003

 

تفسير الكشاف للزمخشري مصنف و مدقق

سورة آل عمران

 

{الۤمۤ}*{ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ}*{نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ}*{مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنْزَلَ ٱلْفُرْقَانَ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ}

 

{م} حقها أن يوقف عليها كما وقف على ألف ولام، وأن يبدأ ما بعدها كما تقول: واحد اثنان: وهي قراءة عاصم. وأما فتحها فهي حركة الهمزة ألقيت عليها حين أسقطت للتخفيف. فإن قلت: كيف جاز إلقاء حركتها عليها وهي همزة وصل لا تثبت في درج الكلام فلا تثبت حركتها لأنّ ثبات حركتها كثباتها؟ قلت: هذا ليس بدرج، لأنّ (م) في حكم الوقف والسكون والهمزة في حكم الثابت. وإنما حذفت تخفيفاً وألقيت حركتها على الساكن قبلها ليدل عليها. ونظيره قولهم: واحد اثنان، بإلقاء حركة الهمزة على الدال. فإن قلت: هلا زعمت أنها حركة لالتقاء الساكنين؟ قلت: لأنّ التقاء الساكنين لا يبالى به في باب الوقف، وذلك قولك: هذا إبراهيم وداود وإسحاق. ولو كان التقاء الساكنين في حال الوقف يوجب التحريك لحرك الميمين في ألف لام ميم، لالتقاء الساكنين. ولما انتظر ساكن آخر. فإن قلت: إنما لم يحركوا لالتقاء الساكنين في ميم، لأنهم أرادوا الوقف وأمكنهم النطق بساكنين، فإذا جاء ساكن ثالث لم يمكن إلا التحريك فحركوا. قلت: الدليل على أن الحركة ليست لملاقاة الساكن أنه كان يمكنهم أن يقولوا: واحد اثنان، بسكون الدال مع طرح الهمزة، فيجمعوا بين ساكنين، كما قالوا: أصيم، ومديق. فلما حركوا الدال علم أن حركتها هي حركة الهمزة الساقطة لا غير وليست لالتقاء الساكنين. فإن قلت: فما وجه قراءة عمرو بن عبيد بالكسر؟ قلت: هذه القراءة على توهم التحريك لالتقاء الساكنين وما هي بمقولة. و{ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ } اسمان أعجميان. وتكلف اشتقاقهما من الورى والنجل ووزنهما بتفعلة وأفعيل، إنما يصح بعد كونهما عربيين. وقرأ الحسن: «الأنجيل»، بفتح الهمزة، وهو دليل على العجمة، لأن أفعيل ـــ بفتح الهمزة ـــ عديم في أوزان العرب. فإن قلت: لم قيل {نَزَّلَ ٱلْكِتَـٰبَ } {وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ } ؟ قلت: لأن القرآن نزل منجماً، ونزل الكتابان جملة. وقرأ الأعمش: «نزَل عليك الكتابُ» بالتخفيف ورفع الكتاب {هُدًى لّلنَّاسِ } أي لقوم موسى وعيسى. ومن قال نحن متعبدون بشرائع من قبلنا فسره على العموم. فإن قلت: ما المراد بالفرقان؟ قلت: جنس الكتب السماوية، لأن كلها فرقان يفرق بين الحق والباطل أو الكتب التي ذكرها، كأنه قال بعد ذكر الكتب الثلاثة وأنزل ما يفرق به بين الحق والباطل من كتبه، أو من هذه الكتب، أو أراد الكتاب الرابع وهو الزبور، كما قال:

 {وَءاتَيْنَا دَاوُودُ زَبُوراً}

(النساء: 163) وهو ظاهر. أو كرر ذكر القرآن بما هو نعت له ومدح من كونه فارقاً بين الحق والباطل بعد ما ذكره باسم الجنس، تعظيماً لشأنه وإظهاراً لفضله {بآيات الله } من كتبه المنزلة وغيرها {ذُو ٱنتِقَامٍ } له انتقام شديد لا يقدر على مثله منتقم.

