهي صيغة تقابل الصيغة العمودية تنسجم مع الاتصال الانساني والعلاقات الانسانية بأبعادها السيكولوجية والسوسيولوجية وطور الباحثون بشأنها عدة نماذج متقاربة كنموذج واتزلاويك( 1972 ) ووينكن( 1981 ) وكولفمان ووايزمان وهي نماذج تعطي أهمية لاشكال الارتجاع والارتدادات التي تحدثها الرسالة وتستوعب كل متغيرات نظام الاتصال الانساني . من مصدر الرسالة والمرسل والرسالة وجهاز الارسال وما يصحبها من إشارات ملتقطة، وضبط مصادر التشويش، والاشارات المبثوثة والمستقبل والهدف .
وتتأسس هذه العلاقات الدائرية في الاتصال على عدة معطيات ابستمولوجية تتعلق بـ
ـ أن الانسان وحدة بيولوجية ونفسية واجتماعية : وهو ما يفيد أن الانسان معطى بيولوجي ونفسي وسوسيولوجي ينتج الرسائل الجديدة كمعرفة أو يعيد إنتاج الرسائل المتراكمة في مخزونه المعرفي كتراث إنساني ويكتشفها من جديد وينتقي منها في ضوء معطيات الواقع ما يناسبه ويتفاعل معه كذات .
ـ أن الانسان له القدرات الكافية في انتقاء ما يتلقاه من مثيرات ورسائل متنوعة من الوسط البيئي المتعدد والمتنوع والتمييز بينها وتنظيمها وترتيبها والتعامل معها بمبدأ إقتصادي، في ضوء حاجاته واهتماماته وما يناسبه كذات.سواء أكان في وضعية المتلقي أو المرسل .
ـ أن الانسان يعطي للرسائل من حيث هي مثيرات معاني بترميزها وتجريدها كمفهوم وأفكار ويرسلها بتلك الرموز والمعاني للمتلقي عندما يستحضره في وجدانه كذات مستقلة وشخصية متفردة بغرض استحداث تغيير ما في شخصيته أوسلوكه وتكوين ما يسميه الباحثون الاعلاميون برجع الصدى أو تلقي التغذية الراجعة باعتبارها مثير ناتج عن أثر الرسالة.
3 ـ 3 مضامين علاقات التواصل التفاعلي:
كشفت الدراسات السيكولوجية أن العلاقات التواصلية في صيغتها التفاعلية ليست علاقات ميكانيكية جافة تختزل في المثير الميكانيكي والاستجابة الآلية كما هي عند الحيوانات الدنيا بل هي مضامين ومحتويات انسانية ونفسية واجتماعية وبيداغوجية نفصلها في ما يلي :
أ ـ مضمون العلاقات الانسانية: ويقصد بها تشبع العلاقة الحوارية بين المتواصلين بالقيم الانسانية كالتسامح والكرامة والعزة والاعتراف بالاخر ووجوده وحقوقه في التعبير عن ذاتيته وآرائه واتجاهاته وتوفير ظروف ومناخ المشاركة الوجدانية المتبادلة وتحقيق تكافؤ الفرص في تحقيق الذات.وهو ما يميزه عن ذلك التواصل الغريزي الذي يشترك فيه الانسان والحيوان كالميل للتجمع وللجنس الآخر والانتماء للنوع ...الخ . والعلاقات الانسانية كمضمون للحوار والتواصل والتفاعل بين الأفراد تجعل التواصل بين بني الانسان ممكن وذا معنى حقيقي مهما تباعدت الأفكار والمعتقدات والقيم الاجتماعية والصور الذهنية الذاتية حيث تنتظم العلاقات في الدائرة الانسانية وهو الوضع الذي يضم كل الانسانية في دائرة واحدة وتتقارب الانسانية وتتباعد على مستوى مسافة محيط الدائرة وهو محيط يضمن عدم الاقصاء ما دام الانسان يقع في نفس الدائرة وعلى نقطة ما في محيطها، فالتباعد بين الكافر والمؤمن في الفكر وتناقضهما يقع كل واحد منهم مقابل الآخر في تضاد وعلاقات عدائية شديد ولكنهم يقعان في نفس المحيط الأمر الذي يتيح فرصة اللقاء والحوار والتواصل وبالتالي حدوث التأثيرات المتبادلة .
الفكرة( الايمان نقيضها (الكافر)
وبهذا تكون العلاقات الانسانية في منظور علم النفس الاجتماعي ليست مجرد مضامين تميز تجمع الانسان عن تجمع الحيوان بل هي، بعد ذلك ميكانيزم حيوي للتقارب والتآلف بين جماعات النوع الواحد أي بين بني البشر وحصار لكل عوامل التوتر وغريزة الاعتداء والتعدي بين الأفراد والجماعات، الناس قسمان ( أخوة في الدين وأخوة في الإنسانية ) وتنسحب هذه المضامين الانسانية كظرورة للعلاقات على الوضع البيداغوجي والعلاقة بين المعلم والتلاميذ باعتبارهما طرفين انسانيين يمارسان العلاقات التواصلية بينهما في إطار من القيم الانسانية التي تحفظ وتؤمن وجود الآخر وإدراجه ضمن نسقه النفسي ومحتواه الاجتماعي ولا يخرج عن محيط الدائرة الانسانية التي تجمعهما مهما اختلفا في الرأي . فالعلاقات الانسانية تمنح لكل من التلميذ ديناميته خاصة تسمح بتبادل الأدوار والعلاقات داخل النسق البيداغوجي وسيرورة التفاعل والحوار، فليس التلميذ ثابتا في وضعية المتلقي المنفعل المطيع السامع كما هو في وضعية العلاقات الخطية، وليس المعلم أيضا ثابتا في وضعية الهيمنة والمالك الوحيد للمعرفة والمحتكر لها، بل هما شريكان إنسانيان يتبادلان الأدوار حسب الوظعيات والامكانيات الفردية لتحقيق أهداف مشتركة تتعلق بتحصيل العلم، فما يصدر من التلميذ من خطاب ومشاعر وكلام يستقبله المعلم كرسالة لها معانيها ودرجة معينة من المصداقية والشرعية والمشروعية يتعين على المعلم قبولها والاستماع لها وتثمينها بقدر صلاحيتها العلمية في إطار الرأي والرأي الآخر .
ب ـ مضامين سيكولوجية
تدرج المقاربات السيكولوجية لعلاقات التواصل من حيث هي تجلي من تجليات التفاعل " الذات " ومحتواها النفسي كأهم ميكانيزم لتحديد التفاعل؛ بل إن التفاعل والتواصل بين الأفراد لا يرى في كل مدارس علم النفس إلا من خلال الخصائص النفسية للتمواصلين، فبالنسبة للسلوكية رغم انحيازها لعوامل المحيط والمثيرات في التعلم والتفاعل والتواصل البيداغوجي، إلا أن مقاربات سكينر لا تخلوا من الاهتمام بالفرد وتعلمه الذاتي بخصائصه من خلال ابداعاته لصيغ التعليم المبرمج والذاتي القائم على ربط الاستعدادات الداخلية للفرد، وسيرورات المثير والاستجابة، كما أن المدرسة الجشطالتية رغم اهتمامها الزائد بتنظيم المحيط ومركزية المعلم، إلا أنها تولي إهتماما خاصا بعملية الاستبصار وهي عملية نفسية فردية ذاتية لا يمكن تجاهلها في موضوع التفاعل والتواصل، فكما يكون إدراك الفرد للاخرين من حوله وللموضوعات يكون تصرفه حيالهم، وهو ما نجده متجليا أكثر في الاتجاه الوجودي في علم النفس حيث يرى الانسان من حيث هو حالة دائمة من البحث عن المعنى وإضفائه على الذات والآخرين ومن ثم اكتشاف آليات التغير وسيرورته . وفي السيبرنيتيقا نجد الاهتمام بالضبط الذاتي بنفس درجة اهتمامها بالتحكم في الانسان واخضاعه للحتمية الاجتماعية وتصرفاته وبرمجته في الزمان والمكان من الخارج وبواسطة الفيدباك وما يثيره المحيط من معطيات جديدة تؤثر على الفرد بما يتلقاه من تغذية راجعة بعد معرفة نتائج تواصله وتفاعله مع المحيط والآخرين .وفي التحليل النفسي تبرز النفس كمتغير اساسي في التواصل والتفاعل مع المحيط حيث لا يرى التفاعل والتواصل إلا من خلال ثنائية (الايروس والثانتوس ) .
وبناء عليه يمكن القول بأن هناك إجماع للمدارس النفسية على الاعتقاد بأن الانسجام النفسي أو الاستجابة النفسية للمتواصلين تعمل كميكانزم لللتفاعل الايجابي بين القوى النفسية من إدراك وذاكرة وتفكير وذكاء وعواطف وتقارب الوجدانات والعكس في ذلك صحيح .حيث تظهر التبايات الفكرية واللاانسجام والتباعد وعدم التوافق بين أفراد الجماعة كميكانزمات تتجه بالتفاعل نحو اللاتكافؤ فإلى التنافس الشديد والصراعات وإشاعة قيم الرفض والخوف والقلق والاضطراب والفشل في تحقيق الذات وهي عوامل تؤثر على تماسك الجماعة بالتفكك والانحلال.
ج ـ المضامين الاجتماعية في علاقات التواصل والفاعل الانساني
يعد المضمون الاجتماعي للتواصل والتفاعل بين الأفراد في منظور علم النفس الاجتماعي ثابت هو الآخر ثبوت المضامين النفسية، فالعقل الفردي والرغبات الذاتية يقابلها العقل الجماعي وغريزة التجمع ولا يعد بالضرورة أن أحدهما بديلا عن الآخر؛ بل هما متلازمان في الوجود رغم ما يبرز من تعارضات شديدة بينهما حين يختل التوازن بينهما في الصيغ الفردية والجماعية المتطرفة والمتضادة، فإدراك ما هو جماعي ومشترك بين الأعضاء هو إدراك للظاهرة الاجتماعية كما لو أنها علاقات بين متواصلين أو متفاعلين، ذلك أن الظاهرة الاجتماعية لا توجد في الأفراد المنفصلين ـ وإن هي محضنها الفطري ـ بل هي توجد في ما بينهما وتظهر على مستوى العلاقات التواصلية بين الأفراد. ومنذ القديم تعاملت الانسانية بمضامين اجتماعية مشبعة بالقيم والعادات والتقاليد والأعراف والقوانين والأفكار الجامعة والمنظومات الرمزية واللغة تضمن صيانة تعاقد الأفراد والجماعة من أجل تأمين الوجود والانتماء الأفراد مقابل استمرارية الجماعة . فما تعارفت عليه الجماعة من أنساق رمزية ولغوية تواصلية وقيمية أخلاقية تعمل بعمق كمحددات لسلوك الأفراد داخل نطاق الجماعة ووسيلة مركزية في تقارب الأفكار وانسجامها بين المتواصلين وبالتالي تعمل كمحددات لنمط التفاعل والتواصل بين الأفراد، فيعتقد أن المعايير مثلا تعمل ضمن أنساق أخرى كمحددات للنسق القيمي التقييمي للسلوك المتبادل بين المتواصلين؛ حيث يتم من خلالها تقعيد التواصل والتفاعل وتنظيمه وضبطه، مما يسمح بالانسجام والتقارب والتناغم بين المتواصلين؛ فما يحصل من تماسك ووحدة وتكامل بين الجماعات والأفراد يرجعه الاجتماعيون إلى ما تشبعت به المضامين الاتصالية بين تلك الجماعات من قيم ودين وأخلاقيات وانتماءات فكرية واحدة أو متقاربة، وبل أنهم يرجحون فرص نجاح الحوارات والتواصل وحصول التوافق الاجتماعي بين المتواصلين عند ذوي الانتماءات ـ المتماثلة أو المتقاربة أو الواحدة ـ في نسق الثقافة أوالعرق أواللغة أوالطبقة أوالدين أوالمكانة الاجتماعية، أكثر من فرص نجاحه في تعدد مرجعيات الجماعة واختلاف انتماءاتها الدينية والفكرية واللغوية؛ فانتماء المعلم والتلميذ لنفس الطبقة أو العرق أو الدين أو الفكر أو اللغة من شأنه أن يساعد على التواصل والتناغم والتقارب والتعايش والتفاهم أكثر، وكلما اشتركا في أكثر من إنتماء أو تعددت شراكتهم في الانتماء كلما حصل تفاهم أكثر . وتتعاظم قوة المضامين الاجتماعية في التواصل إذا كانت أخلاقية تعاونية تؤمن حقوق الأفراد في الاشباع في الانتماء الاجتماعي ويحدث ذلك عندما تكون الجماعة محفزة لا لانتاج الضوابط الادماجية والقواعد الأخلاقية الجامعة فحسب بل تتعدى إلى إنتاج قواعد تحقيق الذات وحصول الاشباع للحاجات الفردية .
دـ مضامين لفظية وغيرلفظية : ويعني به أن التواصل الانساني لا يتم إلا عبر لغة ذات مضمون معرفي ثقافي دلالي معين، سواء أكانت هذه اللغة نظام من رموز وإشارات وعلامات وأصوات، أو ألفاظ وكلمات وعبارات وخطابات شفوية أو مكتوبة، تحمل دلالات تعارف عليها المتواصلون ويستعملونها للتفاهم في ما بينهم أو هي من أصل إنتاجهم وابتكاراتهم، أو إيماءات وحركات جسمية تعبيرية، عن مواقف وحالات وجدانية،فهي من متظور النظريات الاعلامية رسائل تأثيرية بما تحملها من مضامين معرفية ونفسية وسوسيولوجية، إذ أن أنظمة اللغة لا تنفصل عن الأنظمة الثقافية في التواصل الاجتماعي فهي وليدتها وذات حمولة دلالية تتعلق بما تعارف عليه المجتمع من قيم دينية وأخلاقية وأعراف وتقاليد وعادات، فلغة التواصل الاجتماعي لها هويتها الخاصة، تكون عادة من صميم هويتها الثقافية ومن ما أنتجته الجماعة أو الزمرة من خبرة ومعلومات ومعارف في مجال طرق التبليغ والحوار والنقاش والجدل والاقناع والتعلم والتنشئة الاجتماعية بصفة عامة، فاللغة المنطوقة والمكتوبة والأشياء المصورة والمرسومة والمنقوشة وما طوره المجتمع من مفردات ونصوص ورموز ووسائل التبليغ تحمل في طياتها هويتها الثقافية العامة، ومكتسبة من البيئة المحلية، تساعد المتواصلين من جنس ثقافي واحد من التقارب والتفاهم وإدراك المعاني والدلالات بسهولة ويسر، بل أن بواسطة اللغة تنكشف دوافع ورغبات الآخرين وما يختلج في الصدور، وبهذا الصدد فقد وظفت اللغة في المنهج العلمي والعلاج النفسي حيث كانت الوسيلة الوحيدة والمتفردة في المنهج الاستبطاني والتداعي الحر، عند السيكولوجيين الأوائل واتضح لديهم أنه لا يمكن الوصول إلى فهم أغوار النفس لآخرين إلا بتفحصهم من الداخل أي من ذات الفرد، وليس من الخارج، وذلك عن طريق ما يصفه الفرد لنا عن حالته الداخلية وما يشعر به ويحس به داخليا، فلا أحد يستطيع أن يصف ما يختلج بصدر الآخر إلا بذاته . فالغة بهذا المعنى السيكولوجي والميتودولوجي تعد الآساس في فهم ما بداخل الأفراد حين يتواصلون مع غيرهم . فاللغة العربية شأنها شأن جميع اللغات في وظائفها الاتصالية وبنيتها الثقافية، فمفرداتها ونصوصها وخطابها نمت وتطورت في ظل الثقافة العربية وتطورها، فهي لا تنفصل عنها سواء في محتواها الدلالي أو النفسي أو الاجتماعي أو حتى في ما أنتجته الثقافة العربية من أنماط وطرق التواصل والتوصيل.
كما أن الحركات والايماءات الجسمية التواصلية رغم ما يظهر من فطريتها وعالمية بعض منها إلا أن معظمها إكتسب مدلولاته من الثقافية المحلية الخاصة، فإذا كان السرور مثلا يصاحبه سلوك الابتسامة والغضب يصاحبه امتعاض الوجه في كل الثقافات، فإن سلوك الاشارة بالسبابة وهز الرأس والتربيب على الجسم والاقتراب من الشخص وتعابير الوجه والتصفيق ...الخ كلها ترتبط كسلوكات بما اكتسبته من دلالات محلية وثقافية؛
والتواصل البيداغوجي نسق متميز عن الأنساق التواصلية الاجتماعية الأخرى في لغته وطريقة تواصله فهو يحتاج إلى أساليب متعددة من التبليغ والاقناع والبناء المعرفي العلمي كالحوار والجدل والشرح والتوضيح وأساليب الاثارة والتحفيز والتعزيز ...الخ ويتوقف ذلك على قدرة المعلم والتلاميذ من استنباط هذه الأساليب وتوظيفها في الاتصال بينهما من أجل تحقيق المشروع المعرفي العلمي للطفل وكذا قدرتهما على تمييز الاساليب المناسبة لكل معرفة وتنظيم الحوار الملائم للمجال حتى يتم التناغم والتقارب والتفاهم والتعاون وحصول التعلم وتحقيق الأهداف بالهوية الثقافية واللغوية الأصلية المشتركة .وتتمتع اللغة الجسمية في الاتصال البيداغوجي بنفس الاهتمام والمكانة التي تتمتع بها اللغة المكتوبة فهي الأخرة نظام من التواصل يستعمله المعلم كرسائل بيداغوجية لها معانيها ومدلولاتها ومعززة للراسائل اللفظية ومصاحبة لها ويفهمها التلميذ كمتلقي في سياقاتها ووضعياتها فدخول المعلم للقسم لأول وهلة لتدريس حصة من حصصه التعليمية بإرسال رسائل إيمائية إيجابية كالمرح والقبلات والابتسامة وإشارات القبول وانفتاح الوجه والنشاط البدني والنظرات التعاطفية من شأنها أن تؤسس لسيرورة إيجابية للتواصل بين المعلم والتلاميذ وتبعث الارتياح والاطمئنان وجذب انتباه التلاميذ والاقبال على التعليم والمشاركة وتحفيز الاستعداد للتعلم طول الحصة التدريسية، والعكس في ذلك صحيح فربما دخل المعلم للقسم حاملا همومه يبدوا عليه غضب وامتعاض الوجه والنظرات المريبة، يكثر من الأوامر والنواهي وسلوك الازدراء والاستهزاء والخمول فمن شأن ذلك أن يؤثر سلبا على نظام التواصل وسيرورته بالخوف والحذر والهروب من مقابلة المعلم وتحاشي أسئلته، فصمت المعلم ونظراته وتصفيقاته وإشارات سبابته وابتساماته وحركاته الكلية كلها لها معانيها ويتوقف تأثيرها على قدرة التلميذ على تفكيك رموزها وفهم سننها ومعانيها في سياقاتها ووضعياتها البيداغوجية والاستجابة لها، والتلميذ هو الآخر كشريك وطرف في العملية البيداغوجية والوضعية التعلمية يرسل رسائل إيمائية تكون فعل مبادر أو ردود فعل يتلقاها المعلم كتغذية راجعة تساعد المعلم على تصحيح مساره في توجيه الرسائل، فانتباه التلاميذ وتعلق أنظارهم للمعلم لها دلالتها التربوية يتلقاها المعلم، وكثرة حركاتهم ونظراتهم لبعضهم البعض لها دلالتها التربوية، ترد إلى المعلم ويترتب عنها تصرف معين يتوقف على مدى فهمه لتلك الرسائل .
3 ـ 4 التأثير المتبادل بين المتواصلين :
3ـ 4 ـ 1 مفهوم التأثير المتبادل وصيغه : ويقصد به حصول التغيرات أو التعديلات للسلوكات والأفعال أو للخبرات السابقة بشكل بسيط أو مركب ـ جراء حوارات وتواصلات ـ في المواقف أو الأفكار أو الوجدان أو التصورات لدى المتحاورين أفرادا أو جماعات في وضعية الارسال والتلقي، أو تكوين واكتساب معارف وانطباعات جديدة لديهما حول موضوع أو ظاهرة معينة، أو منع أفكار قاتلة وخبرات ضارة واستحداث القطيعة الابستمولوجية اللازمة . وهو يعكس أو يجسد أهم وظائف التفاعل المتمثلة في انتقال الخبرات والتجارب والمعارف بين أفراد الجماعات كخبرات إيجابية وإطفاء ومنع تجارب وأفكار أخرى ضارة، وتسمى هذه العملية حصول التذاوت بين الذوات المتفاعلة وبالتالي؛ فالتبادل شرط آخر لحدوث التفاعل فبدون حصول التأثير المتبادل مهما كانت درجة ذلك التأثير، فلا يرقى ذلك التواصل إلى درجة التفاعل. ويبقى في طور العلاقات السببية الخطية التي لا توفر ولا تضمن مشاركة الآخر كما هو الشأن في المرجعيات التدريسية التقليدية .
و في الدراسات "السيكوسوسيولوجية " تعد العلاقات الدائرية المستحدثة للتأثير المتبادل خاصية انسانية بالدرجة الأولى ـ وإن كانت بعض مظاهره البسيطة توجد لدى الحيوانات في نطاق غريزة التجمع ـ وهو مظهر من مظاهر الكائن الاجتماعي حيث يعتبره "جورج ميد " الجوهر الاجتماعي الانساني في العلاقات، واعتبرته الدراسات الأنثروبولوجية كدراسات " ليفي شتراوس " بمثابة قانون يتحدد مفعوله في ضوء الثقافات واللغة وقوانين القرابة وتوزيع العمل. ( 19: 57 ـ 58 ).
3 ـ 4 ـ 2 صور وتجليات التأثير المتبادل في الاتصال البيداغوجي :
أ ـ صورة التذاوت :
كشفت تحليلات الفعل البيداغوجي أن الاتصال بين المدرس والتلاميذ لا يتم بمجرد اللقاء بينهما في مجال زماني ومكاني معين والاكتفاء بتبليغ المعلم لخبرته إلى التلاميذ بأساليب الشرح والإلقاء، بل هو قبل ذلك لقاء بين خبرتين في ضوء التفاهم بين خبرة المعلم التي تم اكتسابها عبر مواقف متعددة، وخبرة التلميذ التي تتطلب تهيئة الظروف الملائمة لضمان المشاركة الحرة والإيجابية للتلميذ في اكتساب الخبرة الجديدة . ( 20 :31 – 32 ) .ويعتقد ديوي أن الاتصال الذي يضمن المشاركة في الفهم المشترك إنما هو اتصال يضمن الاستعدادات الانفعالية والذهنية المتماثلة ؛ إذ أن مجرد التجاور البدني ـ في نظره ـ لا ينشئ بالضرورة حياة اجتماعية، كما أن بعد الفرد عن الجماعة لا ينقطع عن تأثره بهم، وبالتالي فصياغة العلاقات الاجتماعية في ضوء المكون الوجداني الانفعالي والفكري هي أهم عنصر في إنجاح عملية الاتصال بين المعلم والتلاميذ والحصول على خبرات ومكتسبات جديدة . ( 20 : 8 ـ 9 ).ويفهم من رأي ديوي أن التأثير المتبادل في التواصل والتفاعل قد يحدث بطريقة مباشرة والاتصال الفيزيقي أو بالاتصال عن بعد فيمكن أن يحدث التأثير المتبادل بالسماع والتصنت والحوار المباشر أو الأوامر والنواهي والنصائح أو التعلم والتعليم أو بالقراءة والمشاهدة والكتابة أوحتى بالايماءات والحركات وتتوقف درجة التأثير على مدى فهم الرسائل المتبادلة، والقدرة على تلقيها، واتخاذ القرار اللازم حيالها بالتمثل والتبني أو الرفض أو الحياد وعدم اللامبالاة، وهو ما يعني أن الرموز والاشارات والارسالات واللغة كآليات للتواصل يشترط فيها أن تكون متوافقة مع الخصائص الشخصية لكل من المرسل والمتلقي، والحالة المزاجية وقت حدوث التواصل حتى ينبني الموقف منها.
ويستند هذا التحليل لعملية التأثير المتبادل إلى بعد ابستمولوجي يتعلق بالمشاركة ويفيد أن الآخر ذا حضور في الذات، بشكل أو بآخر ويعد شريكا في الوجود، كما أن الذات تتماثل مع الآخر، وهو ما يعني أن الذات والآخر كل منهما موضوع منفصل خارج عن ذات الآخر وشريك في العملية التواصلية في مرحلة الانتاج والتبليغ والاستثمار، ومتميز عن الآخر بأفكاره ووجدانه وسلوكاته وأهدافه ودوافعه ولكل واحد منهما في وضعية التلقي أو الارسال القدرة على إرسال الرسائل والقدرة على استقبالها والقدرة على ردود أفعال تجاهها، واتخاذ القرارات أو الانجاز والمبادرة أو التصحيح والتعديل والرفض والقبول والحياد . وهو ما يسميه الفلاسفة بالتذاوت ويقصد به الارتباطات الانفعالية والوجدانية والفكرية بين التفاعين . والمزج والتزاوج والتلقيح والتوليد للأفكار والمعارف وتكاثرها وتكوثرها، وهو ما يستدعي عند قياس التأثيرات المتبادلة بين المتفاعلين تفحص قوة ونوعية التأثيرات الحاصلة لدى كل من المتلقي والمرسل ومدى حضور كل منهما في ذات الآخر ووعي كل منهما بالآخر كشريك معه.
ب ـ صيغ ونماذج التفاعل والتواصل البيداغوجي .
للتواصل البيداغوجي في جماعة القسم ( مدرس / تلميذ أو تلاميذ ) عدة أشكال ، فمن يراها في أربعة أشكال كما هي عند " دينو " ومن يراها ثلاثة أشكال كما هي عند " ج . ديكلو " ومن يراها مختصرة في شكلين كما هي عند " حانون " (19: 18ـ 20 ) . ونورد هنا نموذج " جان ديكلو " الثلاثي التصنيف لوجاهته ووسطيته كما نراه وهو :
ـ العلاقة التواصلية التي يكون فيها المدرس هو الفاعل الأساسي عادة ما تكون خطية يمارس فيها التدريس وفق قيم السلطة والطاعة والامتثال والترويض ويطلق عليها " العلاقة الأتوقراطية " وتسود هذه العلاقة عندما تكون المدرسة وظيفيا بصدد توريث ثقافة الماضي وإعادة إنتاجه وتكرار المجتمع الذي أنشأها قصد الحفاظ على التوازن الاجتماعي .ترسيمة رقم ( 1)

المعلم

![]()
تلاميـذ أ ب ج د
ترسيمة رقم ( 1)
فالمعلم في هذه الصيغة العمودية من إدارة الفصل يرسل ولا يستقبل ولا يترك للتلاميذ فرصة المشاركة، والتلميذ يكون في وضعية انفعالية سلبية ؛يستمع للمعلم لاستيعاب المعلومات واسترجاعها حين يطلب منه ذلك.
ـ العلاقة التواصلية التي تحتل فيها المادة التعليمية أو المحتوى الدراسي مركز الفعل التعليمي، وهي خطية أيضا، إلا أنها يمكن أن تكون ثنائية الاتجاه، وتمارس فيها قيم العقلانية والمنطقية وإتقان الأدوار الوظيفية التعليمية على مستوى تمثل المادة نظريا أو عمليا في المجال التجريبي . ويطلق عليها " العلاقة التكنوقراطية "وتسود هذه العلاقة التواصلية عندما تنتظم المدرسة وظيفيا ضمن سياق التصور التغييري للمجتمع والمساهمة في إنجاز التطور والتقدم الاجتماعي، وهي مهام تقتضي تركيز اهتمام المدرسة كمؤسسة معدة للأجيال التي ستتولى التغيير على عمليات التنظيم العقلاني والفعالية الاجتماعية كقيم تربوية ذات الأولوية . ويمكن التعبير عنها بالترسيمة رقم (2) .


ترسيمة رقم (2)
وحسب مواصفات الجماعة العددية عند طوماس فإن الصيغتين التواصليتين للترسيمتين لامرقمتين بـ (1 ، 2)هما الصيغتان الغالبتان في كل المنظومات التربوية العالمية بل وفي كل الجماعات البشرية، فالعلاقة التواصلية الخطية في صورة الحوار الثنائي السوقراطي، أو الإلقاء، هو تكريس لدور المعلم كقائد وخبير واختزال للجماعة في ذاته لا يؤدي ذلك إلا إلى تهميش واختزال دور التلميذ في رجع الصدى لا بمعناه " التحكم الذاتي " بل بمعناه الارتكاسي الخالي من أي تفاعل .
ـ العلاقة التي تكون مشبعة بمحتوى قيم الذات والحرية والاستقلالية وهي قليلة الانتشار في العالم ونادرة رغم ادعاء الكل بتمثلها، وهي صيغة يكون التلميذ فيها مركز للعملية التعليمية وتسمى بـ " العلاقة الديمقراطية ". وهي ثنائية كذلك، وتسود هذه العلاقة في المدرسة التي تقوم وظائفها التعليمية التعلمية على مركزية التلميذ، كفرد أو جماعة، بحيث تستهدف برامجها ووسائلها ونظامها التقييمي، احترام الخصوصيات الفردية للتلاميذ والعمل على استقلاليته عن كل الضغوط المدرسية والاجتماعية والسياسية والأيديولوجية .ويمكن صياغة هذا النمط من التواصل في نموذج الترسيمة رقم ( 3 )


ترسيمة رقم 3 )
والجدير بالذكر أن لهذه التصنيفات أبعاد ابستمولوجية معرفية وحتى أسطورية حيث أن الأسطورة ما زالت نافذة في أنساقنا الاجتماعية والتربوية، تماما كنفوذ العقلانية في تصميم الدرس البيداغوجي في المنظومات التربوية المعاصرة، فالعلاقة الاوتقراطية مثلا:إن هي إلا ممارسات وتجليات لأسطورة ( النبي المضطهد ) وصورة المعلم وأفضليته في الثقافات الشعبية التراثية ( المعلم الرسول )، والعلاقة التكنوقراطية تستند إلى نظريات التنظيم الصناعي والبرمجة العقلانية، والعلاقة الديمقراطية تستند إلى البرجماتية.(21: 56 ـ 77 )
وفي دراستنا لتجربة الاتصال البيداغوجي§ داخل القسم في نموذج المدرسة الأساسية، والتي شملت ملاحظة وتسجيل 78 حصة تدريسية، لـ 26 معلما ومعلمة كشفت أن صيغة التواصل الغالبة هي صيغة الحوار السوقراطي الثنائي المنسجم مع الصيغة السكينيرية، وهي صيغة تتطابق مع الترسيمة رقم (2) . وبمعايير فلاندرس هي تواصل غير مباشر، مما يوحي بحضور التلميذ في العملية التواصلية، إلا أن حضوره في صيغة المستجيب يكشف عن الحضور المكثف لصيغة حرية الحمار والتعلم الاقتياسي كما يسميه ساطع الحصري في مدارسنا، وهو ما ينسجم مع تبليغ المعرفة التي تساعد على تركيز سلطة المعلم، واستجابة التلميذ، وخالية من كل مبادرة التلميذ. كما تنسجم أيضا مع الجماعة العددية التي يكون فيها التلميذ في وضعية الصدى .
وإذا كان "هابرماس" يريد في ضوء فلسفة العقل التواصلي أن يتجاوز إشكالية التمركز، والأنساق العقلانية، فأعاد صياغة مفهوم التواصل ليعترف بالمتواصل به، حيث يرى أن التواصل نشاط يتمظهر وظيفيا في شكل تفاعل بواسطة رموز، وفقا للمعايير الجاري العمل بها والتي تحدد السلوكات متبادلة التي يفترض فيها وجوبا أن تكون مفهومة ومعترفا بها من طرف شخصين فاعلين على الأقل. (22: 136) غير أن هذه الصيغة تبقى برجماتية في محتواها العلائقي ومغلقة في إطار النفع المتبادل، وهو ما يجعلها مقيدة بسلطة مالك المعرفة وقوته، وبالتالي، فهي لا تخرج عن علاقة الخبير القائمة على سلطة الخبرة، تضيع فيها العدالة وحق الآخر على الرغم من الاعتراف به. وهو ما يضطرنا إلى البحث في تجربتنا التاريخية، لتطوير أنجع صيغ التواصل المناسبة لعصرنا والمتواصلة مع تجربتنا، وهي التجربة التي تعترف بحق التعليم للطفل دون أي مقابل منفعي، وتوجب إنقاذ الآخر من الجهل، وتحرم احتكار المعرفة
ولعل الصيغة الإسلامية كما صاغتها التجربة التاريخية هي الإطار الأمثل لصياغة العلاقة التواصلية أكثر حيوية وعدلا، واخترنا أن ندرجها باسم العلاقة التعاونية الأخلاقية
العلاقة التعاونية الأخلاقية :
و هي صيغة يمكن معاينتها في التجربة الإسلامية في تنظيم التعليم، وتتميز عن غيرها بلامركزية عناصرها؛ وتستند إلى فلسفة الإحسان والمعاقلة الإسلامية، وصيغ التداول وقواعده. حيث تكون كل العناصر في حركة تنتقل من المركز إلى المحيط بحسب سيرورة الموقف التعليمي، وتشتق من بيداغوجيا القائمة على فلسفة الإحسان للآخر، وليس مجرد التواصل الذي يقوم على النفعية ( البرجماتية ) وتكون هذه العلاقة في شكلها دائرية شبكية تحضر فيها الذات والموضوع وعمليات التخطيط والبرمجة مكثفة بصفة متساوية وبحسب الموقف التعليمي وما يتطلبه . ففي هذه الصيغة من الجماعة البيداغوجية القائمة على التعاون تتيح التعامل مع التلاميذ كأفراد وشخصيات بعينها، في ضوء الفروق الفردية والتعلم الذاتي، كما تتيح العمل بالفرق الجماعية، والتواصلات بين هذه المستويات يكون ثنائيا ودائريا ومتعدد من حيث مصادرها، ويبقى المعلم مرشدا ومؤطرا لحركية المجموعات والأفراد في التحصيل . ويمكن التعبير عنها بالخطاطة رقم 4 )، ولعل تجربة "أليكس بافيلاس وهارولد " تؤكد نجاعة العلاقة الدائرية كما أوردناها في العلاقة التعاونية؛ حيث بينت أن الاتصال الدائري في التموضع الدائري، هو أفضل الأشكال من حيث الوظيفة الوجدانية وتوفير العدل والمساواة في الاتصال، كالشكل التسلسلي وعجلة X وشكل Y.(23: :186).

ترسيمة رقم (4)
فعلى الرغم من ما علق في أذهاننا من سلبيات التجربة البيداغوجية الإسلامية نتيجة اجتهاد الكثير من البيداغوجيين الحداثيين بنعت صورتها المظلمة ( صورة العصا ، الفلقة ، الحفظ ، التسميع ) إلا أن الانفتاح الموضوعي على التجربة، يمكننا من اكتشاف وجهها الوردي ومعالمها المشرقة، لعلها تكون أرضية غنية لتطوير نماذج تواصلية في المجموعات التربوية تكون أكثر تفاعلا وأكثر دينامية، لما توفره من وضعيات موضعية في المكان والزمان وتنوع في المكونات وتوزيع للأدوار .
فمن يعود إلى التراث البيداغوجي والتجربة التاريخية في البلدان الإسلامية ولاسيما في بلادنا الجزائر، يجد أن الصيغة البيداغوجية لانتظام جماعة التلاميذ السائدة في الزوايا والمدارس التابعة للمساجد، متميزة إلى حد بعيد عن الصيغ السائدة في مدارسنا الحديثة من عدة أوجه
ـ فمن حيث التموضع في المكان : فعادة ما يكون جلوس التلاميذ بشكل دائري ( تبرز فيه التلاميذ كجماعة لها معاييرها، ولا يخضع التموضع فيها إلا لحرية التلميذ، فهو يختار مكان جلوسه في أي موضع وبجانب من يريد وفي أي اتجاه يختاره .
ـ ومن حيث الأدوار الوظيفية لعناصر الجماعة ( المعلم ـ التلاميذ ) فليس هناك ما يوحي بتوزيع الأدوار، بقدر ما كان هناك لكل فرد وظيفة إنجاز عمل ما، يختار التلميذ بحرية ـ بعد إكسابه القدرة على التعلم الذاتي ـ كميته ونوعه وفقا لاستطاعته، وعادة ما يتعلق بحفظ عدد محدود من آيات القرآن الكريم أو أحاديث نبوية شريفة أو كتابة بعض آيات القرآن الكريم . فالطابع الوظيفي التعاوني، منع إلى حد ما، تقسيم الجماعة وفق أنماط القيادة المعروفة؛ إذ كثيرا ـ في ظل هذا الطابع التعاوني ـ ما يتحول التلاميذ إلى معلمين لبعضهم البعض ويبقى المعلم ( الشيخ ) مجرد حضور رمزي لمنع الفوضى المحتملة وبسط إيقاع معين وإضفاء الطابع الجدي على العملية التعليمية، من خلال مراقبته لمن ينجز وظيفته بجد ومن يتكاسل في ذلك من التلاميذ، حتى يدرك من يستحق ( الشفاعة والإحسان) بمفهومهما التربوي ومن لا يستحق ذلك.
ـ يجمع المعلم في وقت واحد بين فئات عمرية متباينة ومستويات تعليمية متعددة، بحيث يسهل تعلم التلاميذ عن بعضهم البعض .
ـ تدرج هذه الصيغة ـ بناء على الطابع الوظيفي التعاوني للعلاقة البيداغوجية ـ ضمن التعليم المفردن، فكل تلميذ حالة خاصة، ويقوم بوظيفة محددة، فالتلميذ المبتدئ يتعلم القراءة والكتابة بمساعدة المعلم الشيخ أومن يكبره سنا وعلما، وهي وسائل أساسية لإتقان الحفظ الذي هو هدف العملية التعليمية، ثم يتدرج في الاستقلالية إلى أن يكتسب القدرة على التعلم الذاتي، فيدخل بذلك مرحلة الاختيار التي تجعله في موقع تحمل مسؤولية اختياره .
ـ وفي التقويم يبدأ الشيخ المعلم بإسداء نصائح وتوجيهات وإرشادات للتلميذ الذي سيخضع للتقويم، وكثرا ما كانت الإرشادات تهيئة نفسية للتلميذ ومزيلة لقلق الامتحان وتخوفاته وإضاءات يهتدي بها إلى مفاتيح الإجابة. ثم يخضع التلميذ للتقويم يتبعه تعزيز، ثم تصحيح فوري للأخطاء بأدب وأخلاق رفيعة تبعث على الارتياح ومزيد من التعلم .
ـ ينعدم في الصيغة البيداغوجية الإسلامية أي شكل من أشكال النفوذ الأيديولوجي الرسمي، ويعظم فيها نفوذ خبرة المجتمع ومعاييره من حيث هما وجود موضوعي ناتج عن الإرادة الكلية سابق على الأفراد .
فهذه المميزات يمكن أن تكون منطلقات جادة لصياغة مبادئ ونماذج بيداغوجية تحقق ما نصبوا إليه من مستويات الجودة التعليمية والحصول على مخرجات تعليمية ذات كفايات عالية.
وبناء عليه فإن صورة العصا والفلقة ليست صورة دائما سلبية من الناحية البيداغوجية ولا تعبر عن تسلط أو تعذيب بقدر ما تعبر عن سلطة التربية من حيث هي إنضباط، فالدافع ليس للتسلط، بل لتربية الشخصية الملتزمة والمنضبطة مع القواعد البيداغوجية، ومثله كمثل الصوم وكل التكاليف الشرعية فلا يقصد منها تعذيب الانسان، كما أن تمارين الصبر والتحمل ليست للتعذيب ...الخ .
3 ـ 5 أدوات وطرق قياس التفاعل والتواصل بين الأفراد والجماعات:
3 ـ 5 ـ 1 مفهوم قياس التفاعل وأسسه
يعني قياس التفاعل في مفهوم علم النفس الاجتماعي رصد التأثيرات المتبادلة بين المتواصلين في جماعة كقياس الفعل وردود الفعل ومتغيراتهما على مستوى عناصر التواصل ( المرسل وظروفه ووضعياته، الرسالة ومضمونها وكفاءتها ووسائلها وقنواتها، المتلقي واستعداداته ) وما ينتج عن العملية من تغيير أو تطوير أو تحويل للاتجاه أو زيادة أو نقصان من حيث الكمية والشدة في المعرفة أو في التعالق والانتماءات أو الفهم ودرجة الاستجابة أو الرفض وما إلى ذلك من التأثيرات الوجدانية أو الموقفية .
ويقيس الباحث متغير التفاعل بناء على ما صاغه من فروض يضعها تحت الاختبار الأمبيريقي بأدوات مناسبة يصممها أو يعتمد على ما هو جاهز كشبكات الملاحظة والاستمارات والاختبارات والروائز وما إلى ذلك من وسائل القياس النفسي الاجتماعي .