 

 

{إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ}*{هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}

 

{لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْءٌ } في العالم فعبر عنه بالسماء والأرض، فهو مطلع على كفر من كفر وإيمان من آمن، وهو مجازيهم عليه {كَيْفَ يَشَاءُ } من الصور المختلفة المتفاوتة. وقرأ طاوس: «تصوّركم»، أي صوّركم لنفسه ولتعبده، كقولك: أثلت مالاً، إذا جعلته أثلة، أي أصلاً. وتأثلته، إذا أثلته لنفسك. وعن سعيد بن جبير: هذا حجاج على من زعم أنّ عيسى كان رباً، كأنه نبه بكونه مصوراً في الرحم، على أنه عبد كغيره، وكان يخفى عليه ما لا يخفى على الله.

 

{إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ}*{هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}

{لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْءٌ } في العالم فعبر عنه بالسماء والأرض، فهو مطلع على كفر من كفر وإيمان من آمن، وهو مجازيهم عليه {كَيْفَ يَشَاءُ } من الصور المختلفة المتفاوتة. وقرأ طاوس: «تصوّركم»، أي صوّركم لنفسه ولتعبده، كقولك: أثلت مالاً، إذا جعلته أثلة، أي أصلاً. وتأثلته، إذا أثلته لنفسك. وعن سعيد بن جبير: هذا حجاج على من زعم أنّ عيسى كان رباً، كأنه نبه بكونه مصوراً في الرحم، على أنه عبد كغيره، وكان يخفى عليه ما لا يخفى على الله.

 

{هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}

{مُّحْكَمَـٰتٌ } أحكمت عبارتها بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه {مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ } مشتبهات محتملات {هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ } أي أصل الكتاب تحمل المتشابهات عليها وتردّ إليها، ومثال ذلك

 {اَّ تُدْرِكُهُ ٱلاْبْصَـٰرُ}

(الأنعام: 103)،

 {إِلَىٰ رَبّهَا نَاظِرَةٌ}

(القيامة: 23)،

 {اَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَاء}

(الأعراف: 27).

 {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا}

(الإسراء: 16). فإن قلت: فهلا كان القرآن كله محكماً؟ قلت: لو كان كله محكماً لتعلق الناس به لسهولة مأخذه، ولأعرضوا عما يحتاجون فيه إلى الفحص والتأمّل من النظر والاستدلال، ولو فعلوا ذلك لعطلوا الطريق الذي لا يتوصل إلى معرفة الله وتوحيده إلا به، ولما في المتشابه من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه، ولما في تقادح العلماء وإتعابهم القرائح في استخراج معانيه وردّه إلى المحكم من الفوائد الجليلة والعلوم الجمة ونيل الدرجات عند الله، ولأنّ المؤمن المعتقد أن لا مناقضة في كلام الله ولا اختلاف، إذا رأى فيه ما يتناقض في ظاهره، وأهمه طلب ما يوفق بينه ويجريه على سنن واحد، ففكر وراجع نفسه وغيره ففتح الله عليه وتبين مطابقة المتشابه المحكم، ازداد طمأنينة إلى معتقده وقوّة في إيقانه {الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } هم أهل البدع {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ } فيتعلقون بالمتشابه الذي يحتمل ما يذهب إليه المبتدع مما لا يطابق المحكم ويحتمل ما يطابقه من قول أهل الحق {ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ } طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم {وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ } وطلب أن يأوّلوه التأويل الذي يشتهونه {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ } أي لا يهتدي إلى تأويله الحق الذي يجب أن يحمل عليه إلا الله وعباده الذين رسخوا في العلم، أي ثبتوا فيه وتمكنوا وعضوا فيه بضرس قاطع. ومنهم من يقف على قوله( إلا الله)، ويبتدىء (والراسخون في العلم يقولون) ويفسرون المتشابه بما استأثر الله بعلمه، وبمعرفة الحكمة فيه من آياته، كعدد الزبانية ونحوه: والأوّل هو الوجه. ويقولون: كلام مستأنف موضح لحال الراسخين بمعنى هؤلاء العالمون بالتأويل {يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ } أي بالمتشابه {كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا } أي كل واحد منه ومن المحكم من عنده، أو بالكتاب كل من متشابهه ومحكمه من عند الله الحكيم الذي لا يتناقض كلامه ولا يختلف كتابه {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلالْبَـٰبِ } مدح للراسخين بإلقاء الذهن وحسن التأمّل ويجوز أن يكون {يَقُولُونَ } حالا من الراسخين. وقرأ عبد الله: «إن تأويله إلا عند الله». وقرأ أبيّ: «ويقول الراسخون».