وموضوع التفاعل كما هو مبين في الدراسات النظرية متشعب في متغيراته ووسائله مما جعل دراسته متنوعة وذات مستويات فتكون إما وصفية أو تنبئة أو تجريبية وتبعا لهذا التنوع في طبيعة الدراسة تنوعت صياغة الفرضيات فتكون إما على مستوى التواصل اللفظي أو على مستوى غير اللفظي أو على المستوى الاجتماعي والوجداني أو على مستوى المتلقي أو على مستوى المرسل أو على مستوى قنوات الاتصال أو على مستوى قوة التأثير أو على مستوى مدى انتشار الظاهرة ...الخ ونسوق أمثلة على بعض الفرضيات التي تصاغ في مواضيع التفاعل في المجال البحوث البيداغوجية :
فعلى مستوى دراسة المضمون السيكولوجي الوجداني لعلاقات التفاعل والتواصل يمكن صياغة الفرضيات التالية :
ـ توجد علاقة بين صورة الفرد الوجدانية عن ذاته وبين علاقاته مع الآخرين.
ـ تسود بين المعلم والتلاميذ العلاقات الوجدانية التماثلية.
فمثل هذه الفرضيات المتعلقة بدراسة وقياس العلاقات الوجدانية تتطلب الفحص السيكولوجي وكشف ما هو مستور وغير ظاهر من العلاقات بين المتواصلين، ومدرسة التحليل النفسي ابتكرت عدة طرق وآليات أمبيريقية وتحليلية للكشف عن ما وراء السلوك أو ما هو مخفي منه وأتاحت صيغ التحليل الرياضي بحيث يمكن وضع هذه الفرضيات موضع الاختبار الرياضي كما صاغها الباحث النفسي جاك دوران J. Durand حيث وضع مجموعة من المراكز الانفعالية ( الغضب ، التقدير، النفور، الحنان، الخوف ...الخ ) في صيغة مجموعات وبحث التواصل بين هذه المراكز عند شخصين أو مجموعتين حول ما إذا كانت متماثلة ومتبادلة وجدانيا وحسيا لدى كل طرف أم أن بعضها متماثل والبعض الآخر غير متماثل ...الخ . ( 19: 107 ـ 110) .ففي مثل هذه الفرضيات وبالطريقة الرياضية نبحث صورة الشخص عن ذاته الوجدانية بالعلاقات الانعكاسية؛ (العلاقة مع الذات ) في حين نبحث علاقاته مع الآخرين ( الغير ) بالعلاقات التماثلية والمتعدية، وبرصد هذه العلاقات وحساب الترابطات بين المكونات الوجدانية نتوصل رياضيا إلى رصد التفاعل الوجداني بين أفراد الجماعة أو بين شخصين ناقصا أو تاما تماثليا أو غير تماثلي وفي أي أتجاه يكون التأثير خطيا أم دائريا متبادلا.
3 ـ 5 ـ 2 قياس التفاعل في صيغته الدينامية :
ولم تقتصر الدراسات السيكولوجية لعلاقات التواصل والتأثيرات المتبادلة في الجوانب الانفعالية والوجدانية بين أعضاء الجماعات على الطابع الستاتييكي البحت للعلاقات الوجدانية بل درست على مستوى طابعها الدينامي وانتقال الأفراد بين الأنماط الانفعالية والوجدانية . ففي دراسة التحليل تفاعل الجماعة قام بها BALRSGL على جماعة صغيرة أثناء عملها تمكن من وضع شبكة متكونة من 12 مقولة من التفاعلات يمكن بها قياس انتقال الأعضاء بين هذه الأنماط و المقولات من التفاعلات وهي تفترض أن العلاقة الديناميكية بين أعضاء الجماعة لا تتم إلا بالانتقال بين مختلف هذه المقولات وضعت هذه المقولات في ضوء اعتبارين
01- المواقف الانفعالية لأعضاء الجماعة تجاه الجماعة
02- المواقف الإجرائية لأعضاء الجماعة تجاه الجماعة .
وعلى مستوى أنماط التفاعل الاجتماعي يمكن صياغة الفرضية على الشكل التالي :
تتمركز العلاقات التفاعلية بين المدرس وجماعة التلاميذ
في التدريس على النموذج المتمركز حول المادة التعليمية .
ومن الواضح أن هذه الفرضية تقريرية ويناسبها المنهج الوصفي لأنها تبحث مشكة محتوى التواصل البيداغوجي ( أوامر ونواهي، وجداني أو عقلي، إخباري تبليغي، أوتأثيري تبادلي أو طي أحادي، أو تفسيري وتوضيحي...الخ. ويبحثه كما هو في الواقع وتستعمل فيه .
وعلى مستوى المتلقي نصوغ مثلا الفرضية التالية :
ينتقي التلميذ من الرسالة التعليمية العلمية التي يرسلها المعلم
في مادة الجغرافيا بما يلائم مرجعيته وتوجهاته وتمثلاته لمفاهيمها .
والملاحظ في هذه الفرضية أنها تقريرية تبحث ردود أفعال التلميذ تجاه الرسالة العلمية التي يتلقاها من حيث كثافتها وقدرة التلميذ على استيعابها في كثافتها وانتقاء منها ما يهمه وعزل بعض منها . وتستخدم لاختبار مثل هذه الفروض بالاختبارات أو الاستمارات أو بالمباين الدلالي لـ " أزكود" Mc .F. Osgood .( 19 : 133 ) أو ( 25 : 70 ـ 71 )
3 ـ 5 ـ 3 قياس علاقات التفاعل والتواصل الاجتماعي والوجداني داخل القسم
بشبكات الملاحظة المقننة
أ ـ شبكة ملاحظة القسم لـ " روبرسون"
تقيس هذه الشبكة السلوك اللفظي وغير اللفظي للمعلم والتلاميذ كتفاعل جماعي لهدف إنجاز الدرس وصممت هذه الشبكة وفقا لفرضيات تقريرية تفترض أن التعليم نشاط تفاعلي، وإنه تواصل في اتجاهين يستهدف التحصيل وأنه يوجد عدة أنماط من التفاعل ترتبط بالنجاح، وأن التغيير يتأسس على الرغبة في التغيير لدى المدرس . وتقيس هذه الشبكة خمسة جوانب تتعلق بطريقة التدريس والأهداف الانفعالية، والأهداف العقلية ، والتعبير اللفظي وغير اللفظي ( 24: 159ـ 166 ) .
وتتضمن ملاحظة ثلاث جوانب نوضحها في الجدول التالي :
|
الطرق |
الأهداف |
التعبير |
|
|
1 ـ إلقاء |
1 ـ تقبل |
1 ـ معرفة |
1 ـ تعزيز ـ 1 |
|
2 ـ تساؤل |
2 ـ استجابة |
2 ـ فهم |
2 ـ مساعدة ـ 2 |
|
3 ـ برهنة |
3 ـ تقويم |
3 ـ تطبيق |
3 ـ استقبال ـ 3 |
|
4 ـ قيادة |
|
4 ـ تحليل |
4 ـ روتين ـ 4 |
|
5 ـ تطبيق |
|
5 ـ تركيب |
5 ـ عدم الانتباه ـ 5 |
|
6 ـ حل المشكلات |
|
6 ـ تقويم |
6 ـ برودة ـ 6 |
|
7 ـ توضيح |
|
|
7 ـ رفض ـ 7 |
|
8 ـ بحث |
|
|
|
|
9 ـ حوار |
|
|
|
ويتم رصد هذه البنود أثناء الملاحظة المباشرة أو بعد تسجيل الحصة، ويرسم الملاحظ جدل لرصد تكرارات البنود أعلاه، ويتكون الجدول من خمس خانات كالتالي :
|
رقم السلوك |
الطريقة |
الأهداف |
لتعبير |
||
|
|
الانفعالية |
العقلية |
اللفظي |
غير لفظي |
|
|
|
|
|
|
|
|
فإذا افترضنا أن المعلم بدأ حصته بطرح سؤال يقصد منه إثارة الاستجابة ، فيسجل الملاحظ رقم 2 في خانة الطريقة أمام السلوك رقم واحد، ثم يسجل الغرض من السؤال وهدفه إن كان انفعاليا كتقوية الاستجابة سجل الملاحظ رقم 2 في عمود الأهداف الانفعالية أمام السلوك رقم واحد، وإذا كان الهدف من السؤال تطبيق المعلومات فيسجل رقم 3 الخاص بالأهداف المعرفية، وإذا صاحب السؤال تعزيز ما للاجابة، فإن الملاحظ يسجل رقم 1 في خانة التعبير اللفظي كما يسجل رقم واحد مقابل إذا صاحب الاستجابة بالتعزيز الايمائي، وينتقل الملاحظ بعد 15 إلى عشرين ثانية للسلوك الثاني ويتبع الرصد بهذه الطريقة إلى نهاية الحصة . ثم تجمع التكرارات في كل الأعمدة وتحسب نسبها المائوية لاستخراج سيرورة الدرس والمحتوى والطريقة والأهداف. وتعالج إحصائيا على مستويات مختلفة إن أقتضت الحاجة إلى ذلك كالتباين والفروق والارتباطات ومستويات انتشار الظواهر ...الخ.
ب ـ شبكة فلاندرز للتفاعل اللفظي
أما شبكة فلاندرس وهي المشهورة فقد صممت لقياس التفاعلات اللفظية داخل القسم بين المعلم والتلاميذ وعرفت بـ " مراقي فلاندرس لتحليل التفاعلات اللفظية "FIAC" وصممت في نطاق أبحاث علم النفس الاجتماعي في القيادة بناء على فرضية أن المعلم في علاقاته مع التلاميذ، يمكن أن يمارس أنواع القيادة كالقيادة الديمقراطية والديكتاتورية والفوضوية . وصاغ فلاندرس عدة فرضيات تتعلق بالأثر المباشر للمعلم والأثر غير المباشر له، في ضوء وضوح الأهداف وغموضها لدى التلاميذ، فيكون الأثر المباشر مفيدا للتعلم في حالة وضوح الأهداف، ويكون الأثر غير المباشر نافعا في حالة عدم وضوح الأهداف، ويكون الأثر المباشر عائقا للتعلم إذا كان الهدف غامضا لدى التلاميذ . واختبر هذه الفرضيات بتصميم شبكة ملاحظة ( النظام العشري ) تتعلق البنود السبعة الأولى بقياس وتحليل كلام المدرس وينقسم إلى قسمين، كلام غير مباشر وترصده البنود الأربعة الأولى، وكلام مباشر وترصده البنود الثلاثة الأخيرة من كلام المعلم، أما كلام التلميذ فترصده البندين الثامن والتاسع ، وأما البند العاشر فيرصد سلوك الصمت .( 25: 175 ) وصمم للشبكة نظام خاص بالرصد وتحويل الأرقام إلى أزواج ثم تفريغها في المصفوف العشري وتحليل النتائج والبيانات بالنسب المئوية وفق معايير ومعاملات التفاعل المحددة ( 26: 23 ـ 73 ).ويهتم الملاحظ في هذه الشبكة ببتسجيل زمن السلوك ( ثلاث ثوان لكل سلوك ) وتسلسل السلوك لرصد الانتقال من سلوك إلى آخر والحفاظ على سيرورة الدرس .
وتعد شبكة فلاندرز من أهم ما توصلت إليه البحوث التربوية في تحليل سلوك المعلم اللفظي وتقييمه وتقويمه، ونظرا لما أظهرته من نتائج على مستوى تدريب المعلمين مشجعة وهامة في مجال العلاقات الانسانية والخروج من نمطية التدريس بالقوانين، شاع استخدامها عبر العالم في مجال التكوين المستمر والتعليم المصغر والبحث التربوي والتدريب، وشاعت معها الممارسا ت البيداغوجية الانسانية كميل المعلمين لتشجيع التلاميذ وتقبل آرائهم، وإشاعة النمط غير المباشر في التدريس والتقليل من النقد، والاهتمام بعمق الحياة الانسانية والوجدانية . وهو ما أعطاها حيوية خاصة. وحضيت في العالم العربي باهتمام الأوساط التربوية منذ ستينيات القرن الماضي، فقد أرخ لها أحمد أبو هلال بنهاية سبعينيات القرن الماضي بظهور البحوث التربوية في الجامعة الأردنية تهتم بالشبكة، وكذا ظهورها في الجامعات المصرية، وجامعة بغداد كما إستغلت بعد ذلك في بحوث تدريب الأساتذة بجامعة محمد الخامس بالرباط، وتخلفت بعض الجامعات عنها كالجامعات الجزائرية، حيث لم تظهر البحوث التربوية تهتم بها إلا في نهاية التسعينيات بظهور دراسة أحمد بن دانية ودراستنا المعنونة بـ التفاعل اللفظي وعلاقته بالاتجاه نحو الدراسة والتحصيل الدراسي .
ـ طريقة الملاحظة ورصد التفاعل اللفظي في شبكة فلاندرز : تعد طريقة رصد السلوك وكيفية الملاحظة في القسم من أهم شروط مصداقيته، إذ أن أي خلل في فهم الرسالة اللفظية يؤثر على تصنيفها من طرف المتلقي وبالتالي يتطلب من الملاحظ حذقا خاصا في فهم الرسالة اللفظية في سياقها العام ولا يتم ذلك إلا بالتدريب الكافي على تطبيق الشبكة والاستعانة بالوسائل الالكترونية في التسجيل .ولكل شبكة طريقتها الخاصة وتعليماتها في الرصد والتسجيل ، بعضها معقد والبعض الآخر بسيط وسهل كما هو الشأن في طريقة الرصد بشبكة فلاندرز فيتطلب من الملاحظ حفظ الأرقام الدالة على السلوك اللفظي النوعي في ضوء تقسيم السلوك اللفظي إلى مباشر ببنوده وغير المباشر ببنوده وسلوك التلميذ المبادر والمجيب وفترات الصمت ويبدأ الملاحظ بعد التدرب على استعمال الشبكة والتزود لأدوات التسجيل والساعة لحساب الزمن بالرصد بالطريقة التالية .
فإذا إفترضنا أن معلما بدأ درسه في القواعد في الساعة العاشرة بعد استتباب الهدوء بطرح سؤال . ما هو درسنا اليوم ؟ فإن الباحث يسجل وقت بدأ الدرس مع تسجيل السلوك الأول رقم ( 4 ) ( أسئلة المعلم ) ثم تلى ذلك بعد ثلاثة ثوان إجابة التلاميذ فيسجل الملاحظ رقم 8 ( إجابة التلميذ ) ، ثم تلى بعد ذلك تعزيز المعلم لإجابة التلميذ بقوله ( شكرا أو جيد ) فيسجل الباحث رقم( 2 ) (التعزيز ). ثم بدأ المعلم يشرح الدرس لستة ثواني فيسجل الباحث رقم (5 ) مرتين متتاليتين ( شرح المعلم ) .ثم حدث صمت فيسجل الباحث رقم 10 الدال على الصمت ، ثم بعدها طرح معلم سؤال فيسجل الملاحظ رقم ( 4 ) ثم تلى ذلك جواب من التلميذ فيسجل الباحث رقم 8 ثم تلى الاجابة ازدراء المعلم من اجابة التلميذ بأن قال له إسكت يسجل الملاحظ رقم 7 ...الخ ويتابع الملاحظ الرصد ويضعها بشكل متسلسل ليسهل تحويلها إلى أزواج وإدخالها في المصفوفة العشرية للتحليل الاحصائي .
ويستعان في تسجيل الملاحظة في رصد التفاعل بجانب المهارات الذاتية للملاحظ بالأدوات التكنولوجية المختلفة كمسجل الكاسيت، والفيديو .
غير أن ما تميزت به هذه التقنية من خصوصية شديدة في البيئة التربوية والثقافية الأمريكية، جعلتها عاجزة عن رصد أنماط عدة من السلوكات اللفظية في البيئات الثقافية التربية الأخرى فضلا عن إختزالها السلوك إلى حده الأدنى كاختزال أنواع الأسئلة في بند واحد واختزال الشرح كذلك في بند واحد وسلوكات التلاميذ في بندين ...الخ وهو ما يعد مبالغة في اختزال السلوك يؤثر على مصداقية رصد حقيقة التفاعل في عمقه البيداغوجي، كما لوظ على الشبكة العجز الواضح في رصد واستيعاب بعض خصوصيات البيئات الثقافية الأخرى . وهو ما حفز بعض الباحثين العرب في ظرورة تطوير شبكات خاصة بالبيئة العربية تستوعب كل السلوكات والنشاطات اللفظية وغيرها التي تصدر في القسم أثناء إنجاز الدرس، وظهرت محاولة حمدان في تكييف شبكة فلاندرز وتطويرها، ومحاولاتنا التي ما زالت في المهد في تطوير شبكة حمدان بتعزيزها بالسلوك غير اللفظي، ومحاولة بناء شبكة التفاعل الصفي في الدرس الفلسفي في المغرب ...الخ .
ج ـ شبكة حمدان للتفاعل اللفظي الشامل
اعتمادا على المعايير والفرضيات والإطار النظري لشبكة فلاندرس، كيف حمدان أداة ملاحظة القسم سماها باسمه " أداة حمدان لملاحظة وتحليل التفاعل اللفظي الشامل " لتستجيب والواقع التربوي في بيئة الأقسام والمدارس العربية، وهي شبكة صممت من أجل استكمال النقص الذي يعتري شبكة فلاندرز في رصدها واستيعابها لكل ما يجري من حوار وغيره في القسم الدراسي العربي، وتحتوي على رصد ستة عشر فئة سلوكية وواحدة إضافية ( فئة 10 ) الخاصة بنوع التلميذ .
والملاحظ أن التغيرات التي أدخلها حمدان على شبكة فلاندرز، إن هي إلا تفصيلات للبنود العشـرة لشبكة فلاندرز لتصبح أكثر دقة، وذلك بإضافة بعض البنود الموضحة والمفسرة للبنود الأصلية، كإضافة البند رقم 5 في قسم حديث المعلم غير المباشر، وإضافة بند رقم 9، 10 في حديث المعلم المباشــر، ليصبح حديث المعلم بقسميه يشتمل على 10 بنود بدلا من سبعة بنود في شبكة فلاندرز ، وكذا تفصيل حديث التلاميذ وتقسيمه إلى حديث بناء وسلوك غير بناء بدلا من قسم واحد في شبكة فلاندزز، حيث أضاف حمدان بندين رقم 13، 14 إلى الحديث البناء للتلاميذ ليصبح يشتمل على أربعة بنود بدلا من بندين في شبكة فلاندرز، وأستحدث قسم سلوك التلاميذ غير البناء وضمنه ثلاث بنود 15،16،17وبذلك تصبح شبكة حمدان تشتمل على سبعة عشر بندا. والمصفوفة التالية تلخص فئات السلوك لهذه الشبكة، وهي الشبكة التي اعتمدناها في قياس التفاعل الصفي في البيئة الجزائرية .
وعلى الرغم من هذه الإضافات التي أعطت تفاصيل للبنود أكثر دقة مما يسمح برصد أدق للتفاعل داخل القسم، إلا أن محتوى الشبكة وتصنيف فلاندرز للسلوك داخل القسم لم يتغير وبقيت شبكة حمدان تعتمد أكثر على الأسس النظرية لشبكة فلاندرز. ويتم رصد هذه البنود في شبكة مربعة الشكل طول أضلاعها 17خلية، ويبلغ مجموع أنواع السلوكات التي ترصدها هذه الشبكة ( 16X16 = 256 ) سلوكا مميزا، باستثناء السلوك الذي ترصده خلية رقم 10 ويختص برصد نوع التلاميذ أي عرقهم أو جنسهم أو دينهم، وبذلك تصبح شبكة حمدان تشتمل هي الأخرى على أربعة مناطق سلوكية وفي صورة جديدة كما تبينها المصفوفة رقم ( 1 ) .
مصفوفة رقم ( 1 ) تبين الفئات السلوكية لأداة حمدان للتفاعل اللفظي الشامل .
|
حديث المعلم |
غير مباشر |
1 ـ قبول مشاعر التلاميذ : وفيها يتفهم المعلم أسباب تصرف التلميذ مهما كان . |
|
2 ـ مديح وتشجيع ومكافأة التلاميذ : أي تحفيز المعلم وتشجيعه للتلاميذ باستمرار |
||
|
3 ـ قبول واستعمال أفكار التلاميذ : يقوم المعلم بتكرار أفكار التلاميذ ويشرحها . |
||
|
4 ـ أسئلة المعلم : أي الأسئلة الموجهة للتلاميذ قصد الإجابة عنها . |
||
|
5 ـ إجابة المعلم : ويقصد بها إجابة المعلم عن أسئلة التلاميذ المباشرة . |
||
|
المباشر |
6 ـ محاضرة المعلم : ويقصد بها إلقاء المعلم للمعلومات أو عرض الصور أو الشرح |
|
|
7 ـ التوجيهات والأوامر : إرشادات المعلم وتوجيهاته وأوامره المباشرة للتلاميذ . |
||
|
8 ـ الانتقادات وتبرير السلطة : انتقاد المعلم للسلوك السلبي للتلاميذ . |
||
|
9 ـ سلوك المعلم العدائي : ويتمثل في شتم المعلم للتلاميذ ، وعباراته غير اللائقة . |
||
|
10 ـ نوع التلاميذ أو طبيعتهم : أي عرقيا أو جنسيا أو دينيا أو اجتماعيا . |
||
|
حديث التلاميذ |
حديث بناء |
11 ـ إجابات التلاميذ : وتشمل أي إجابة للتلاميذ أو التلميذ المباشرة عن أي سؤال للمعلم |
|
12 ـ مبادرات التلاميذ : وتحوي هذه الفئة إجابات التلاميذ أو أسئلتهم التطوعية . |
||
|
13 ـ إجابة التلميذ لآخر : ويحدث خلال الجماعية المفتوحة . |
||
|
14 ـ الهدوء البناء : ويشمل عرض الأفلام واستعمال السبورة والقراءة الصامتة. . |
||
|
غير بناء |
15 ـ السلوك العدائي : كل اعتداء جسمي أو لفظي على تلميذ آخر . |
|
|
16 ـ مقاومة المعلم : أي كل مظاهر رفض التلميذ لأوامر المعلم وتوجيهاته . |
||
|
17 ـ الفوضى والسلوك غير المفيد: وتشمل الفوضى والصراخ وكل الحركات المزعجة. |
ـ الخصائص السيكومترية لأداة التفاعل اللفظي الشامل .
للتحقق من صلاحية هذه الأداة قام حمدان بإجراء دراسة حول صلاحيتها وموثوقيتها في مدرسة تطبيقية ملحقة بجامعة"كنت "بولاية أوهايو الأمريكية انطلاقا من فرضية أساسية وفرضيتين فرعيتين صيغت على الشكل التالي :
ـ الفرضية الأساسية ( توجد علاقة بين نوع سلوك المعلم في غرفة الدراسة ، ونوع وكمية سلوك التلاميذ أو ردود فعلهم ) .
ـ الفرضيتين الفرعيتين :
أ ـ تزداد ردود فعل التلاميذ غير البناءة ، كلما ازداد سلوك المعلم المباشر .
ب ـ تزداد ردود فعل التلاميذ البناءة كلما ازداد سلوك المعلم غير المباشر .
وباختبار هذه الفرضيات والحصول على درجات ارتباطات مرتفعة في الثبات والصدق تأكد الباحث من خصائصها السيكومترية وصلاحيتها وموثوقيتها العلمية وصارت في ميزان العلم جاهزة وصالحة للتطبيق في البيئات العربية . (27 : 168 ـ 183 ) .
وتوضع بيانات الشبكة حين رصدها في مصفوفة ويتم تحليلها بناء على مناطق السلوك المبينة في رسم المصفوفة التالية
مصفوفةرقم (2) يبين المناطق السلوكية الأربعة لأداة التفاعل اللفظي الشامل*.
|
البنـــــود |
1 |
2 |
3 |
4 |
5 |
6 |
7 |
8 |
9 |
10 |
11 |
12 |
13 |
14 |
15 |
16 |
17 |
|
|
قبول المشاعر |
1 |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
المدح والتشجيع |
2 |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
قبول الأفكار |
3 |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
أسئلة المعلم |
4 |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
إجابات المعلم |
5 |
|
|
|
|
حديث معلم . معلم |
|
|
|
|
|
|
حديث معلم تلاميذ |
|
|
|
||
|
محاضرة المعلم |
6 |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
||||
|
توجيه المعلم |
7 |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
انتقاد المعلم |
8 |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
اعتداء المعلم |
9 |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
نوع التلاميذ |
10 |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
إجابة التلاميذ |
11 |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
مبادرة التلاميذ |
12 |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
إجابتهم للأقران |
13 |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
الهدوء البناء |
14 |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
السلوك العدائي |
15 |
|
|
|
|
حديت التلاميذ المعلم |
|
|
|
|
|
|
حديث التلاميذ التلاميذ |
|
|
|
||
|
مقاومة المعلم |
16 |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
||||
|
الفوضى |
17 |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
المجموع |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
النسبة |
% |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
وفيما يتعلق بكيفية تسجيل الملاحظ للسلوك في هذه الأداة فلا تختلف عن طريقة التسجيل في أداة فلاندرز فيما عدا بعض الحالات كالبدء بتسجيل خلية رقم 14 في هذه الأداة بدلا من خلية 10في أداة فلاندرز، وتسجيل سلوك واحد لكل ثلاث ثوان بوقع 12 ـ 15 سلوك لكل دقيقة بدلا من سلوك واحد لكل ثلاث ثوان بوقع 20 سلوك لكل دقيقة في أداة فلاندرز، ويتألف كل سلوك في هذه الأداة من زوج من الأرقام كما هي في أداة فلاندرز، حيث يمثل الأول الاتجاه الأفقي على الشبكة ويمثل الثاني الاتجاه العمودي فلو تحصلنا في رصد السلوكات اللفظية لأحد الحصص التدريسية على السيرورة التالية للدرس .على الطريقة العربية
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
(14، 4 ،2،
5،12،17،14،4،11،8،9، 6 ،6، 6، 6، 14 ...الخ ). ثم تفرغ الأزواج
في مصفوفة .
يحول الباحث هذه الأرقام المرصدة بالتتالي إلى أزواج كما هو مبين أعلاه، وتفرغ الأزواج في مصفوفة تمهيدا لمعالجتها احصائيا .
ومن معطيات المصفوفة يمكن استخراج معاملات التفاعل ( معامل استجابة المدرس، معامل أسئلة المدرس، معامل سلوك المبادرة للتلاميذ ، معامل التوجه نحو المحتوى والنسب المائوية لكلام المدرس المباشر وغير المباشر ونسبة كلام التلاميذ المبادر والمجيب ونسبة الصمت وقوة التفاعل ...الخ . ويمكن حساب مختلف الفروق في التفاعل بين المواد التعليمية ، أو بين المعلمين أوبين التلاميذ .
3 ـ 5 ـ 4محاولة بناء شبكة مزدوجة لرصد التفاعل الصفي اللفظي وغير اللفظي :
وفي دراسة أنجزناها حول التفاعل وعلاقته بالتحصيل الدراسي، والاتجاه نحو الدراسة واستعملنا فيها عدة أدوات أمبيريقية وأنواع عدة من المعالجات الاحصائية لقياس متغيرات التفاعل واختبرنا عدة فرضيات تقريرية وصفرية وفارقية بعضها صيغ لقياس متغيرات التفاعل والتحصيل والاتجاه، وبعضها لعزل أثر المتغيرات الدخيلة على التفاعل والتحصيل والاتجاه، كاحتبار الذكاء والعلاقات السوسيومترية واستمارة المستوى الاقتصادي والاجتماعي لأسرة التلميذ .
وفي ما يتعلق يقياس متغير التفاعل في المدارس الابتدائية ووصفه استخدمنا أداة مركبة من أداتين
ـ شبكة الملاحظة للتفاعل الصفي الشامل من تطوير حمدان وهي تستند على الاطار النظري لشبكة فلاندرز، ومكيفة وفقا للبيئة الصفية العربية، كما بينا ذلك أعلاه .
ـ استمارة ملاحظة السلوك غير اللفظي للمعلم والمعلمة أثناء التواصل البيداخوجي من تصميمنا وإعدادنا، بعد التحقق من خصائصها السيكومترية في دراسة استطلاعية .§ وأطلقنا عليها إسم " الأداة المزدوجة لرصد التفاعل الصفي اللفظي وغير اللفظي " وقد تم اعدادنا لها بناء على وضع فرضيات تتعلق بتعزيز السلوك اللفظي بالسلوك غير اللفظي أي أن الرسالة اللفظية تكون أكثر وضوحا وأثرا على سلوك المتلقي إذا صاحبها رسالة غير لفظية معززة له،
وتم بناء الأداة في خطوات عدة تمكنا من خلالها من ضبط ورصد كل السلوكات غير اللفظية التي يمكن أن تظهر في القسم مصاحبة للرسالة اللفظية ومعززة لها وتؤثر على المتلقي، وبلغ عددها بحسب كثرة تكرارها لدى كل المعلمين 63 سلوكا غير لفظي تصدر عن مختلف أعضاء الجسم، حيث وجد في دراسة استطلاعية أن المعلم يستعمل جسمه في معظم الحالات كحركات تعزز رسالته اللفظية وأن كل سلوك لفظي يصاحبه نوع معين واحد على الأقل ) من الحركات الجسمية موزعة على أعضاء جسمية متنوعة . وبعد ضبطها وفقا لمصادرها الجسمية ( حركات الوجه، حركات اليدين، الرجلين، الجسم كله ...الخ ) وتحديد مدلولاتها الثقافية تم تصنيفها وفقا لتصنيف السلوك اللفظي لشبكة حمدان . وأحصي لكل سلوك لفظي عدة حركات جسمية مناسبة للرسالة اللفظية تصدر عن المعلم أثناء التواصل اللفظي .
ففي السلوك اللفظي الأول لشبكة حمدان (تقبل وإظهار التعاطف نحو التلميذ) أحصي تكرار سبعة رسائل غير لفظية كلها إيجابية في الظهور عند المعلم، ويصاحب أحدها على الأقل كل ما ظهر هذا السلوك لديه معززة له وهي ( 1 ـ هز الرأس 2 ـ الاقتراب من التلميذ والاهتمام به 3 ـ إبتسام الوجه 4 ـ إنحناء الجسم والرأس إلى الأمام 5 ـ النظرة التعاطفية 6 ـ التربيب على الكتف 7 ـ مسح اليد على الرأس) .
وفي السلوك الثاني ( مدح وتشجيع التلاميذ ) أحصي سبعة رسائل وهي ( 1ـ الابتسامة المشجعة 2 ـ هز الرأس للموافقة 3 ـ الاقتراب من التلميذ 4 ـ تعابير الوجه المبتسمة 5 ـ التصفيق لاظهار مشاعر التشجيع 6 ـ رفع اليدين إلى الأعلى للشكر 7 ـ التربيب على الكتف) وهكذا في باقي بنود الشبكة حيث وجد أن كل سلوك لفظي يصاحبه على الأقل واحد من مجموعة من السلوكات غير اللفظية إيجابية وسلبية ذات التكرار العالي في الظهور مصاحبة للسلوك اللفظي :
فالسلوك الثالث ( يقبل أفكار التلاميذ ) يصاحبه واحد على الأقل من 9 سلوكات غير لفظية، والسلوك الرابع ( أسئلة المعلم ) يصاحبه 7 سلوكات غير لفظية، والسلوك الخامس ( المحاضرة والشرح ) 12 سلوك إيجابي وسلبي، والسلوك السابع ( التوجيهات والأوامر ) يصاحبه 10 سلوكات غير لفظية، والسلوك السادس ( نقد المعلم للتلاميذ ورفضه وتبرير سلطته ) يصاحبه 8 سلوكات غير لفظية، والسلوك التاسع ( سلوك المعلم العدائي ) يصاحبه 6 سلوكات غير لفظية، والسلوك العاشر ( خاص بالهوية العقيدية ) غير معني في هذا التصنيف، والسلوكين الحادي عشر والثاني عشر المتعلقان بسلوك التلاميذ ( الاجابة والمبادرة ) يصاحبهما 20 سلوك غير لفظي، والسلوك االثالث عشر (إجابة التلاميذ لبعضهما البعض) يصاحبه 12 سلوك غير لفظي، والسلوك الرابع عشر ( الهدوء البناء ) يصاحبه سبعة سلوكات غير لفظية، والسلوكين الخامس والسادس عشر ( السلوك العدائي للتلاميذ، ومقاومة المعلم، يصاحبهما 9 سلوكات غير لفظية، والسلوك السابع عشر ( الفوضى والسلوك اللامفيد) يصاحبه 16 سلوك غير لفظي.
ويتم الرصد بها بنفس طريقة الرصد لشبكة فلاندرز مع إظافة رصد وتسجيل رقم السلوك غير اللفظي كلما صاحب الرسالة اللفظية . ويمكن توضيح ذلك بالمثال التالي :
فإذا افترضنا أن باحثا أراد تحليل السلوك اللفظي وغير اللفظي وبهدف رصد السلوك التعزيزي اللايمائي المصاحب للرسالة اللفظية، فإنه سيكتفي برصد السلوك اللفظي وتسجيل رقمه مرفقا برسم العلامة الدالة على التعزيز الايمائي كما هو في طريقة غالاوي حيث يرسم الملاحظ علامة ( + ) أمام رقم البند عند تعزيز الرسالة اللفظية إيجابيا بالسلوك والحركات الايمائية، ويرسم علامة ( - ) أمام رقم البند عند تعزيز السلوك اللفظي السالب بحركات وإيماءات سالبة ولا تتوافق مع الرسالة اللفظية، ويسجل دائرة ( O ) حول رقم البند عند حدوث السلوك اللفظي بدون السلوك غير اللفظي، ويرسم شرطة مائلة على رقم البند (/ ) عند حدوث السلوك غير اللفظي بدون السلوك اللفظي . وتحسب النسب المائوية للسلوك غير اللفظي المصاحب للسلوك اللفظي .
أما إذا كان الهدف من الرصد هو معرفة نوعية السلوك غير اللفظي المصاحب للسلوك اللفظي وليس مجرد معرفة كم التعزيزات، فإنه في هذه الحالة يسجل الملاحظ رقم البند مصاحبا بتسجيل رقم السلوك غير اللفظي الذي يظهره المعلم أثناء تواصله لمعرفة نوعيته وفي المثال التالي نوضح ذلك :
فلو فرضنا أن معلما بدأ حصته بطرح سؤال الطلب ( من يذكرنا بالدرس السابق ) وصاحب هذا السؤال صدور اشارة اليد الدالة على التساؤل، يسجل الملاحظ في حالة استهدافه تسجيل التعزيزات غير اللفظية رقم البند مصحوبا بالاشارة غير اللفظية المناسبة هكذا ( 4 + ) حيث يعبر رقم( 4 )على رقم البند كرسالة لفظية في شبكة حمدان، وعلامة( + ) تعبر عن االتعزيز الايجابي لها بالحركات والايمات المناسبة .
أما في حالة أستهداف الباحث في رصده للتفاعل اللفظي وغير اللفظي معرفة نوعية السلوك الايمائي المصاحب للرسالة اللفظية عند المعلم والتلميذ، فإنه في هذه الحالة وحسب المثال السابق يسجل رقم البند الدال على الرسالة اللفظية في شبكة حمدان مصاحبا برقم السلوك غير اللفظي المناسب والمصنف ضمن ذلك البند، مفصولا بينهما بشرطة مائلة هكذا ( 4/5 ) حيث يعبر الرقم الأول ( 4 ) على الرسالة اللفظية( التساؤل) ويعبر رقم خمسة عن السلوك الايمائي المصاحب وهو إشارة اليد الدالة على التساؤل، وهكذا في رصد كل السلوكات.
ولضمان الرصد الصحيح ومواكبة الراصد للمعلم وسيرورة الدرس يستحسن احضار المسجل وقائمة الرصد للسلوك اللفظي وغير اللفظي المزدوجة لمواجهة الارتباك المحتمل وتعطل التسجيل اليدوي .
وبعد الرصد تحول البيانات الرقمية الخاصة بالسلوك اللفظي إلى أزواج ثم تفريغها في المصفوفة ومعالجتها إحصائيا وفق معايير شبكة حمدان، وتفرغ البيانات الرقمية الدالة على السلوك غير اللفظي في جداول خاصة وتعالج هي الأخرى بمختلف القوانين الاحصائية حسب فروض الباحث وأهدافه . §.
3 ـ 5 ـ 5 ـ تقنية السوسيومتري في قياس العلاقات والتفاعل الاجتماعي والوجداني بين التلاميذ .
ـ النشأة والتطور :
عرفت دراسات دينامية الجماعة قفزة نوعية بابتكار مورينو 1934 لفكرة القياس الوسيومتري Socio/Metry ويعني رصد علاقات التجاذب والاختيار والرفض والتنافر في جماعة ما، من خلال تقنية الملاحظة أو سؤال الاختيار والرفض نحو الآخر في موقف من المواقف التي تعني الجماعة، ويستعمل الاختبار لمعرفة دينامية الجماعة والعمل على تحسين العلاقات بين أفرادها .وتعود فكرة القياس السوسيومتري من الناحية الابستمولوجية إلى ما أعتبره الرواد من ضرورة بعث العفوية والتلقائية في التعبير وإطلاق حريته في الجماعة، والخروج عن القواعد الجامدة في العلاقات والسلوكات والتقاليد التي تقيد حرية التعبير في الأنظمة الاجتماعية النمطية .وقد جسد هذا البعد الابستمولوجي في تأسيس مورينو ما سمي بالمسرح الارتجالي الذي توج بتأسيس السيكودراما Psychodrame أو المسرح العلاجي وبعده قيام فكرة العلاج النفسي للجماعة 1931Therapie du groupe ، ويبدو أن مورينو في بحثه عن تقنية تؤمن حرية التعبير في الجماعة يعود إلى تأثره بأفكار فروبل وبستالوزي وبرغسون الداعية لإطلاق حرية التعبير عن الأنا العميقة، كما تأثر بالدراسات الاجتماعية لـ "شريف، وليفن ،ومرغريت ميد، وكلهم من معاصريه توجهوا في دراساتهم لإبراز أهمية العلاقات الاجتماعية والتفاعل بين أعضاء الجماعة . وفي ضوء هذا التوجه توالت الدراسات والتجارب حول دينامية الجماعة في المجال التربوي والمجال الاثني وما بين الجنسين وجماعات الأطفال التربوية، حيث طبق القياس السوسيومتري التربوي منذ أن ساهمت هيلين جننجز H.Jennings باستخدام التقنية السوسيومترية في دراسة القيادة والجماعات التربوية .
وإذا كانت شبكات ملاحظة التدريس استطاعت أن ترصد التفاعلات اللفظية وغيرها التي تجري داخل القسم بوصفه جماعة صغيرة، فإن دراسات دينامية الجماعة قد استطاعت هي الأخرى دراسة تفاعلات وتواصلات الجماعة الصغيرة في حركيتها وبنيتها، إذ توجت المحاولات الأولى والدراسات المبكرة منذ مورينو وميزونوف وغيرهم عن نتائج في دينامية الجماعة تتعلق بتطوير أساليب قياس العلاقات الوجدانية والاجتماعية للجماعات الصغيرة، وتمكنت من تكميم المعطيات الكيفية في مجال النبذ والرفض والقبول والاستجابة بين أعضاء الجماعة، ودرجة التماسك والتفاعل والكشف عن العضو النجم والمنبوذ والحيادي والجماعات السرية الصغيرة، وذلك بابتكار أساليب وأدوات للقياسات الاجتماعية، باستخدام الرسم السوسيوجرام أوتصميم المصفوفات الإحصائية للعلاقات الاجتماعية.
ففي ضوء الدراسات التنظيرية والأمبيريقية وتحديد مؤشرات التفاعل الاجتماعي في سلوك الفرد تجاه الجماعة أو الجماعة تجاه الفرد أو الأفراد فيما بينهم، وما يحدث من تأثيرات وتأثرات متبادلة، ومؤشرات تماسك الجماعة وتفككها، طور الباحثون في دينامية الجماعة أساليب لقياس النبذ المتبادل بين الفرد وجماعته من خلال مؤشرات التنافر والتجاهل وللامبالاة والسخرية وإظهار العدوان والانسحاب وسلوك العنف والتوتر ...الخ وقياس التقبل والرضا والتكيف المتبادل من خلال إظهار التقدير والاختيارات الموجبة والتفضيل والتجاوب والتفاني في تقديم المساعدات والثناء والمدح والقدوة الحسنة والامتثال والمشاركة والتبني للمقترحات وإبداء النشاط من أجل تحقيق الأهداف والاعتزاز بالانتماء، وإظهار الميول الايجابية، وقوة التماسك وسلوك العدل والمساواة ...الخ .