 

8: 3

{رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ}*{رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ}

{لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا } لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا {بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } وأرشدتنا لدينك. أو لا تمنعنا ألطافك بعد إذ لطفت بنا {مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً } من عندك نعمة بالتوفيق والمعونة. وقرىء «لا تزغ قلوبنا»، بالتاء والياء ورفع القلوب {جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ } أي تجمعهم لحساب يوم أو لجزاء يوم، كقوله تعالى:

 {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ}

(التغابن: 9): وقرىء: «جامع الناس»، على الأصل {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ } معناه أنّ الإلهية تنافي خلف الميعاد كقولك:

 

إن الجواد لا يخيب سائله     

 

والميعاد: الموعد. قرأ علي رضي الله عنه: «لن تغني» بسكون الياء، وهذا من الجدّ في استثقال الحركة على حروف اللين.

 

9: 3

{رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ}*{رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ}

 

{لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا } لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا {بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } وأرشدتنا لدينك. أو لا تمنعنا ألطافك بعد إذ لطفت بنا {مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً } من عندك نعمة بالتوفيق والمعونة. وقرىء «لا تزغ قلوبنا»، بالتاء والياء ورفع القلوب {جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ } أي تجمعهم لحساب يوم أو لجزاء يوم، كقوله تعالى:

 {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ}

(التغابن: 9): وقرىء: «جامع الناس»، على الأصل {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ } معناه أنّ الإلهية تنافي خلف الميعاد كقولك:

 

إن الجواد لا يخيب سائله     

 

والميعاد: الموعد. قرأ علي رضي الله عنه: «لن تغني» بسكون الياء، وهذا من الجدّ في استثقال الحركة على حروف اللين.

 

10: 3

{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً وَأُولَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ}*{كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}*{قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ}

 

{مِّنَ } في قوله: {مِنَ ٱللَّهِ } مثله في قوله:

 {وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقّ شَيْئاً}

(النجم: 28) والمعنى: لن تغني عنهم من رحمة الله أو من طاعة الله {شَيْئًا} أي بدل رحمته وطاعته وبدل الحق: ومنه: (160) «ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ» أي لا ينفعه جدّه وحظه من الدنيا بذلك، أي بدل طاعتك وعبادتك وما عندك وفي معناه قوله تعالى:

 {وَمَا أَمْوٰلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ بِٱلَّتِى تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ}

(سبأ: 37) وقرىء: «وقود»، بالضم بمعنى أهل وقودها. والمراد بالذين كفروا من كفر برسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن ابن عباس: هم قريظة والنضير. الدأب: مصدر دأب في العمل إذا كدح فيه فوضع موضع ما عليه الإنسان من شأنه وحاله، والكاف مرفوع المحل تقديره: دأب هؤلاء الكفرة كدأب من قبلهم من آل فرعون وغيرهم. ويجوز أن ينتصب محل الكاف بلن تغني، أو بالوقود. أي لن تغني عنهم مثل ما لم تغني عن أولئك أو توقد بهم النار كما توقد بهم، تقول: إنك لتظلم الناس كدأب أبيك تريد كظلم أبيك ومثل ما كان يظلمهم، وإنّ فلاناً لمحارف كدأب أبيه، تريد كما حورف أبوه {كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } تفسير لدأبهم مافعلوا وفعل بهم، على أنه جواب سؤال مقدّر عن حالهم {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } هم مشركو مكة {سَتُغْلَبُونَ } يعني يوم بدر. وقيل: هم اليهود. ولما غلب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر قالوا: هذا والله النبي الأميّ الذي بشرنا به موسى، وهموا باتباعه. فقال بعضهم: لا تعجلوا حتى ننظر إلى وقعة أخرى، فلما كان يوم أحد شَكُّوا. وقيل: (161) جمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وقعة بدر في سوق بني قينقاع، فقال: "يا معشر اليهود احذروا مثل ما نزل بقريش وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أني نبي مرسل" ، فقالوا لا يغرّنك أنك لقيت قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، لئن قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس، فنزلت. وقرىء: «سيغلبون ويحشرون»، بالياء، كقوله تعالى:

 {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ}

(الأنفال: 38) على قل لهم قولي لك سيغلبون. فإن قلت: أي فرق بين القراءتين من حيث المعنى؟ قلت: معنى القراءة بالتاء الأمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحشر إلى جهنم. فهو إخبار بمعنى سيغلبون ويحشرون وهو الكائن من نفس المتوعد به والذي يدل عليه اللفظ، ومعنى القراءة بالياء الأمر بأن يحكي لهم ما أخبره به من وعيدهم بلفظه. كأنه قال: أدّ إليهم هذا القول الذي هو قولي لك سيغلبون ويحشرون.