وأنتهج الباحثون في دراسة تفاعلات الجماعة أسلوب الملاحظة العلمية والتجارب الميدانية، وتمكنوا بذلك من تصميم بطاقات ودلائل الملاحظة العلمية، ورصد كل هذه السلوكات وتبويبها وتصنيفها ومن ثمة تكميمها وتحليلها،كدليل "تريكر"، و"روث كننجهام " لدراسة الجماعة، كما استطاعوا إخضاع الجماعات الصغرى بكل أصنافها للتجارب المعملية والمخبرية، نذكر منها، تجربة تكوين المعايير الاجتماعية لـ "شريف "، وتجربة الأجواء الاجتماعية لـ " ليكرت ليفين " للوقوف على الفروق بين النمط الديمقراطي والأتوقراطي، وتجربة "هاوثورن "التي استهدفت معرفة أثر الظروف الفيزيقية في زيادة إنتاج الجماعة، وتجربة " سليمان آش " لمسايرة المعايير الاجتماعية لمعرفة مدى تأثير الجماعة على تعديل وتحريف معايير الأفراد ومدى مسايرتهم للجماعة . (23: 66 ـ 78) .وأبرز تطبيقات السوسيومتري في الدراسات الاجتماعية العربية المبكرة نذكر دراسة لويس كامل مليكة في قياس العلاقات الاجتماعية في قرية مصرية حيث طلب من كل فرد من العينة البالغة 148 فردا أن يختار خمسة أفراد في تسعة مواقف وأخضع المعطيات للمعالجة الاحصائية .
ومن هذه التجارب والملاحظات الأمبيريقية صاغ الباحثون شروط خاصة للملاحظة والتجربة كما حدث عند مورينو في تحديده لشروط الاختبار السوسيومتري ومنها السماح للأعضاء بالاختيار أو الرفض الحر، تحديد الموقف الاجتماعي حين الاختيار، إجراء الاختبار في طمأنينة تامة، ملاءمة السؤال لمستوى الجماعة، تحديد السؤال وصياغته صياغة دقيقة واضحة غير مبهمة وغير مطولة ...الخ، وخضعت هذه الشروط للنقد ومن ثمة للتعديل والتطوير وفق معطيات المواقف ووضعياتها وأهداف الاختبارات بما يحقق أفضل مستويات المصداقية . ( 23: 79 ـ 83 ) .
ـ شكل الاختبار السوسيومتري ومضامينه
والاختبار السوسيومتري يكون عادة على شكل سؤال أو أسئلة مباشرة وواضحة تصمم وفق شروط الاختبار السويومتري وتوضع في شكل استمارة (إن كانت متعددة) تستوضح خيارات المستجوب أو علاقات النبذ والرفض أو الحياد، بحيث توجه إلى كل تلميذ على حدة، وتطلب منه تحديد علاقته بأحد أفراد جماعته التي ينتمي إليها أو بعض الأفراد منهم أو كلهم، في المواقف التي يحددها ويستهدفها الاختبار السوسيومتري، ويمكن أن يستهدف الاختبار ترجيح الاختيارات بطلب المستوجب بترتيب خياراته السلبية والايجابية، ففي الاختبارات البسيطة ذات المعيار الواحد يمكن أن تصاغ الأسئلة على الشكل التالي :
أكتب أسماء ثلاثة من بين زملائك التلاميذ تحب أن تجلس قربهم .
أكتب أسماء ثلاثة من بين زملائك التلاميذ لا تحب أن تجلس قربهم .
أو كأن توضع جماعة التلاميذ في قائمة اسمية ويطلب من كل تلميذ أن يبين علاقته الاجتماعية بكل تلميذ من زملائه في الصيغة التالية .
ضع علامة ( + ) أمام كل تلميذ تحب أن تدرس معه، وعلامة ( ـ ) أمام كل تلميذ لا تحب أن تدرس معه، وعلامة ( 0 ) أمام كل تلميذ لا تكترث له .
أو في حالة الترجيح والتفضيل في الإجابات الايجابية والسلبية يصاغ السؤال كالتالي
رتب ثلاثة أو أربعة أسماء تحب أن تلعب معهم وثلاثة أسماء لا تحب العمل معهم من بين زملائك في القسم .وتعطى لهذا الترتيب أوزانا من الدرجات .
وإذا كان الرائز السوسيومتري يستهدف مستويات متعددة من التحليل فإنه يبنى على عدة معايير وعلى درجة من التعقيد . كأن توضع الأسئلة في شكل الاستمارة وتتضمن أسئلة الاختيار والنبذ المتبادل والتوقعات وأسئلة متعلقة بأكثر من معيار كالمدرس والعمل والجلوس ...الخ . وصممنا في دراستنا ضمن أطروحة الدكتوراه، تقنية سوسيومترية معقدة كذلك تضمنت أسئلة الاختيار والنبذ والحياد المتبادل وأسئلة الترجيح والتوقعات كما ضمناها أسئلة الأسباب النبذ أو الاختيار وطبقت على عينة من الجنسين بلغت حوالي 912 تلميذ في مستوى السنة التاسعة أساسي . وفي ما يلي عرض لتجربة قياس التفاعل الصفي بتقنية السوسيومتري
3 ـ 5 ـ 6 تجربة قياس العلاقات السوسيومترية بين التلاميذ في المدارس الجزائرية.
بغرض دراسة فعالية آليات الضبط الاجتماعي وأثر القوانين التنظيمية للعلاقات الاجتماعية للمدرسة الأساسية المتضمنة في أمرية 16 أفريل 1976 على مدى إشاعة التفاعل الايجابي، بين التلاميذ، اعتمدنا على تقنية السوسيومتري لقياس التفاعل الاجتماعي المدرسي، من خلال مؤشرات التكيف النفسي للتلاميذ كأفراد والتكيف النفسي لجماعة القسم والتجاذب والتماسك والتعبير الحر في الاختيار والنبذ المتبادل بين التلاميذ، وتم إعدادها وفقا لمؤهلات مجتمع الدراسة وأهداف الدراسة وفروضها وذلك في عدة خطوات نذكر أهمها فيما يلي :
ـ بناء الاختبار السوسيومتري :
لرصد دينامية جماعة القسم ( التلاميذ ) وقياس العلاقات الوجدانية والتعاونية بين التلاميذ، ورصد مستوى تفاعل الجماعة وقوته، وتكيف التلميذ مع الجماعة، وعلاقات التأثير والتأثر، وعلاقة ذلك كله بمتغيرات البحث، صاغ الباحث ـ في ضوء مفاهيم دينامية جماعة القسم، والتجاذب والتنافر بين أعضاء الجماعة ـ ثلاثة أسئلة تتعلق بموقف كل تلميذ وشعوره نحو زملائه الذين يدرسون معه في قسم واحد في موضوع قبوله أورفضه الدراسة معه.
ويهدف السؤال الأول إلى رصد نوع العلاقة بين كل تلميذ وزملائه سلبا وإيجابا وحيادا . ويهدف السؤال الثاني إلى رصد ترتيب الخيارات الثلاثة لكل تلميذ(السلبية ، والإيجابية والحيادية ) ويهدف السؤال الثالث إلى رصد أسباب الاختيار والتفضيل، أو أسباب الرفض أو عدم الاكتراث.
ووضعت أسماء تلاميذ كل قسم والبالغ عددها 26 قسما ( عينة الدراسة ) في قائمة على شكل جدول صفوفه بعدد تلاميذ القسم وأعمدته مقسمة إلى خانات خصصت الأولى للإجابة عن سؤال نوع العلاقة، والثانية عن سؤال ترتيب الخيارات وعلاقات النبذ وعدم الاكتراث أو الحياد، والثالثة عن سؤال أسباب الخيارات والنبذ وعدم الاكتراث، ورعي في الأسئلة وشكل القائمة البساطة التامة، بحيث تمكن التلميذ من الإجابة بسهولة ويسر، وذلك بوضع العلامات ( + في حالة الاختيار ، وعلامة (- ) في حالة النبذ ، ( صفر ) في حالة الحياد ) بحسب ما هو مطلوب منه ويعبر عن رأيه بكل حرية في زميله من حيث الدراسة معه، وترتيبه للخيارات الثلاثة، وذلك بإعطاء الخيار الأول درجة ( 3 ) والخيار الثاني ( 2 ) والثالث ( 1 )
وسجل على القائمة ثبت بالبيانات الأولية ـ بحسب أهداف البحث ومتطلباته ـ تخص المدرسة والمعلم والتلميذ والقسم والتموضع في المكان ومستوى مشاركة التلميذ في القسم، بجيب عنها المعلم، ووزعت على التلاميذ مرفقة بأسئلة، يطلب من كل تلميذ أن يبين علاقته وشعوره نحو كل تلميذ من تلامذة القسم وترتيب أفضلهم إليه، في الدراسة معه وسبب تفضيله واختياره أو رفضه لكل تلميذ من تلامذة القسم، ومزودة بتعليمات عن كيفية الإجابة كما هو مبين في النموذج التالي .
ـ نموذج الاختبار السوسيومتري
ا ـ اسم التلميذ ........... السن ......... المدرسة ......................
![]()
الفوج
...... معيد عادي اسم المعلم ................ …….
عدد التلاميذ ...... الحي ..... السنوات الدراسية مع الفوج ........
![]()
![]()
ب ـ التموضع في المكان
: في الصفوف الأمامية الوسطى الخلفية
![]()
![]()
ـ التموضع المفضل
لديك في الصفوف الأمامية الوسط ى الخلفية
![]()
![]()
ـ مستوى المشاركة
في القسم : جيد متوسط ضعيف
|
رقم التلميذ |
اسم ولقب التلميذ |
نوع العلاقة |
ترتيب الخيارات الثلاثة |
أسباب الاختيار |
أسباب النبذ |
|||||
|
مجتهد |
جار |
صديق |
كسول |
مشاغب |
غير |
|||||
|
1 |
سعيد |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
2 |
محمد |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
3 |
خالد |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
4 |
عائشة |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
إن هذا الشكل من الاختبار السوسيومتري صمم بشكل بسيط يسهل الإجابة على التلميذ ويوفر إمكانيات واسعة للحصول على أكبر قدر ممكن من المعلومات اللازمة لرصد العلاقات الايجابية والسلبية بين أعضاء جماعة القسم على مختلف المستويات وتحليلها في أكثر من بعد، أو صيغة كتحليل العلاقات ( التبادلية، كتبادل الاختيار بين فردين، والعلاقات المركزية، كتمركز الخيارات حول فرد أو مجموعة أفراد معينين، والعلاقات الدائرية، كما في حالة الخيارات التي تبدأ من الفرد وتعود إليه، والعلاقات المنفردة، كما في حالة فشل الفرد في اجتذاب الآخرين نحوه وتجاهلهم له بالرغم من اختياره هو لهم . ذلك إضافة إلى ما يوفره من جمع المعلومات حول أسباب الاختيار والنبذ والحياد ، مما يمكن من تحليل المعلومات على أكثر من مستوى وعلى أكثر من بعد بعد تحويلها إلى مصفوفة سوسيومترية.وجمعت تكراراتها في الاختيار والنبذ والحياد ونسبها المائوية ثم عولجت بالقوانين الاحصائية لاختبار الفرضيات المطروحة [1]
ـ معالجة البيانات الخام إحصائيا:
تم تحليل البيانات الإحصائية لكل مصفوفة من المصفوفات الستة والعشرون المحصل عليها بحسب حاجة البحث إليها .ويمكن من هذه المصفوفة استخراج مؤشرات سوسيومترية عدة من خلال تطبيق المعادلات الاحصائية التالية :
ـ المكانة السوسيومترية للتلميذ = ويقصد بها إجرائيا النسبة المائوية لإجابات الاختيار والرفض التي يتحصل عليها التلميذ في الاختبار السيوسيومتري لجماعة القسم ،أو عدد الخيارات والنبذ كما يحددها السوسيوغرام .ويمكن حسابه بأبسط الطرق وذلك بحساب النسبة المائوية لعدد الخيارات الايجابية التي يتحصل عليها التلميذ على مقياس سوسيومتري في جماعة القسم .
ـ معامل التأثير ويقصد به إجرائيا الدرجة التي يتحصل عليها التلميذ أو الفرد المفحوص على اختبار سوسيومتري من الخيارات بالنسبة إلى عدد أفراد الجماعة .
ويحسب بالمعادلة التالية :
عدد الخيارات التي يحصل عليها الفرد ن-
معامل التأثير = ــــــــــــــــ = ــــــــ
عدد أفراد الجماعة – 1 ن - 1
فمثلا في رصد مستوى التفاعل واستخراج نسبة تكيف كل تلميذ مع جماعة القسم في كل قسم من الأقسام الستة والعشرون، واستخراج بعد ذلك نسبة التفاعل النفسي والاجتماعي لجماعة القسم كل على حدة ، طبقنا المعادلتان التاليتان :(29: 365 ) .
القيمة العددية لمجموع الاستجابات الرأسية والأفقية للفرد
ـ التكيف
الاجتماعي للفرد =
2 ( ن- 1 )
![]()
مجموع العلاقات 100
التفاعل النفسي
الاجتماعي للقسم =
ن ( ن - 1 )
تحليل معطيات الاختبار السوسيومتري :
وتخضع المعطيات والإجابات الخام للتكميم وللمعالجة الإحصائية حسب أهداف الاختبار، بحيث تفرغ في مصفوفات وجداول إحصائية أو بالرسم السوسيوجرام، وهي وسائل تتيح معالجة إحصائية في معرفة العلاقات المزدوجة والعلاقات المركزية والعلاقات الدائرية لتفاعلات أعضاء الجماعة، وعلاقات التجاذب والتنافر وعدم الاهتمام والاكتراث، ومعرفة المكانة السوسيومترية للتلميذ، والتلميذ النجم والمحبوب والمهمل والمعزول والمنبوذ، بحسب مفاهيمها الإجرائية، وتتيح حساب معاملات التأثير والتأثر المتبادل والتفاعل النفسي الاجتماعي، وتكيف الجماعة وشدة العلاقات وثبوت الجماعة وتماسكها وتفككها . وذلك بتطبيق مجموعة من المعادلات والقوانين الإحصائية التي تتيحها مؤشرات المصفوفات المتنوعة §. أي المصفوفات ذات المحك الواحد أو المحكين أو مصفوفات الأجوبة المتبادلة وغير متبادلة في الاختيار والنبذ وذات الخيارات المتعددة أو الأحادية...الخ . (30: 35 ـ 69 ) .
وتوفر المصفوفات والرسوم السوسيوجرامية معلومات متنوعة وبمستويات مختلفة تمكن من رصد تفاعلات الجماعة وديناميتها بكل كلياتها وتفاصيلها الدقيقة . وقراءة مؤشراتها في ضوء القوانين المستنبطة من نظريات التفاعل كنظرية" بيلز "في تحليل عملية التفاعل الاجتماعي وما تقدمه من مفاهيم إجرائية حول الضبط والتوتر والتكامل والحياد واتخاذ القرارات والسلبية والايجابية في التفاعل ...الخ وفرويد ومفاهيمه حول القيادة والكبح والكبت والاسقاطات والتمركز حول الذات وتضخم الأنا والتقمص وتحقيق الذات ونكرانها والتماهي والشعور بالانتماء ...الخ ،ونظرية المجال لـ ليفين ومفاهيمها المستنبطة من الفيزياء حول المنطقة أو الحيز الاجتماعي والحاجز في عملية الاتصال والتوتر والقوة والمكافئ في تماسك الجماعة واضطرابها،(30: 395 ـ 398 ). وكذا القوانين الكلية لـ " هويلر Wheeler " كقانون صفات المجال واشتقاق الجزئيات من الكليات، وتحديد الفعل والتمييز بالفردية، والحد الأدنى للفعل ...الخ (41: 139). وهي القوانين التي ساعدت على تفسير المعطيات الأمبيريقية والنتائج الكمية المستخلصة من الملاحظات والتجارب العملية الميدانية .
3 ـ 5 ـ 7 خدمات السوسيومتري في مجال التربية
بدأ تطبيق قياس العلاقات الاجتماعية في التربية بأعمال مورينو كمحاولة لتجاوز نقائص تقديرات المعلمين للمكانة السوسيومترية للتلاميذ، والتي عادة ما تتأثر بالذاتية والعشوائية، فما توفره المقاييس السوسيومترية من حرية التعبير والموضوعية تمكن الباحثين التربويين من الوقوف على الحقائق الموضوعية ميدانيا في مجال العلاقات الاجتماعية والتفاعلات الوجدانية الايجابية والسلبية بين الجماعة المدرسية البيداغوجية .فلا شك أن معرفة مدى تجاوب التلاميذ وتآلفهم وتآزرهم أو نفورهم وازدرائهم من بعضهم البعض يساعد على بناء الجماعة وزيادة فعاليتها الإنتاجية في مجال التحصيل الدراسي والتكيف النفسي، ذلك أن معرفة المكانة السوسيومترية بطريقة الروائز تساعد على معرفة أثرها بالمتغيرات المدرسية الأخرى وغيرها وعلاقة ذلك كله بالمخرجات التعليمية الفعلية، كما يساعد في إنشاء فرق العمل والنشاط البيداغوجي متآلفة ومنسجمة ومتفاعلة، كما أن معرفة التلميذ النجم والمعزول والمنبوذ يساعد على تصنيف التلاميذ واختيار القيادات التربوية النشيطة في الأعمال البيداغوجية الجماعية ، كما يساعد على تلبية رغبات التلاميذ وميولاتهم في التموضعات المكانية والأدوار الوظيفية التعليمية وتمكن من اصطفاء أفضل للتلاميذ، وانتخاب القيادات بناء على نتائج الاختيار والتفضيل، كما تساعد التربويين على تصميم ظروف تعليمية تعلمية تعاونية من شأنها أن تشيع الأمن والطمأنينة والتوافق النفسي والرضا، وهي متغيرات وجدانية لا يمكن تجاهل أثرها في تكوين الفعل التعلمي. ولعل أهم فائدة تربوية للاختبار السوسيومتري هو ما سجلته " ماري نورثواي " بقولها " سمحت لنا الدراسات السوسيومترية بأن نتعلم الشيء الكثير عن العلاقات والتفاعلات الاجتماعية ، ونحن لا نزال نتعلم منها الشيء الكثير إلا أن أكبر فضيلة للدراسات السوسيومترية هي أنها محورت انتباهنا حول الصفوف المدرسية فهي المكان الذي يفترض أن تنمى فيه العلاقات الاجتماعية وأن تدرس فيه الروابط ، فالمدارس ملزمة بمساعدة الأطفال على تنمية معارفهم وقدراتهم الذهنية لمجابهة المشاكل الإنسانية في العالم الحديث، فإن حل المشاكل لا يستلزم فقط العلم والمعرفة وإنما أيضا تنمية الحس العميق بالروابط الإنسانية وبالتعاطف المتبادل بين بني البشر.(29: 158 ) .
4 ـ القيـــــــادة
4 ـ 1 حول تعريف القائد والقيادة :
خضع موضوع القيادة للدراسات النفسية والاجتماعية والبحث المستفيض وطور بشأنه الباحثون تعاريف اصطلاحية ونظريات متباينة في تصوراتها ومنطلقاتها الفلسفية والفكرية
وبخصوص محاولات تجريد التعاريف الاصطلاحية الأكاديمية العامة لظاهرة القيادة، فقد خضعت للطبيعة المزدوجة للظاهرة، من حيث هي ظاهرة موزعة بين الشأن الفردي والشأن الجماعي في ترابطهما، ، أو بتعبير آخر بين الذات ( قائد ) والموضوع( قيادة ) أوبين أحد عناصر البناء ) القائد ) وجانبه الوظيفي العملياتي ( القيادة ) فعموم ما يحيلان إليه المصطلحين ( القائد، والقيادة ) من دلالات ومعاني كما هي ملاحظة في التجربة الانسانية التاريخية، لا تخرج عن دلالات مركز الشخص في التنظيم الاجتماعي، ووظيفته في ذلك التنظيم، فمصطلح القائد في الفكر الاجتماعي يشير إلى الشخص العضو الذي يشغل مركز من مراكز البناء التراتيبي السلمي الذي عليه الجماعة الاجتماية المنظمة، بصفته عضو بنائي ومصطلح القيادة يشير إلى الجانب الوظيفي والعملياتي للمركز القيادي البنائي، فالقائد يمارس القيادة وبالتالي لا يمكن الفصل بين المفهومين، إلا من هذه الزاوية التمييزية المنهجية فقط . فكل النظريات إضطرت تبعا لذلك إلى التميز بين مفهوم القيادة والقائد ولا تفصل بينهما من الناحية الوظيفية؛ فعرفت كل مفهوم على حدة واختلفت وتباينت بشأنهما تبعا للاختلاف نظريات القيادة :
فأما التعاريف الخاصة بالقائد من منظور علم النفس الاجتماعي فنعرض ما ورده أبو النيل من تعريفات كلاسيكية جمعها " كارترCarter 1953 " في خمس مجموعات نقتصر على ذكر ثلاث منها لوجاهتها وهي .
أ ـ مجموعة تعاريف تتمحور على تعريف القائد بأنه " الشخص الذي يمثل مركز سلوك الجماعة" فتعتقد هذه المجموعة أن الشخص عندما يكون مركز لاهتمام الجماعة وانتباهها، ويتميز بدرجة عالية من الاتصال داخل الجماعة، ويحوز التفاف الجماعة حوله هو قائد .ولاحظ كارتر نقص في هذا التعريف حيث أنمجرد التفاف الناس حول شخص وتركيز انتباههم حوله لا يدل على أن الشخص قائد .
ب ـ مجموعة من التعاريف تظهر على أن القائد " هو الشخص القادر على قيادة الجماعة نحو أهدافها" وتبرزهذه المجموعة ترابط القدرة والكفاءة في سلوك القيادة بالهدف" رغم ما يظهره هذا التعريف من وجاهة ودقة إلا أن كارتر لا حظ عليه نقص تجلى في هذا الربط بين القدرة والأهداف فكثيرا من القادة لم يوفقوا في تحقيق وتوجيه نشاطات جماعتهم نحو أهدافها، فاعتبروا قادة .
ج ـ مجموعة تظهره على أنه " الشخص الذي حددته الجماعة " وتؤسس هذه المجموعة مفهومها على الاختبار السوسيومتري لاختيار القائد دون الاهتمام بخصائص القائد
ومن هذه الانتقادات طور "كارتر " تعريفا للقائد ينسجم مع أفكاره ويتجاوز في نظره ما لاحظه من نقائص في التعريفات السابقة؛ فعرفه بأنه " الشخص الذي يهتم بسلوك الجماعة" أي أنه الشخص الذي يراقب ويدرس سلوك الجماعة حتى يتمكن من فهم الجماعة والتحكم في مسارها والتنبؤ بمستقبلها وهي أهداف عامة للعلم .
والملاحظة العامة لهذه التعريفات هي تعريفات مجردة أو تجريدية عامة لا تخص القائد في المؤسسة ولا في القبيلة ولا في الدولة وهي تعريفات صيغت في ضوء المفاهيم الكلاسيكية لعلم النفس الاجتماعي والمتمركزة حول التأثير الذي يمارسه القائد على الجماعة، وهوما يوحي ويرشح مفهوم القيادة وكأنها شأن فردي أو موهبة فردية.
وأما التعريف الخاصة بالقيادة كوظيفة للقائد والجانب العملياتي من ظاهرة القيادة فقد ورد بشأنها جملة من التعريفات المتباينة من باحث لآخر نذكر منها :
ـ عرفها " ستوجدل Stogdil 1950" على أنها عملية التأثير في أنشطة الجماعة لاعداد الهدف والحصول عليه
ـ وعرفها كل من " هولاندر،Hollander ، وجوليان، Julian 1969" على أنها " علاقة مؤثرة بين شخصين فأكثر" .
ـ وعرفها "فيدلر Fiedler" بأنها " الأفعال التي يزاولها القائد من توجيه وتآزر لسلوك الجماعة . ( 1 : 321 ـ 322 )
والملاحظ في هذه التعاريف أنها تجريدية عامة أيضا ومكثفة في معانيها ودلالاتها رغم بساطتها وتركيزها على مفهوم التأثير كوظيفة للقائد، وهي أيضا تعاريف كلاسيكية صيغت في ضوء أدبيات علم النفس الاجتماعي، وهي إن تباينت في صياغاتها، إلا أنها أجمعت وتوافقت على أن القيادة :
ـ مفهوم وظيفي عام يشمل كل أشكال التجمعات البشرية التلقائية منها والقصدية، المنظمة وغير المنظمة. فتنطبق على قيادة القبيلة أو الفريق أو الفئة أو المؤسسة أو الشركة أو المدرسة أو الدولة أو المجتمع أو الأمة أو الحزب أو النقابة أو جمعية...الخ . وهي من هذه الزاوية تنسجم مع مع مفاهيم القائد الواردة أعلاه .
ـ أن مفهوم القائد هو عضو في جماعة ولكنه يتميز عن أعضائها بخصائص جعلت من الجماعة بوجوده ذات طرفين متقابلين في تكوينها ( متكاملين ومتآلفين أو غير ذلك ) ففي طرف علوي يوجد القائد والراعي والحاكم والزعيم والرئيس والأمير والمدير ويمارس هؤلاء بحسب أوضاعهم سلطة معنوية أو قانونية وإشراف على باقي الأعضاء وفي الطرف الآخر الأدنى يوجد الأعضاء بصفتهم جماهير ورعية ومحكومين ومقادين ومدارين ومرؤوسين.يمارس عليهم التوجيهات ويتلقون الرسائل في شكل تعليمات ونصائح وأوامر ...الخ كل حسب موقعه في بنية وهرم الجماعة .
ـ مفهوم لسلوك صادر من شخص مؤهل بقدر ممارسة تأثير ما على الجماعة باتجاه الحصول على الهدف .سواء أكان هذا الشخص معينا من سلطة خارجية أم مفرزا مختارا، أم مؤهلا طبيعيا، أم بقوى غيبية.
أما التعريف الاصطلاحي المعجمي للقيادة فكثيرة هي الأخرى بكثرة القواميس والمعاجم ونقتصر على تعريف ورد في معجم علوم التربية لوجاهته وجمعه بين القائد أو الزعيم كشخص والقيادة كعمليات ومنجزات، واستيعابه لمتغيرات سلوك القيادة، حيث عرفها تعريفا يكاد يكون إجرائيا على أنها " إفراز لتفاعل الجماعة يعطي لفرد من أفرادها سلطة مؤسسية أو تلقائية نتيجة خصائص تميزه عن الأعضاء الآخرين ( معرفة وخبرة، نفوذ، أخلاق، حكمة) ويتميز القائد بقدرته ونفوذه في تدبير التفاعلات والتحكم فيها ". ( 32: 177 )
لا شك عند القراءة المتأنية لظاهر هذا التعريف أنه يترك انطباعا أوليا وإحساس قوي بمعياريته؛ من عدة جوانب منها :
ـ أنه مفهوم أقل تعميما وتجريدا من التعاريف السابقة، فيختص بالمؤسسة بما تتضمنه من قوانين وممارسة للسلطة مع احتفاظه بمفاهيم علم النفس الاجتماعي في التفاعل والتأثير كوظائف للقائد .
ـ أنه تعريف مزج بين مفهوم القيادة والقائد وأشار بوضوح إلى طريقة تولي القيادة فحددها في عملية الافراز الناتج عن تفاعل الجماعة، لشخص تتوفر فيه خصائص مميزة له كفرد وشخصية، بحيث تجعله تلك الخصائص محل إجماع الأعضاء، وموافقتهم على منحه سلطة مؤسسية تنظيمية لادارة وتخطيط أنشطتهم.
ـ أن الجماعة في هذا التعريف هي المؤهلة لتزكية الشخص وتقدير جهوده المرتبطة بسمات القيادة وهي التي ترى في الشخص من الخصائص الوجدانية والاجتماعية والعقلية والوظيفية الضرورية اللازمة لقيادتها، أو ترى فيه ما يمكنه أكثر من غيره تأهيلا، لمزاولة مهارة النفوذ والتدبير لمختلف التفاعلات والتحكم فيها بنجاح.
ـ أن الشخص القائد هو من يمارس فرديته ويظهر تمايزه عن الأفراد الآخرين في جميع مجالات ونواحي الأنشطة التي تمارسها الجماعة وفي جميع المواقف والعلاقات الاجتماعية والوظيفية، بحيث يجعله ذلك التمايز طرفا في البنية العضوية للجماعة .
ـ بين التعريف أن الشخص القائد في كل المستويات وفي كل الجماعات والفئات يتمتع بالسلطة المعنوية والقانونية على الجماعة التي يتولى تسيير شؤونها، وأن الجماعة هي التي منحته تلك السلطة، وعادة ما تمنح السلطة للقائد ويكتسبها كامتياز، إما عن طريق ما يسمى بالعقد الاجتماعي التلقائي، أو السلطة المؤسسية والقوانين التي تمنحه صلاحيات اتخاذ القرارات . فمدير المدرسة أو الثانوية أو الجامعة تمنحه القوانين المؤسسية لاتخاذ القرارات في أي موقف، والمعلم في القسم وفي اطار قوانين المؤسسة يمكن أن يتخذ قرارات بيداغوجية أو تنظيمية أو انضباطية داخل القسم باعتباره قائدا أو رئيسا له.
ـ والقراءة لما هو ضمني من التعريف يكشف عن أن خصائص القائد المطلوبة للقيادة تكتسب أو على الأقل تظهر في الممارسة أثناء التفاعل الاجتماعي كما لو أنها سمات شخصية ثابتة نسبيا تطبع سلوك الفرد في المواقف الاجتماعية المهنية، فتؤهله آليا لتقبل الجماعة واستحسانها واختيارها له ورضاها عن سلوكه .
ـ نقرأ من عملية الافراز ما هو ضمني أيضا، ويتعلق بضرورة حضور مناخ الحرية لظهور وبروز خصائص القيادة على سلوك الفرد المؤهل، فالخصائص الفردية في وضعية العمل الجماعي كثيرا ما تحجب ويصعب ظهورها والوقوف عليها من الخارج عن طريق الملاحظة، إلا بإشاعة قدر كبير من حرية الرأي والتعبير وتحقيق الذات، ويعود ذلك إلى طبيعة الجماعة ومدى ما تثيره من مناخ يحقق ويضمن المبادرة والمبادءة .
ـ وقراءة ما هو ضمني تكشف أيضا عن ما هو مضمر في الجمع بين الوسيلة والغاية في ضبط وتحديد مفهوم القيادة، حيث أدرج التعريف العمليات والتفاعلات وممارسة السلطة الادارية والقانونية ( المؤسسية ) مرتبطة برضا الجماعة وتحقيق أهدافها؛ ذلك أن عملية الافراز هي في حد ذاتها مؤشر على الرضا العام ، وقبول جماعي للاشراف الاداري، والتعبير عن الرضا لا يحدث إلا بتحقيق نسبة عالية من توحيد الجهود وتحقيق الأهداف واشباع الحاجات. ومن الطبيعي أن التحكم في تدبير وتوجيه مختلف التفاعلات بين أعضاء الجماعة وخفض توتراتها لا يتأتى إلا لشخص كسب بطريقة أو أخرى رضا الجماعة ونال ودها وقناعتها بتحقيق أهدافها، ويكون في نظرها مؤهل فنيا ووجدانيا ومعرفيا واجتماعيا، لممارسة التأثير الايجابي في توجيه سلوك الأفراد، ويتمتع بقدرات تفوق جميع الأعضاء في التنظيم والتسيير والبصيرة وإدارة التفاعلات والاشراف العام وتوجيه العمليات صوب تحقيق الهدف الاجمالي عبر تحقيق مجموعة من الأهداف الاجرائية المتتالية المرحلية .
ومن ناحية المنهجية تفيد هذه التعارف والفصل بين القائد والقيادة في تشخيص المفاهيم والتمييز بين من هو القائد ومن هو غير القائد أي تقسيم الجماعة من الناحية التراتيبية إلى قادة ومقودين تابعين من الناحية العملية، وهو ما يتيح ويسهل الدراسات في تحديد الفروق بينهما في السمات والخصائص والقدرات، وترشيح الأقدر منهم على تولي مسؤولية رعاية مصالح الجماعة والضفر بقيادتها.
غير أن هذه التعاريف نراها رغم عمومها واستيعابها النسبي لمفردات القيادة كمهنة ورصد الجوانب الشرعية والكفاءة في التميز والفردانية والجوانب المؤسسية والقانونية والحرص على إبراز أهمية تأثير القائد في توجيه نشاط الجماعة نحو أهداف محددة، إلا أنها تأثرت أكثر بالمفاهيم المعجمية وأدبيات علم النفس الاجتماعي الكلاسيكية ولم تولي الاهتمام الكافي بثقافة المؤسسة وما انتجته من معطيات جديدة في علم النفس الاجتماعي، وبعد ذلك نراها قد أهملت الخصوصيات الثقافية وجوانب أخلاقية وعلمية في القيادة، ويمكن إستدراكها في صياغة تعريف وصفي وظيفي يكون مستوعبا أكثر لمعاني ودلالات وأنشطة القيادة في ضوء الثقافة المؤسسية المعاصرة وأدبيات علم النفس الاجتماعي ودينامية الجماعة كالتالي : .
تعني القيادة ( تمكين الشخص المشروط من أمانة الاستخلاف في ممارسة أناه ـ المنتمية ـ بفرديتها وكفاياتها في إدارة النحن بالتسخير الذاتي المتبادل والتذاوت، وبالتناصح والتعالق والمعيارية السلوكية، وتدبير ومعاقلة نشاطاتها الجزئية والكلية بشرعية العهود المؤسسية أوكارزماتية الذاتية، وبمشروعية علمية وأخلاقية متميزة وفي ضوء الحرية وتكافؤ الفرص ومبدأ الشراكة في تحقيق الأهداف المعيارية في اشباع الحاجات المشتركة )
وفي ما يلي قراءة تحليلية لما نقصده من هذا التعريف الوصفي .
والقراءة الاجمالية الأولية للتعريف ورصد كلماته المفتاحية من مثل ( التمكين، الاستخلاف، الشخص المشروط، الأنا، النحن، الكفايات، التسخير، التناصح، الشرعية والمشروعية، الاشباع ) يتضح أن التعريف جمع بين معطيات وأدبيات علم النفس الاجتماعي، وثقافة المؤسسة، وثقافة المجتمع المحلي، والأخلاق الاجتماعية،) وهو ما يجعله أكثر التعاريف إستيعابا لمتغيرات القيادة في كل أبعادها.كما سنوضحه في ما يلي :
فنعني بتمكين الفرد المشروط من أمانة الاستخلاف الاشارة إلى أن منصب القيادة في أي مستوى لا يكون إلا مشروطا ويتطلب الفرد المشروط المؤهل الذي يتوقع بما تحقق له من تلك الشروط النجاح في إدارته، فهو ليس مباحا أو مشاعا للجميع أو هو محتكر على أشخاص بعينهم، أو هو محل نزوات ودوافع شخصية، أو هو بالحسب والنسب أو لاسترضاء طبقة أو جهة أو لاستحداث التوازنات، فهي مسؤولية وأمانة قد تكون خزي وندامة يوم القيامة كما قال الرسول . وكلمة الفرد المشروط ذاتيا نعني بها في هذا المقام تميز الفرد المؤهل بإمكانات يدركها هو في ذاتيته قبل غيره تتعلق بما يتمتع به من قدرة في توظيف مختلف أنواع الذكاء كممارسة وسلوك عام، حيث يظهر في مواقف حياتية عامة أو خاصة معالجات توصف بالذكية حين يواجه مشكلات وصعوبات، فيطبع سلوكه بالذكاء المعرفي والوجداني والاجتماعي على الخصوص، فأما الذكاء المعرفي: فنعني به توظيف القائد لما يتميز به من قدرات معرفية من ذكاء وتفكير وذاكرة وإدارة المعلومات في حل المشكلات المهنية والاجتماعية وتجاوز الصعوبات والبحث المستمر عن التطوير والتجديد والابتكار والابداع، وأما الذكاء الوجداني: فنعني به في هذا التعريف إبراز القائد لكفاءته النفسية في قيادة ذاته وذات الآخرين من حوله وتسيير الحياة العاطفية والمشاعر الانسانية، وأما الذكاء الاجتماعي: فنعني به كفاءة القائد في الممارسة السوسيولوجية وإدارة العلاقات من أنظمة الاتصال وتخطيط الحوافز وإثارتها الدوافع والتعاون وتحقيق تكافؤ الفرص والاتجاه نحو العمل الجماعي وتوزيع الأدوار الوظيفية .
4 ـ 2 ـ 1 المفاهيم المرتبطة بمفهوم القيادة :
إذا استحضرنا المفاهيم العامة للقيادة والقائد نجد أنهما مفهومان تجريديان تشكلا وانبنيا أكاديميا في صورتهما التجريدية النهائية عبر عمليات التعميم ليدلا وينطبقا على ممارسة الشخص المؤهل كما تدل عليه التجربة الانسانية لفعل التوجيه والتأثير لذاته وللآخرين بما تميز به من خصوصيات لا تتوفر عادة في غيره من أقرانه في الجماعة .وبهذا المفهوم للقيادة والقائد يتضح إختلاطهما بمجموعة من المفاهيم المرتبطة بهما في المعنى والدلالة والوظيفة كالرئاسة والرئيس والزعامة والزعيم، والامارة والأمير، والحكمية،والحاكم فتكاد هذه الصطلحات أن تكون مرادفة لبعضها البعض كما تظهر في القواميس اللغوية ولا يفصل بينها إلا خيوط رفيعة تكاد لا ترى، وهي كذلك بهذ الصورة من الاختلاط والوحدة من الناحية الوظيفية فكلمات ( الرئيس والزعيم والأمير والحاكم ) كلمات ذات وظيفة واحدة تتعلق بإدارة الجماعة وعملياتها كذوات تتذاوت بالتعبير الفلسفي في مجال معرفي ومهني معين لتحقيق أهداف تتعلق بجملة من الاشباعات الجماعية والفردية وتحقيق الاستمرارية والتجدد .
غير أن الحس الدلالي اللغوي الرفيع يمكن أن يرصد بعض الاختلاف والتباين بين هذه المصطلحات أو أنه يمكن أن نفرق بينها بناء على طريقة الوصول للقيادة أو الرئاسة وتمركز الصلاحيات والشرعية .
فكلمة القائد يمكن أن تكون مرادفة لكل هذه المصطلحات حيث أن الكل يمارس القيادة كما عرفتها الانسانية وحددت معانيها، فالرئيس يمارس القيادة والمدير يمارس القيادة والزعيم يمارس القيادة والأمير يمارس القيادة كل في مستواه المهني والاجتماعي، إلا أن القيادة يمكن أن تطلق على كل مسؤول في أي مستوى وصل إلى القيادة عن طريق الفرز والتفاعل الاجتماعي، كما هو الشأن في القائد العسكري أو قائد فرقة أو فريق داخل جماعة كبرى أو قيادة قسم دراسي أو فوج بيداغوجي من طرف أحد الطلاب. وهو ما يجعلها تفترق عن مفهوم الرئاسة حيث يتم تولي القيادة فيها بالتعيين الفوقي، وتكون دائما في إطار مؤسسة مهنية أو سياسية . كما هو الشأن في مدير المدرسة والثانوية أو الجامعة فهم يمارسون الرئاسة أكثر من القيادة ويستندون إلى الشرعية القانونية المؤسسية أكثر من الشرعية التأهيلية والاجتماعية، كما تفترق القيادة عن الزعامة في أن هذه الأخيرة تتميز بأنها لا تكون إلآ في أعلى المناصب وتعد المرجعية العليا في اتخاذ القرارات وتطلق على شخصية كارزماتية . أما الامارة والحكمية فهي كلمات تطلق عادة على المناصب السياسية والعسكرية .
ويظيف باحثون آخرون بعض الفروق الضعيفة بين الرئاسة والقيادة تتعلق بالأهداف والعلاقات فعلى مستوى الأهداف تبرز الفروق في ما يتاح للأعضاء من فرص المشاركة مع القائد في تخطيط الأهداف، فتتقلص في حالة الرئاسة وتتوسع في حالة القيادة، أما على مستوى العلاقات فتظهر علاقة التبعية والانقياد التام للأعضاء في حالة القيادة حيث يطاع القائد بلا حدود ولا ضفاف، بينما تظهر في حالة الرئاسة كما لو أنها محكومة بقوانين حيث لا طاعة للرئيس خارج تلك القوانين . غير أن هذه الحالات كثيرا ما تظهر في الرئاسة والقيادة والزعامة وليست ميزة لأي منها.
4 ـ 2 طرق التمكين والضفر بمنصب القيادة :
ـ طريقة الوصول إلى القيادة عن طريق المؤهلات والجهود الشخصية : فبمقدور الشخص بما يمتلكه من مؤهلات معرفية أو مالية من انشاء مؤسسة ( مدرسة، جامعة، شركة، وصنع، مركز تكوين...الخ ) ويعين نفسه كمدير وقائد عام لموظفي المؤسسة التي أنشأها ويديرها بصفته قائدا . أو يحدث فيستطيع الفرد في جماعة أومؤسسة بمؤهلاته وقوة نفوذه وما يمتلكه من عناصر القوة ـ ذكائية ومادية ـ الاستلاء على القيادة فيتولاها برضا الجماعة أو بغير رضاهم .