 

11: 3

{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً وَأُولَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ}*{كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}*{قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ}

 

{مِّنَ } في قوله: {مِنَ ٱللَّهِ } مثله في قوله:

 {وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقّ شَيْئاً}

(النجم: 28) والمعنى: لن تغني عنهم من رحمة الله أو من طاعة الله {شَيْئًا} أي بدل رحمته وطاعته وبدل الحق: ومنه: (160) «ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ» أي لا ينفعه جدّه وحظه من الدنيا بذلك، أي بدل طاعتك وعبادتك وما عندك وفي معناه قوله تعالى:

 {وَمَا أَمْوٰلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ بِٱلَّتِى تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ}

(سبأ: 37) وقرىء: «وقود»، بالضم بمعنى أهل وقودها. والمراد بالذين كفروا من كفر برسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن ابن عباس: هم قريظة والنضير. الدأب: مصدر دأب في العمل إذا كدح فيه فوضع موضع ما عليه الإنسان من شأنه وحاله، والكاف مرفوع المحل تقديره: دأب هؤلاء الكفرة كدأب من قبلهم من آل فرعون وغيرهم. ويجوز أن ينتصب محل الكاف بلن تغني، أو بالوقود. أي لن تغني عنهم مثل ما لم تغني عن أولئك أو توقد بهم النار كما توقد بهم، تقول: إنك لتظلم الناس كدأب أبيك تريد كظلم أبيك ومثل ما كان يظلمهم، وإنّ فلاناً لمحارف كدأب أبيه، تريد كما حورف أبوه {كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } تفسير لدأبهم مافعلوا وفعل بهم، على أنه جواب سؤال مقدّر عن حالهم {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } هم مشركو مكة {سَتُغْلَبُونَ } يعني يوم بدر. وقيل: هم اليهود. ولما غلب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر قالوا: هذا والله النبي الأميّ الذي بشرنا به موسى، وهموا باتباعه. فقال بعضهم: لا تعجلوا حتى ننظر إلى وقعة أخرى، فلما كان يوم أحد شَكُّوا. وقيل: (161) جمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وقعة بدر في سوق بني قينقاع، فقال: "يا معشر اليهود احذروا مثل ما نزل بقريش وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أني نبي مرسل" ، فقالوا لا يغرّنك أنك لقيت قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، لئن قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس، فنزلت. وقرىء: «سيغلبون ويحشرون»، بالياء، كقوله تعالى:

 {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ}

(الأنفال: 38) على قل لهم قولي لك سيغلبون. فإن قلت: أي فرق بين القراءتين من حيث المعنى؟ قلت: معنى القراءة بالتاء الأمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحشر إلى جهنم. فهو إخبار بمعنى سيغلبون ويحشرون وهو الكائن من نفس المتوعد به والذي يدل عليه اللفظ، ومعنى القراءة بالياء الأمر بأن يحكي لهم ما أخبره به من وعيدهم بلفظه. كأنه قال: أدّ إليهم هذا القول الذي هو قولي لك سيغلبون ويحشرون.

 

 

12: 3

{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً وَأُولَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ}*{كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}*{قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ}

 

{مِّنَ } في قوله: {مِنَ ٱللَّهِ } مثله في قوله:

 {وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقّ شَيْئاً}

(النجم: 28) والمعنى: لن تغني عنهم من رحمة الله أو من طاعة الله {شَيْئًا} أي بدل رحمته وطاعته وبدل الحق: ومنه: (160) «ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ» أي لا ينفعه جدّه وحظه من الدنيا بذلك، أي بدل طاعتك وعبادتك وما عندك وفي معناه قوله تعالى:

 {وَمَا أَمْوٰلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ بِٱلَّتِى تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ}