ـ طريقة التعيين والتزكية الفوقية : ويتم هذا في أجهزة الدولة أو الشركات والمؤسسات الكبرى ذات المستويات السلمية التراتيبية من السلطة، حيث تقبل السلطة الأعلى على اختيار شخص من بين أفراد الجماعة في مؤسسة معينة أم من خارجها وتعيينه بالتزكية وقوانين المؤسسة لتولي قيادة مؤسسة ما أوجماعة مهنية رسمية معينة مركزية أو فرعية وتسميه عادة بـ ( المدير أو الرئيس ) كما هو الشأن في اختيار مديري ورؤساء الجامعات والثانويات ومعظم الشركات والمؤسسات الرسمية . وتختاره وفق معايير محددة، وعادة ما تكون مختزلة في الشروط المهنية المؤسسية والقوانين والولاء، أو بطريقة النص القانوني والتوصية والميراث .
ـ طريقة الانتخاب والاختيار الجماعي: حيث يتم اختيار القائد من بين أعضاء الجماعة أو المؤسسة بالمشورة الجماعية أو بالانتخاب المنظم كما يحدث في تولي قيادة الأحزاب والمناصب السياسية، أو كما يحدث في تولي بعض مناصب في الجامعات كانتخاب الهيئات القيادية والمجالس العلمية واللجان، وانتخاب القيادات النقابية. وذلك بعد توفر الشروط القانونية والموضوعية في الشخص المرشح للانتخاب.
ـ طريقة الفرز الطبيعي ـ إن صح التعبير ـ والتفاعل الاجتماعي: حيث يتم الوصول إلى القيادة بالتفاعل والافراز الناتج عن دينامية الجماعة حيث يحصل الفرد المفرز على مكانة اجتماعية عالية بين الأعضاء تجعل منه شخصية جامعة كارزماتية، تسمع وتطاع، ولا تولد مثل هذه القيادة إلا في مناخ يساعد على حرية ممارسة الفرد لفرديته وتميزه عبر التفاعلات الاجتماعية داخل الجماعة . وعادة ما يسمى هذا القائد الحائز على هذه الدرجة بالزعيم وتظهر مثل هذه الطريقة في الثورات وطرق البيعة المختلفة .
ونستثني من هذه الطرق قيادة الأنبياء للبشرية وورثتهم من الدعاة والعلماء وهي قيادة تستند إلى الاصطفاء والتكليف الرباني بالنسبة للأنبياء، وتستند على العلم والمعرفة بالنسبة للدعاة والعلماء، كما هو الشأن في تولي شخص بعلمه وورعه منصب المشيخة أو الامامة في التجربة الدينية ...الخ .
ولكل جماعة في اختيار القائد أو تعيينه من طرف السلطة تقاليد ـ قد تكون تلقائية أو مقننة ـ في طريقتها في ترتيب تلك المعايير وأهمية الخصائص المؤهلة لدور القيادة، وهو ما يفسر إختلاف المعايير من جماعة لأخرى .
غير أن الدراسات للتجربة الانسانية في القيادة أحصت تلك الخصائص وصنفتها، في مجموعات تكاد تكون مستوعبة لكل المعايير التي تستند عليها الاختيارات في جميع الجماعات البشرية، فبعضها مرتبط بالجانب الفني والمهني والمعرفي، وبعضها بالجانب الانساني وبعضها بالجانب السيكولوجي وبعضها بالجانب الاجتماعي والأخلاقي ...الخ بحيث تكون هذه الخصائص بمنزلة القدرات التي تميز العضو المرشح للقيادة في مجال التأثير على الافراد وتوجيه التفاعلات نحو تحقيق الأهداف بما فيها منع التصدعات وتخفيف التوترات التي تعيق نشاط الجماعة .
قد تعمل جماعة بكل هذه المعايير والخصائص، وقد تختار بعض منها حسب أهدافها وأنشطتها ومتطلباتها من ممارسة القيادة. ونسوق بعض هذه المعايير الأساسية في اختيار وتعيين القادة كالتالي :
أ ـ مجموعة المعايير الجسمية والبيانات الشخصية: فبعض الجماعات وبناء على طبيعة أنشطتها تدرج الخصائص الجسمية كالهندام أو القوة أو الطول أو الوزن والصحة والخلو من بعض الأمراض والعيوب الخلقية كمعايير للاختيار في تولي منصب القيادة .كما تدرج ضمن هذه المعايير بعض البيانات الشخصية كالسن والخبرة والشهادة العلمية والحالة العائلية والجنس ...الخ
ب ـ المعايير المهنية : وتتعلق بالخصائص المعرفية والخبرة الفنية التي ترشح العضو للقيادة وتضعه محل اختيار الجماعة أو السلطة المعنية بتعيينه، ويقصد بها المستوى العلمي والمخزون المعرفي والخبرة الفنية التي يجب يكون عليها الشخص المؤهل للقيادة في مجال تخصص الجماعة، وفي نطاق أهدافها، ولعل هذا ما وصلت إليه دراسة كارتر حيث لخصت كفاءة تولي القيادة في القدرات والطلاقة اللفظية،( 1: 324 ) ويتجلى ذلك في إظهار أي عضو من أعضاء الجماعة أثناء تفاعله وممارسة نشاطاته في الكفاءة والاتقان الفني لحيثيات ومكونات الأنشطة التي تمارسها الجماعة والقدرة على ضخ الأفكار الجديدة في التطوير والتجديد، وعادة ما تصنف هذه المعايير إلى مجموعتين :
ـ مجموعة المعايير الفنية والمعرفية : وتتعلق بالنشاط المهني للجماعة كالتحكم في مفاصيل المهنة ومختلف أنشطتها الكلية والفرعية الجزئية وإتقانها والقدرة على تجاوز مشكلاتها، وتطويرها وتجديدها وإظهار القدرة على توزيع الأدوار الوظيفية وإعداد الخطط والبرامج والوسائل واستراتيجيات العمل بما يحفظ مردودية الجماعة وبقائها واستمرارها،
ـ معايير لغوية : ويتعلق الأمر بما اصطلح عليه في علم النفس اللغوي بالذكاء اللفظي، ويعد معيار للاختيار عند كثير من الباحثين في شأن القيادة ، ويطرح على مستوى كفاءة الاتصال الشفوي والكتابي والخطاب وإقناع المتلقي وممارسة الحجاج والبرهان والاستفادة من الحوارات والمناقشات والتوليف بين الخيارات وترجيح الآراء إن تضاربت في التسيير والادارة على مستوى الاجتماعات الدورية واللقاءات التوعوية والاعلامية والتكوينية
ج ـ مجموعة المعايير السيكولوجية: ويقصد بها الكفاءة النفسية والوجدانية التي يظهرها الفرد المرشح لاختياره قائدا للجماعة، والتي يعتقد في توافرها تكثيف لفرص النجاح وتحقيق أهداف الجماعة، فالمهارة النفسية من حيث هي مهارات عقلية وذكائية ووجدانية خاصة مطلب من مطالب تولي القيادة في أي جماعة، وتعد أحد شروط ضمان أبعادها السيكولوجية، فالقيادة قبل أن تكون ظاهرة إجتماعية أو قانونية بيرقراطية، هي ظاهرة نفسية تتطلب قدرات ذاتية خاصة كالذكاء والتذكر والادراك السليم والتخيل والتصور وتقدير أفضل للمواقف والأحداث والمواضيع والعلاقات بين الأشخاص في ما بينهم وما بين عناصر الموقف والمحييط ككل وممارسة الاستبصار بما في ذلك القدرة على إدارة الحياة الوجدانية
ويمكن تجميع هذه المعايير السيكولوجية في ما يسمى حديثا بالذكاء الوجداني أو العاطفي، وهو ذكاء يتضمن حسب جولمان (إدارة الذات، والوعي بها، وحفزها، والتعطف باستشعار انفعالات الآخرين .التعامل مع الآخرين أي الممارسة السوسيولوجية .وهو بهذا المفهوم لا ينفصل عن الذكاء المعرفي أو العقلي الذي يتضمن العمليات المعرفية المؤهلة للفرد لممارسة الابداع والابتكار والتفكير وبروز الموهبة، ذلك أن أحد بعض تعريفات الذكاء العاطفي المشهورة تصفه من حيث هو القدرة على التعامل الايجابي مع الذات والآخرين، أو اكتساب القدرة على التعامل مع العواطف الذاتية وإدارتها بما يحقق سعادة الذات والآخرين معا، وهي مفاهيم تجعل من المشاعر والحياة الوجدانية جوهر الحياة النفسية لا تقل أهمية عن الحياة العقلية، وترتبط هي الأخرى بالنجاح في الحياة العملية. فالخبرة الوجدانية للفرد من حيث هي ذكاء وجداني، قد تكون سلبية تتصف بارتفاع المنسوب، في الغضب والقلق والتعصب والشعور بالدونية والذنب والحزن والانطواء والانسحاب...الخ وهي صفات سلبية لا تلد إلا قناعات سلبية ( الفشل ) وقد تكون إيجابية مرتفعة المنسوب في علاقات التواصل وفعالية الممارسة السوسيولوجية، وتفهم الآخر، والهدوء، وضبط النفس والثقة بها، والمزاج المرح، والفرح والحب والتقبل والتسامح، والانسياب في العمل، والشجاعة والمثابرة والمبادرة والصبر والتحمل والالتزام...الخ وهي صفات إيجابية لا تولد إلا القناعات الايجابية الملائمة للنجاح في التميز والابداع،
د ـ مجموعة المعايير السوسيولوجية : وتتعلق بإظهار القدرة والتميز في ما يمكن أن نسميه بالممارسة السوسيولوجية أو النضج الاجتماعي، أو الثقافة السوسيولوجية، ونعني بها إجمالا قدرة الأنا على إدارة النحن أوالتحكم في عناصر دينامية الجماعة ، ومنها على الخصوص
ـ إظهار القدرة والكفاءة في إدارة العلاقات الاجتماعية، وممارسة الشورى على أوسع نطاق وعلى مختلف المستويات.
ـ إظهار تمثل أهداف الجماعة والانتصار لفعل المبادرة في ظل الأهداف الاجتماعية.
ـ إظهار تشجيع المبارة بما يحقق أهداف الجماعة وإشباع حاجات الأفراد .
ـ إظهار كفاءة وإتقان مهارات النفوذ في الاتصال وتحقيق التفاعل والتماسك والتقارب والانسجام في العمل والفكر .
ـ إظهار العدل في توزيع الأدوار الاجتماعية وتخطيط التكامل الوظيفي بما يضمن الخيارات الايجابية بين أعضاء مجموعة العمل وإشاعة التعاون ومنع الصراعات والتنافس،
ـ تخطيط الحوافز والمعاملة بمبدأ تكافؤ الفرص والانتصار للعدل الاجتماعي .
ـ إظهار النبذ واستنكار كل أساليب الاقصاء المهني والانحيازات والتهميش والعزل الاجتماعي والنبذ وعدم التسامح .
ـ التقليل من شأن العقاب .
فهذه الخصائص هي عناصر مكملة لما فصلناه في الذكاء العاطفي ومن شأنها أن تؤهل الفرد لتبوإ المكانة الاجتماعية اللائقة بين الجماعة، تمكنه من الظفر باختيارهم الجماعي له كقائد وجملة القول إن تفوق الفرد في إظهار إدارة الذات وإدارة الآخرين والتحكم المهني وتأمين حاجات الأعضاء وتحقيق الاشباعات المطلوبة بما يضمن سعادته وسعادة الآخرين واطمئنانهم النفسي على استمرار جماعتهم وتفوقها وتجددها، هو ما يؤهل الفرد بالظفر بالقيادة واختيار الجماعة له . ومن الطبيعي أن هذه المظاهر التي يتأسس عليها الاختيار والفرز للقيادة لا يتأتى إلا في ضوء جماعة تمنح الفرصة بالتكافؤ والهامش اللازم من الحرية لكل الأعضاء لممارسة كل عضو لفرديته وإظهار ما يتميز به من كفاءات وقدرات قيادية .
4 ـ 3 نظريات القيادة
لفهم معادلة القيادة ومتغيراتها طورت عدة نظريات نذكر أهمها :
4 ـ 3 ـ 1 نظرية السمات: وتعتمد في تفسيرها للسلوك القيادي وفهم مفرداته ومتغيراته على تقصي وفهم خصائص الفرد القائد من حيث هو مختلف في سماته الشخصية عن الآخرين غير القادة من جماعته، بحيث تكون بمنزلة عوامل تؤهله لقيادة نشاطات الجماعة نحو أهدافها، وتتأسس فكرة السمات على فرضية لبرالية فردية في الأصل، تفيد أن الشخص أيا كان يستطيع أن يصل إلى ما يريد متى سمحت له إمكاناته بذلك المدى الذي يريده، فالقيادة بهذا المعنى تتحدد بقدرات الفرد ومؤهلاته، وكل قائد إنما هو كذلك لأن قدراته تسمح له بذلك، وتفسر نظرية السمات نشاط الأفراد ونجاحهم وإخفاقاتهم في ضوء ما يحملونه من سمات، حيث تعود جميع الأدوار الوظيفية والمسؤوليات التي يتولاها الأفراد في حياتهم إلى سماتهم، وما مظاهر الإخفاق أو النجاح في أي مهنة أو مسؤولية أو مشروع أو دراسة وتعلم إلا تجليات لحضور السمات المطلوبة أو لغيابها ، وهكذا تضع نظرية السمات القيادة في نطاق السبب والنتيجة، فتوفر سمات القيادة في شخص ما، هو ما يؤهله لتبوإ المنصب والنجاح فيه، وغياب السمات هو ما يمنع الفرد من دخوله منطقة القيادة، وإذا دخلها سيصل للفشل الحتمي .وبهذا المنظور تركز نظرية القيادة وتحرص على رصد السمات لتفرق بها بين القائد من غير القائد، وعلى ضوء ذلك تتم برمجة وتخطيط إعداد القادة في أي مهنة أو منصب وعلى مختلف المستويات.
وفي سياق هذا المنحى اندرجت بحوث القيادة واهتمت بإحصاء سمات القائد، أو السمات المرتبطة بالقيادة؛ فدرست وفق مناهج متباينة ومقاربات عدة الخصائص الجسمية والخصائص النفسية والذكاء وتحمل المسؤولية وغيرها من الخصائص، فانتخبت كل دراسة ما تراه وما تستنتجه، مجموعة من الخصائص التي تأكد ارتفاع معامل إرتباطها بالقيادة . ففي ضوء طرق تولي القيادة ( المجهود الشخصي، الانتخاب، التعيين ) حدد "تيدTead 1953 " مجموعة من الخصائص للقائد نذكر منها قوة الأعصاب والحماسة والقدرة على تحديد الهدف والتودد للآخرين وحسم الأمور والذكاء والدافع الذي يقف وراء الهدف كسمات عامة لتولي القيادة، وأحصى" بيرد Bird 1940" ستا وسبعين صفة للقيادة، وتكثف ورود سمات الابداع والابتكار والمزاج والطلاقة اللفظية والثقة بالنفس والاعتماد عليها والمشاركة العاطفية والذاكرة والنضج الذهني وتحمل المسؤولية كسمات مرتبطة بالقيادة في معظم الدراسات .
4 ـ 3 ـ 2 النظرية الموقفية : برزت هذه النظرية وولدت من رحم المشكلات الخلافية التي انبثقت من عجز نظرية السمات في حصول الاتفاق حول السمات القيادية؛ حيث لجأ بعض الباحثين إلى مقاربة بديلة عرفت بالقاربة الموقفية، وهي مقاربة تستند إلى الموقف بدل السمة في تفسير السلوك، فالفروقات بين الأشخاص في هذه النظرية تعود أكثر إلى الموقف الذي يكون عليه الشخص، فالفرد الواحد كما يقول إيموري بوجاردوسBogardus 1931 قد يختلف سلوكه من موقف لآخر حيث يكون متسقا في بعضها وغير متسق في مواقف أخرى . وفي نظر " ميرفي Muphy " أن خصائص الفرد تتغير بحسب الموقف الذي يواجهه، وأن سمة ما قد تكون مرتبطة إيجابيا بالقيادة في موقف وقد ترتبط بها إرتباطا سلبيا في موقف آخر . وكشفت هذه الآراء عن ضعف نظرية السمات في تفسير الموقف القيادي ، فالسمة المجردة كالذكاء مثلا ليست بالضرورة موجبة ولازمة لكل الوظائف القيادة إلا بعد اختبارها في الموقف المعني بالقيادة، فلا جدى لكثير من السمات إذا لم تكن على صلة وظيفية بالموقف، وتأسيسا على هذه الرؤية ربط الباحثون الموقفيون السمات بالمواقف أي بحث الخصائص والسمات المتصلة بالموقف، فالشخص المتمتع بالكفاءة في عمل معين هو من يفترض نجاحه أكثر من غيره في تولي قيادة الجماعة في ذلك العمل، وقد تكون له فرص النجاح أكثر من غيره ممن يمتلكون سمات للقيادة كالذكاء والمبادرة والشجاعة ...الخ فلا معنى لهذه السمات بدون اختبارها في مواقف قيادية أي وضع الشخص حيال الموقف القيادي ومواجهته والتدرب عليه. وقد اختبرت هذه النظرية في مكتب الاستخبارات الأمريكية وتبنتها كأسلوب عمل في إختيار قادتها وتدريب أشخاص يقودون العمليات الاستخباراتية في البلدان الأجنبية .( 1: 328 ) .
4 ـ 3 ـ 3 النظرية الوظيفية : تنشط هذه النظرية قريبة في مفاهيمها من النظرية الموقفية، فتنظر للقيادة على أنها توزيع للوظائف والأدوار القيادية، وأن عملية التوزيع قد تكون ضيقة بحيث تنحصر القيادة وتتمركز في شخص واحد أومجموعة تكون على رأس الهرم، وقد تكون واسعة، تشمل جميع أنساق الجماعة أو المؤسسة فيتولى القيادة أشخاص من جميع المستويات؛ وبذلك تتعدد وظائف القيادة في جماعة واحدة، وتقوم هذه النظرية على أن الوظائف القيادية متنوعة في أنشطتها وعلى مستويات مختلفة فيمكن للأشخاص كل حسب مستواه من تولي إدرة أنشطتها بحسب حجمها وقدرة الشخص على ذلك . وتحدد القيادة كنشاط وظيفي في ضوء طبيعة الأنشطة والأشخاص وحجم ما يقومون به من وظائف، وتحصر هذه النظرية الوظائف القيادية في :
ـ تخطيط الأهداف المرحلية والكلية البعيدة والقريبة .
ـ تخطيط السياسة العامة والأيديولوجية .
ـ تخطيط العمل وتوزيع الأدوار في ضوء القيم والمعتقدات والأفكار .
ـ تخطيط المراقبة ومتابعة التنفيذ وتقييم العمل .
ـ تخطيط سياسة التحفيز للعمل والثواب والعقاب .
ـ تجديد طرق العمل والابتكار وتزويد المؤسسة بالأفكار الجديدة في المجال الفني .
وهكذا إرتحل إهتمام الباحثين من التمركز حول إحصاء السمات وتدريب الأشخاص بناء على منتخباتها لتولي المناصب القيادية في مختلف المسؤوليات، إلي الاهتمام بصلة السمات الشخصية بالمواقف، وطبيعة الوظيفة القيادية، فتمركزوا حول تحليل متطلبات الموقف القيادي من سمات محددة، فعادوا بذلك يختبرون الأشخاص ويكونونهم كقادة بوضعهم في مواقف قيادية بدلا من بحث سماتهم الشخصية المجردة حينما تبين لهم عدم فعالية بحوث السمات المنفصلة عن المواقف، والمواقف القيادية لا تفهم إلا من خلل الأدوار الوظيفية والأنشطة وقدرات الأشخاص وجهودهم الخاصة. وحدث بين الموقفية والسمات والوظيفية سجال وتجاذب واستقطاب بين الباحثين فظهر من يقف على مسافة واحدة من أطراف الاستقطاب والخارجين عن دائرة الاستقطاب ليؤسسوا ما يرونه صوت العقل والتعقل لمسألة القيادة وبنوا ما أسموه بالنظرية التفاعلية تحاول أن تستوعب وتوظف متغيرات أخرى لها شأن في تفسير ظاهرة القيادة من وجهة نظر يعتقد أنها أكثر نضجا في علم النفس الاجتماعي.
4 ـ 3 ـ 4 النظرية التفاعلية : وتأسست هذه النظرية على حشد عوامل ومتغيرات فعل القيادة التي أكدت عليها كل النظريات التي سبقتها ومزجت بينها في شبكة من التفاعلات، فأعطت للسمات مكانة والظروف الموقفية مكانة وللعوامل الوظيفية مكانة ...الخ وادعت أن سلوكات القيادة كظاهرة لا تفسر إلا في ضوء تفاعل هذه العوامل كلها، ففي نظر أصحابها ومبتدعيها أنه لا يكفي توافر مجموعة من السمات في الشخص ولا يكفي رصد الموقف القيادي عند عضو معين ولا يكفي حجم النشاط القيادي وتوزيعه على عدة أشخاص بحسب مؤهلاتهم، بل لا بد من قدرة الشخص القائد على إستحداث التفاعل بين السمات وبين كل متغيرات الموقف القيادي، فلا فصل بين هذه المتغيرات في أي محاولة لفهم السلوك القيادي في أي مؤسسة وعلى أي مستوى . ذلك أن القيادة لا تنشأ إلا بعد تكون الجماعة وحصول التفاعل وظهور الأدور والحاجات ووجود المعايير.
4 ـ 3 ـ 5 نظرية التحليل النفسي : تفسر نظرية التحليل النفسي ظاهرة القيادة في ضوء العلاقات الانفعالية والوجدانية بين القائد وأعضاء الجماعة التي يقودها، وتطلق نظرية التحليل النفسي على القائد بالشخص المركزي كما يسميه ردل Redl . ويعرف على أنه ( الشخص الذي تؤدي العلاقة الانفعالية به إلى إثارة العمليات الخاصة بتكوين الجماعات في نفوس أفراد الجماعة ) أو الذي يستقطب مجموعة من الأعضاء يكونون جماعة ويتمتع بأحد النماذج العشرة التي حددها ريدل ( العاهل الأبوي، الزعيم، المستبد، المحبوب، العدواني، المنظم، الفاتن، البطل، ذوا التأثير السيء، القدوة، فهذه النماذج هي المرشحة في نظر ردل وغيره من النفسانيين لاستقطاب الجماعة وتكوينها وتوحد أعظائها . ( 19: 182 )
وبهذا المفهوم يصبح القائد في هذه النظرية موضوع لتوحد الأعضاء بالحب أو الخوف منه، وموضوع للاشباع، وسندا لـ "الأنا " الجماعية ، القائد هو مفتاح فهم طبيعة الجماعة فهو الشخص الذي لا يمكن فهم الجماعة وديناميتها حسب فرويد إلا بمعرفته من حيث خصائصه وتمثله للجماعة فالجماعة في مفهوم التحليل النفسي تمثل للفرد لاشعوريا نموذج العائلة ، ويحتل القائد فيها مكانة الوالدين، وأعضاء الجماعة يمثلون الاخوة، وبالتالي فهم يخضعون له بصفته احد الوالدين التي يتعين عليهم طاعته لا سيما وهو يقترن بكل مفاهيم الأنا الأعلى، فالقائد كالأب يتمتع بهبة يحس بها الأتباع وأعضاء الجماعة لا سيما في مواقف المحن فالجماعة تعتمد كلية على القائد باعتباره المنقذ والشخص القوي ويتوحدون به ويظهرون مواقف انفعالية شبيهة بمواقفالأبناء تجاه الوالدين كالاحترام والحب والطاعة بل إنهم يظهرون مقاومة لا شعورية عن القائد .ويشكل المدير في أي مؤسسة الشخص المركزي الذي تتوحد به حبا أوخوفا كل الأعضاء، فمدير المدرسة هو القائد والشخص المركزي الذي يحضى باحترام أبوي وطاعة وامتثال من طرف غير القادة، والمعلم في القسم من حيث هو جماعة يعد زعيما وقائدا وشخص مركزي وهو موضع الاشباع والأمن والحب بالنسبة للتلاميذ ويمثل الأب والضمير والأنا الأعلى. ومن هذا الشعور والاحساس يتولد الشعور الجماعي اللازم لتوحد الأعضاء وجدانيا بالقائد او زعيم القسم .
4 ـ 4 أساليب القيادة : في ضوء ما تم رصده وبناؤه من التعريفات وما طوره الباحثون من نظريات حول القيادة تمكنوا كذلك من التمييز بين عدة أساليب وأنماط قيادية وصنفوها عدة أصناف بناء على معايير كالسلطة وسمات القائد الشخصية والقيادة الرسمية المعينة أو المنتخبة وغير الرسمية المنبثقة عن الاختبارات السوسيومترية . وتباين الأحكام حول تلك الأصناف والتصنيفات للقائد والقيادة، فمن الدراسات كدراسة هالبين وواينر Halpin and Winer 1975 من تعتبر أسلوب المحافظة على إستمراية الجماعة والحصول على الهدف وسلوك الصدق هو أنجع الأساليب القيادية في تسيير الجماعات سواء أكان ذلك في القيادة الرسمية أو غير الرسمية، المركزية وغير المركزية، الديمقراطية أم الديكتاتورية، ومن الدراسات من ترشح الأسلوب الديمقراطي عن غيره من الأساليب القيادية في النجاح كدراسة لبيت وهوايت حيث وجد أن صفة العدوانية تقل لدى الأطفال الخاضعين للتسيير الديمقراطي في التعلم، وأظهروا في ظلها إهتمامهم بالعمل وتماسكهم بالجماعةوتوحدهم أكثر عندما تعرضوا للتسير الديكتاتوري ( 1: 334 ـ 338 ) في حين بينت دراسة فيدلر Fiedler عدم وجود ارتباط أي سمة بنمط مكن أنماط القيادة حيث وجد أن الديمقراطية ذات فعالية في مواقف بينما كانت الأوتوقراطية ذات فعالية أكثر منها في مواقف أخرى . وعلى الرغم من هذه التباينات في نتائج الدراسات حول القيادة وارتباطها بالسمات إلا أن معظم الباحثين يرشحون القيادة الديمقراطية للنجاح في كل المواقف، وفي ما يلي نقتصر على عرض تصنيفين مشهورين للقيادة بناء على صفات القائد والسلطة الادارية:
ـ تصنيف ماكس فيبر : ميز M. Weber ( 1864 ـ 1920 ) أساليب القيادة بناء على مصادر السلطة والصفات الشخصية فحدد ثلاثة أنماط رئيسية للقيادة ( النمط التقليدي، والنمط الجذاب، والنمط العقلاني ) .
أ ـ أما النمط التقليدي : (traditionnelle) ويستند هذا النمط على نظرية السمات أكثر من غيرها، فيقوم على معايير شخصية ذاتية تكاد تكون شكلية كالفصاحة في المخاطبة واستعمال اللغة أثناء التواصل والنضج والرشد وحكمة التصرف والحرص على استتباب الأوضاع والأمن الجماعي . وتكثر هذه الأنماط خاصة في المجتمعات القبلية والمحافظة .ويمكن أن يظهر على المستوى المؤسسي ومنها المؤسسات التربوية فيبدي المدير مدير المدرسة أو الثانوية أو رئيس الجامعة أو عميد الكلية سلاسة في تخاطبه ويكثر من عبارات التقبل والاستحسان ويميل إلى منع الشقاق وأشكال التنافس المؤدية إلى الصراع ويحافظ على الاستقرار ويحرص على الحضور ومقابلات والظهور اليومي والاهتمام المهني، والمحافظة على أمنه وأمن مؤسسته ولا يبدي أي حماس نحو التغير والمبادرة التي من شأنها أن تحدث تغيير ما في بنية المؤسسة . وعلى المستوى البيداغوجي وإدارة القسم يظهر المعلم بصفته قائدا للقسم كثرة التخاطي والاتصال بكل التلاميذ مستعملا في ذلك الألفاظ الجذابة والجمل الواضحة والترميز المناسب للرسائل ولمستوى التلاميذـ كما يظهر الالتزام بالقيم الانسانية والسلوك الجمعي والأبوية التعاطفية وعدم التحيز .
ب ـ أما النمط الجذاب (sharismatique) ويقوم على انباهار الآخر ودهشته وإعجابه بسلوكات القائد، ويقوم هذا النمط هو الآخر على معايير شخصية ذات التأثير الوجداني في الآخرين فتجذبهم نحوه كقوة مغناطيسية، كتميز القائد في صفة معاملاته الايجابية وتمتعه بالمبادرات وحل المشكلات وقوة الصبر ومواجهة المهمات الصعبة والتفاني في إرضاء الآخرين وتحقيق حاجاتهم مما يجعله محل حب لكل أعضاء الجماعة . ويكثر هذا النمط في زعامة الحركات السياسية والاجتماعية .كما يمكن أن يظهر على مستوى المؤسسات التربوية والتعليمية، فيبدي المدير مثلا بعض الصفات السلوكية التي تجعله أكثر إحتراما وتقديرا من كل الأنساق معلمين وأساتذة وتلاميذ ومراقبين، كحرصه على التوزيع العادل للمهمات الادارية والتعليمية ومعالجة المشكلات بطرق إنسانية والحفاظ على سرية المعلمين وأمنهم الاجتماعي والدفاع عن مصالحهم في الدوائر الرسمية العليا، وفض المشكلات التربوية بين التلاميذ والمعلمين بطرق أخلاقية فاضلة، كما يظهر حبه لكل الشركاء وحرصه على متاعهم ومصالحهم وأمنهم وانتمائهم ويتفانى في حل مشكلاتهم بطرق ذكائية متفردة، فمثل هذه السلوكات المعيارية تجعل كل الشركاء التربويين يلتفون حول القائد المدير ويتوحدون ويتماهون بمشاريعه وآرائه ولا يخالفونه في كل كبيرة أو صغيرة. كما يمكن يمارس المعلم داخل القسم سلوكات من شأنها أن تجذب التلاميذ له ويكسب ودهم واحترامهم وطاعتهم، فيظهر حبه لللاميذ ويوزعه بالتساوي على جميعهم ولا يتعامل معهم إلا بمعيار المساواة والعدل واحترام آرائهم ويهتم بإشراكهم في العمل التربوي ومختلف النشاطات التعليمية، ويساهم في حل مشكلاتهم البينية أو الشخصية وحتى العائلية .فهذه السلوكات من شأنها أن تؤثر في التلاميذ تأثيرا إيجابيا فيكسب المعلم جذبهم وودهم .
ج ـ أما النمط القيادي العقلاني (rationnel) ويستند على مفهوم يتعلق بالتنظيم والتخطيط والتحكم في العمليات والنشاطات المؤسسية، ويقوم هذا النمط على المعطيات الواقعية والموضوعية للموقف القيادي أو الوظيفة القيادية ووضعها في صورتها العقلانية بحيث تنسجم وتتطابق مع القوانين واللوائح ولا تتعارض معها . ففي أي مؤسسة إذا خطط المدير وتدبر شؤون مؤسسته وفقا لمقولات العقل والمنطق بحيث يبني خططه على مراحل بينة ومتسلسة ومنهجية وعرف كيف يوظف الوسائل ويخططها ويضعها موضع الفعالية، وقنن عملية توزيع الأدوار بما يضمن التفاعل الايجابي بين المصالح، والتنظيم المحكم، وتوجيه النشاط الكلي نحو تحقيق الأهداف، فإنه يكون مثل هذا المدير عقلانيا في قيادته للمؤسسة، سواء أكانت إقتصادية أو خدماتية أوتربوية تعليمية، فالتوزيع البيداغوجي للبرامج والمواد في الزمان والمكان المناسبين وإسناد النشاطات التربوية وفق معيار التخصص العلمي واستقلال الوقت وتخطيطه، والتحكم في التنظيم التربوي واستعمال منهجي للوسائل والتركيز على توفير الجهد والوقت والمال والحرص على عدم تبديدها، يجعل من المدير عقلانيا في تسيره التربوي .
ـ تصنيف سلطوي إداري ويقوم على التمييز بين ثلاث أنمط من السلوك القيادي ( الدكتاتوري، الديمقراطي، الفوضوي )
أ ـ فالنمط الديكتاتوري أو الاستبدادي: وينعت عادة بالنمط السيء في التسيير، يتميز بتجميع سلطات الادارة واتخاذ القرارات بيد القائد، وتتقلص فيه حرية المشاركة إلى الأدنى أو تنعدم نهائيا . فكل التشريعات أو استراتيجيات السياسة وخطط التنفيذ يقوم بها شخص واحد دون غيره ولا يجوز لأي عضو من أعضاء الجماعة أن يتدخل في أي موقف يتعلق باتخاذ القرارات، ويصدر القائد تعليماته بشكل إنفرادي تتجه نحو الأعضاء للتنفيذ، وينحصر دور الأعضاء في عمليات التنفيذ للقررات والتعليمات ويتعامل القائد مع كل الأعضاء كل على حدة كما لو أنهم وحدات منفصلة لا علاقة بين بعضهم البعض، ويسود مثل هذا النمط في أساليب الرئاسة والمركزية الادارية، والقائد المعين المسند بالقوانين، وقد كشفت الدراسات عن عيوب كثيرة لهذا النمط كانحسار العلاقات بين الأعضاء وتصحرها في جانبها الانساني، وقلة التضامن والتماسك وإشاعة الاضطرابات النفسية، كالخوف والقلق وسوء التكيف ...الخ ويمكن أن يوجد هذا النمط من التسيير في المدارس والثانويات والجامعات وحتى الأقسام بوصفها أنساق تعليمية مؤسسية فيعمد مدير المدرسة أو أي مؤسسة تربوية في توجيه المعلمين والأساتذة بطرق ديكتاتورية صارمة فالمدير على مستوى الجامعة أو الثانوية أو المدرسة يمكن أن يمركز قراراته وتدبيره وتسييره للمؤسسة في شخصيته ويحتكرها جملة وتفصيلا . حيث يصدر تعليماته بمفرده ولا يعير أي إهتمام لأعضاء المؤسسة كأنساق أو كأفراد من حيث الرضا وعدم الرضا، ويستند في قراراته على لمرجعية البيروقراطية وتفسيراته الشخصية للقوانين الناظمة لأنشطة المؤسسة، كما يمكن أن يوصف المعلم بالدكتاتوري حين يقلص مشاركة التلاميذ إلى الحد الأدنى في كل مراحل بناء الدرس ( التحضير التخطيط والانتاج والاستثمار ) ويتعامل معهم بالأوامر والنواهي أثناء تبليغه للمعرفة وإنجاز الدرس، ولا يترك فرصة للمبادرة ويهتم بالعقاب والثواب وتطبيق القوانين على حساب العلاقات الوجدانية والاسانية والاجتماعية.
ب ـ أما النمط الديمقراطي،فينعت بالنمط الايجابي عكس الديكتاتوري حيث تتسع فيه المشاركة إلى الحد الأقصى ويوصف بأنه تعاوني،فيتميز بتوزيع للأدوار وتحديد المسؤوليات على مختلف المسؤوليات ويمنع تمركزها في شخص واحد أو مجموعة ضيقة، فيعتمد القائد في اتخاذ قراراته وتعليماته وخططه واستراتيجياته على إشراك الآخرين الأعضاء ويوسع المشاركة بقدر المستطاع وبقدر الحاجة إلى معرفة آراء الآخرين والاستفادة من خبرتهم حتى تبنى السياسات والقرارات والتعليمات بصفة جماعية ويتحمل الكل مسؤوليته في ذلك بحسب مقدار مشاركته، ويتيح القائد فرص المشاركة لكل الأعضاء على قدم المساواة كل مجموعة بحسب إمكاناتها المعرفية واختصاصها المهني والفني، ويشاع في هذا النمط العلاقات الإنسانية والحب الاحترام المتبادل بين جميع الأعضاء والتكافل الاجتماعي مما يساعد على إشاعة الثقة والاستقرار والشعور بالأمن والطمأنينة،ويظهر مثل هذا التسيير في أنماط التسيير اللامركزي، والنمط القيادي الرسمي المنتخب أو غير الرسمي المبني على الاختبارات السوسيومترية والتفاف الأعضاء حول شخصية القائد .ويمكن أن يختار ويطبق هذا النمط الديمقراطي كل من مدير الجامعة أو الثانوية أو المدرسة رغم تقييدهم بالقوانين الصارمة لا سيما مديري الثانوية والمدرسة الأساسية والتي تتنافى أحيانا والتسيير الديمقراطي القائم على إشراك كل الأنساق المؤسسية في اتخاذ القرارات والتسيير والتوجيه،ورئيس الجامعة أو مدير الثانوية أو المدرسة يوصف بأنه ديمقراطي في قيادته وتسييره للمؤسسة التربوية إذا اعتمد على آليات التسيير المتوفرة لديه قانونا أو التي ينشؤها هو بمبادراته ويقنن لها محليا، مثل المجالس التربوية والأنساق الفنية والبداغوجية والادارية وحتى ممثلي الطلبة والتلاميذ ومختلف الهيآت النقابية والجمعيات الاجتماعية والفرق المهنية ،فإشارك المدير بقدر الامكان لهذه المجالس ولهذه الأنساق والهيآت وتمكين كل الأعضاء المؤسسة التربوية من المشاركة في اتخاذ القرارات وتوجيه الأنشطة ومواجهة الطوارئ وتدبير وتخطيط الأنشطة التعليمية والعلاقات يعد مديرا ديمقراطيا ومؤسسة وتوصف المؤسسة بديمقراطية .والمعلم الذي لا ينفرد باحتكار المعرفة، والذي يحترم الطفل كوجود مستقل بذاته له شخصيته وآراؤه ومعارفه المتميزة، والمعلم الذي يعمل على تحقيق تكافؤ الفرص لاشراك الكل في بناء الدرس في جميع مراحله ويبدوا الرغبة في توظيف آرائهم وتقبل أنشطتهم والتعامل بالسماحة العالية، ويحرص على نبذ كل أشكال قمع الرأي والتهميش والاقصاء سيوصف مثل هذا المعلم بالديمقراطي لاحترامه لجماعة القسم .
ج ـ فأما النمط الفوضوي، وينعت على أنه الأسوأ من حيث التسيير حيث يبدوا القائد في صورة ضعيفة من حيث التنظيم واتخاذ القرارات وسوء التقدير للمسؤليات، ويشاع فيها ما يمكن وصفه بمشعاية القيادة، لا تحترم فيه الامكانات والقدرات ولا تحترم الخطط والاستراتيجيات إن وجدت ويخضع التسيير في كل مستوياته للصدفة وتتخذ القرارات والتعليمات بالمزاج و بمن وجد أو بمن حضر، وتواجه الأحداث بالارتجالية ، وتبعا لذلك فلا تتحدد المسؤوليات ولا حدود لها،وفي ضل هذا النمط من القيادة عادة ما يفقد القائد سلطته الأدبية والأخلاقية على أعضائه ولا يملك الشجاعة الكافية لممارسة سلطته القانونية، فتصيرنشاطات الجماعة إلى الاهمال وعدم القييم والتقويم وتضيع المصالح وتتفكك الجماعة، ووجد أن القائد الفوضوي عادة ما يصل إلى هذا المنصب بكفاءاته الفنية وليست القيادية .
وتبدوا ممارسات هذا النمط من التسيير على مستوى الادارة التربوية من الجامعة والثانوية والمدرسة في التخلي الجزئي أو الكلي لمدير المؤسسة عن مسؤولياته التربوية اليداغوجية أو القانونية الادارية التنظيمية، فيعمد على التسيير الاتكالي ولا يبدوا أي حزم في تنفيذ سلطاته الأدبية أو الخلقية وحتى القانونية، ويسند الأمور إلى غير أهلها ولا يوزع الأدوار الوظيفية بمعايير قانونية أو وظيفية ويتركها لملء الفراغ وظروف الصدفة . والمعلم هو الآخر قد يظهر هذا النمط في سلوكه داخل لقسم فيبدي عدم الاهتمام والجدية في إنجاز درسه ويهمل الوقت ويترك تدخل التلاميذ بدون ضبط أو إنضباط مع القواعد البيداغوجية ولا يعير أي إهتمام لمدى فهم التلاميذ لما يقول ولا يمارس التقييم أو الفيدباك وقد يكون مملا حتى لى مستوى هندامه أمام التلاميذ.
4 ـ 5 العوامل المحددة لأسلوب القيادة : من هذه الأساليب المتعددة للقيادة يمكن الوقوف على العوامل المباشرة التي تقف بمنزلة الأسباب وهي :
أ ـ شخصية القائد : تود كثير من أساليب القيادة كما تظهر في سلوكات القادة إلى العوامل الشخصية من حيث هي الطبع الذي تنشأ عنه الشخصية القيادية فتبدوا كسمة ثابتة وفطرية تطبع سلوك القئد في معظم مواقفه .