(سبأ: 37) وقرىء: «وقود»، بالضم بمعنى أهل وقودها. والمراد بالذين كفروا من كفر برسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن ابن عباس: هم قريظة والنضير. الدأب: مصدر دأب في العمل إذا كدح فيه فوضع موضع ما عليه الإنسان من شأنه وحاله، والكاف مرفوع المحل تقديره: دأب هؤلاء الكفرة كدأب من قبلهم من آل فرعون وغيرهم. ويجوز أن ينتصب محل الكاف بلن تغني، أو بالوقود. أي لن تغني عنهم مثل ما لم تغني عن أولئك أو توقد بهم النار كما توقد بهم، تقول: إنك لتظلم الناس كدأب أبيك تريد كظلم أبيك ومثل ما كان يظلمهم، وإنّ فلاناً لمحارف كدأب أبيه، تريد كما حورف أبوه {كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } تفسير لدأبهم مافعلوا وفعل بهم، على أنه جواب سؤال مقدّر عن حالهم {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } هم مشركو مكة {سَتُغْلَبُونَ } يعني يوم بدر. وقيل: هم اليهود. ولما غلب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر قالوا: هذا والله النبي الأميّ الذي بشرنا به موسى، وهموا باتباعه. فقال بعضهم: لا تعجلوا حتى ننظر إلى وقعة أخرى، فلما كان يوم أحد شَكُّوا. وقيل: (161) جمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وقعة بدر في سوق بني قينقاع، فقال: "يا معشر اليهود احذروا مثل ما نزل بقريش وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أني نبي مرسل" ، فقالوا لا يغرّنك أنك لقيت قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، لئن قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس، فنزلت. وقرىء: «سيغلبون ويحشرون»، بالياء، كقوله تعالى:

 {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ}

(الأنفال: 38) على قل لهم قولي لك سيغلبون. فإن قلت: أي فرق بين القراءتين من حيث المعنى؟ قلت: معنى القراءة بالتاء الأمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحشر إلى جهنم. فهو إخبار بمعنى سيغلبون ويحشرون وهو الكائن من نفس المتوعد به والذي يدل عليه اللفظ، ومعنى القراءة بالياء الأمر بأن يحكي لهم ما أخبره به من وعيدهم بلفظه. كأنه قال: أدّ إليهم هذا القول الذي هو قولي لك سيغلبون ويحشرون.

 

13: 3

{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ}

 

{قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ } الخطاب لمشركي قريش {فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا } يوم بدر {يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ } يرى المشركون المسلمين مثلي عدد المشركين قريباً من ألفين. أو مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفاً وعشرين، أراهم الله إياهم مع قلتهم أضعافهم ليهابوهم ويجبنوا عن قتالهم، وكان ذلك مدداً لهم من الله كما أمدّهم بالملائكة. والدليل عليه قراءة نافع: «ترونهم»، بالتاء أي ترون يا مشركي قريش المسلمين مثلي فئتكم الكافرة، أو مثلي أنفسهم. فإن قلت: فهذا مناقض لقوله في سورة الأنفال

 {وَيُقَلّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ}

(الأنفال: 44). قلت: قللوا أوّلا في أعينهم حتى احترؤا عليهم فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا، فكان التقليل والتكثير في حالين مختلفين. ونظيره من المحمول على اختلاف الأحوال قوله تعالى:

 {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْـئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ}

(الرحمن: 39) وقوله تعالى:

 {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مسؤولون}

(الصافات: 24) وتقليلهم تارة وتكثيرهم أخرى في أعينهم أبلغ في القدرة وإظهار الآية. وقيل: يرى المسلمون المشركين مثلي المسلمين على ما قرر عليه أمرهم من مقاومة الواحد الاثنين في قوله تعالى:

 {فإِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ}

(الأنفال: 66) بعد ما كلفوا أن يقاوم الواحد العشرة في قوله تعالى:

 {إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ}

(الأنفال: 65) ولذلك وصف ضعفهم بالقلة لأنه قليل بالإضافة إلى عشرة الأضعاف وكان الكافرون ثلاثة أمثالهم. وقراءة نافع لا تساعد عليه. وقرأ ابن مصرِّف: «يرونهم»، على البناء للمفعول بالياء والتاء، أي يريهم الله ذلك بقدرته. وقرىء: «فئة تقاتل وأخرى كافرة»، بالجرّ على البدل من فئتين، وبالنصب على الاختصاص. أو على الحال من الضمير في( التقتا ) {رَأْىَ ٱلْعَيْنِ } يعني رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها، معاينة كسائر المعاينات {وَٱللَّهُ يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ } كما أيد أهل بدر بتكثيرهم في عين العدوّ.