ب ـ شخصية الأعضاء : فالأعضاء من حيث هم أحد أطراف الجماعة ليسوا على نمط واحد من الشخصية فهم متباينون في سلوكاتهم وعواطفهم وقدراتهم وذكائهم وتكيفهم وأمزجتهم وبالتالي لا يعقل أن يتصرف القائد حيالهم بتصرف واحد وعليه أنينوع تصرفاته ويركز على الصفة المهنية والاجتاعية الغالبة عند أعضاء الجماعة، فيسلك الديمقراطية مع المتعاونين ويسلك مع العدوانيين السلوك الاستبدادي ...الخ
ج ـ الموقف القيادي : تتباين لمواقف القيادية من مؤسسة إلى أخرى بل ومن نشاط إلى آخر فهناك من المواقف من ينسبه التسيير الديمقراطي ومن المواقف من يناسبه الديكتاتوري، ومن يناسبه الشجاعة ومنيناسبه الحسم، ومنيناسبه المروءة ...الخ فيينوع القائد بناء على ذلك أسلوبه في القيادة بحيث يطبق لكل موقف نمط قيادي يناسبه .
ذلك إضافة إلى عوامل مؤثرة في أسلوب القيادة كالسن والجنس والخبرة ...الخ .
4 ـ 6 مناهج البحث في ظاهرة القيادة :
الملاحظ في كل أصناف القيادة التي ذكرناها وغيرها وكذا أنواعها الرسمية وغير الرسمية أنها قامت على أساس من هذه الأسس أو على بعضها :
ـ تحليل العمل والنشاط أو الموقف ومتطلباته من السلوك القيادي .
ـ قدرة القائد على التأثير في الأشخاص وتوجيه نشاطاتهم والنجاح في جعلهم يلتفون ويتوحدون به .
ـ سمات الشخص القائد المرتبطة بالنجاح في تحقيق الأهداف.
ـ نفوذ السلطة ومركزية التسيير ولا مركزيته .
وتمركزت الدراسات التي أجريت حول القيادة بناء على هذه التصنيفات حول منهجين وهما :
ـ منهج تحليل السمات: حيث يلجأ الباحث إلى تحليل سمات الأشخاص والقادة التاريخيين والاجتماعيين والعسكريين مستعملا في ذلك مقاييس الذكاء والقدرات واختبارات الشخصية وتحليل الانفعالات لرصد السمات المرتبطة بظاهرة القيادة .
ـ منهج اختيار الأعضاء للقائد : حيث يطلب الباحث من أعضاء الجماعة أن يختاروا أعضاء من بينهم كقادة ثم يطبق المنهج الأول لتحليل سماتهم .( 1: 508 ـ 509 )
دينامية الجماعة : إن المواضيع التي تم التطرق لها بالعرض والدراسة ( التنشئة الاجتماعية، التفاعل، القيم، الاتجاهات، القيادة وتوزيع الأدوار..) كلها مواضيع من صلب علم النفس الاجتماعي، ويمكن إستيعابها كمتغيرات متفاعلة في موضوع واحد كلي بعنوان دينامية الجماعة وتعد بعدئذ كما لو أنها مفاتيح لفهم دينامية الجماعة باعتبارها نسق كلي متكامل لا مواضيع مستقلة بذاتها منفصلة .فالتفاعل والقيم والاتجاهات وتوزيع الأدوار والقيادة كلها ظواهر لا توجد إلا في وجودجماعة ولا تخلوا جماعة هذه الظواهر فهي متغيرات مسببة أو منتجة بطريقة أو بأخرى لحركة الجماعة في بنيتها ووظائفها وأفكارها وقوتها وتماسكها وتفككها . أي أنها تحدث ما يسمى بدينامية الجماعة . وقبل الحديث عن دينامية الجماعة يجدر بنا أن نعرج على مفاهيم الجماعة وأنواعها وبنيتها .
1ـ في أهمية الجماعة ومفهومها: حضيت ظاهرة الجماعة في الدراسات الحديثة بأهمية خاصة نظرا لما تتميز به من حضور في حياتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وحتى حياتنا الفردية، فالتغيرات الاقتصادية وتبدل التنظيمات الاجتماعية ومقاييس القيم كما يقول " ميزون نوف " لا تعني تغير العلاقة بين الانسان والأشياء فحسب، بل تعود أيضا إلى تغير علاقات الناس بعضهم ببعض؛ فالجماعة ركن أساسي في فهم حياتنا ومنتجاتنا وإبداعاتنا وتفكيرنا وتسييرنا وكل سلوكاتنا وبالتالي فهي موضوع من مواضيع علم النفس الاجتماعي بامتياز ما دامت في حقل العلاقات . وقد أسس روسو مفهوم الجماعة وضرورتها البشرية على الحاجات الأساسية للأفراد، فهم في نظره لا يستطيعون العيش بمعزل عن بعضهم البعض وبالاكتفاء الذاتي، فالفرد مهما كان يحتاج للآخر بمجرد تفكيره في الكماليات التي لا يستطيع أن يحققها بمفرده، ما لم يساعده في ذلك الآخرون من جنسه وهو ما فرض عليه الانتماء .
والجماعة مفهوم يكثر تداوله في الدراسات النفسية والاجتماعية وأصبح نتيجة ذلك واضحا في دلالاته ومعانيه أكثر من غيره في مصطلحات العلوم الاجتماعية، فهو في منظور " ميزون نوف " مفهوما عاما يتسع ليشمل النشاطات الاجتماعية الحضارية والقومية الأكثر ديمومة واستمرار إلى أبسط نشاط جماعة تتألف من فردين قد ينتهي نشاطها بانتهاء إلتقائها . أما في منظور "بورديو Bourdieu" فهو أكثر تحديدا حيث يطلقه على الجماعة عندما تكون في علاقات ( مؤقتة أومستمرة، عاطفية أو منظمة بين الأعضاء ) بحيث تؤدي تلك العلاقات إلى تفاعلات معينة، ومن ثمة فهو مفهوم مشرط بالعلاقات فلا يطلق على مجرد اللقاء بين الناس أوتجميعهم ككم عددي ركامي، بل هو يطلق على الناس والأفراد حينما يكونون في علاقات وارتباطات عميقة وحقيقية ذات أبعاد نفسية واجتماعية تنتج بينهم تفاعلات . وهو ما يفترض في أية جماعة وجود الاتصال اللازم بين أعضائها لتبادل المعلومات والخبرات والأخبار الاعلامية ومختلف الرسائل باعتباره أي الاتصال الميكانيزم الفعال في تقوية عرى الروابط والصلات والتقارب بين الأعضاء وتقليص مساحات الاختلاف والخلاف والصراعات التي تنشأ من تشويش الاتصال والاتصالات غير الرسمية .( 33: 13 ـ 15 ) .
وإذا بحثنا المصطلح في المعاجم نجده أقرب إلى هذه المعني الذي يشترط التواصل والتفاعل بين الأفراد، فقد جاء في معجم العلوم الاجتماعية أن صياغة مفهوم للجماعة كاصطلاح يخضع للتحليل الاجتماعي يجب ان يأخذ بعين الاعتبار مجموعة من المعايير أهمها
01/ أن تكون الجماعة بنية و ليست مجرد تجميع لمجموعة من الأشخاص .
02/ شكل البنية التي تربط بين أعضائها .
03/ الجماعة مفهوم تجريدي عام بغض النظر عن الحجم .
وبناء على هذه المعايير جاء تعريف الجماعة في معجم علوم التربية بالصيغة التالية : (الجماعة هي مجموعة من الأفراد لهم سمات بنيوية و وظيفية و فنية و اجتماعية … تتحكم في تركيبها و توجهها و تحدد درجة توازنها .
و تتحدد الجماعة في ضوء هذه الصيغة بعدة محددات :
01/ الوضعية التواصلية 02/ الأهداف المشتركة 3 ـ توجد بيتهم روابط.
و في ضوء هذه المعايير أيضا يمكن أن نعرف الجماعة على أنها عدد من الأشخاص تحكمهم روابط معينة تسمح لهم بالاندماج الجزء أو الكلي في ما بينهم.
ومن هذا التعريف يتضح أن وجود فردين في علاقة تبادلية بينهما راو بط محددة يمكن أن يطلق عليهما جماعة، فالجماعة تتكون من فردين فاكثر و لكن الاختلاف يكمن في طبيعة الروابط فيرى أيزانك أن الجماعة [ توجد عندما يوجد تأثير متبادل عن طريق الاتصال العقلي بين فردين أو اكثر ] .
وبالرجوع إلى مفهوم روسو للجماعة والذي يشير إلى أن حاجات الأفراد إلى الكماليات هي أصل تكون الجماعة، فيفهم منه أن وظيفة الفرد في الجماعة هي العمل وفعاليته، ويتحدد دوره كمنتمي لجماعة ما منذ لحضة ميلاده على التحديات والمثيرات التي تواجهه بها الجماعة وقدرته على الاستجابة لها والتكيف معها، فقد تكون تلك المثيرات عامل لتقوية الانتماء والاستجابة، ومحل تقبل ورضا، وقد تكون عامل تمرد وعدم الرضا والقلق تؤدي إلى انتقال الفرد إلى جماعة أخرى وهو ما يجعل الجماعة ذات وجود تاريخي وذات مشروع عملي تتسع وتتقلص وتتطور في كمها ونوعها وأنشطتها تبعا لفعالية أعضائها فهي متغيرة ومتحركة من حيث عددها وأفكارها وبنيتها كما أن الفرد العضو يصبح هو الآخر متحركا ومتنقلا من جماعة إلى أخرى ومن فكرة إلى أخرى وهو ما يجعل كل من الفرد والجماعة في حالة دينامية مستمرة وفي علاقات تأثير وتأثر متبادلة .
ويسفر التأثير المتبادل بين أعضاء الجماعة عن توجيه ما لسلوكات بعضهم البعض، لدرجة التدخل حتى في فهم الانسان لذاته، ويقول كولي بهذا الصدد أن الصورة التي تكون عندي لنفسي إنما هي صورة مستمدة من حكم الآخرين على ذاتي، كما إعتقد أيضا وليم جيمس أن كل شخص يحتاج بالضرورة إلى إعتراف الآخرين به فالتقدير والاعتراف المتبادل بين الأفراد هي عين العلاقات الانسانية ، والوجود الفرد الحتمي للفرد داخل روابط اجتماعية وانسانية لا يلغي قيمة الفرد وهويته الشخصية مهما كان الدور الذي أنيط به داخل الجماعة، وما تقلب الفرد بين صفات ومظاهر شخصية عدة إلا مظاهرة عابرة تستدعيها ما يسميه يونج بشخصية القناع، وتبقى شخصية الفرد ثابتة بنسبية عالية مؤثرة تارة ومتأثرة تارة أخرى بسماته .وبمقدار نشاطه والتزاماته يكون موقف الجماعة منه فيتراوح او يتارجح بين القبول والرضا وبين النبذ والرفض .
الجماعة شخص معنوي رأيها وموقفها ـ بصفتها تلك ـ إنما هي الصورة المعدلة لآراء ومواقف الأفراد المكونين لها مورست عليها ما يمكن تسميته بالمحاكمة العقلية أو المعاقلة، حتى تصبح في صورة جديدة تقترب من بعضهم وتبتعد عن البعض الآخر، ومهما يكن فإنها مهما بدت جديدة فإنها بفعل تزاوج أفكارهم ومن مولداتهم وتحمل بذرهم ومهما بدت قريبة من أحدهم أو بعضهم فهي بعيدة عنه حينما صارت بفعل المحاكمة العقلية أو المعاقلة من سمات الشخصية المعنوية وتحررت من الاحتكار والتبعية فيجد كل فرد ذاته فيها ولا يستطيع امتلاكها إنها لعبة التوازن والموازنة في اتخاذ القرارات والمسؤوليات لا يوفرها ولا يصنعها آلا منطق المعاقلة والاحتكام للمحاكمة العقلية الجماعية لا المحاكمة العقلية الفردية .فالعقل الفردي وإن هو أسبق في الوجود إلا أنه أقل ديمومة من المجتمع والجماعة، ومخلوق من أجله لا العكس .
و الجماعة بهذا المفهوم حقيقية اجتماعية متميزة عن الأشخاص المكونين لها و يمكن للأفراد أن يؤثروا فيها كما يمكن لها ان تؤثر في الفـرد وهي متعددة الأشكال و الأنواع فهناك جماعات علمية ، وأخرى فنية، و اقتصادية، و تربية، وسياسية …الخ .
2 ـ أنواع الجماعات
تصنف الجماعات وفق معايير عديدة منها : الحجم ، درجة توثق العلاقات بين الأعضاء ، التعارف المكاني ، الأدوار الوظيفية ، رسمية غير رسمية ، صغيرة كبيرة ، مؤقتة ، دائمة ، جماعات عمل ، أندية ، عصابات ، فرق ، جماعات وسيلة ، حزبية ، اقتصادية .
و يرى كل من[ كراتش ] [ و كرتشفيلد ] أن من المفيد تصنيف الجماعات وفق الحجم و فترة الدوام و الشكلية و هي الشروط التي لابد من توافرها في الجماعة السيكولوجية
وفي ما يلي تصنيف الجماعة الأكثر شيوعا :
أ ـ الجماعة الأولية: أطلق تشارل كولي اسم الجماعة الأولية على الأفراد الذين شكلوا جماعة و يتواصلون مع بعضهم البعض بطريقة مباشرة وتتميز بخصائص خمسة .
01/ التواصل المباشر
02/ عدم تخصيص نوع التواصل
03/ دوام نسبي
04/ قلة عدد الأشخاص التواصليين
05/ الألفة النسبية بينهم
بـ أما الجماعة الثانوية فهي الجماعة التي لا تتوافر على الخصائص الخمسة السابقة
وتختلف الجماعة عن بعض المفاهيم المختلطة بها كالحشد والزمرة والتجمع والفريق فالحشد كلمة تطلق على التقاء عدد كبير من الأشخاص في مكان واحد دون قصد منهم بغرض اشباع حاجة، بصفة آنية . وهو يتميز بعدة خصائص منها :
الاشباع الآني للدوافع والحاجات ، يتميز الأفراد بالتهيج العام والصبغة الانفعالية العاطفية، يسود مستوى ضعيف من العلاقات الاجتماعية والتواصل بين الأفراد. ويتكون الحشد في صيغ عدة: منها
- الحشد العارض : تجميع الناس بصفة عرضية مؤقتة لمشاهدة حادث مثلا
- الحشد المنظم الارادي: تجميع الناس بصفة قصدية إرادية منظمة كتجمع أنصار فريق في مباراة كرة القدم .
- الحشد الفاعل : تجميع الناس لتحقيق هدف معين .
- الحشد المعبر : تجميع الناس حول طقوس معينة .
الجمهور : يختلف عن الحشد في انه يتضمن فئات عديدة من الأعمار و بصفات و يجهل الأفراد بعضهم بعضا ، غير منظم ، لا يتوفر على مرجعية من عادات حتى عادات و تقاليد ثانية ، او طقوس و قواعد .
الزمرة : وتطلق على مجموعة من الاشخاص يجتمعون إراديا بحثا عن وجود جماعي للقيام بأنشطة جماعية مشتركة .
التجمع : ويطلق على مجموعة من الأشخاص حينما يكونون في حالة لقاء بشكل منظم وبأهداف مشتركة كالتجمع الحزبي أو الثقافي أو النقابي ..الخ .
وقد تصنف الجماعة إلى جماعة رسمية ويقصد بها الجماعة التي تسعى إلى تحقيق أهداف خاصة ومحددة وينتظم افرادها في بنية بمعايير قانونية وتحكمها شبكة من العلاقات ونظام من التواصل والتفاعل وتوزيع للأدوار الوظيفية والأنشطة .
والجماعة غير الرسمية فيقصد بها تجمع مجموعة من الأفراد بصفة تلقائية بغرض اشباع بعض الرغبات المشتركة كجماعة الأصدقاء وقد تنشأمثل هذا الجماعة داخل جماعة أكبر أو منفصلة ومستقلة .
الفرق بين الجماعة النفسية والجماعة الاجتماعية :
يفرق علماء النفس بين الجماعة النفسية والجماعة الاجتماعية من ناحية بناء العلاقات، ففي الجماعة النفسية يتم بناء العلاقات على أسس عاطفية وجدانية كجماعة الاصدقاء وجماعة الاسرة، وفي الجماعات اللاجتماعية يتم بناء العلاقات والاختيارات السوسيومترية على أسس تتعلق بالنشاط والعمل كما هو الشأن في الاختيار المهني وجماعة اللعب، حيث يختار الفرد على توقع مردوديته ودوره في النشاط والعمل وتتحدد قيمته بناء على ذلك . ووفقا لهذا التمييز يميز البعض بين اتجاهين في دراسة الجماعات ( اتجاه علم نفس الجماعات النفسية، وعلم إجتماع الجماعات الاجتماعية ( 2 : 54 )
2 ـ دينامية الجماعة :
مصطلح الدينامية مأخوذ من العلوم الفيزيائية كما تشير إلى ذلك مجموعة التعاريف التي أوردتها الموسوعة الفرنسية، وهي تعني الجهد المبذول الذي يمارس على مجموع ميكانيكي لغرض ربط مجهودات المجموع لانتاج فعالية معينة( 34: 59 )
وحسب الدراسات التاريخية للفكر التربوي يعد( دوركايم) أول مـن أوجـد تعبير الدينامية الاجتماعية وأنه قد استخدمه في غير معنى الذي استخدمه العالم المتخصص في مجال دينامية الجماعة (كورث لوين) على حسب دراسة (ميزون نوف) التي تبين أن ظهور المصطلح بمعناه الدقيق في علم النفس الاجتماعي كان في مقال لـ:لوين صدر 1944 بشأن العلاقات بين النظرية و التطبيق في علم النفس الاجتماعي (34: 55). و يعني كورث لوين) (الألمان الأمريكي الجنسية)بمصطلح دينامية الجماعة تلك القوى النفسية والاجتماعية المتعددة و المتحركة الفاعلة التي تتحكم في صيرورة الجماعة،و التي يمكن التعرف عليها بل و قياسها أحيانا (19: 118).
وبعد ظهور المصطلح نال حظه الكبير من الشهرة في أوساط الدارسين، فظهر مركز للأبحاث الخاصة بدراسة الجماعات سمي بمركز الأبحاث لدينامية الجماعة، و ظهرت دراسات و تحليلات ذات الطابع الاجتماعي تبين إمكانية إخضاع الأفراد و الجماعات للقياس النفسي.(34: 55)
و يعتبر( فرانسيس غالتون ) المتخصص في علم الأناسة و الأنتروبولوجيا أول المتصدرين لاستخدام وسائل القياس النفسي في دراسة الأفراد و الجماعات بدراسته للقابليات والفوارق في الطبائع والميول لدى الناس وبينهم (34: 55 ) و شرع بعد ذلك المختصون في علم النفس الاجتماعي في جميع ميادينه في تطوير مناهج البحث في دراسة العلاقة بين الفرد و الجماعة .
إلا إن دراسات تبين أن مصطلح دينامية الجماعة هو نتيجة تطور الدراسات والتقاء علم النفس بعلم الاجتماع واستخدام مايسمى بعلم النفس الاجتماعي بعد أن تبين للباحثين أن الجماعة تتميز بظواهر نفسية ليست بالضرورة مجموعة نفسيات الأفراد المكونين لها.(19 : 119 ).
و تعود هذه الخطوة إلى دوركايم الذي حاول وضع قوانين للمسافات الاجتماعية و القوى المحركة لها، كما يعد فرويد في مجال علم النفس التحليلي أول من اهتم بسيكولوجية الجماعات ورصد بعدها الاجتماعي كالرقابة الاجتماعية التي تفرض على الأطفال في الأسر وغيرها من التراكيب الاجتماعية ، وعلاقة ذلك بالشعور واللاشعور.و أظهر في عام 1897 (تريبليت Triplet )اهتمامه بالجماعة وديناميتها فدرس سلوك الأطفال في حالة انفر داهم وفي حالة أعمالهم وهم في إطار جماعة ما . وفي ما بين عامي (1935ـ 1939 )درس العالم الاجتماعي (نيوكمب Neocomb )العلاقات بين طالبات حاول في دراسته أن يضبط صيرورة العلاقات بينهن كجماعة مستعينا في ذلك بالمقياس و الاختيارات التجريبية، أما في الحقل التربوي فنجد (بونو Bonner) من الدراسات المبكرة في مجال شروط التعلم الجماعي و أهمية ذلك بالنسبة للفرد والجماعة على السواء.
وأخذ المصطلح دينامية الجماعة شكله الدقيق في العلوم الفيزيائية بفضل دراسات ( كيرث لوين) في صياغة النظريات حول الجماعات، وهي النظريات التي وضعت الظواهر الاجتماعية في حقلها ومحيطها، كما مكنت من معرفة دراسة أنواع العلاقات و التفاعلات التي تربط الظواهر بمحيطها، و مكنت من معرفة الضغوط التي تواجه العلاقات، و أساليب المحافظة على توازن التيارات والقوى داخل المحيط الحيوي( 19 : 119 )فالمفاهيم التي حددها لوين أصبحت قادرة على تزويد الباحثين بأدوات للتحليل، ووضع فرضيات وصمم التجارب لدراسة الجماعة في تماسكها وتوازنها واضطراباتها و نموها و تغييرها و تحولها….الخ.
و حدد ميكلي العوامل التي أدت إلى ظهور مثل هذه الدراسات (دينامية الجماعة) في:
1/ ظهور عدة جمعيات في الولايات المتحدة الأمريكية عززت الاهتمام بدراسة الجماعات.
2/ البحث عن افضل المردودية في المعامل أدى إلى اهتمام المسؤولين بعلم النفس الاجتماعي والاستعانة بعلمائه.
3/ظهور الحركات الاجتماعية الاشتراكية في أوروبا دفع الباحثين لدراستها كجماعات ايديولوجية لفهمها وضبط تحركاتها وديناميتها.
4/البحث عن العوامل والعناصر المؤثرة في معنويات الجماعة، و تحديد الجماعات المصغرة، وفعاليتها في المؤسسة العسكرية في الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية .
5/تطور العلاقة بين علم النفس و علم الاجتماع في مجال دراسة الفرد والجماعة .
6/المساهمة الكبرى التي قدمها الباحث( جاكوب ليفي مورينو) والتي تتمثل في تصميم القياسات الاجتماعية /السوسيوتربية / والهادفة إلى الكشف عن المستتر في البنية التلقائية للجماعة الصغيرة
وبتطور البحث التجريبي في دينامية الجماعة بشكل جدي في ظل ما بذله ثلة من علماء أمريكا من جهود علمية منهجية تطور بشكل سريع منهج البحث وإنتاج المفاهيم، أهمها :
منهج الدراسة السوسيومترية ويقوم على أساس مفهوم الذرة الاجتماعية وتعني الفرد من حيث هو شبكة من التفاعلات والعلاقات مع نفسه ومع الآخرين وتسمى القياسات السوسيومترية، وتهدف إلى دراسة مدى تماسك الجماعة على أساس تحليل العلاقات النفسية الوجدانية والاجتماعية التي تسود أفراد جماعة ما، ويستخدم الباحث في هذا القياس السوسيومتري الرسوم البيانية تسمى بالسوسيوغرام أي خريطة الجماعة، توضح إلى حد بعيد الاختيارات الإيجابية والسلبية للأفراد تجاه بعضهم البعض .وتعتبر تقنية السوسيومتري ذات أهمية في تحليل الجماعات و مكملة للتحليل القائم على منهجية التحليل الإحصائي ،إذ أن المنهج الإحصائي يمكن من تحويل نتائج الدراسة السوسيومترية (الخطاطة )إلى مقادير كمية، ويمكن من التعامل مع العواطف والوجدانيات بمقادير قابلة لتحويل الكمي، وهذا ما أعطى للأبحاث السوسيومترية ميزة خاصة، وحظيت بقيمة كبيرة في مجال دراسة الجماعة، ولاسيما في الوقت الحاضر، ذلك أن حركة التاريخ وما يحدث من تبدل وتغير في جميع المجالات وعلى مختلف المستويات تحتاج إلى حد كبير للدراسة على مستوى مختلف الجماعات للتمكن من رصد العلاقات الاجتماعية و المؤثرات المختلفة في صيرورة الجماعات الكبرى والصغرى وما ينشأ عن ذلك من تغير في منظومة القيم والمعايير والأهداف الخ(34: 57) . ويقول (ميزوتوف) بهذا الصدد : إن تطور وسائل الاتصال والإعلام وتزعزع العادات والتقاليد للسلطة سواء كانت عائلية أو مهنية ،تحث على التفتيش عن توازن جديد وقواعد جديدة للتكامل السيكولوجي والاجتماعي و بالتالي إعادة النظر في إدارة الجماعات والعلاقات في الجماعية (34 :58). وبهذا التطور لم يعد مصطلح دينامية الجماعة يقتصر على حركية اجتماعية كما كان يعني عند كانط في صياغته لقانون الأحوال الثلاثة لتطور الذكاء أو هو دينامية الجماعة المتعددة الأنظمة التي تضفي إلى دينامية كبرى شاملة للنظام الاجتماعي ، بل أصبحت تعني اصبحت كما عرفها [برونر] بأنه علم يتعلق بفرع من فروع علم النفس الاجتماعي الذي يبحث في تكون و تغير بناء الجماعة ووظائفها بحيث تصبح ذاتية التوجيه، بفعل جهود أعضائها في حل مشكلاتهم و إشباع حاجاتهم، فالجماعة الدينامية هي في عملية مستمرة من إعادة البناء و التوافق بقصد التخفيف من التوتر بين أعضائها وبقصد حل المشكلات المشتركة.(35 :112).
2 ـ 1 اتجاهات دراسة دينامية الجماعة :
تأسس إتجاهين بارزين في دراسة دينامية الجماعة ينطبقان أكثر على الجماعات الصغيرة ذات التأثير المتبادل المباشر كجماعة القسم وهما :
أ : حدد كولي بناء على تمييزه بين الجماعات الأولية والجماعات الثانوية الذات الاجتماعية كأساس للتحليل الاجتماعي لأي جماعة، فهي التي ترتبط في نظره بالمجتمع والجماعة بموجب تشكيل أو تشكل العلاقات بين الأعضاء، والروابط العاطفية والمهنية الوظيفية، ويصور كولي الذات الاجتماعية على أنها أبعاد ثلاثة يجب تفحصها عند كل بحث حول سيكولوجية الجماعة وهي :
بحث صورة الأنا كما تبدوا عند الآخر، تحليل أحكام الآخر على الأنا، تحليل ما يترتب عن الأحكام والصور من مشاعر .
ب رسم ليفين وجهة نظر في تحليل ودراسة دينامية الجماعة من منطلقات علم النفس الفردي، ذلك أن الفعل السيكولوجي في نظره هو كل مبنين، والشخصية هي نظام من السلوكات المحصورة بين الفرد ومحيطه .فالسلوك مهما كان يدخل في مجدمل من الوضعيات الواقعية والمحتملة بين الشخص ومحيطه، كما يدخل في التجاذب والتوازناتبين مختلف القوى والحوافز والمواقف .وبالتالي فالدينامية لا تنفصل عن مفردات وابجديات التفاعل من حيث هو تبادل التأثير بعلاقات التواصل يؤدي إلى تشكل كل موحد.ومنثمة ضرورة فك مفردات التفاعل لفهم دينامية الجماعة .
دينامية الجماعة التربوية(جماعة القسم).( 2: 35 ـ 38 )
3 ـ مفهوم جماعة القسم :
تعد جماعة القسم أول الجماعات التي ينتمي إليها الطفل بعد الأسرة بصفة رسمية وعلى الرغم من طابعها الرسمي إلا أنها تعد من الجماعات الأولية التي يغلب عليها طابع الانتماء العاطفي أكثر من الطابع التنظيمي ، فهي تعرف على أنها:
جماعة تنظيمية ذات طابع نفسي و آخر اجتماعي في آن واحد، إنها مكان اجتماعي، جماعة اجتماعية باعتبارها مؤسسة ينظمها المجتمع و يقرض عليها قانونا معينا ضمن قوانينه العامة ، وهي جماعة تنظيمية من زاوية توزيع الأدوار بداخلها على الأعضاء و بحسب الأهداف المتوخاة.
كما تعرف جماعة القسم على أنها مجموعة من التلاميذ و مدرس تؤطرهم علاقات عمل نظامية أو مؤسسية و تجمعهم أهداف مشتركة للتعليم و التعلم و تحدد العلاقات بينهـم معاييـر وأدوار محددة و تتحدد جماعة القسم بخصائص :
ـ يتم اختيار أعضاء الجماعة بمعايير مؤسسية وليست اجتماعية ( السن ، المستوى ،
ـ معاير التفاعل تتحدد مؤسسيا
ـ عمل الجماعة يسعى إلى إنتاج معين .
ـ تمتاز جماعة القسم بالعلاقات العاطفية التي تخضع لأمزجة الأفراد المتباينة.
و لهذا الطابع المزدوج في بنيتها ( العاطفي- الرسمي التنظيمي) هو ما جعلها تتميز ببنية سيكولوجية تتضمن عدة خصائص يميزها عن غيرها من الجماعات وهذه الخصائص هي:
1- هدف التحصيل، فالتحصيل لا يتوقف على المجهود الفردي وحده، بل تتضافر في تكوينه جهود و جماعة القسم كلها.
2- عادة لا يحق لجماعة القسم التدخل في شؤون الزعيم (المعلم) وهم أفراد خاضعون بارادتهم للمعلم.
3- إن جماعة القسم علاقات داخلية بين أعضائها و تنقسم إلى جماعات صغرى عملية ،كما أن لها علاقات خارجية مع محيطها التربوي و الاجتماعي.
وعادة ما تنتظم جماعة التلاميذ في الأقسام وفق ثلاث معطيات أساسية (وضعية تعليمية - مرامي وأهداف
ـ تفاعلات بين أفرادها
وتنتظم مجموعات التلاميذ وفق نمطين من التجميع .
1ـ التنظيم العمودي: وهو أسلوب لتجميع التلاميذ و انتقائهم خلال التتابع الزمني لرحلة تمدرسهم و يخضع هذا التنظيم لنظامين
أ - نظام الأقسام المتجانسة حسب السن والمواد و يقوم على فرضية ( ان التلاميذ الذين ينتمون الى السن الواحدة يكون لهم نفس القدرات أي وضعية انطلاق واحدة .
ب - نظام الأقسام ذو التدرج المرن أي النظام الذي يقسم التلاميذ أي يتدرج في البرنامج حسب ايقاعه الذاتي ( تقويم التعليم )
ـ التنظيم الأقصى هو أسلوب يجمع التلاميذ حسب معايير طاقة التدريس المكلفة بتعليمهم .
3 ـ 1 دينامية جماعة القسم:
منذ خمسينات القرن العشرين اهتمت الدراسات التربوية في سياق علم النفس الاجتماعي بجماعة القسم كجماعة متميزة لها أهدافها ووظائفها الخاصة بها، ومن بين هذه الدراسات نذكر دراسة’ (بيدفورد،ودراسة’ بين ،ودراسة’ ليبت )فهذه الدراسات اهتمت بدينامية جماعة القسم وأثارت مشكلة العلاقات داخل جماعة القسم؛ وأظهرت اهتمام كبير بالعلاقة التربوية بين التلميذ والمعلم، والتلاميذ فيما بينهم، وهي العلاقات التي بدأ بدراستها (تكمانTEKMANمنذ 1928 .وقد أبرزت الدراسات الأمريكية في ضوء تلك العلاقات أهمية دراسة الجماعة لا سيما في جانبها القيادي، وأكدت على النموذج الديمقراطي كنموذج فعال في التنظيم التربوي البيداغوجي .
وكان الغرض من ذلك الاهتمام لم يخرج عن إبراز:
أ- أهمية تشكيل مواطنين ديموقراطيين
ب- تمكين الفرد من التفاعل مع أعضاء الجماعة.
ج- إن المجتمع الديموقراطي لا يمكن أن يقوم في غياب العمل الجماعي في التربية.
د- إن الجماعة مثلها مثل الفرد طاقة ينبغي استغلالها لتطوير المجتمع.
3 ـ 2 بنية جماعة القسم: تعتبر جماعة القسم بنية تتكون من مستويات معقدة ومختلفة من العناصر:-
– الموجه ( المعلم) و عمله أو دوره يرتكز حول ضبط النظام الداخلي للجماعة وبعث جهود أعضائها نحو تحقيق أهدافها البيداغوجية.
– التلاميذ و يمثلون مستويات متباينة و تتضمن:
أ – تلاميذ مجدين ومجتهدين
ب– متوسطوا المستوى الدراسي.
ج- ناقصوا الفهم و الضعفاء في الفهم والكلام.
د- المشاغبون وهي الفئة المتمردة عن قواعد الضبط داخل الجماعة والعمل البيداغوجي والمشاغبون فئة يمكن أن يكون من فئة المجتهدين أو من الضعفاء أو من ناقصي الفهم.
ويعود تحريك الجماعة إلى طابع العلاقات الوجدانية والاجتماعية والبيداغوجية التي يتبعها النظام الضابط، والى درجة التماسك الداخلي للجماعة، وما يتضمن ذلك من قوة الروابط التي تجمع بين أعضاء الجماعة، وللتماسك دور كبير في توليد دينامية خاصة للجماعة ويظهر ذلك في :
- تنوع روح التضامن على المستوى العاطفي، وعلى المستوى العملي والفعلي.
- الدور القوي لكل عضو بالانتماء للجماعة .
- الدفاع عن الجماعة في حالة التنافس والمباريات.
وللتفاعل أيضا أهمية كبرى في دينامية الجماعة، فالتواصل بين أعضاء الجماعة من شأنه أن يحدث تفاعل خلاق إيجابي ، وهو ما يجعل الأفراد أكثر إحساسا بالانتهاء وتعلقا بالجماعة، ويجعل الجماعة أكثر ثقة بنفسها .(34 : 67) .كما أن وضوح الهدف لدى أفراد جماعة القسم من شأنه أن يلعب دور كبير في تفعيل جماعة القسم، فأفراد الجماعة كلهم يسعون إلى تحقيق التحصيل التربوي.
وخلاصة القول فكلما كانت قواعد الضبط تسمح بالمبادرة و درجة التماسك عالية، والتفاعل متبادل، و الهدف واضح كلما كان التحصيل جيدا، والعكس في ذلك صحيح ،ولتوضيح ذلك نتفحص كل من التماسك ، والزعامة والمعايير والتفاعل من حيث أثرها في دينامية جماعة القسم( 19 : 123)
3 ـ 3 عناصر أساسية لفهم دينامية الجماعة المدرسية :
ـ التماسك.ويقصد به تلك المشاعر التي تظهر على أفراد الجماعة في الانتماء لبعضهم البعض، وتمسكهم بولائهم للجماعة أو هي تلك القوى التي تربط أعضاء الجماعة بعضهم ببعض، وتقاوم كل القوى المضادة لعضويتهم، وتفكك وحدتهم(19 :123).
ولتماسك الجماعة بعدان :
ـ بعد داخلي، ويقصد به التماسك الوجداني والفكري، و يظهر على مستوى تنظيم العلاقات بين الأعضاء،
ـ ويعد خارجي، ويقصد به الطابع المؤسسي، و يظهر في التماسك فيه على مستوى المجال الذي تتفاعل فيه الجماعة.
وصنف ميزونوف عوامل التماسك إلى: عوامل خارجية – عوامل داخلية.
ـ فالعوامل الخارجية: ويقصد بها عوامل المحيط التي تتدخل بطريقة مباشرة في تنظيم الجماعة كالقوانين الإدارية والتنظيمية،وكل أشكال الرقابة، والتحديد الزماني والمكاني لتواجد الجماعة، والمقادير والقيم، والالتزام بالواجبات …الخ.
ـ أما العوامل الداخلية فهي ذات بعدين:عاطفي ووظيفي
عاطفـــي: ويتعلق بتقارب الميولات والانسجام الوجداني بين أعضاء الجماعة، ويرى فرويد إن توحد الاهتمامات بين أعضاء الجماعة يؤدي إلى توحيد الروابط بين أعضائها، فيخلق مشاعر الوحدة التي تكون مصدرا من مصادر قوتها(19: 123 )
أما البعد الوظيفـــي: ويتعلق بتوزيع الأدوار داخل الجماعة أو مدى ارتباط هذه الأدوار والاعتماد على بعضها البعض، فغموض الأدوار أو استخدامها أو تقسيمها وتوزيعها منفصلة عن بعضها البعض، يعيق بلوغ الأهداف المشتركة وتؤثر سلبيا على تماسك الجماعة.
ومما سبق يتضح أن البعد الخارجي للتماسك يتمثل خصوصا في القانون الداخلي للمؤسسة ونوع المستويات و التقديرات التي تسنها الجماعة وكذلك عدد الجماعة، والقائد و طابع القيادة، فكل هذه العوامل تؤثر بطريقة مباشرة في تماسك الجماعة من حيث مجال تحركها، ويكون دور هذه العوامل الخارجية فعالة في حالة انتماء الجماعة لمعايير المحيط، وفي جماعة القسم تكون هذه العوامل اكثر فاعلية في تماسك الجماعة في نموذج التدريس المتمركز على المدرس أو على المحتوى بحيث تجعل جماعة القسم تتشكل بصورة تسمح للأساتذة والإداريين القيام بمهامهم كما حددوها ، ومن ثمة يطغي دور المراقبة و التأديب على باقي الأدوار.
و أما البعد الداخلي فيعتمد على التهيؤ النفسي والوجداني للتلاميذ و العلاقات الوظيفة بينهم ،فكلما كان الانسجام والعمل المشترك نحو الأهداف المشتركة والاحترام وإشاعة الأمن والطما نية بين أفراد الجماعة ، والاهتمام بقيمة كل فرد في الجماعة ،كلما كان التماسك اكثر والعكس في ذلك صحيح والنموذج المتمركز حول التلميذ في التدريس تكون فيه العوامل الداخلية اكثر فاعلية في التماسك .
ـ الزعامة : تعد الزعامة أحد أهم العناصر في دينامية الجماعة لما لها من تأثير قوي على مجرى حياة الجماعة، فكل عمل جماعي يتطلب تنظيما معينا وتوزيعا للأدوار والمهام من اجل الوصول إلى أهداف محددة . وعملية توزيع الأدوار وتنظيم الأعمال و تقسيمها يتوقف إلى بعيد على دور الزعامة أو القيادة كمسؤولية عادة ما يتحملها شخص ما من أعضاء الجماعة توفرت لديه مجموعة من المواصفات التي لا تتوفر في غيره .والمسؤولية تخول للزعيم سلطة باسم الجماعة يمارسها الزعيم لمساعدة الجماعة في أعمالها وتحريك أعضائها بصفة فردية وجماعية نحو تحقيق الأهداف المشتركة، كما يعمل على تحسين التفاعل والحفاظ على تماسك أعضائها .
و في جماعة المؤسسة النظامية كالمدرسة، تكون الزعامة عادة للشخص الذي تراه السلطة مؤهلا دون غيره من ألاعضاء لتنفيذ قراراتها وتعليماتها التي تراها ضرورية للجماعة، وتكون الزعامة في هذه الحالة رئاسية تفرض من هيأة عليا وتكون عرضة للصراعات الداخلية مع زعمائها التي تظهر في حالة خروج بعض الأعضاء عن القواعد والمعايير التي تفرضها السلطة المؤسسة، أما الجماعة التلقائية فتكون الزعامة فيها نتيجة إقرار التفاعلات الداخلية أو الخارجية وهذه التفاعلات عادة مرتبطة بالأهداف المشتركة للجماعة، وذات طابع وجداني مرتبطة بالعلاقات الوجدانية، وخارجية مرتبطة بمحيط الجماعة وما يفرضه من سلوكيات وممارسات في مجال التنظيم .
وترتبط الزعامة بعدد من المتغيرات منها :
ـ القدرة والتحكم في تنظيم الجماعة، وتنظيم العلاقات بين أفرادها، والتحقيق من حيث التوزان والأزمات، والسير بالجماعة نحو تحقيق أهدافها.
ـ الزعامة المبنية على القدرة الشخصية والذاتية في التأثير على الأفراد في اتجاه الالتزام بالمبادى والقيم، والالتفاف حول شخص القائد .
والقسم الدرس بناء على تكون الزعامة فيه عادة ما تكون لمدرس هو الشخص الذي يتوفر على شروط تنفيذ ما تراه السلطة الخارجية مناسبا لجماعة القسم، وتكون العلاقة في ضوء هذه القيادة الرسمية على نمطين تبعا لنمط التدريس ونمط الزعامة السلطوية في النموذج التعليمي المتمركز حول المدرس، فالمدرس في هذا النمط التدريسي يتميز بتصور للعلاقة التربوية تتميز بالضغط والتخويف والترهيب من اجل الوصول إلى تثبيت قيم الطاعة والولاء ويتسم المعلم بقيم التعالي والتعالم، والتلاميذ عبارة عن جماعة دونية فهم في حاجة إلى معارفه.
والسلوكيات التي يجب أن تظهر على التلاميذ في مثل هذه التصورات والعلاقات السلطوية هي
- وقوف التلاميذ في صف واحد
- وقوف التلاميذ عند دخول المدرس
- الامتناع عن الأحاديث الأجنبية المشوشة
- استظهار ما يجب استظهاره
- الامتثال الدقيق لكل أوامر ونواهي المعلم
- قبول رأي المعلم و الامتثال له دون أي مناقشة
- القبول والخضوع للعقوبات المدرسية
- الامتثال لكل قوانين المؤسسة
- حفظ ما يمليه المعلم من معارف ومعلومات وخيرات كقائد
والواضح أن لهذه السلطة المتعددة الجوانب والشاملة الممنوحة للمدرس في هذا النموذج التدريس، أثر على تنظيم القسم؛ حيث تؤدي الى نوع من الانضباط والحفاظ على القوانين والتنظيم المتعارف عليه، إلا انه عادة ما يفرز سلبيات عدة تظهر في سلوكات التلاميذ كالتحايل والخروج عن القوانين والغش والسخرية من المعلم، والتمرد عن القوانين، وصرف جهد التلاميذ في التفكير من اجل فك اشكالات النظام الداخلي و الخروج عنه .
وبهذا التوصيف للجماعة من منظور تفاعلي فإنه يصعب الحديث في منظومتنا التربوية عن وجود الجماعة المدرسية أو المدرسة كجماعة، فما هو موجود في الواقع لا يتعدى حدود تجميع لعدد من الأرقام البشرية بشكل تراكمي عددي في مجال معين بصفة انتمائية مؤقة ولمدة زمنية عابرة، متجاورة جسديا، حسب القوانين المؤسسية .ولكنها غير متواصلة أو قليلة التواصل البيني تعيش وضعا انفصاليا وانعزاليا بعيدة عن الفردية أو الفردانية الناضجة .
فجماعة التلاميذ يتكدسون فيزيقيا في قسم دراسي متجاورون في التموضع في المكان مرتبون حسب أعمارهم أو بحسب الحروف الهجائية وفق معايير انضباطية تصدر من الرئاسة في شكل أوامر ونواهي وتعليمات تستلزم الطاعة والامتثال والحفظ .
وأما جماعة الأساتذة فهم الآخرون أرقام عددية مؤهلون للعب دور الوسائط ومختارون في ضوء المعايير المؤسسية والمؤهلات الأكاديمية، يسجلون حضورهم مجهزون بالمعرفة المقررة رسميا في أوقات منظمة وانتظامية في زمان ومكان على مدى أسبوع لا خيار لهم فيها إلا شكليا، يلتقون بتلاميذهم ككومة من الوجود البشري في حيز مكاني محاط بأربعة جدران عارية ومكتب للرئاسة يعلوا الجميع وصبورة يحتكرها المعلم في أغلب الأوقات لاعطاء وتبليغ المعرفة وشرحها وتوضيحها بطريقة الأوامر والنواهي والتعليمات وطاولات لتموضع التلاميذ مصطفة في صفوف متتالية تفرض طابع معين من التفاعل والتواصل، يتفاعلون في ضوء العلاقات الخطية ( مرسل متلقي ) والعلاقات الضدية ( من يعرف ومن لا يعرف ) يحتكرون لأنفسهم المعرفة مبلغون لها للتلاميذ بوصفهم وسائط بشكل جزئي متقطع وفق مراحل وخطوات منطقية ملزمة مفروضة فوقيا يتمثلها الأطفال في أحسن الحالات فاقدة لصفتها الكلية .
ـ المعاييــر : وتعرفها [ إتيين ميناريك ETIENNE MINARIK] بأنها مجموعة من القواعد ذات الطابع قصري تسمي للفرد وللجماعات بتنظيم وضبط تصرفاتهم وطرائق تفكيرهم وتشكل المعايير نظام حقيقيا من الإشارات والرموز أي عبارة عن وسيلة للتواصل وقاعدة للعلاقات بين الأشخاص كما يتضمن نوع من التماثل للعلاقات الفردية والجماعية وتسمى بالتلاؤم مع الوضعيات المختلفة .
ويتضح من هذا المعنى أن المعايير من أهم مفاتيح دينامية الجماعة؛ إذ أن التفاعل الدينامي لا يتم إالا في ظل تقارب أعضاء الجماعة من حيث ميولهم واتجاهاتهم ومعتقداتهم ومواقفهم، وتشكل المعايير الإطار المرجعي الذي تعتمد عليه مواقف الجماعة وسلوكات الأعضاء على حد سواء ولا يمكن تصور جماعة بدون ضوابط للعلاقات بين أعضائها وتحديدا بينها وبين محيطها الخارجي . وتؤدي المعايير وظفتين :
ـ وظيفــة الثبــات : وهي وظيفة ضرورية للاستقرار واستمرار الجماعة لان غايب المعايير من شأنه أن يؤدي إلى فوضى .
ـ القابلية للتنبؤ : إذ ان المعايير تسمح بتنبؤ تصرفات الأشخاص والمستقبلية في مواقف معينة فكرية أو سلوكية وتعطى لكل الاعضاء قدرة على هذا التنبؤ والتوقع وتتمير المعايير بطابعها الالزامي ، فهي ملزمة لكل أعضاء الجماعة من حيث التمسك بها والحفاظ عليها
ومقاومة الخروج عنها أو صرفها .
وبالنسبة للجماعة المدرسية تؤدي المعايير وظيفتها الالزامية في حضور التلاميذ وطريقة العمل والانتظام في الحركة وضبط الوقت وطريقة الجلوس داخل القسم والامتناع التام عن بعض السلوكات والانتباه إلى الدرس واحترام الآخرين ….الخ [ 19: 130 ]
غير أن هذه المعايير الملزمة تزداد وتخف حدتها كسلطة رمزية في تنظيم العلاقات بين الجماعة المدرسية بحسب النماذج التعليمية فبالنسبة للنموذج المتمركز حول المدرس تحضر فيه بكل قوة تلك المعايير كسلطة ويعد الخروج عنها هروبا من القانون وعن المألوف يستوجب العقاب .
وبالنسبة للنموذج المتمركز حول التلميذ فحضورها يتوقف عند حدود مبادئ عامة لا تكون ملزمة إلا إذا عرضها المعلم أو نبه إليها وبالتالي فهي ليست قواعد الزامية تخويفية بقدر ماهي تنظيمات تحضيرية استوجب حضورها فقط من اجل بلوغ أهداف معينة .
و المعايير في الجماعة المدرسية ذات مصدرين :
مصدر داخلي :أي معايير تنتجها الجماعة بتفاعلها،
ومصدر خارجي أي معايير تعرضها السلطة الخارجية المؤسسية
تتميز العلاقات بين التلاميذ في النموذج المتمركز حول التلميذ في ضوء التوفيق بين المعايير الداخلية و الخارجية بــ:
01/ المرونة في التعامل مع المواضيع الدراسية .
02/ تشجيع المبادرات المعرفية الفردية و إدماجها في ضوء مبدأ التعاون
03/ تشجيع التعاون بين الجماعات الصغرى
04/ المرونة في التنقل داخل القسم و اختيار تموضع التلاميذ بحرية
05/ اعتبار ضحك التلاميذ في إطار التعبير عن السعادة .
06/ تنظيم الحوار الدائري بين التلاميذ
07/ السماح بالتعبير الحر عن مشاكل الجماعة [ 19 : 131] .
4 ـ مفهـوم القسـم كجمـاعـة بيـداغـوجيـة متفـاعلـة :
عرف معجم علوم التربية جماعة القسم بأنها ً مجموعة من التلاميذ ومدرس تؤطرهم علاقات عمل نظامية أو مؤسسية ، وتجمعهم أهداف مشتركة للتعليم والتعلم ، وتحدد العلاقات بينهم معايير وأدوار محددة ... وهي ذات خصائص مؤسسية وليست اختيارية من حيث معايير اختيار أعضائها ( السن ، المستوى ، المحيط ) ومن حيث معايير التعامل ( التبعية ، الاستقلالية ) تحكم سيرورتها نمط من التفاعلات تحددها سلطة هي عادة سلطة المدرس (32 : 158 ).
يبرز هذا التعريف أهم مبررات تناولنا لمتغيرات البحث ( التفاعل ـ التحصيل ـ الاتجاه نحو الدراسة ) في ضوء مفهوم القسم كجماعة أبرزها .
ـ أن المعايير المؤسسية التي تنتظم فيها جماعة القسم تفرض تناولا للعلاقات بين متغيرات الدراسة كما لو كانت علاقات دائرية تتحكم فيها عدة متغيرات أخرى مما يستوجب أخذها بعين الاعتبار ولا يمكن تجاهلها .
ـ أن الأهداف المشتركة بين أعضائها تؤكد البعد الاجتماعي في الإنسان كأحد أهم جوانب الشخصية وأبرزها على الإطلاق كما تفيد ذلك دراسات دوركايم ومالك بن نبي وجون ديوي وجان بياجيه .
ـ اتسام جماعة القسم بكل مواصفات المنظمة الاجتماعية واشتراكها في الخصائص التي يحددها ً ماراقان ً كالأهداف والحجم ، والارتباط بالمؤسسة الرسمية ، والتماسـك ، والفعاليـة ، والتواصـل ...الخ.
ويحدد ً أبو النيل ً مجموعة من الأسس والقواعد في دينامية الجماعة المدرسية كالتالي :
ـ أن التحصيل الدراسي يرتبط بكفاءة ونوع العلاقات بين الأفراد .
ـ جماعة القسم تحقق وتشبع حاجات التلاميذ .
ـ تعالج الطريقة الديمقراطية المتبعة في إدارة الصف المدرسي كثيرا من التوتر والقلق والصراع
ـ تستفيد جماعة الصف غير المكتض في العدد أكثر من المكتض من الجهود المبذولة داخله .
وحصر ً أبو النيل ً المواقف الدينامية بين أعضاء الجماعة المدرسية في العلاقات التالية :
· العلاقات بين التلاميذ : فلكي يتحقق الوصول إلى إشباع حاجات التلاميذ ، وتقبلهم وشعورهم بالانتماء فعلى المدرسة إفساح المجال أمام التلاميذ للمناقشات وإبداء الآراء والإكثار من الأنشطة وتوزيع التلاميذ على أساس التجانس .
· العلاقة بين التلاميذ والمعلم : للوصول إلى علاقات إيجابية يسودها التعاطف والاحترام المتبادل يتوقف ذلك على دور المعلم من حيث هو قائد ، فالقيادة التي تعتمد على إعانة التلاميذ للوصول إلى أهدافهم وإشباع رغباتهم وإشراكهم في العمل من أجل ذلك ، باستعمال وسائل التعزيز المختلفة . كل ذلك من شأنه أن ينمي علاقات التعاطف والاحترام المتبادل . (1: 511 ) . أما خصائص الجماعة المدرسية فيحددها في الشعور المشترك بالانتماء، والقيم والميول والاهتمامات، والأهداف المشتركة . (1: 518 ) . أما وظيفة جماعة القسم فيحددها في تنمية مهارة التعاون في حل المشكلات ، تحقيق ذاتية التلميذ ، إكساب التلاميذ مفاهيم الحياة الاجتماعية ، تدريب التلميذ على احترام المعاير الاجتماعية.(1: 520) .
انطلاقا من هذه الاعتبارات أدرجنا القسم الدراسي كجماعة بحيث يمكننا ذلك من إدراك أدق للعلاقات البيروقراطية والأساليب الحوارية والسلطوية والديمقراطية في تفسير جماعة القسم ، والأدوار الوظيفية لكل من المدرس والتلاميذ ، ومدى التعاون والتنافر بين الأفراد . وتبرز هنا حاجة دراسة القسم في مستواه الاجتماعي والوجداني إلى أدوات علم النفس الاجتماعي ،كالقياس السوسيومتري ، وأدوات قياس فعل التواصل اللفظي وغيره كشبكات ملاحظة التواصل اللفظي وغير اللفظي . وكذا أدوات قياس التحصيل بنوعيه الوجداني ً كمقاييس الاتجاهات ً أو المعرفي ً كالاختبارات التحصيل والذكاء ً.
تاسعا : مقاربة دينامية لحدث انتقال الطفل من البيت إلى المدرسة :
يشكل انتقال الطفل من البيت إلى المدرسة حدثا هاما غير عابر ، فهو يشبه في دلالاته التربوية والنفسية من حيث الأهمية طوارئ التي يواجهها الطفل أثناء بروز عوارض مرحلة المراهقة أو عوارض أية مرحلة من مراحل النمو . فالانتقال إلى المدرسة يعني الانتقال من مجال حيوي ضيق لا يتعدى العضوية بمفهومها البيولوجي الترتيبي الأسري إلى مجال حيوي أكثر سعة يفسح المجال للدخول في العضوية المجتمعية المدنية خارج الإطار الحديدي الأسري ، حيث تبدأ الحياة الأسرية للطفل في التعديل من الناحية المرجعية وقوانين التعامل والعلاقات والمشاركة ، فلم تعد قوانين الأسرة المنظمة للعلاقات الاجتماعية المقتصرة على علاقات الأخوة والأبوة والقرابة البيولوجية وحدها هي التي تنظم سلوك الطفل التلميذ في مجال علاقات التواصل والتفاعل ،ولا المرجعية الوالدية هي التي تحدد نمط سلوك الطفل ومعايير التقويم ، فالطفل التلميذ أصبح بدخوله المدرسة متعدد الأطر من الناحية المرجعية في علاقاته وتفاعلاته ، فهو يستقي من المعلم من الأتراب وانساق اجتماعية شتى ، ومن القوانين المدنية والبيروقراطية الرسمية ، كما يعود إلى هذه الأطر والأنساق في تصرفاته وتقييم سلوكاته .وخلال هذا التشكل الجديد في حياة الطفل في بعدها الاجتماعي العلائقي خاصة يحدث ما يسميه " حجازي " بـ " الفطام النفسي " عن صلة وتواصلات مجتمع الأسرة أو القرابة البيولوجية المتميزة عادة بنمط التواصل العمودي ( الرعاية ـ التبعية ـ الطاعة ـ التنفيذ ـ الانفعال …) ، ويندمج في نمط العلاقات والتواصلات الأفقية والندية أحيانا مع الأتراب خاصة ، وبداية تجسيد ما يمكن أن نسميه بمشروع " الاستقلال الذاتي "، ويبقى هذا المشروع رهين العلاقات الأولية الأسرية- التي عادة ما تكون مغلقة ( 36 : 224 )
ومشروع الاستقلال الذاتي أو الفطام النفسي يواجه تحديا كبيرا يتمثل في قابلية الوالدين والاخوة ومجتمع القرابة لتقبل استقلال الطفل عنهم والانفتاح على عوالم متعددة تتسع باتساع أفق الطفل وإمكاناته الذاتية خاصة في رسم حدود المجال الحيوي في العلاقات.، بل يواجه مدى تقبل الأسرة لتقاسم سلطتها على الطفل مع مؤسسات أخرى وتوزيع طفلهم على أكثر من سلطة مرجعية ، فالدخول إلى المدنية وبناء الانتماء الاجتماعي خارج إطار الأسرة يتوقف إلى حد كبير على هامش الحرية التي تمنح للطفل في ذلك ،وقبول الوالدين الوالدين بسلطة المؤسسات الاجتماعية على طفلهما ، ولا سيما سلطة المدرسة . ومن الطبيعي أن يتوقف نجاح الطفل وتعثره المدرسي وحتى نموه النفسي بعدئذ على مدى إعداد الأسرة للطفل وقابليتها للتعايش والتكيف مع نمط حياة المدرسة ومتطلباتها ومشروع الاستقلال الذاتي للطفل .( 36: 242 ) .
ومشروع الاستقلال الذاتي وبناء العضوية الاجتماعية الذي شرع الطفل في إنجازه على المستوى العلائقي منذ التحاقه بعالم المدرسة يتعاضد بمشروع آخر يمكن أن يطلق عليه المشروع المعرفي يبنيه الطفل بإمكاناته الذاتية والأسرية وما تفرضه المدرسة من محتويات وأهداف من حيث هي مؤسسة اجتماعية توفر مساعدات تعلمية تعليمية وإمكانات بيداغوجية وفق مبدأ تكافؤ للفرص ، بغرض إنما الكائن الباحث عن المعرفة في ضوء الهدي الرمزي المجتمعي وبقصد تمثل قوانينه المعيارية وإعداد إنتاج ذاته واستثمار خبراته باستمرار. ومن ثمة فالطفل في بناء ذاتيته الباحثة أو العارفة وفق الأطر الرسمية يخضع بحدة لقوانين الانضباط ومعايير التقييم والتقويم المقننة ، فالمدرسة هي التي تحدد كفاءته ومدى تقدمه في تحصيل المعرفة والنجاح في التأهيل للحياة الاجتماعية والعلمية أو الفشل والإخفاق في مسيرته التعليمية ، وهي التي تخول لنفسها تعديل سلوك الطفل باستمرار وفق نظامها الداخلي وما يتوافق وأهدافها . والطفل في كل هذا الضبط والانضباط يمارس مشروعيه (الإنتمائي والمعرفي التأهيلي ) بدافع نزعة الكبر النامية لديه ، من حيث أن الكبر في مخياله المعرفي الأسري يرتبط بامتلاك المعرفة ، وأن امتلاك المعرفة واكتسابها هو الوصلة الرئيسية بالاعتراف بالكبر ، والكبر في المعرفة هو سبيل الخروج من التبعية نحو الاستقلالية والتمكن من اكتساب آلية الضبط الذاتي للسلوك وتحقيق الذات ، أي اكتساب فن قيادة الذات ، أو ما يسمى بمركز الضبط الداخلي .غير أن تجربة الطفل في إنجاز مشروعيه سرعان ما تصطدم بعقدة الأبوية وتأجيل الكبر ـ المعرفي خاصة ـ للطفل فكلا من المدرسة في نمطها التقليدي وسلطة أهدافها القبعة في التحصيل ، والأسرة وسلطة أوامرها ، تحاولان تحقيق ذاتيتهما وإعادة إنتاج تكرارهما في الطفل ، فيحولان بذلك استقلاله وكبره المعرفي إلى أداة متكيفة ومنصهرة في أنساق اجتماعية محددة سلفا ، وذلك هو ما يسميه"بورديو " بالعنف الرمزي الذي تمارسه الأنساق المجتمعية الموروثة ولا سيما المدرسة على الطفل والأجيال فتحد من استقلالهم المعرفي ومن قدراتهم على الإبداع وتحقيق ذواتهم ، فيصبحون في مرجعيتهم السلوكية أكثر خضوعا للضبط الخارجي العنيف، وأقل تأثرا بآليات الضبط الداخلي الذاتي مما يعطل الطاقة النفسية . ومن هنا تأتي أهمية إخراج المدرسة والبيت من منظور التعليم الشكلي أو البنكي كما يسميه " باولو " وإدراج وظيفتها ضمن منظور الصحة النفسية والتربية العلاجية والتدريس النفسي وهي التربية أو المنظور الذي يرمي إلى إنجاز مشروع الطفل المستقبلي الفاعل المبدع المتحرر من الاستجابات الشرطية المنفعلة .
ـ دينامية العلاقات الصفية : من المسلم به تقريبا في البحوث النفسية أن في السنين الأولى من حياة الإنسان تتشكل معالم الشخصية ويتحدد فيها نمطها وسماتها العامة ، ومن ثمة فمرحلة ما قبل المدرسة تعد فيعرف النفسانيين ولا سيما منهم ذوي اتجاه " التحليل النفسي " من أعقد المراحل وأبلغها تأثيرا في حياة الإنسان المستقبلية ، بما تتميز به الشخصية من المرونة والقابلية للتشكل في هذه المرحلة ، وبناء عليه فالتربويون حسب نظرية ـ التحليل النفسي ـ يستقبلون الطفل في سن السادسة بتاريخ غني بالأحداث طبعت شخصية الطفل بطابع معين سيؤثر بعمق في توجيه سلوكات الطفل وتنظيم علاقاته وتفاعلاته بالآخرين بل وحتى في مسار حياته المستقبلية . وقد يكون هذا التأثر في اتجاه توافقي مع البيئة المدرسية ، فيكون المحتوى النفسي للطفل في محل تناغم مع متطلبات النجاح المدرسي والتوافق النفسي بحيث تكون المدرسة بيئة مكملة للحياة الأسرية الطبيعية ، فتوفر المناخ العاطفي الوجداني والرعاية اللازمة لتحقيق التوازن النفسي ، وهو ما يقود إلى النجاح وتمكين الطفل من تحقيق ذاته ، وقد يكون عكس ذلك ، حيث يعمل الميراث النفسي والتكوين الثقافي العام المكتسب من المحيط الأسري في اتجاه مضاد للبيئة المدرسية ، فيعجز الطفل عن تحقيق التكيف مع المحيط ، أو يقع في محل تعارض وتناقض مع المحيط المدرسي مما ينشأ عنه حالات التعثر والإخفاق الدراسي ، وسوء التوافق النفسي ، بل قد يصل الأمر إلى حد التناقض بين المحتوى النفسي الموروث والمكتسب للطفل ، وبين متطلبات النجاح المدرسي ، مما يستلزم برمجة " إعادة التأهيل" وتظهر هذه الحالات خاصة في البيئات الأسرية ذات المستوى المادي والثقافي المتدني ، والتي لا يجد معها الطفل إلا توظيف إمكاناته الذاتية في تكوين ما يسميه"حجازي"بـ"الذكاء التحايلي".(36: 226 )
ويتخذ الطفل التلميذ ـ بفعل المكون المعرفي النفسي في المجال العلائقي ( علاقة الطفل بالأخوة ،بالولدين ، بالقارب ) ـ أسلوب الاسقاطات النفسية في المدرسة فيسقط علاقته بأبيه على علاقته بمعلمه الذي أصبح رديفا للسلطة الأبوية ، ويرسم علاقته بزملائه وفقا لنمط علاقته بأخوته ، ونمط علاقته بأقاربه وجيرانه على علاقاته بالمعلمين الآخرين وأطراف أخرى كأعضاء في المجال الحيوي لجماعة المدرسة ؛ أي أنه يسقط منظومة العلاقات الأسرية التي تكونت لديه في المجتمع العضوي الأسري البيولوجي بما يحتويه من علاقات وأدوار وأنماط حياة على العلاقات المدرسية وأطرافها .ويحدث في محاولاته الاسقاطية هذه أن يتصادم بمنظومة العلاقات المدرسية الداخلية ، ومنظومات أسرية أخرى متعددة قد تكون في محل تناقض وتعارض ، مما يستدعي تخطيط عملية التصحيح لمسارات التربية الأسرية في نمط العلاقات وعبر العلاقة بين البيت والمدرسة
ـ بعض صور الاسقاطات
في أنماط العلاقات : يحمل الطفل في
كيانه النفسي صور متعددة من أنماط العلاقات اكتسبها من أساليب التنشئة الاجتماعية والمعاملة
الوالدية ، وانبنت عليه دينامية حياته النفسية ، فالطفل المتأثر بنمط معاملة الدفء
والعطف والحنان والتدليل والتمييز والتقبل الوالدي سيحاول إسقاط هذه العلاقات
والمعاملات ويترقب مثيلها في استجابات المعلم نحوه، أو يميل إلى الطاعة والرضوخ
لأوامر المعلم في حالة تأثره بنمط التسلط الوالدي والتعنيف التربوي وعدم الرضا ،
كما يسقط الطفل التلميذ أنماط العلاقة الأخوية بما تحمله من غيرة وتنافس أو تعاون
على علاقاته بأترابه في المدرسة كالعلاقة التبعية أو العدوانية .أو التعاونية أو
الغيرية ، وينشئ تحالفات مع البعض ضد البعض كما يفعل مع إخوانه .فيمكن أن يتقمص الطفل
دور الضعيف الذي يحتاج إلى رعاية المعلم ،وقد يتقمص دور المتمرد الذي يدفع المعلم
إلى أسلوب التعنيف التربوي ،والمعلم في ضوء هذه الأنماط السلوكية التي تنتقل إليه
من مختلف الأسر ذات الخصوصيات الثقافية المتعددة ، يستجيب لها هو الآخر بثقافته
الخاصة ومؤهلاته المعرفية والمهنية ذات البعد الأسري الخاص والشخصانية الخاصة
.وبهذه الأدوار التي يؤديها التلاميذ بخلفياتهم الأسرية ، والاستجابات والأفعال
التي تصدر عن المعلم بخلفيته الثقافية والأسرية ،تتشكل وفق ذلك كله تفاعلات موقفية
تطبع دينامية جماعة القسم بصيغة نفسية ذاتية متنوعة لا واعية في معظم الحالات ،
وتلك هي الأجواء والمناخ الذي يفسر فيه تذبذب العلاقات الوجدانية بين التعاطف
والتجاذب والتفاهم والتي يقابلها نفور وتوتر وتباعد . فالمعلم ينفتح على تلميذ أو
بعض التلاميذ وينصرف أو ينغلق عن البعض الآخر دون وعي ، وقد يؤدي دورا أبويا عطوفا
مع البعض ، ويتعامل مع البعض الآخر بحساسية عدوانية مفرطة وغير مبررة …الخ .
والنمط اللاواعي في سيرورة هذه العلاقات يفسح المجال للمواقف الانطباعية غير
الحيادية أو غير الموضوعية في الاتجاهين ( معلم تلميذ ) ، ومن الطبيعي أن
يكون التلميذ هو أكثر المعرضين للتأثر بهذه العلاقات اللاواعية تأثيرا سلبيا ،
مهما كانت مضامينها النفسية سواء تلك المضامين المشبعة بالرعاية والحب والتقبل
والرضا وحتى الدلالة ، أو تلك المشبعة بالعدوانية والنفور وعدم الرضا ، ففي كلتا
الحالتين تعود على التلميذ بالسلب لأنها تفتقر إلى الواقعية والموضوعية في بناء
العلاقات الوجدانية الجماعية المدرسية التي ترتبط بالنجاح
ولغياب
التقويم النفسي في جل مدارسنا ، واقتصار المدرسة على تقييم التحصيل في مستواه
المعرفي تتفاقم المشكلات المدرسية وتتعقد ديناميتها لا سيما في بعدها العلائقي ،
فلا نجد مثلا تفسيرا لحالة تلميذ يتمتع بالرعاية والحنان والنجاح عند معلمة أو
معلم ( س ) ، ونجده يخفق في علاقاته الوجدانية والنجاح مع معلم أو معلمة ( ص ) .
فتسود علاقات التوتر والنفور بينهما …الخ . فالاسقاطات غير الواعية تجعل التلميذ
المنبوذ أسريا يسقط صراعاته الأسرية على المعلم والتلاميذ بدلالة الأب المضطهد
والغيرة الأمر الذي يجعل المعلم غير الواعي ينجر إلى رد فعل سلبي بالنبذ ، ولا
تسمح له ثقافته المهنية المتدنية بقلب مثل هذه العلاقة السلبية إلى علاقة إيجابية.
؛ إذ أن انفعالات التلاميذ والمراهقين اللاواعية كثيرا ما تجد أصداء في المحتوى
النفسي التاريخي الشخصي للمعلم ، فيحدث شبه تحالف غير معلن أو تواطؤ غير واعي مع
التلميذ أو التلاميذ غير المتكيفين سلوكيا ونفسيا ، فيفقد المعلم سيطرته التربوية
على تلاميذه وتتعقد المشكلة .
وبدلالة هذه الصعوبات تبرز أهمية الوعي التربوي المدرسي ، وضرورة الثقافة النفسية للمعلم ، وإدراج دينامية العلاقات الاجتماعية المدرسية ضمن منظور الصحة النفسية ، والتربية العلاجية ، وهو المنظور التربوي العلاجي الذي يتخطى حدود التعلم والنجاح أو التفوق في التحصيل الدراسي ، إلى التعلم من أجل الصحة النفسية والنجاح في الحياة . كما تبرز أهمية الهوية المهنية للمعلم من الناحية الوظيفية العلائقية فهي التي تلعب الدور الحاسم في العلاقات التفاعلية الاجتماعية ، فإدارة العلاقات بثقافة واعية وبشكل تجعل المعلم يحس بالرضاء المهني ويلمس النجاح في مهامه البيداغوجية وتحقيق ذاته من شأن ذلك أن يجعله أو يدفعه لمزيد من الاهتمام والرعاية بتلاميذه بصفة عقلانية موضوعية لا تتأثر بالعوارض والحالات السلوكية الاندفاعية الطارئة ، ويتمكن من تقويم نفسي إيجابي موضوعي لتجربته في مساعدة التلاميذ في إنجاح تجربتهم النفسية والتعليمية ،ويستفيد من التغذية الراجعة لتحسين أدائه الوظيفي ، وتحسين أداء التلاميذ التحصيلي .
والعلاقات بين الأتراب هي الأخرى تنعكس سلبا وإيجابا على استجابات التلميذ النفسية وعلى تحصيلهم الدراسي ، فكلما حقق التلميذ نجاحا في تجربته العلائقية مع الأتراب حضي بالقبول والانتماء إلى جماعة الرفاق والفوز بالمكانة السوسيومترية (الاجتماعية ) المرموقة ، وكلما ساعده ذلك على تحقيق تكيف نفسي إيجابي ، وتحقيق أفضل الأداء في التحصيل والنجاح الدراسي العام ، وكلما خفق وفشل التلميذ في تجربته الدينامية مع الأتراب انعكس عليه بعدم الرضا والفشل في تكوين العلاقات الإيجابية مع زملائه ، وأدى ذلك إلى علاقات النبذ والنفور ، وبالتالي إلى كره المدرسة والدرس والمعلم ، والفشل الدراسي في النهاية . وإسقاط التلاميذ للخبرة الأسرية لانفعالات الغيرة بين الأخوة على أترابهم في المدرسة هي التي تؤجج سلوك الانتقام وسلوك العدوان والعنف والاحتكار …الخ وهي سلوكات ترتبط بالأثر السلبي على دينامية الجماعة المدرسية .
ـ دينامية العلاقة التربوية بين الأهل والمدرسة : يشكل الطفل التلميذ حلقة وصل بين البيت والمدرسة ، ومن خلال تصرفات التلميذ وسلوكاته ومشروعه الدراسي يتم التواصل بين السلطتين بفعل تقاسمهما للسلطة على التلميذ ،وتجمع الدراسات المتعلقة بهذا الشأن على أن العلاقة بين البيت والمدرسة ذات أهمية لا يستهان بها في مصير المشروع التعليمي والنمائي للتلميذ ،فالعلاقة الإيجابية بين المتغيرين تدفع بقوة نحو تكيف التلميذ ونجاحه ، والعلاقة المتوترة المضطربة بينهما ،ينشأ عنها في أغلب الحالات عقبات وأزمات في المسار التعليمي والنمو النفسي للتلميذ ، وتظهر في شكل صراع وتناقضات وتباعد وانزواء …الخ . وإذا كانت هذه العلاقة بين البيت والمدرسة لم تتعد من الناحية الإجرائية في أحسن حالاتها بعدها التحصيلي وفي مستواه المعرفي ، فإن ذلك يعد قصورا كبيرا من وجهة نظرة كلية الشخصية التي تتطلب كلية النمو والعمل بالتدريس النفسي ؛ذلك أن اختزال العلاقة بين البيت والمدرسة في إشعار المدرسة للأولياء في البيت عندما يصادف التلميذ مشكلة تحصيلية ،أو يواجه مشكلة سلوكية مع النظام المدرسي ، هو تجزئة غير مبررة لمسار النمو وإخضاع للعلاقة التواصلية للظروف الطارئة ؛ففي المدرسة التقليدية لا يلتفت إلى التلميذ ولا يهتم به إلا إذا واجه مشكلة مع النظام المدرسي ، ولا تتواصل المدرسة مع البيت كشريك تربوي إلا إذا انزعجت من التلميذ وتريد التخلص من تصرفاته غير المتكيفة عن طريق التهديد وتنتهي لحظة الاهتمام بالطفل والعلاقة التواصلية بالبيت بمجرد تنبيه الطفل إلى تعديل سلوكه ومعالجة بعض أعراضها كتخصيص بعض الدروس الإضافية من أجل تحسين تحصيله الدراسي أو عزله عن رفقاء السوء إذا كانت المشكلة سلوكية سلبية …الخ . وإمعان المدرسة في تجزئة موضوع العلاقة التواصلية بالبيت واختزالها في مشكلات التحصيل ، وتجاهلها المستمر للأسباب النفسية التي تقتضي الرعاية المتكاملة هو هدر للجهود التربوية وتبسيط مفرط للقضايا التربوية النفسية العميقة ، ويمكن أن تسبب سطحية المعالجة وسوء تقدير المشكلة إحباطات لدى الأهل والمعلمين على السواء مما ينجر عن تلك المعالجة السطحية من نتائج سلبية ؛ فالدراسات التربوية والنفسية ما فتئت تؤكد أن التواصل بين البيت والمدرسة يكون إيجابيا ومن أكبر العوامل المساعدة على التحصيل الدراسي إذا استهدف تحرير الطاقة النفسية للطفل وتوازنه وتكيفه النفسي عبر عمليات التعزيز المتبادل لإنجازاته الناجحة والانطفاء التدريجي لتجاربه المتعثرة ، وهو ما يعود على التلميذ وعلى الكل بالرضا النفسي وتحقيق الذات والاعتزاز بها . ومن ثمة فالعلاقة التواصلية ليست نقطة في الزمان تعني مرحلة أو فترة دون أخرى ، وتبدأ فقط حينما يواجه فيها التلميذ بعض الصعوبات في التحصيل ،كما لا تتوقف عند حدود وتهيئة البيت للطفل للمناخ المدرسي قبل الدخول المدرسي ثم تنقطع ،بل تكسب العلاقة التواصلية صفتها الإيجابية في استمرارها دون تقطع وشموليتها لكل جوانب الحياة النمائية للطفل في تهيئة الطفل للتكيف باستمرار والتوازن النفسي في المواقف التعليمية والخبرة الاجتماعية ،وحمايته باستمرار من الأزمات والصراعات النفسية .
غير أن العلاقة التواصلية،وإن هي إيجابية من حيث المبدأ ويحرص كل طرف على أن تصب في مساعدة التلميذ إلا أنها كثيرا ما كانت رهن نتائج التجربة النفسية والتحصيلية للتلميذ ،فتكون ذات محتوى إيجابي وتناغمي ويثنى كل طرف على الآخر ،إذا كانت نتائج التلميذ في مجال التحصيل والتوافق النفسي يبعث على الرضى النفسي لكل الأطراف ،ويصدر كل طرف حكمه الإيجابي على الآخر ؛فيظهر المعلم شكره ورضاه ومدحه العلني لأسرة التلميذ على ما تقوم به من مجهود في اتجاه مساعدة التلميذ والمعلم على السواء من أجل إنجاح التجربة ،وفي المقابل نجد الأسرة هي الأخرى تصدر أحكامها الإيجابية على المعلم وتظهر مدحها وشكرها له وربما مكافأتها له على إتقانه للعمل التربوي وجديته في إنجاح التجربة ،ومن شأن هذه العلاقات الودية الموصولة إيجابيا أن تعود على الطفل بالصحة النفسية وتعزيز التجربة الناجحة .وعلى العكس من ذلك فيظهر كل طرف سخطه وعدم رضاه ولومه على الآخر إذا كانت نتائج تجربة التلميذ سلبية في نتائجها وانزلق نحو التماهي مع المشكلات السلوكية ،فيسقط المعلم كل أحكامه السلبية التي أصدرها في حق التلميذ ( الكسل ـ الضعف ـ الشغب …الخ ) على الأهل فيتهمهم بالتقصير وعدم الكفاءة في التربية ،ولا سيما إذا كانت الأسرة تعاني الحرمان الثقافي كتبرير لفشله وعدم كفاءته المهنية في مساعدة الطفل على النجاح في تجربته ،ويقوم الأهل هم بدورهم بإصدار أحكام سلبية ـ في حالة الإخفاق ـ على المعلم ،كأحكام تبريرية لفشلهم في مساعدة ابنهم في إنجاح تجربته ؛فيصبح المعلم هو الفاشل ،وضعيف الأهلية وغير الجدير بالمهنة …الخ .
ففشل الطفل في تجربته التعليمية والنفسية مع جماعة المدرسة والقسم خصوصا إذن يفسح المجال لاسقاطات شتى لدى أطراف العلاقة التواصلية ( المعلم ـ النظام المدرسي ـ الأهل ) فالكل يسعى إلى إنقاذ الجرح النرجسي بالإسقاط ، مما يولد لدى الأطراف المعنية صراعات وأزمات نفسية وعلائقية تنسحب مشكلاتها على الطفل وتظهر في شكل عدم التوازن النفسي .
وقد يطبع الروتين حالة العلاقات التواصلية بين البيت والمدرسة فلا هي إيجابية ولا هي سلبية ويكون موقع التلميذ في هذه الصورة في منطقة الظل ،فيهمل كليا ،ولكنه يفلت من جانب آخر من الآثار السلبية للصراع بين الطرفين(الأهل ـ المدرسة )(.36 : 235 )
إن هذه الديناميات العلائقية في صورها ( الإيجابية ـ السلبية ـ الروتينية )تبقى رهن النضج والوعي التربوي لدى كل من المعلم والمدرسة والبيت ؛فارتفاع الوعي التربوي لدى أطراف العلاقة التربوية يفسح المجال للتقدير الموضوعي والتعامل العقلاني الواقعي مع نتائج تجربة التلميذ في حالتها السلبية أو الإيجابية ،ويحض في ظلها التلميذ بالمساعدة الموضوعية الممنهجة لإنجاح تجربته ( النفسية ـ والتحصيلية العلمية ) أكثر ، والارتقاء باستجاباته تجاه المحيط نحو الأفضل باستمرار . ويدرج الدارسون ـ للعوامل المرتبطة بالعلاقة التربوية بين البيت والمدرسة ـ عامل التنشئة الأسرية على رأس قائمة العوامل التي تتأثر بها العلاقات التواصلية سلبا وإيجابا فهي تكون متناغمة وعقلانية إذ كانت التنشئة الأسرية للطفل أكثر انسجاما مع القوانين المدنية الاجتماعية ومعايير نظم العلاقات المدرسية ،وتكون عكس ذلك (متوترة ـ متباعدة ـ متناقضة ) إذ كانت التنشئة الأسرية في اتجاه مضاد لتلك القوانين المدنية أو المتناقضة مع عالم النظام المدرسي كتربية" التدليل " التي لا تعير أي اهتمام بتمثل الطفل للقوانين المعيارية الاجتماعية ،ولا تنشئته على الواقعية ؛فيتضخم عنده الأنا وينحاز دوما في سلوكاته واستجاباته للذة دون ضوابط لرغباته الفردية النرجسية ،ولا يستطيع بعدئذ أن يتكيف مع المحيط المدرسي النظامي ويسقط في أول تجربته العلائقية لأنه غير مهيأ للتعامل بالعلاقات الأفقية لتنشئته على العلاقات العمودية ذات المضمون " التدليلي " المفرغ من كل معاني ( المسموح ـ الواجب ـ الممنوع ـ الممكن … الخ ) وفي تمثيل الطفل المدلل لقيم مضادة للمعايير النظامية المدرسة ،ونتيجة عجزه في التكيف مع النظام يسقط عجزه على المدرسة والمعلم فتتكرر شكواه عند أهله ، ويحدث أن تتبنى الأسرة تلك الشكاوي وتدخل في تحالف مع طفلها ضد المدرسة ،فتنشأ الصراعات ،وينعكس ذلك على التلميذ بتدني الدافعية للتحصيل ونمو السلوك اللاسوى ( كذب ـ سرقة ـ اعتداءات ) .وقد يحدث أن تتحالف الأسرة مع المعلم في إسقاط المسئولية الكاملة على الطفل ؛فينبذ ويأثم على إخفاقه من قبل المعلم والمدرسة والأهل ،وتبدأ التربية المتشددة في المحاسبة على كل خطأ فيستجيب لها التلميذ المدلل بالتمرد والميول الانتقامية ،أو بالإعاقات النفسية( 36 : 237 ).
ـ الفطام الأسري والغربة عن عالم الدراسة : كشفت الدراسات عن فئة من التلاميذ يعانون أزمة مركبة من بعدين ،بعد يظهر على شكل تعثر دراسي ( فشل ـ رسوب ـ تأخر …) ،وبعد يظهر في شكل سوء التوافق السلوكي مدرسيا ( كذب ـ غش ـ سرقة ـ شجار … ) وعادة ما يتناول هاذين البعدين أخصائيين نفسانيين وتربويين تناولا مستقلا منفصلا عن بعضهما البعض ، ويحاولون علاج كل بعد مجزأ كما لو كان منفصلا عن الآخر ، ونادرا ما يشار إلى الصلة بينهما بصفة محتشمة . ففي حالة بحث موضوع التحصيل الدراسي مثلا يلجأ الباحثون إلى سرد العوامل المختلفة في مجموعات : كمجموعة العوامل الأسرية ،ومجموعة العوامل الانفعالية الذاتية ،ومجموعة العوامل المدرسية ،ومجموعة العوامل الفيزيولوجية ولا يسما البعد الذهني الدماغي ، ويبدأ العلاج حالة بحالة بشكل مجزأ يفصل كل مجموعة عن الأخرى ، أو يصمم البرنامج العلاجي التربوي بتوليفات مختلفة للعوامل وبناء على تقديرات معينة لخطورة كل مجموعة كما تعكسها البيانات الأولية الموضوعية ، ، ومن ثمة يبقى هذا العلاج برانيا لا يدرج خبرة الطفل الوجدانية وتجربته الحياتية ( الأسرية والمدرسية ) .
وبنفس الرؤية والمنهج التجزئي يواجه الأخصائيون مشكلات التوافق السلوكي كل مشكلة مستقلة قائمة بذاتها ، فيوضع برنامج تعديلي لكل سلوك على حدة مثل برنامج تعديل سلوك الكذب ، وبرنامج منفصل لتعديل سلوك العدوان ، وبرنامج خاص بتعديل سلوك السرقة …الخ ، وتغيب في هذا التناول الرؤية الكلية للمشكلة والوقوف على الحالة المركزية المسببة للمشكلة وهي التناقض مع المجتمع ومعاييره ، والإخفاق في تكوين " ألنحن الإيجابي " نتيجة الإخفاق في تكوين " الأنا الذاتي الشخصي " الذي يساعد على الغرس الاجتماعي ، ويسهل التواصل .
وقد تكون حالات التشخيص المجزأ للمشكلات التي تعيق التجربة المدرسية للأطفال ،وتصميم العلاج المجزأ تبعا لذلك مفيدة وناجحة مع بعض الفئات وفي بعض الحالات ،إلا أنها غير مفيدة قطعا وقاصرة ولا تستوعب المشكل في حالة ما يسميها حجازي بـ "الغربة عن الدراسة " التي تعني البنية النفسية والسلوكية للطفل المعد إعدادا متناقضا كليا للحياة المدرسية ، بحيث يجعله في غربة تامة عن وجوده وكيانه وحقيقته ، ولا يحس بموقعه الاجتماعي الموضوعي الجديد الذي يعيشه ، بل يهرب منه ولا يستطيع مواجهته أو التكيف معه .وتعتبر هذه الحالة حالة قائمة بذاتها لها ديناميتها الخاصة ،تدفع بالتلميذ نحو الهدر المدرسي الذي يؤول إلى الهدر المهني ،ويؤول في النهاية إلى الهدر الوجودي المعبر عنه بالهامشية الاجتماعية ( 36: 216 ) .
وتتجلى خطورة الغربة من منظور دينامي في المجال التحصيلي من خلال ما يعانيه التلميذ من نقص حاد في اكتساب القدرة على التعلم والرغبة فيه ،وانعدام الفرص الملائمة للنمو السليم لكل جوانب الشخصية ( النمو المعرفي الذهني والحركي والوجداني ) ؛ ذلك أن معادلة التحصيل حسب معظم التربويين تقتضي تركيب المتغيرات التالية كالتالي :
القدرة X الرغبةX
الفرصة
تحصيل دراسي معين .
أي أن [قدرة ذهنية
ومعرفية عالية X درجة عالية من الدافعية X مناخ تربوي ملائم للتحصيل التفوق
الدراسي ]
وأن [قدرة
ذهنية ومعرفية معاقة X درجة متدنية من الدافعية X مناخ تربوي غير ملائم للتحصيل الفشل
الدراسي ].
ومن هاتين المعدلتين يمكن استخراج معادلات أخري يمكن أن تكون معطى للعلاج التربوي المجزأ كالتالي .
[القدرة العالية X دافعية متدنية X مناخ تعليمي سلبي تدني في التحصيل ]
[القدرة المحدودة X دافعية عاليةX مناخ تعليمي ملائم النجاح في التحصيل]
أما في حالة معاناة الطفل التلميذ من الاغتراب النفسي عن المدرسة فإن هذه المتغيرات الثلاثة تكون في وضعية السالب وتؤثر سلبا على التحصيل الدراسي بل تعمل بعمق في دفع التلميذ تحو الفشل في الحياة ،ذلك أن الوضع الأسري المتصدع يعمل بعمق في إنتاج الأزمات النفسية التي تؤثر سلبا على دافعية التلاميذ إلى التعلم والتعليم ،ويكون العجز عن التكيف مع عالم النظام والانتظام الذي يتفاجأ به التلميذ ،ولا يستطيع تمثله أو تمثل القوانين المدنية وبناء منظومة التواصل بسبب الفقر في التعبير اللفظي ونقص التجربة الوجدانية .وعليه فلا ينفع مع هؤلاء الأساليب العلاجية المجزأة ، وتتطلب حالتهم برامج خاصة تصمم ضمن منظور الصحة النفسية والتعليم العلاجي أو التربية العلاجية التي تلامس كل مكونات وأسباب المشكلة في كلية وجودية ، ويمكن حصر هذه الأسباب في صورتها المعقدة والشاملة في الخطاطة التالية :
إسـم الطفـل درجة
الذكـاء شخصية المعلم

الجنس ذكر
أو أنثى الخبرة الماضيــة الزملاء في الصف


![]()
الثقافة الاجتماعية
الإمكانيات التدريسية
![]()
![]()
ما يعرفه اخوته المبـنى
المدرسـي

![]()
![]()
الخصائص الجسمية
إدارة المـدرسـة
المستوى الاقتصادي والاجتماعي فلسفة نظام التعليم
التحصيل المدرسي السابق
فتناغم هذه العوامل وتعزيز بعضها البعض والاهتمام بها ككلية وضمن نسق من العمليات في اتجاه التحصيل الجيد وإنجاح التجربة المدرسية تؤدي إلى إنجاح في التجربة الوجودية والحياتية ، وعلى النقيض من ذلك ؛فإذا كانت هذه العوامل تعمل مجتمعة بعمق في اتجاه مضاد للإعداد للحياة المدرسية ، فإن احتمال الفشل الدراسي ومنه إلى الفشل في الحياة سيرتفع . وفيما يلي يمكن رسم لوحة التجربة الأسرية الناجحة التي تعد للحياة المدرسية الناجحة ، وأخرى للتجربة الأسرية الفاشلة والاعدادالنقيض للحياة المدرسية المنظمة .
لوحة الطفل المعد في التجربة الأسرية للحياة المدرسية الناجحة
|
المتغيرات المؤثرة في تكوين المحتوى النفسي |
وضعها التربوي في الأسرة |
||
|
ـ التكاثر وعدد الأفراد |
متباعد ومناسب |
||
|
ـ فرص العناية بالطفل |
متوفرة ومتاحة بحسب توالي الأحداث المستلزمة للتوجيه والرعاية . |
||
|
ـ المكانة الاجتماعية للطفل. |
مرموقة وتتميز بالاعتراف والتقبل |
||
|
ـ نظام التواصل |
يسود الحوار النشط والمرن بشكل أفقي |
||
|
ـ اللغة والتخاطب |
ثرية تفسيرية تستوعب الوقائع والأحداث والعلاقات السببية |
||
|
ـ المجال الحيوي للحركة |
واسع وغني بالمثيرات يبعث على النشاط والحيوية . |
||
|
الدافعية للمعرفة |
متفتحة ومعززة بالبيئة الغنية ثقافيا ، واهتمامات الأسرة |
||
|
صرف الوقت |
مخطط ومنظم يصرف في التعبير عن الرغبات وقراءة القصص الهادفة والرسم ومشاهدة الأفلام والاشتغال بالألعاب الهادفة والمتنوعة |
||
|
الوضع المادي للأسرة |
ميسر ويلبي حاجات الأطفال وإشباع رغباتهم . |
||
|
الوضع الاقتصادي |
يتميز برفاهية وفي سيرورة معتدلة وفي تحسن مستمر. |
||
|
الوسائل الرياضية |
متوفرة ومتاحة بحسب ميول الطفل واهتماماته |
||
|
الوضع الثقافي |
يتميز بمستوى جيد غني ومتنوع بأدب الأطفال والقصص والنصوص التربوية والتعامل مع الأشياء وتوفر المجلات والجرائد والحاسوب والتلفاز أي ( روضة منظمة ) |
||
|
إدارة الحياة الأسرية |
منظم ومعقلن واضح الأدوار والسؤوليات . |
||
|
التخطيط للحياة |
ممنهج ومستقبلي لا يخضع للصدف ويثري خيال الأطفال وآمالهم عن بصيرة |
||
|
الحياة الزوجية |
ثابتة ومستقرة تتسم بالتفاهم والحب وتقاسم المسؤولية المشتركة |
||
|
الاهتمامات الثقافية . |
متنوعة ومتجددة باستمرار تعمل بعمق على ترسيخ مبادئ الحرية في الاختيار وتحمل المسؤولية وتهيئة الظروف الملائمة للتربية لإنماء الحواس واللغة التواصلية والعمليات العقلية والمنطق الرياضي …الخ |
||
|
العلاقات بين الاخوة |
يسودها التفاهم والتتناغم والاحترام ومرونة التواصل بصفة متبادلة وأفقية . |
||
|
الوضع المهني |
مؤسس وثابت ومستقر نوعيا يتحسن باستمرار . |
||
|
الأساليب التربوية |
تتمركز حول الأساليب المرنة واللينة الدافئة والمتسامحة والتقبل الوالدي …الخ .ومتعددة الإشباع وتنمي القدرة على التعلم الحر . |
||
|
وضعية الأطفال اجتماعيا |
التدرب على تكوين العلاقات الاجتماعية الإيجابية بالتواصل الاجتماعي، وإنماء الدافعية للتعاون.ونمو حس الاعتراف بالآخر |
||
|
تخطيط الميزانية |
التدرب على ترشيد الإنفاق وتدريب الأطفال على أساسيات الاقتصاد المنزلي . |
||
|
المسارات التحصيلية للكبار |
يتسم بالنجاح والجدية ،وهم نموذج ومثال يحتذي به الصغار،وينمي فيهم دافع المعرفة والتحصيل الجيد في كنف من الحرية والمساعدة |
||
|
الآثــار المترتبــة عن هــذه اللوحــة |
|||
|
الوجدانيــة |
المعرفية والمنطقيـة |
العلائقيــة |
|
|
ـ الاستقرار النفسي والاتزان العاطفي ،والطمأنينة القاعدية . ـ التكيف السريع مع الأوضاع المستجدة ـ الشجاعة في إبداء الرأي والإفصاح عن الحالات الوجدانية . ـ الإحساس بالمسؤولية الأخلاقية في الاختيار . ـ نمو اتجاهات إيجابية نحو المدرسة والقوانين المدنية . ـ نمو اتجاهات إيجابية نحو التعلم المدرسي ،والمعلم. ـ الميل نحو القراءة ورفع مستوى الطموح الأكاديمي . ـ نمو حب العمل والانضباط المهني . |
ـ تعلم التفكير المنطقي والعلاقات. ـ تعلم اللغة التفسيرية والتحليلية تعلم التعبير اللفظي الجيد عن الحالات الوجدانية والرغبات ـ تعلم الجدل ، ونمو القدرات الذهنية والتفكير الرمزي المجرد . ـ اكتساب الضمير المهني العالي . |
ـ قبول الآخر. ـ التمكن من بناء علاقات أفقية والعامل باستقلالية . ـ قدرة عالية في الاستجابة للمواقف الجماعية. ـ التمثل الإيجابي لقيم التعاون وتفهم الآخرين. ـ اختفاء صور الأنانية ،والاستبداد بالرأي |
|
إن هذه الآثار النفسية الوجدانية والمعرفية والعلائقية الإيجابية نحو المدرسة تجعل انتقال الطفل إلى المدرسة انتقالا ميسرا وطبيعي واستمرار لإغناء تجربته الأسرية وخبرته السابقة المكتسبة ،وليست بديلة عنها ،مما يعزز احتمال نجاحه في التكيف السريع مع النظام والانتظام واحترام القوانين المدنية وتمثلها عن وعي ،والاستجابة الكاملة لقوانين التعلم والاكتساب المعرفي وتجديد آلية التواصل وتكوين " النحن ". وهو ما يرشحه للنجاح المدرسي بل النجاح في التجربة الحياتية الوجودية .يتحقق ذلك إذا ما تكاملت التجربة المدرسية مع التجربة الأسرية الناجحة وتعززت بظروف ملائمة للنجاح .
لوحة الطفل المنشئ غريبا عن حياة المدرسة في التجربة الأسرية
|
المتغيرات الأسرية |
اتجاه توظيف المتغيرات تربويا |
|||
|
التكاثر وعدد الأولاد |
ولادات متتابعة ومتعددة |
|||
|
فرص العناية بالطفل |
ضئيلة ولا تستجيب للحد الأدنى من متطلبات النمو السليم . |
|||
|
المجال الحيوي في المنزل |
غير ملائم لمتطلبات النمو الحركي واللعب ،ويتكدس الأطفال في حيز ضيق يبعث على القلق والخروج من البيت . |
|||
|
الحياة الزوجية |
تتميز بصراعات وشجار وعنف وإثارة للقلق وتشنج الأعصاب باستمرار . |
|||
|
الوضع الاقتصادي |
متدني تحت خط الفقر ويعاني من العجز في تلبية الحد الأدنى من حاجات الأبناء الأساسية . |
|||
|
الوضع المادي ( الوسائل التربوية والأثاث المنزلي ) |
فقير في كمه وكيفه ولا يلبي أدنى متطلبات النمو الحسي أو الجمالي . |
|||
|
المسار التحصيلي لكبار الأسرة |
متعثر وغير مشجع للصغار ،ولا يوجد مثال أو نموذج سلوكي تجاه العلم والتحصيل المعرفي يحاكيه الصغار . |
|||
|
إدارة الحياة الأسرية |
تتسم بالتسيب والفوضى وتخضع للصدف وليس هناك توزيع واضح للأدوار والمسؤوليات . |
|||
|
النظام التواصلي بين أعضاء الأسرة |
عمودي في صيغته فقير في محتواه اللغوي ، لا يوفر آلية الحوار ولا النقاش |
|||
|
لغة التخاطب المنزلي |
فقيرة وجافة يطغى عليها صيغ الأوامر والنواهي ، وحتى الشتم والكلام السوقي . |
|||
|
ميزانية واقتصاديات الأسرة |
تتسم بالإنفاق غير المرشد ، ولا تخضع لأي تخطيط أو تقويم أو تقييم . |
|||
|
الوضع المهني |
غير مستقر ومتقطع ، ويتراوح بين البطالة والعمالة والانتقال العشوائي من مهنة إلى أخرى ، وعدم الرضاء. |
|||
|
إدراك الأسرة للأطفال |
ملك يشكل عبئا ثقيلا سيق إليهم نتيجة القانون البيولوجي . |
|||
|
نموذج التعلم الاجتماعي المتوفر |
الحيل والمراوغة والخداع في سبيل تحقيق اللذة الآنية وتجاوز القوانين المدنية واحترام الآخرين . |
|||
|
الأساليب التربوية |
يتعرض الأطفال للعنف والنبذ والتبرم والحرمان ،وكل الاسقاطات السلبية . |
|||
|
استغلال الأطفال للوقت |
غير منظم ولا يخضع للقوانين التربوية ومعظمه في الشارع في ممارسة الألعاب العضلية المتدنية ثقافيا |
|||
|
الآثار المترتبة عن لوحة حياة الغربة عن التكيف الاجتماعي المدرسي . |
||||
|
العاطفية |
المعرفية |
العلائقية |
||
ـ انعدام الطمأنينة القاعدية ، ومحتوى نفسي ممزق وسوء التوافق والتوازن النفسي. ـ تعلم كبت الخبرة الوجدانية والهروب من مجابهتها . ـ كثرة استعمال اللغة الحركية في التعبير عن الحالات والمواقف الوجدانية . ـ التبلد وعدم الإحساس بالألم كآلية دفاعية من أجل الحفاظ على التوازن النفسي الظاهري ( جلد التمساح ) . ـ الاعتقاد بضياع الوقت في المدرسة ، وعدم الرغبة في التعلم أو الانتماء للمجتمع المدرسي . ـ القلق والامتعاض من الانضباط والانتظام وانحصار الرغبة في الطموح الأكاديمي وعدم وضوح الرؤية المستقبلية . ـ يظهر اللامبالاة نحو القراءة والمطالعة والبرامج التربوية ،ولا يكترث بتوجيه الكبار له . ـ هبوط الضمير المهني ، وعدم الاكتراث بالعمل والاستقرار المهني . |
ـ قصور في الصياغة اللغوية وفقر كبير في المفردات اللغوية . ـ قصور في التعبير عن الرغبات الذاتية ،وصعوبة الترميز والتعبير عن الواقع والعالم والتجربة الذاتية . ـ قصور في النمو الذاتي وصعوبة إدراك العلاقات بين الأشياء . ـ لا يعتد بالمعارف العلمية إلا ما يشبع رغباته المنفعية الآنية . ـ سيادة اللغة الانفعالية القمعية . ـ معرفته محدودة بمحدودية التواصل مع الآخرين والتعامل مع عالم الأشياء والثقافة . ـ متنوع في المعرفة بأساليب السيطرة على الآخر والإيقاع به . |
ـ الإيمان بالعنف وقانون الأقوى . ـ العمل بنظام التواصل العمودي القائم على الأوامر والنواهي . ـ الخوف من الآخر وعدم الاطمئنان النفسي. ـ يقيم علاقات مع الآخرين في ضوء الذكاء التحايلي ـ الاستبداد بالرأي وعدم الاعتراف بالآخر . ـ تمثل السلوك العدواني تجاه الآخرين ، والإيمان بالأقوى جسديا . ـ صعوبة بناء العلاقات الأفقية الودية مع الأصدقاء ،وصعوبة التكيف مع المعايير الاجتماعية .وفقدان احترام الآخرين له |
||
إن هذه التربية الموسومة ببعدي ( جلد التمساح ،ولغة القوة الجسدية ) لا تؤدي إلا إلى إضعاف القدرة على تحمل الطفل للنظام المدرسي بكل تداعياته وصعوبة التكيف وتكوين العلاقات الاجتماعية والامتثال للقوانين المدنية ،ويضيق ذرعا بالحياة النظامية ،وينشط عنده ما يسميه حجازي بـ " ذكاء تدبير الحال " أو الذكاء التحايلي ، ويقصد به توظيف الطاقة الذهنية في ألوان من التحايل لتجنب العقاب أو الألم وهذا ما يرشحه للفشل في تجربته التحصيلية في المدرسة .
عاشرا : صعوبات التعلم وأنواعها Learning Disabilities
1 ـ حول المفهوم ونشوء الصعوبة في التعلم : تزايد في السنوات الأخيرة بشكل ملفت للانتباه اهتمام الدارسين والأخصائيين الأمريكيين بموضوع صعوبات التعلم ، لاسيما بعد أن أوضحت مؤشرات التعليم ـ حسب ما ذكره" كولبرتسون ، وإدموندز 1996 " من أن ما نسبته 4% من تلاميذ الولايات المتحدة الأمريكية في غضون الثمانينيات يعانون من صعوبة ما في التعلم .(36: 275) .وبناء على ما يكتنف مفهوم صعوبة التعلم من غموض في المعنى وصعوبة في التحديد تباينت بحوث ودراسات المهتمين به من حيث تحديد المفهوم والمنطلقات ، وتشخيص المشكلة ،وتصميم إستراتيجية العلاج .فنجد مثلا من الباحثين من ينطلق من أن صعوبات التعلم هي ذلك الاضطراب الكلي الذي يشمل كل السلوكات وتظهر أعراضه في جزئيات السلوك وكلياته . ومن الباحثين من يرى غير ذلك ويعتقد أن صعوبات التعلم هي اضطرابات متنوعة متعددة تظهر أعراضها على مستوى الفئات السلوكية الفرعية المنضوية تحت الفئة السلوكية الرئيسية دون الأخرى .ومن الطبيعي أن يكون لهذا التباين أثره على مستوى التشخيص التربوي والعيادي ،ومنه إلى الاختلاف في برامج التدخل.
وأبرز ما يوضح هذا التباين والاختلاف في المفهوم والتشخيص حسب " حجازي" هو تطور مفهوم صعوبات التعلم من المفهوم التقليدي ، والمفهوم الحديث ؛ فالمفهوم التقليدي الذي صاغه مكتب التربية الأمريكي عام 1977 يفيد أن صعوبات التعلم " تعني صعوبات في واحد أو أكثر من العمليات النفسية القاعدية المتدخلة في فهم واستخدام اللغة المحكية أو المكتوبة ، والتي تتجلى في قصور القدرة على الاستماع والتحدث والقراءة والتهجئة والحسابات الرياضية والتفكير ." (36 : 276 ). والواضح أن هذا التعريف يقصر صعوبات التعلم على بعض الإعاقات البسيطة الناتجة عن خلل ما في عمليات الإدراك البسيطة والتي قد ترجع إلى اختلال بسيط في وظيفة الدماغ ، وعليه فالتعريف يختزل صعوبات التعلم في النطق والكتابة والحساب )واعتبر الصعوبات اللغوية النواة المركزية لكل الصعوبات واستبعد أو على الأقل لم يعطي الاهتمام إلى كل تأخر عقلي أو اضطراب عاطفي ، أو غبن ثقافي اجتماعي ، أو تدني في النظام التربوي كمحددات هامة في صعوبات التعلم . وعليه تركزت البحوث وتصميمات العلاج ـ بناء على التعريفات التقليدية السطحية لصعوبات التعلم ـ على إبراز الاضطرابات التي تظهر في القراءة والنطق كأخطاء الأطفال في : التعرف : كقلب الحرف في الكلمة أو إهمال حرف من كلمة ، أو خلل في النطق . وأخطاء في التذكر : كصعوبة استرجاع ما تعلمه الطفل من أسماء أو أماكن أو كلمات …الخ .وأخطاء في الفهم : وتظهر في صعوبة التعميم أو التأويل والتحويل أو الخلط بين المعاني والجمل …الخ .
أما صعوبات الحساب فتتجلى حسب " مارسر 1992 " على مستوى الحركي ككتابة الأرقام مشوهة ، وعلى مستوى الذاكرة كصعوبة تذكر أبسط المعلومات الحسابية ، وعلى مستوى التجريد الرياضي كصعوبة تذكر المعاني الرمزية الرياضية من مثل علامات الجمع والطرح والضرب.وصعوبة إجراء المقارنات في الوزن والكم والنوع ، وصعوبة فهم الإشارات الرياضية …الخ . أما على مستوى ما فوق المعرفي فيتجلى في صعوبة اختيار الطرق الملائمة للحل في المسائل الحسابية والهندسية . أما على المستوي الانفعالي فتتجلى الصعوبات في تشتت الانتباه ،وسيطرة السلوك اللامبالي وعدم الاكتراث للطفل . فهذه الصعوبات القرائية والحسابية والكتابية التي تظهر على مستوى مواجهة الطفل للمثيرات تؤهل التلميذ للإخفاق في التكيف والتدني في المستوى التحصيلي وتتوقف درجة ذلك على درجة وشدة الصعوبات .( 36 : 278 ـ280 ).
غير أن ضعف نتائج التصميم العلاجي واستراتيجيات التدخل وفق المفهوم التقليدي المذكور جعل الباحثين والأخصائيين يشككون في صحة المنطلقات الأساسية للدراسات التقليدية حول صعوبات التعلم أي التشكيك في دقة المفهوم التقليدي وما انبنى عليه من تحديد لطبيعة الصعوبة ونوعها وشدتها وتشخيص حالتها ،ولم تعد في السنوات الأخيرة تقنع الكثير من الباحثين ، فبدأت محاولات تطوير المفاهيم التقليدية ، وإعادة صياغة مفهوم صعوبات التعلم وفقا لمستجدات وتجليات الصعوبة في العلاقات الاجتماعية والوجدانية للطفل ، وبرزت في هذا الإطار محاولات لجنة الوكالات المشتركة لصعوبات التعلم التي طورت مفهومه ليشمل المهارات الاجتماعية والانفعالية .وصاغته كالتالي " يعني مجموعة متنوعة من الاضطرابات التي تتجلى في صعوبات ذات دلالة في اكتساب واستخدام الاستماع ،الكلام القراءة الكتابة التفكير أو القدرات الرياضية أو المهارات الاجتماعية وهي ذات منشأ فردي أو نتيجة خلل وظيفي ما في الجهاز العصبي المركزي (36 :277 ) .ومن الواضح أن التعريف بإشارته إلى البعد الاجتماعي والوجداني في الاضطرابات المسببة لصعوبة التعلم قد أضفى على مفهوم الصعوبات بعدا آخر يتيح فهما أعمق لموضوع الصعوبات بصفة عامة.وبناء عليه إهتدت الدراسات الحديثة إلىوضع محكات يحددون بها صعوبات التعلم وهي :
1 ـ محك التباعد ويقصد به التباين أو التباعد بين قدرات التلميذ العقلية وبين تحصيله الدراسي المتوقع في مادة من المواد الدراسية ،كحالة التلميذ الذي يبدي تفوقا واضحا في الرياضيات ،وإخفاق بين في المواد الاجتماعية ، أو كحالة تلميذ يبدي تفوقا بين في جزء من نشاطات اللغة كالقواعد في حين يظهر إخفاق بين في نشاط المحادثة أو التعبير الكتابي.
2 ـ محك الاستبعاد : ويعني به استبعاد كل الحالات التي شخصت ضمن الفئات الخاصة والتي صممت لها برامج تعليمية خاصة ؛كالتلاميذ الذين يعانون إعاقات حسية أو ذهنية أو اضطرابات انفعالية حادة أو حالات الحرمان الثقافي الشديد فمثل هذه الحالات في ضوء هذه المفاهيم التقليدية تستبعد من برامج واستراتيجيات الخاصة بالتعثر الدراسي .
3 ـ محك النضج : ويعني إدراج النضج أثناء تشخيص الصعوبة كمؤشر قوي على معرفة الصعوبة ،ذلك أن النمو يختلف من فرد إلى آخر ،كما يختلف بين الذكور والإناث من حيث السرعة ، فهو بطيء عند البعض وسريع عند البعض الآخر ؛فقد يحدث أن يتمكن تلميذ من إدراك المكان والزمان مثلا وبالتالي تعلمهما بسهولة بينما يخفق زميله في إدراكهما رغم تساويهما في العمر ؛ مما يدل على تفاوتهما في النمو والنضج ،وهذا ما يستدعي مراعاة عامل النضج في تخطيط وبناء البرامج وتصميم برامج تعليمية تصحح القصور الوراثي أو التكويني حتى لا نضع الطفل أمام صعوبة تفوق مدركاته العقلية.
3 ـ محك العلامات النيورولوجية : ـ ويعني به الاضطرابات البسيطة في وظائف المخ ،عندما يصاب بتلف بسيط يكشف عن طريق الرسام الدماغي فمثل هذا التلف البسيط يستدل به على صعوبات التعلم التي تتجلى في الاضطرابات على مستوى الإدراك ، أو الأداء الوظيفي الحركي ، أو التلميذ الذي يظهر النشاط الزائد .وهي الاضطرابات التي تعيق بصفة مباشرة كل عمليات الاكتساب من انتباه وتذكر وإدراك وتصنيف وتحليل وتركيب وتخزين وتوظيف كخبرات ويؤثر ذلك لا محالة على النمو النفسي والاجتماعي وضعف في الاستجابة الصحيحة التي يوفرها المحيط المدرسي والاجتماعي .(37 : 2 ـ 4 ) .
تلك هي أهم المؤشرات والعلامات التي يستدل بها على صعوبات التعلم ،وقد أكدت الدراسات الحديثة حول الأعصاب وطوبوغرافيا الدماغ وثوق الصلة بين صعوبات التعلم ،وعمليات الإدراك ،مما جعل المهتمين بموضوع صعوبات التعلم إلى توسيع مفهومه ليشمل صعوبات الإدراك والعمليات المعرفية ،وقد بدت في بحث " سالي سميث " بعنوان " لماذا يتعلم طفلي 1992" ثلاثية الأبعاد [ الإدراك ـالمعالجة المعرفية ـ الذاكرة ] وأضافت بذلك إلى الصعوبات التي يتضمنها التعريف التقليدي صعوبات أخرى تتجلى في قدرة التلميذ على تنظيم المعلومات وإجراء عمليات التمييز والتذكر والاسترجاع والتصنيف والاختزال والانتقاء …الخ . وهي عمليات تتعلق كلها بالقدرة على التعلم والاكتساب المعرفي ؛فعلم النفس المعرفي يؤكد في أبحاثه على أن سلامة التعلم يتوقف إلى حد كبير على سلامة عملية الإدراك ابتداء من مستواها الحسي واستقبال المثيرات البيئية عن طريق القنوات الحسية إلى انتقاء المثيرات وإعطائها المعاني ونشوء الرغبة في الاستجابة وتحديد نوعها في أعلى مستويات الإدراك .ومن ثمة فاستجابات الفرد للمثيرات الخارجية من حيث هي سلوك متعلم هي نتيجة لعمليات التنسيق والتنظيم والتمييز للعناصر ،وإقامة العلاقات المنطقية بين المثيرات المختلفة ،وتعطيها معنى معين وتؤهل الفرد لاختيار الاستجابة الصحيحة بتوظيف المخزون المعرفي والخبرة السابقة وهي العمليات التي تتم في المراكز العليا للدماغ .فإذا ما اضطربت عملية من هذه العمليات كاضطراب عمليات التخزين المعرفي ،أو اضطراب عملية الانتقاء ، أو التنسيق أو التمييز ، فإن عملية التعلم ستضطرب تبعا لذلك ،وتشكل صعوبة في التعلم ، كما أيضا أن ترد إلينا مثيرات غير منتظمة ومشتتة ومبعثرة ومتناقضة أحيانا وغير ذات معنى ، وتعجز العمليات العقلية على تنظيمها فتضطرب عملية التخزين فيعجز الطفل عن تكوين منظومة معرفية مترابطة العناصر والمكونات فيتعذر عليه إدراك الترابطات والعلاقات السببية ، أو ما يمكن أن نسميه فقر في المعطى المعرفي للتلميذ فلا يجد ما يترجمه إلى سلوك ثقافي اجتماعي ، أو وهي الحالة التي تسميها " سالي سميث " بـ " إصابة المصفاة الادراكية " التي ينشأ عنها صعوبة في التعلم وتبرز تجلياتها في : صعوبة الفهم وعدم القدرة على التمركز حول النواة المركزية لموضوع ما ، وصعوبة توظيف الخبرة السابقة في حل المشكلات الآنية ،وعدم القدرة على الترميز السليم وتجريد الواقع كمفاهيم نظرية وعجز في تكوين المنطق الرياضي والعمليات التتابعية ، وعدم القدرة على التفكير في ما يسمى بـ " ما فوق المعرفي :Meta Cognition كقصور الوعي وعدم القدرة على آليات الضبط الذاتي ؛كالنقد الذاتي والتقويم مثلا ،وهو ما يؤثر بصفة مباشرة سلبا على عملية معالجة المعلومات الأولية ،وصعوبة انتقال أثر التدريب وحدوث التعثر الدراسي في الأداء المعرفي للتلميذ . وتؤكد أبحاث كل من " كوليروتسون ، وإدموندز 1996 " هذا الارتباط الوثيق بين صعوبات التعلم ومتغير اضطرابات عمليات الإدراك والعجز في تكوين النواة المعرفية الأساسية ، فقد وجد أن التلاميذ الذين يعانون صعوبة في النطق ، يعانون خلالا ما في النشاط الوظيفي للدماغ الأيسر الذي يحتوي مناطق الكلام والفص الجداري الصدغي المسؤول عن المعالجة الأولية للمعلومات كالتنسيق والتصنيف والترابط ، والقشرة الدماغية في الفص الجبهي المسؤولة عن الترميز والتجريد .كما أكدت هذه الأبحاث من جهة أخرى أن التلاميذ الذين يعانون صعوبات في العمليات الحسابية وإدراك المكان يعانون من خلل في النشاط الوظيفي لنصف الدماغ الأيمن المسؤولة عن إدراك التتابع والمكان خاصة ،وتأكدت في هذه الأبحاث فرضية ارتباط النشاط الوظيفي العصبي الذي يربط بين نصفي الدماغ باضطراب العلاقات التي تنشأ عنها حتما كل الصعوبات المتعلقة بالنطق والكتابة والحساب . ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد ، فقد دلت دراسات حول الصرع لـ " Sperry 1961 ، Ornstein 1972 ، أن الناس يختلفون كأفراد في طريقة التعلم فلكل واحد طريقته الخاصة في ذلك ،وذلك تبعا لما يهيمن على سلوكه من النشاط الوظيفي للدماغ ، فالبعض يهيمن عليهم استخدام الجانب الأيمن عوض عن الجانب الأيسر فيرتكبون أخطاء لغوية ونحوية عند مواجهتهم للمسائل اللغوية ،إذ وجد أن الذين يستعملون الجانب الأيمن ينجحون أكثر في الاستجابات الكلية أو تكوين المدركات الكلية ،وتستثيرهم الأفكار والأشكال الكلية ،أما الذين يهيمن على سلوكاتهم استخدام الجانب الأيسر من الدماغ فهم يفلحون في تجاوز صعوبات الرياضيات وعمليات المنطق .وعلى الرغم من أن كل جانب من جوانب الدماغ له القدرة على معالجة وظائف الجانب الآخر ،إلا أن الأبحاث تفيد أن النتائج تكون أكثر إيجابية عندما يختص كل جانب بوظيفته وتعالج المعلومات الواردة وفق اختصاص كل جانب من جوانب الدماغ ،وهنا تبرز أهمية التربية في إنماء هذا الجانب من الدماغ وظيفيا أو ذاك ، فالأساليب التربوية الضاغطة والعنيفة في الصرامة تؤدي إلى تنشيط وظائف الجانب الأيسر ، بينما تؤدي الأساليب التربوية المتسامحة والمرنة إلى تنشيط الجانب الأيمن وبالتالي تنشيط عمليات الإبداع ، وأن إهمال جانب من جوانب الدماغ لمدة طويلة سيؤدي في أغلب الضن إلى صعوبة إنمائه ، ومن ثمة يدعوا الأخصائيين إلى تنشيط الجانبين كل في اختصاصه بتبني التربية عن طريق حل المشكلات وتجنب تعويد الأطفال على ما يسمى بـ " العصف الذهني Brainstorming" من حيث هو تلقين أو عرض للأفكار أو حل لمسألة دون تقييم أو نقد .( 38: 20 ـ 22 ) . غير أن زخم هذا الأبحاث ودقة نتائجها لم تقنع " روبرت سولسو " ويؤكد من جديد أن وظائف الدماغ المتعلقة بمعالجة المعلومات مهما كان نوعها لا تتمركز في منطقة دون أخرى فهي موزعة في كل المناطق الأخرى من المخ ، وأن المخ يقوم بوظائفه كعضو متكامل .( 39 : 88 ) .
وبناء على هذه الدراسات والاستنتاجات يتضح أن ما يعانيه الطفل من خلل في النشاط الوظيفي لنصف الدماغ الأيمن ، ويعاني جراء ذلك صعوبات في التعلم الاجتماعي الانفعالي كالقصور في الاستجابات السوية الاجتماعية ، لا تشكل صعوبة على مستوى الإدراك المعرفي فحسب بل تتعدى إلى صعوبات تتعلق بما يسميه حجازي بـ " ضعف المناعة النفسية وصعوبات الاندماج الاجتماعي " ، وبالتالي نكون هنا أمام وضعية متأزمة من الناحية التربوية ، لا تقتصر على صعوبة النطق أو الكتابة أو الحساب كصعوبات مجزأة وتقويمها بالتالي كقضايا تربوية بيداغوجية صرفة ، بل تتعداها إلى وضعية كلية أو كيان وجودي عياني ؛ذلك أن الطفل الذي فشل في الاندماج الاجتماعي المدرسي في السنوات الأولى سينمو في اتجاه اللاسوي ، وستتراكم حالات الإخفاق لديه مما يولد في الغالب الحالات النفسية المتأزمة بفعل استهجان المحيط المدرسي والأسري والاجتماعي كل إخفاقات التلميذ وإظهارهم له عدم رضاهم على إنجازاته ، فتتجمع كل من دفاعات الأسرة والمعلم والإسقاطات والصراعات المختلفة في اتجاه نبذ الطفل ، مما يولد عند الطفل شعور بالنقص والإحساس بالدونية ويستسلم في النهاية للفشل والإحباط ، ولا يملك بعدئذ حيال هذا الوضع النفسي المتأزم إلا أساليب دفاعية كرد الفعل الانسحابي ، النكوص ، إزاحة قلق الفشل الدراسي بافتعال الخوف أو الشكاوى الجسدية وإظهار الاكتئاب ،والتهريج …الخ ( 36: 288 ) .وبتحقق فرضية ارتباط التأزم النفسي الاجتماعي الناشئ أساسا من ردود أفعال المحيط تجاه استجابات الطفل المتعثر بالصعوبات الادراكية المعرفية والتحصيلية توصي هذه الأبحاث بالعمل على التعرف مبكرا على صعوبات التعلم واستكشافها ، ومن ثمة رسم إستراتيجية التدخل المبكر ، لأن ذلك من شأنه أن يتيح أكبر فرصة لتجنب التأزم النفسي للطفل الذي يواجه صعوبة ما في التعلم .
احدى عشر : الأخصائي النفسي الاجتماعي المدرسي ودوره والحاجة إليه :
1 ـ التعريف بالأخصائي النفسي الاجتماعي المدرسي : يعرف بأنه ذلك الشخص المؤهل للمهنة النفسية والمتخصص في اكتشاف المشكلات النفسية والاجتماعية التي تعيق النشاط المهني والتعليمي للفرد أو للمؤسسة وتشخيصها وإدراكها ككلية وموقف نفسي كلي، يقتضي حلا كليا على مستوى معتقدات الفرد في أمكانية بعث السلوك السوي وتوقعاته في النجاح وقيمته التعزيزية، ومن ثمة حلها، بإنتاج أو تطبيق ما هو جاهز من استراتيجيات علاجية فاعلة . وبذلك يحول ما تعلمه من معارف نظرية وتطبيقات ميدانية وما اختص فيه في علم النفس الاجتماعي إلى مهنة نفسية يمارسها في ضوء نظريات الصحة النفسية، مستهدفا تأمين شروط السلامة البدنية والسلامة النفسية والسلامة الاجتماعية للمجتمع المدرسي.
أهميته في المنظومة التربوية والحاجة إليه :
يعتبر كثير من التربويين ومن بينهم جون ديوي أن المدرسة مؤسسة اجتماعية وصورة مصغرة عن المجتمع يجري فيها ما يجري في المجتمع وتحاكيه في حركيته وديناميته وتفاعلاته،حيث يمارس فيها ما يمارس في المجتمع .فهي مؤسسة نظامية تراتيبية سلمية وذات بنية هرمية من المستويات والمراحل، وأنساق إدارية قيادية وأنساق تقنية وبيداغوجية متفاعلة، تخضع مدخلاتها من المعلمين المؤهلين والتلاميذ المستعدين لقوانين تنظيمية وقواعد انضباطية للسلوك ومناخ ثقافي اجتماعي مشبع بالقيم والمعايير الثقافية، وتمارس أنشطتها التربوية مستوحاة من الأنشطة الوطنية وحاجاته في شكل برامج ومعلومات ومعارف علمية تبلغها أو تنتجها أو تستثمرها عبر أخصائيين ووفق توزيع للأدوار الوظيفية بناء على أهداف إجرائية وعامة محددة، وتعرض الأطفال التلاميذ للمؤثرات الايجابية المنظمة لتعلم العلم والخبرة الاجتماعية والإنسانية وإنمائها كتمثلات في شخصياتهم، بطرق فردية وجماعية وشراكة بيداغوجية متفاعلة وعلاقات وجدانية وتأثيرات متبادلة ونظام من التقويم يصطفى به الأفراد ويمايز في ما بينهم في التعلم والخبرة ويتحدد من خلاله الانتقال والتدرج في السلم التعليمي ومستوياته للوصول إلى الشخصية المؤهلة المطلوبة الممكنة كمخرجات تعليمية لتحمل المسؤوليات في المحيط الاجتماعي والمساهمة في الإرادة الكلية للمجتمع.
وبهذا التوصيف البيداغوجي والسيكولوجي والقانوني والعلائقي الاجتماعي للمدرسة يتضح مدى محاكاتها كمؤسسة للنظام الاجتماعي العام، فهي في سيرورتها الوظيفية تساهم بدون شك في مهمات علمية نبيلة تتعلق بالمساهمة في ترقية المجتمع مع المؤسسات الأخرى بل أن كل المؤسسات الأخرى تعتمد في فعالياتها على مخرجات المدرسة من كفاءات ومهارات تضخ كخبرات معرفية جديدة، ولكن هذه الايجابيات الضخمة لا تحجب المشكلات التي تثيرها الممارسة البيداغوجية ذات الطابع النفسي والاجتماعي العلائقي، فمن حيث أن المدرسة نظام مشتق من أنظمة المجتمع بمعاييره فهو ذو صفات شبيهة أو مماثلة للنظام الأبوي بكل حيثياته وتجلياته يخضع أفراده للتأثيرات السلبية والإيجابية على حد سواء .وإذا كانت التأثيرات الايجابية للنظام الأبوي المدرسي لا تحصى وشاملة، وتؤدي إلى تعزيزات للفعل التعليمي والتكيف الفردي والجماعي وتيسير التوافقات، فإن التأثيرات السلبية للنظام الأبوي المدرسي تظهر أثناء الممارسات على المستوى التنظيمي والبيداغوجي والتواصلي وتؤدي إلى مظاهر سوء التكيف والإحباط والقلق واللاتوافق والفشل المدرسي. الأمر الذي يجعل المدرسة في أمس الحاجة إلى الأخصائيين النفسيين يتكفلون بالمجتمع المدرسي وأعضائه من ناحية الصحة النفسية
ـ فطابع النظام الأبوي الإداري البيروقراطي من شأنه أن ينمي الإحساس بالخضوع والسيطرة والتسلط المعرفي والقانوني من جهة والرعاية والحنان والعطف والرفق من جهة أخرى ،مما ينجم عنه انجراحات في بناء الشخصية بين السلبية والايجابية.
وطابعه الاجتماعي من شأنه أن ينمي التناقض وأشكال التجاذبات والعلاقات الوجدانية والعاطفية والاسقاطات الذاتية والتأثيرات الوظيفية المختلفة مما يجعل أعضاءها فرادى وجماعات عرضة للصراعات النفسية والاجتماعية .
وطابعه المهني والعملي من شأنه أن يجعل أفرادها عرضة لأشكال التفرقة والتمايز والضغوط المهنية والإحباط والسلطوية التسلطية يبعث على الكراهية والنفور واللاتجاوب.
وطابعه الاندماجي من شأنه أن ينمي جرعات زائدة في الانتماء الاجتماعي المؤسسي يضر بالفردية والاستقلالية والتعاون ويبعث الإحساس بطمس العضوية المتميزة في الجماعة والاتكالية وعدم تحمل المسؤولية وضمور دوافع النشاط وظهور اللامبالاة وعدم الاكتراث وفقدان الإحساس بالذات .
وطابعه الوجداني العاطفي من شأنه أن ينمي مختلف التعميمات الوجدانية والإسقاطات الأسرية في العلاقات كالحب والتعلق بالآخرين والغيرية مما قد يساعد على ظهور حالات الانعزال والانطواء أو العنف والعدوان أو الشغب أو اللامبالاة أو عدم التركيز والتشويش في الأفكار أو فرط النشاط وضعف الذاكرة ...الخ
والطابع البيداغوجي للمدرسة يجعل أعضاؤها عرضة لمساوئ نظام التباري والمنافسة كشعور ضعفائها بالإقصاء والتهميش والإحساس بعدم تكافؤ الفرص في المشاركة واللاعدل من حيث تقسيم المجتمع المدرسي إلى عارف ومن لا يعرف وإلى ذكي وغبي وإلى مجتهد وكسول وإلى وطني وغير وطني ...الخ .وشعور الأقوياء والأذكياء بالتهميش مما يدفع بهم إلى تصريف طاقاتهم الذاكائية في مسائل أخرى غير التعلم.
2 ـ التجربة الغربية في مهنة الأخصائي النفسي الاجتماعي المدرسي
ظهرت هذه المهنة في المدارس تعضد العمل البيداغوجي في التجربة الغربية منذ أواخر القرن التاسع عشر حيث طورت الجامعات المعرفة السيكولوجية الاكلينيكية الأكاديمية إلى مصحات نفسية تطبيقية للنظريات .
ويؤرخ لهذه التجربة بظهور دراسات حول سوء التوافق والتي كانت تجرى على الأطفال الذين يعانون من مشكلات سوء التوافق، فظهرت عيادات خاصة بدراسة التأخر العقلي والمشكلات النفسية والاجتماعية المرتبطة بها، وظهرت عيادات خاصة برعاية الأطفال غير المتوافقين نفسيا في أمريكا، ثم بحوث متخصصة تبحث صعوبات التعلم ومشكلات الإبصار والهجاء وتعلم اللغة، وهي بحوث جعلت جمعية علم النفس الأمريكية 1904 تطلق دعوة بضرورة تأسيس مهنة الاختصاصيين النفسيين يعملون على تطبيق مبادئ علم النفس لتطوير قدرات الأطفال ومهاراتهم . (40: 62 ) وتم بعد مسح تربوي في مدينة شيكاغو على الاضطرابات النفسية تقرر إنشاء مركز لدراسة الأطفال نفسيا وتربويا . وانتشرت العيادات النفسية في عشرينيات القرن الماضي تمنح شهادات ممارسة تطبيقات علم النفس على أطفال المدارس .
3 ـ ظهور مهنة الأخصائي النفسي الاجتماعي ووضعيتها في التجربة العربية :
بداية يجب التلميح إلى أنه يتعذر علينا لمس ما يوحي بوجود مهنة الأخصائي النفسي أو الأخصائي الاجتماعي أو الأخصائي الاجتماعي النفسي في كل المؤسسات العربية بمفهومها الغربي كمهنة مستقلة يتولاها فريق من المتخصصين، إلا أن وجودها كمعرفة في الجامعات وبعض التطبيقات المتفرقة الجزئية الفاقدة للبرامج في المدارس أخذ يتشكل باحتشام تدريجيا منذ الثلث الأخير من القرن العشرين.
وأما عن ظهورها في مدارسنا العربية بهذا الشكل المشار إليه، فارتبط بمنهج الاستعارة الثقافية في الأنظمة التربوية والجامعية، فقد وفدت إلينا كمعرفة عن طريق نقل التجربة الغربية في العلاج النفسي وتوظيفه في الحقل المدرسي، حيث فتحت الجامعات العربية الاختصاصات الإكلينيكية والإرشاد النفسي والتربوي كفروع علمية في إطار علم النفس تعد أخصائيين نفسيين اجتماعيين، مستوعبين لبعض النظريات العلمية ومتدربين على بعض مهارات التطبيق الميداني في المدارس، إلا أنها لم تجد هذه المعرفة طريقها للتطبيق الميداني في المدارس كوظائف نفسية ومهن ملازمة للوظيفة البيداغوجية ومحددة الأدوار والوظائف، إذا ما استثنينا بعض الانفتاح على الإرشاد النفسي والموجه التربوي الذي يمارس بعض المهام بشكل محتشم وهامشي وبدون تحديد للوظائف النفسية ما عدا الوظائف التوجيهية البيداغوجية في جانبها التقني كما هو في مدارس الجزائر .
وقد بدأ الإحساس والشعور بالحاجة إلى هذه المهنة النفسية يظهر كجزء من وظائف المدرسة في مدارسنا العربية تؤمنه الجامعات بمخرجاتها في علم النفس الاجتماعي المدرسي، بظهور الحاجة إلى تطبيق المهارات والمعارف التي يكتسبها الطلبة في دراساتهم الأكاديمية وإيجاد المجالات البيئية الاجتماعية لتطبيق معارفهم النظرية واختبارها ميدانيا وتحويل الاختصاص الأكاديمي إلى مهنة، كما ظهرت بفعل ظهور الصحوة والوعي النفسي والتربوي بضرورة التكفل النفسي بذوي الحاجات الخاصة وذوي الضعف العقلي وانتشار المشكلات النفسية والاضطرابات الوجدانية في أوساط التلاميذ تعيق أنشطتهم التعليمية وتؤثر على تحصيلهم الدراسي وتضطرب شخصياتهم مما يحول بينهم وبين التكيف والتوافق النفسي والمدرسي .وبقي هذا الإحساس والشعور والوعي يظهر فقط على مستوى التقارير التي ما زالت حبيس الأدراج، ولم يجد بعد جدية في تحديد الأدوار والتأطير القانوني والأخلاقي كما هو الشأن في المهن الأخرى .
4 ـ أدوار الأخصائي النفسي الاجتماعي المدرسي في التجربة الغربية : ـ
قدم بعض الباحثين الغربيين تصوراتهم في البداية حول دور الأخصائي النفسي الاجتماعي كمهنة عامة بعضهم ينطلق من التفريق بين الأخصائي الاجتماعي، والأخصائي النفسي، والبعض الآخر كما هو عند " نيوكمب Newcomb" فيرى أن كليهما يؤدي دورا واحدا فيركز الأخصائي النفسي على الجوانب السيكولوجية بينما يركز الآخر على الجوانب الاجتماعية وكلهما يهتم بمشكلات الأفراد وتشخيصها في الموقف الاجتماعي . فيوجد أخصائي نفسي إجتماي، وأخصائي إجتماعي نفسي .والتكامل بين الوظيفتين آخذة في التشكل في تصورات الباحثين المعاصرين إنطلاقا من أن العمليات النفسية ممتدة في الجوانب البيولوجية والبانء الاجتماعي على حد سواء .
أما " فينيكل Fechnicl" فتصور دور الأخصائي النفسي الاجتماعي في كل المؤسسات في تقديم الحلول للمشكلات العامة للجماعة والأفراد مثل الجريمة والتعصب والصراعات والأزمات النفسية.
وتصوره" دانييل كاتز D. Katz "في تناول المشكلات النوعية التي يتعرض لها الأفراد في مؤسسات والبحث عن أسبابها من خلال دراسة دوافع واهتمامات وسلوك ومواقف الفرد في الجماعة .
وتصوره "كرتش وكريتشفيلد وبالاشي " في تقديم الحلول للمشكلات النفسية الاجتماعية في مجالات الحياة المختلفة بما فيها التربية والتعليم عن طريق تقديم التشخيصات العلمية للمشكلة النفسية وتقديم الإرشاد والنصح للمفحوصين .وهوما يجعله يقوم في إطار مهنته بالبحث العلمي بكل حيثياتها وتفاصيلها حين يكون بصدد التشخيص ويقوم في إطار تقديم الحلول بوضع النماذج العلاجية المناسبة للمشكلة الاجتماعية والنفسية مستعب لكل الأسباب والعوامل المنشئة للمشكلة على المستوى الفردي بدراسة الخصائص النفسية المرتبطة بالمشكلة كالاستعدادات والقدرات والميول والاتجاهات وبدراسة المجال الاجتماعي والثقافي والعلائقي الذي ينتمي إليه الفرد.( 1 : 157 ـ 161 )
وفي ضوء ما لوحظ من اضطرابات نفسية، وسجل من أزمات نفسية وسوء التوافق النفسي والاجتماعي على مستوى أطفال المدارس حددت الرابطة الوطنية الأمريكية للاختصاصيين النفسيين المدرسيين الأدوار التالية :
ـ التقدير النفسي : ويقصد به مهارات الجمع بين النظري والتطبيقي في المعرفة النفسية والتي يتعين على الاخصائي النفسي اكتسابها بالتدرب على تطبيق الاختبارات النفسية عن حالات بعينها وتصحيحها وتفسير وتأويل نتائجها النفسية ومعانيها في تقارير خاصة . ويفيد هذا الدور خاصة في اعداد برامج الوقاية أو التشخيص المبكر للمشكلات النفسية ومعرفة مدى انتشارها في الوسط المدرسي ليتمكن بذلك من وضع الحدث النفسي أو المشكلة النفسية موضع المراقبة والإرشاد أو تحت العلاج .
ـ الاستشارات النفسية : ـ ويقصد به إتقان الأخصائي النفسي الاجتماعي لمهارات إسداء النصح والإرشاد النفسي العلمي والتربوي لكل من التلاميذ والأولياء والمعلمين والإداريين المشكلين للمجتمع المدرسي المصغر ويقدمها بشكل منظم وبرنامج عملي وخطوات منهجية واضحة ملائمة للتلاميذ وكل الشركاء التربويين في المؤسسة .
ـ التدخل المباشر : ـ ويقصد به تمكن الأخصائي النفسي من مهارات العلاج النفسي المباشر وأدائها وإتقانها بحيث تؤهله إلى تقديم المساعدة العلاجية الفنية لذوي الحاجات النفسية الخاصة للتخلص من أزماتهم النفسية وانحرافاتهم السلوكية التي ظهرت وتم تشخيصها، أو إحالتهم بطريقة مباشرة على الطب النفسي بكتابة تقرير حول الظاهرة النفسية التي يعانون منها .
ـ البحث العلمي : ـ ويقصد به قدرة الأخصائي النفسي المهني المدرسي على تنفيذ مهارات إجراء البحوث العلمية التطبيقية حول الظواهر النفسية والقيام بها كجزء من مهامهم المهنية لغرض تطوير معارفه السيكولوجية وفهم أكثر لجوانب المشكلات النفسية، كما تبدوا في الميدان المدرسي ومقارنتها بالبحوث النظرية الأكاديمية.
ـ تقويم البرامج : ـ ويقصد بهذا الدور الذي يتعين على الأخصائي النفسي القيام به، الكفاءة النقدية وإتقان مهارات تقويم برامج الخدمة النفسية المعدة للمجتمع المدرسي بكل فئاته وعلى مستوى نوعية المشكلات النفسية والاجتماعية التي تظهر وتنتشر في الوسط المدرسي مما يدفع الشركاء البيداغوجيين بالتدخل المباشر وغير المباشر بإسداء الإرشادات أو تقدير برامج علاجية أو غير ذلك ويجري الأخصائي النفسي المدرسي التقويم لتلك البرامج وأدائها من قبل المشرفين والمعلمين من حيث :
أ ـ مدى مشروعية وصلاحية البرامج المعدة للخدمات النفسية .
ب ـ مدى ملاءمتها وتحقيقها للأهداف
ج ـ مدى توازي عائدات البرنامج بالتكاليف والأنشطة والجهود .
فهذه جملة الأدوار التي حددها المؤتمر المذكور وأقرتها الرابطة الوطنية الأمريكية للاختصاصيين النفسيين المدرسيين .وهي أدوار تجعل من هذه المهنة ذات مركز عال وتدرج ضمن وظائف المدرسة يتوقف عليها تحقيق السلامة البدنية والنفسية لأعضاء المجتمع المدرسي وهي أهداف تتداخل والأهداف البيداغوجية أو هي جزء لا ينفصل عنها، ويؤدي الاختصاصي النفسي الاجتماعي هذه الأدوار ضمن فريق يشكل فريق الطب النفسي المدرسي يتكون من الطبيب النفسي المدرسي والأخصائي الاجتماعي النفسي لمدرسي والموجه التربوي والمعلم والإدارة بالتكامل والتعاضد في ما بينها تستوعب المشكلة النفسية أو مظاهر الانحراف السلوكي في أبعاده الاجتماعية والنفسية والبيولوجية والبيداغوجية .( 40 : 64 ـ 70 )
فالأخصائي النفسي الاجتماعي بهذا التوصيف يقدم الخدمة النفسية المتخصصة للتلاميذ والمجتمع المدرسي بصفة عامة في صيغة الرعاية النفسية لذوي الحاجات النفسية، والاستشارات النفسية والتدخل العلاجي المباشر وإجراء البحوث العلمية وتقويم البرامج . فهذه المهمات الموكلة للأخصائي النفسي الاجتماعي في سياق الصحة النفسية المدرسية تجعله في دور تكاملي تعاضدي مع المعلم البيداغوجي، ومكملا لمهنة التدريس بحيث يصبح المعلم الممون الرئيسي للأخصائي النفسي بالمعلومات حول سلوك التلميذ داخل القسم ومشاركته ومعاملاته وعلاقاته وتفكيره ويصبح الأخصائي النفسي المرشد الأول والمساعد النفسي للمعلم في رعاية الطفل ذوا الحاجات النفسية الخاصة . وبذلك تنتشل المظاهر السلوكية المنحرفة التي تظهر في المدارس من احتكار التفسير القانوني إلى التفسير النفسي والاجتماعي، وهو وضعها الطبيعي النمائي المفترض.
ويستند الأخصائي النفسي الاجتماعي في مهنته وتنفيذ أدواره على ما تعلمه من النظريات العلمية والمبادئ والقوانين النفسية التي تفسر السلوك السوي وغير السوي كما دلت عليه التجارب والاختبارات النفسية، كما يستند على ملاحظاته وتجاربه الخاصة وبحوثه الميدانية المستوفية للشروط العلمية المنهجية .فيفترض فيه أن يكون ملما بعلم النفس العام وعلم النفس التوافق وعلم النفس النمو الطفل والمراهق وعلم النفس التربوي البيداغوجي وعلم النفس الاجتماعي المدرسي والقياس النفس ومبادئ الصحة النفسية، ودينامية الجماعات ...فكلها مصادر علمية يعتمد عليها الأخصائي النفسي الاجتماعي
ويستخدم الأخصائي النفسي الاجتماعي لتطبيق دراساته وممارسته العلاج النفسي الاجتماعي الوسائل الامبيريقية المختلفة كالملاحظة والتجربة والقياس النفسي والسوسيومتري والاستبيانات والاختبارات النفسية الشخصية وروائز الذكاء ومقاييس الاتجاهات والتوافق النفسي...الخ.ولكل مشكلة أداتها الأمبيريقية وشكل الملاحظة والتصميم التجريبي المناسب.
أهداف الأخصائي النفسي الاجتماعي المدرسي : ـ
وتهدف مهام الأخصائي النفسي المدرسي الاجتماعي إلى:
ـ يهدف إلى الوقاية من الأمراض النفسية ومنع ظهور الانحرافات لدى التلاميذ أو انتشارها، بممارسته الفحص الدوري واستكشاف المشكلات النفسية والاجتماعية والبيئية التي يلاحظها أو ترد إليه في شكل طلب المساعدة أو تقارير الأولياء والمشرفين والمعلمين وبممارسته لعملية الإرشاد والتوجيه، لكل الشركاء ( المعلم التلميذ، الأولياء، الإدارة...الخ)
ـ يهدف إلى ترقية الأداء الجماعي للشركاء البيداغوجيين بالقيام بدراسات أمبيريقية حول التأثيرات المتبادلة بين الشركاء وأنماط التفاعل للوقوف على الصيغ الملائمة لتحقيق الأهداف العلمية والبيداغوجية في مستواها الأعلى.
ـ يهدف إلى معالجة المشكلات الراهنة في ضوء نتائج الفحص النفسي والاجتماعي المدرسي
ـ يهدف إلى التخفيف من حدة المشكلات الاجتماعية والتوترات النفسية نتيجة ضغوط العمل لدى المدرسين .
ـ يهدف إلى تعديل السلوك وتوجيهه صوب الأهداف الدراسية المرغوبة، بإعادة صياغة الادراك الذاتي نحو المواضيع والآخرين وتوجيهه بما يخدم الرؤية المستقبلية الايجابية وبعث النشاط .
ـ يهدف إلى التحسيس والتنبيه بالمشكلات النفسية للأطفال المراهقين وضرورة تغيير استراتيجيات التعلم والتعليم .
ـ يهدف إلى ترشيد القيادة التربوية ـ إدارة ومعلمين ـ نحو سبل إيجاد استراتيجيات تحقيق التفاعل البيداغوجي وتصميم العملية التربوية في ضوء شروط تحقيق الذات والاتجاهات الايجابية نحو العلم والتعلم والمدرسة كمؤسسة جماعية اجتماعية .
الخاتمة
ومجل القول أن علم النفس الاجتماعي نشأ من عدة إرهاصات تطور العلوم الأخرى المحاذية له كعلم الاجتماع وعلم النفس وتطور ضمن تطورهما حتى أنه يصعب الفصل بينهما ورغم ذلك فقد إستقل بموضوعه المحصور في دراسة العلاقات والتأثيرات المتبادلة بين الفرد كذات والجماعة، من حيث هي نفسية واجتماعية، وتميز عن علم النفس وعلم اللاجتماع بمنهج خاص يعتمد على تطبيق النماذج . ومنه نشأ علم النفسي الاجتماعي المدرسي من حيث هو تطبيقات لعلم النفس الاجتماعي في المدارس وبالذات على الأنساق التربوية ولا سيما القسم كجماعة .
وبينا في هذه الطبوعة نمو وتطور الدراسات في علم النفس الاجتماعي المدرسي واستخدامه للقياس النفسي الاجتماعي في كل المواضيع التي يدرسها .
وبعرضنا للتجربة الغربية والعربية اتضح أن التجربة العربية إن هي إلا مجرد إقتباسات من التجربة الغربية في مقاربتها للظواهر وما زالت في المهد .فالمواضيع التي تدرس في إطار علم النفس الاجتماعي المدرسي وهي متعددة كما بينا في هذه المطبوعة، ( التفاعل والتواصل في جماعات القسم والقيادة والاتجاهات والقيم ...الخ في البيئة العربية لم ترق إلى التميز عن التجربة الغربية من حيث المواضيع والمناهج .
واهتم الدراسات الغربية والعربية في سياق علم النفس الاجتماعي المدرسي بدينامية الجماعة المدرسية، فتمكنت التجارب من تطبيق مفاهيم الدينامية على القسم الدراسي بوصفه جماعة . وهو ما عرضناه في هذه المطبوعة وطبقناه على الأحداث التربوية التي يمر بها الطفل منذ إنتقاله للمدرسة كما يعرضها حجازي في دراسته للصحة النفسية .
ولما لصعوبات التعلم من أهمية أدرجناه كموضوع هام بحيث يتكن الطالب من رصد الصعوبات التي تعيق عماية التعلم ولا سيما لك التي تتعلق بالذات وتفاعلات الجماعة وهي ميدان لعلم النفس الاجتماعي المدرسي
ودعمنا المطبوعة بمعرفة خاصة بالأخصائي النفسي الاجتماعي ودوره في المدرسة، وعرضنا التجربة الغربية والتجربة العربية لعل الطالب يكون بذلك على بينة من معرفة طالما بعدت عنه.
ونتوقع عند دراسة هذه المواضيع وإتقانها يتمكن الطالب الجامعي من معرفة الثقافة النفسية والاجتماعية في سياق علم النفس الاجتماعي المدرسي، كما تؤهله إلى ممارسة البحث التربوي النفسي الاجتماعي وهو ما نهدف إليه من هذه المطبوعة . ونأمل أن نكون بذلك قد حققنا حاجة الطالب إلى هذه المعرفة النفسيةوالاجتماعية في إطار تكوينه الأكاديمي الجامعي .
وفقكم الله .
الأستاذ العربي فرحاتي .
باتنة في 16/10/2007
المراجــــع
1 ـ محمود السيد أبو النيل . علم النفس الاجتماعي . دراسات عربية وعالمية . ( سلسلة علم النفس )
2ـ محمد أديوان . المدخل إلى دينامية الجماعة . افريقيا الشرق . بيروت لبنان .
3ـ شارل بلوندل . مقدمة في علم النفس الاجتماعي . ت . محمود قاسم . إبراهيم سلامة . ط2 . الأنجلو المصرية .
4 ـ عبد الكريم غريب المنهل التربوي . معجم موسوعي في المصطلحات والمفاهيم البيداغوجية والديداكتيكية والسيكولوجية . ج2 . ط1 . 2006 . منشورات عالم التربية . مطبعة النجاح . الجديدة . الدار البيضاء . المغرب .
5 ـ كامل محمد محمد عويضة . دراسات علمية بين علم النفس الاجتماعي والعلوم الأخرى . ط1 . 1996 . دار الكتب العلمية . بيروت . لبنان .
6 ـ عدنان الأمين .التنشئة الاجتماعية وتكوين الطباع . ط1 . 2005 . المركز الثقافي العربي . الدار البيضاء . المغرب .
7 ـ العربي أسليماني، رشيد الخديمي . قضايا تربوية ورهان جودة التربية والتكوين . مقاربات سيكوبيداغوجية وديداكتيكية . ط1 . 2005 . منشورات عالم التربية .مطبعة النجاح . الجديدة . المغرب .
8ـ موريس روكلن . تاريخ علم النفس . ت . علي زيعور . ط3 . 1978 . دار الأندلس . بيروت . لبنان .
9 ـ سيمون كلابيه فالادون . نظريات الشخصية . ت . علي المصري . ط2 . 1993 . المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع . بيروت .
10ـ جان ميزونوف . علم الفس الاجتماعي . منشورات عويدات . زدني علما .
11 ـ عبد المنعم الحفني . المعجم الموسوعي للتحليل النفسي . ( عربي أنجليزي فرنسي ألماني ) . مكتبة مدبولي . 1995 .
12 ـ جان لابلانش و . ج . ب . بونتاليس . معجم مصطلحات التحليل النفسي . ت. مصطفى حجازي . ط1 . 1985 . المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع . بيروت . لبنان .
13 ـ بشير معمرية . الفروق والعلاقات في مصدر الضبط والعصابية لدى طلاب الجامعة في ضوء بعض المتغيرات ( الجنس . التخصص . الدراسي . المستوى الدراسي ) .. رسالة ماجستير غير منشورة . جامعة وهران. الجزائر 1995.
14 ـ بفرلي . م . ألبان ماتكاف. التصور الذاتي والاتجاه نحو المدرسة . عند الأطفال . المجلة العربية للبحوث التربوية . المجلد الثالث . العدد الثاني . 1983. المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم . تونس .
15 ـ أحمد عبد المجيد صمادي . المدرسة كما تتصورها نظرية الضبط . المجلة العربية للتربية . المجلد العاشر . العددان الأول والثاني .المنظمة العربية للتربية والثقافة . ديسمبر 1990 . تونس .
16 ـ روبير غانييه . ت . كهيلابوز .محمد خير فوال . المعلم والمتعلم . ط 1 1994 . دار الكرام . بيروت .
17ـ ع. بنعبد العالي وآخرون . اشكاليات المنهاج في الفكر العربي والعلوم الانسانية . ط2 . 2001 . جمعية البحث في الأدب والعلوم الانسانية . دار توبقال للنشر . الدار البيضاء . المغرب .
18 ـ ميلود حبيبي . الاتصال التربوي وتدريس الأدب . دراسة وصفية تصنيفية للنماذج والأنفاق . ط1 . 1993 . المركز الثقافي العربي .الدار البيضاء . المغرب .
19 ـ جماعة من الباحثين . المدرس والتلاميذ اية علاقة . سلسلة علوم التربية .3 . ط3 . 1991 . دار الخطابي للطباعة والنشر . النجاح . الجديدة .
20ـ حسين حمدي الطوبجي .التكنولوجيا والتربية . ط1 . 1980 دار القلم . لكويت .
21 ـ محمد عبد الخالق مدبولي . الشرعية والعقلانية في التربية . ط1 . 1999 . الدار المصرية اللبنانية
22 ـ محمد نور الدين أفاية . الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة ط2 1998 . أفريقيا الشرق . المغرب
23 ـ سلمي محمود جمعة . ديناميكية العمل مع الجماعات . ط 1997 . دار المعرفة الجامعية . الاسكندرية .
24ـ محمد الدريج . تحليل العملية التعليمية . مدخل إلى علم التدريس . ط2 . 1991 .مطبعة النجاح .. الدار البيضاء . المغرب .
25 ـ العربي فرحاتي . التفاعل الصفي بين المعلم والتلاميذ وعلاقته بالتحصيل والاتجاه نحو الدراسة . رسالة دكتوراه غير منشورة . جامعة الجزائر . 1999 .
26ـ أحمد أبو هلال . النظم المختلفة المستخدمة في تحليل التفاعل اللفظي بين المدرس والتلاميذ داخل غرفة الصف . ط. 1979 . مكتبة النهضة الاسلامية. عمان الاردن .
27ـ محمد زياد حمدان . أدوات ملاحظة التدريس . مناهجها واستعمالها في تحسين التربية المدرسية . ديوان المطبوعات الجامعية . الجامعة الجزائرية . 1984 .
28 ـ زيدان عبد الباقي . قواعد البحث الاجتماعي . ط2 . 1974 . مصر .
29 ـ باسمة المنلا . قياس العلاقات الاجتماعية ( السوسيومتري ) وتطبيقاته في الميدان التربوي وفي جماعات العمل . ط1 . 1990 . دار العلم للملايين .
30 ـ المحجوب بن سعيد ، وأحمد ليسيكي . التقويم التربوي . الدليل التربوي .ى ج4، الرباط . المغرب .1995 .
31 ـ سامية القطان : دراسة لتأثير التوصل غير اللفظي للمدرس على إدراك الطلاب لكفاءته . جمعية علم النفس الإكلينيكي . الإصدار الأول 1990 مكتبة الأنجلو المصرية القاهرة .
32ـ عبد اللطيف الفاربي وآخرون . معجم علوم التربية. مصطلحات البيداغوجيا والديداكتيك . ج1 .ط1 . 1994 . سلسلة علوم التربية 9 ، 10 .دار الخطابي . مطبعة النجاح .الجديدة . المغرب .
33 ـ محمد آيت موحي . دينامية الجماعة التربوية . دراسة في التواصل والأدوار والقيادة والمعايير داخل جماعة القسم .ط1 . منشورات عالم التربية .مطبعة النجاح . الدار البيضاء . المغرب.
34 ـ محمد أديوان . دينامية الجماعة التربوية . جماعة القسم . مجلة علوم التربية . العدد العاشر 1996 . المغرب .
35 ـ لويس كامل مليكة . سيكولوجية الجماعات والقيادة . ط 3 . 1970 . مكتبة النهضة المصرية .القاهرة .
36 ـ مصطفى حجازي . الصحة النفسية . منظور دينامي تكاملي للنمو في البيت والمدرسة . ط1 . 2000 . المركزالثقافي العربي . الدار البيضاء . المغرب .
37 ـ صعوبات التعلم .
38 ـ أحمد أوزي . التعليم والتعلم بمقاربة الذكاءات المتعددة . منشورات مجلة علوم التربية . مطبعة النجاح . الجديدة . المغرب .
39 ـ روبرت سولسو . علم النفس المعرفي . ت. محمد نجيب الصبوة وآخرون . ط.1996 . شركة دار الفكر الحديث . الكويت .
40 ـ محمد نجيب أحمد الصبوة . تصور علمي لأدوار اللاختصاصي النفسي المدرسي . مجلة علم النفس . أفريل/ ماي . 1998 . جامعة القاهرة . مصر .
يعاد تفحصها ومراجعتها .
1 ـ جان ميزونوف . علم الفس الاجتماعي . منشورات عويدات . زدني علما .
2 ـ محمود السيد أبو النيل . علم النفس الاجتماعي . دراسات عربية وعالمية . ( سلسلة علم النفس ) ج1 . 2 . ط4 . دار النهضة العربية . بيروت . لبنان
3 ـ تيودور فون أدرنو . محاضرات في علم الاجتماع . ت . جورج كتورة . مركز الانماء القومي . بيروت . لبنان .
4ـ كارل بوبر . المجتمع المفتوح وأعداؤه . ت . السيد نفادي . ط 1 . 1998 . دار التنوير . لبنان .
5ـ موريس روكلن . تاريخ علم النفس . ت . علي زيعور . ط3 . 1978 . دار الأندلس . بيروت . لبنان .
6ـ محمد أديوان . المدخل إلى دينامية الجماعة . افريقيا الشرق . بيروت لبنان .
7 ـ شارل بلوندل . مقدمة في علم النفس الاجتماعي . ت . محمود قاسم . إبراهيم سلامة . ط2 . الأنجلو المصرية .
8 ـ عبد الكريم غريب المنهل التربوي . معجم موسوعي في المصطلحات والمفاهيم البيداغوجية والديداكتيكية والسيكولوجية . ج2 . ط1 . 2006 . منشورات عالم التربية . مطبعة النجاح . الجديدة . الدار البيضاء . المغرب .
9 ـ كامل محمد محمد عويضة . دراسات علمية بين علم النفس الاجتماعي والعلوم الأخرى . ط1 . 1996 . دار الكتب العلمية . بيروت . لبنان .
10 ـ عدنان الأمين .التنشئة الاجتماعية وتكوين الطباع . ط1 . 2005 . المركز الثقافي العربي . الدار البيضاء . المغرب .
11 ـ العربي أسليماني، رشيد الخديمي . قضايا تربوية ورهان جودة التربية والتكوين . مقاربات سيكوبيداغوجية وديداكتيكية . ط1 . 2005 . منشورات عالم التربية .مطبعة النجاح . الجديدة . المغرب .
12 ـ فردريك معتوق . معجم العلوم الاجتماعية .أكاديميا . بيروت لبنان
13 ـ سيمون كلابيه فالادون . نظريات الشخصية . ت . علي المصري . ط2 . 1993 . المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع . بيروت .
14 ـ عبد المنعم الحفني . المعجم الموسوعي للتحليل النفسي . ( عربي أنجليزي فرنسي ألماني ) . مكتبة مدبولي . 1995 .
15 ـ جان لابلانش و . ج . ب . بونتاليس . معجم مصطلحات التحليل النفسي . ت. مصطفى حجازي . ط1 . 1985 . المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع . بيروت . لبنان .
16 ـ بشير معمرية . الفروق والعلاقات في مصدر الضبط والعصابية لدى طلاب الجامعة في ضوء بعض المتغيرات ( الجنس . التخصص . الدراسي . المستوى الدراسي ) .. رسالة ماجستير غير منشورة . جامعة وهران. الجزائر 1995.
17 ـ بفرلي . م . ألبان ماتكاف. التصور الذاتي والاتجاه نحو المدرسة . عند الأطفال . المجلة العربية للبحوث التربوية . المجلد الثالث . العدد الثاني . 1983. المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم . تونس .
18 ـ أحمد عبد المجيد صمادي . المدرسة كما تتصورها نظرية الضبط . المجلة العربية للتربية . المجلد العاشر . العددان الأول والثاني .المنظمة العربية للتربية والثقافة . ديسمبر 1990 . تونس .
19 ـ روبير غانييه . ت . كهيلابوز .محمد خير فوال . المعلم والمتعلم . ط 1 1994 . دار الكرام . بيروت
20 ـ علي زيعور . ذكريات الفكر الجامعي العربي . ( ذاكرة الأفكار المتصارعة داخل الجامعات العرية ) 1950 ـ 2000 .ط1 2000 . المكتب العالمي للطباعة والشر .
21 ـ ع. بنعبد العالي وآخرون . اشكاليات المنهاج في الفكر العربي والعلوم الانسانية . ط2 . 2001 . جمعية البحث في الأدب والعلوم الانسانية . دار توبقال للنشر . الدار البيضاء . المغرب .
22ـ العربي فرحاتي . التفاعل الصفي بين المعلم والتلاميذ وعلاقته بالتحصيل والاتجاه نحو الدراسة . رسالة دكتوراه غير منشورة . جامعة الجزائر . 1999 .
23 ـ سيجموند فرويد . علم النفس الجماعي وتحليل الأنا . ت. جورج طرابيشي ط1 . 1979 . دار الطليعة . بيروت .
25 ـ جان ميزونوف . دينامية الجماعات . ت. فريد أنطونيوس . منشورات عويدات (زدني علما . بيروت . باريس .
26 ـ ميلود حبيبي . الاتصال التربوي وتدريس الأدب . دراسة وصفية تصنيفية للنماذج والأنفاق . ط1 . 1993 . المركز الثقافي العربي .الدار البيضاء . المغرب .
27 ـ جماعة من الباحثين . المدرس والتلاميذ اية علاقة . سلسلة علوم التربية .3 . ط3 . 1991 . دار الخطابي للطباعة والنشر . النجاح . الجديدة .
28 ـ عبد اللطيف الفاربي وآخرون . معجم علوم التربية. مصطلحات البيداغوجيا والديداكتيك . ج1 .ط1 . 1994 . سلسلة علوم التربية 9 ، 10 .دار الخطابي . مطبعة النجاح .الجديدة . المغرب .
29 ـ حسين حمدي الطوبجي .التكنولوجيا والتربية . ط1 . 1980 دار القلم . لكويت .
31 ـ محمد عبد الخالق مدبولي . الشرعية والعقلانية في التربية . ط1 . 1999 . الدار المصرية اللبنانية
32 ـ محمد نور الدين أفاية . الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة ط2 1998 . أفريقيا الشرق . المغرب
33 ـ سلمي محمود جمعة . ديناميكية العمل مع الجماعات . ط 1997 . دار المعرفة الجامعية . الاسكندرية .
38ـ باسمة المنلا . قياس العلاقات الاجتماعية ( السوسيومتري ) وتطبيقاته في الميدان التربوي وفي جماعات العمل . ط1 . 1990 . دار العلم للملايين .
39ـ زيدان عبد الباقي . قواعد البحث الاجتماعي . ط2 . 1974 . مصر .
40 ـ المحجوب بن سعيد ، وأحمد ليسيكي . التقويم التربوي . الدليل التربوي .ى ج4، الرباط . المغرب .1995 .
41 ـ سامية القطان : دراسة لتأثير التوصل غير اللفظي للمدرس على إدراك الطلاب لكفاءته . جمعية علم النفس الإكلينيكي . الإصدار الأول 1990 مكتبة الأنجلو المصرية القاهرة .
42 ـ محمد آيت موحي . دينامية الجماعة التربوية . دراسة في التواصل والأدوار والقيادة والمعايير داخل جماعة القسم .ط1 . منشورات عالم التربية .مطبعة النجاح . الدار البيضاء . المغرب.
43 ـ محمد أديوان . دينامية الجماعة التربوية . جماعة القسم . مجلة علوم التربية . العدد العاشر 1996 . المغرب .
44 ـ لويس كامل مليكة . سيكولوجية الجماعات والقيادة . ط 3 . 1970 . مكتبة النهضة المصرية .القاهرة .
46ـ محمد زياد حمدان . أدوات ملاحظة التدريس . مناهجها واستعمالها في تحسين التربية المدرسية . ديوان المطبوعات الجامعية . الجامعة الجزائرية . 1984 .
48 ـ مصطفى حجازي . الصحة النفسية . منظور دينامي تكاملي للنمو في البيت والمدرسة . ط1 . 2000 . المركزالثقافي العربي . الدار البيضاء . المغرب .
49 ـ صعوبات التعلم .
50 ـ أحمد أوزي . التعليم والتعلم بمقاربة الذكاءات المتعددة . منشورات مجلة علوم التربية . مطبعة النجاح . الجديدة . المغرب .
50 ـ روبرت سولسو . علم النفس المعرفي . ت. محمد نجيب الصبوة وآخرون . ط.1996 . شركة دار الفكر الحديث . الكويت .
52 ـ محمد نجيب أحمد الصبوة . تصور علمي لأدوار اللاختصاصي النفسي المدرسي . مجلة علم النفس . أفريل/ ماي . 1998 . جامعة القاهرة . مصر .
53ـ أحمد أبو هلال . النظم المختلفة المستخدمة في تحليل التفاعل اللفظي بين المدرس والتلاميذ داخل غرفة الصف . ط. 1979 . مكتبة النهضة الاسلامية. عمان الاردن .
مراجع استفيد منها بطريقة غير مباشرة دون ذكرها في المتن يمكن للطالب ان يرجع غليها
54 ـ حسن الكحلاني . الفردانية في الفكر الفلسفي المعاصر . ط1. 2004 . مكتبة مدبولي . القاهرة
55ـ يوسف مراد . مبادئ علم النفس العام . ط8 . منشورات جماعة علم النفس التكاملي .دار المعارف . القاهرة .
56ـ إبراهيم فريد الدر . الأسس البيولوجية لسلوك الإنسان . ط1 . 1994. الدار العربية للعلوم . بيروت . لبنان .
57 ـ اسحق رمزي . علم النفس الفردي . أصوله وتطبيقه . ط3 . منشورات جماعة علم النفس التكاملي . دار المعارف . القاهرة .
59 ـ أحمد معروف . شروط المدير الناجح . ط1 . 2003 . شركة التضامن . باتنيت .
60 ـ ياسر العيتي . الذكاء العاطفي . نظرة جديدة في العلاقة بين الذكاء والعاطفة . ط1 دار الفكر . دمشق .
61ـ محمد بن حمودة . علم الادارة المدرسية . نظرياته وتطبيقاته . دار العلوم للنشر . عنابة . الجزائر
62 ـ محمد الدريج . تحليل العملية التعليمية . مدخل إلى علم التدريس . ط2 . 1991 . مطبعة النجاح . الجديدة . الدار البيضاء . المغرب .
§ نعني الدراسة الميدانية التي قمنا بها في إطار رسالة دكتوراه حول التفاعل وأنماطه وعلاقته بالمتغيرات المرتبطة به .
* نقلا عن محمد زياد حمدان أدوات ملاحظة التدريس . ص 149 .
§ يمكن الاطلاع على الاستمارة وتفاصيل بنودها وتصنيفات السلوك غير اللفظي المصاحب للسلوك اللفظي في الملحق .
§ لمزيد من المعلومات التوضيحية والمفصلة في طريقة الرصد ومعالجة البيانات الخاصة بالأداة المزدوجة لرصد التفاعل يمكن الرجوع إلى دراستنا حول التفاعل في رسالة الدكتوراه في جامعة الجزائر ( 2000 ) .
[1] للاطلاع على تفاصيل المصفوفات وكيفية معالجتها إحصائيا يمكن الرجوع إلى أطروحتنا للدكتوراه ( 2000) بعنوان التفاعل وعلاقته بالتحصيل الدراسي والاتجاه نحو الدراسة، مودعة في المكتبة المركزية لجامعة الجزائر .
§ يمكن الرجوع لمعرفة تفاصيل هذه القوانين الإحصائية لحساب العلاقات السوسيومترية وإعداد المصفوفات والرسم السوسيوغرام وكيفية قراءة المؤشرات الإحصائية إلى كتاب الدكتورة باسمة المنلا . قياس العلاقات الاجتماعية ( السوسيومتري ) وتطبيقاته في الميدان التربوي وفي جماعات العمل . دار العلم للملايين .