 

17-14: 3

{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ}*{قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ}*{ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ}*{ٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْمُنْفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ}

 

{زُيّنَ لِلنَّاسِ } المزين هو الله سبحانه وتعالى للابتلاء، كقوله:

 {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلاْرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ}

(الكهف: 7) ويدل عليه قراءة مجاهد: «زَيَّنَ للناس»، على تسمية الفاعل. وعن الحسن: الشيطان. والله زينها لهم، لأنا لا نعلم أحداً أذم لها من خالقها {حُبُّ ٱلشَّهَوٰتِ } جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصاً على الاستمتاع بها. والوجه أن يقصد تخسيسها فيسميها شهوات، لأن الشهوة مسترذلة عند الحكماء مذموم من اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية، وقال: {زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوٰتِ } ثم جاء التفسير، ليقرر أوّلا في النفوس أن المزين لهم حبه ما هو إلا شهوات لا غير، ثم يفسره بهذه الأجناس، فيكون أقوى لتخسيسها، وأدلّ على ذم من يستعظمها ويتهالك عليها ويرجح طلبها على طلب ما عند الله. والقنطار: المال الكثير. قيل: ملء مسك ثور. وعن سعيد بن جبير: مائة ألف دينار. ولقد جاء الإسلام يوم جاء وبمكة مائة رجل قد قنطروا. و{ٱلْمُقَنطَرَةِ } مبنية من لفظ القنطار للتوكيد كقولهم: ألف مؤلفة، وبدرة مبدرة. و {ٱلْمُسَوَّمَةِ } المعلمة، من السومة وهي العلامة. أو المطهمة أو المرعية من أسام الدابة وسوّمها {وَٱلاْنْعَـٰمِ } الأزواج الثمانية {ذٰلِكَ } المذكور {مَّتَاعُ ٱلْحَيَوٰةِ }. {لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ عِندَ رَبّهِمْ جَنَّـٰتٌ } كلام مستأنف فيه دلالة على بيان ما هو خير من ذلكم، كما تقول: هل أدلك على رجل عالم؟ عندي رجل صفته كيت وكيت. ويجوز أن يتعلق اللام بخير. واختص المتقين، لأنهم هم المنتفعون به. وترتفع {جَنَّـٰتٌ } على: هو جنات. وتنصره قراءة من قرأ «جنات» بالجرّ على البدل من خير {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ } يثيب ويعاقب على الاستحقاق، أو بصير بالذين اتقوا وبأحوالهم، فلذلك أعدّ لهم الجنات. {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ } نصب على المدح، أو رفع. ويجوز الجرّ صفة للمتقين أو للعباد. والواو المتوسطة بين الصفات للدلالة على كما لهم في كل واحدة منها. وقد مرّ الكلام في ذلك. وخص الأسحار لأنهم كانوا يقدّمون قيام الليل فيحسن طلب الحاجة بعده

 {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُ}

(فاطر: 10) وعن الحسن: كانوا يصلون في أوّل الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار، هذا نهارهم، وهذا ليلهم.

 

19-18: 3

{شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}*{إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهِ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}

 

شبهت دلالته على وحدانيته بأفعاله الخاصة التي لا يقدر عليها غيره، وبما أوحى من آياته الناطقة بالتوحيد كسورة الإخلاص وآية الكرسي وغيرهما بشهادة الشاهد في البيان والكشف، وكذلك إقرار الملائكة وأولي العلم بذلك واحتجاجهم عليه {قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ } مقيماً للعدل فيما يقسم من الأرزاق والآجال، ويثيب ويعاقب، وما يأمر به عباده من إنصاف بعضهم لبعض والعمل على السوية فيما بينهم. وانتصابه على أنه حال مؤكدة منه كقوله:

 {وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدّقًا}

(البقرة:91). فإن قلت: لم جاز إفراده بنصب الحال دون المعطوفين عليه؟ ولو قلت جاءني زيد وعمرو راكباً لم يجز؟ قلت: إنما جاز هذا لعدم الإلباس كما جاز في قوله:

 {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً}

(الأنبياء: 72) إن انتصب نافلة حالا عن يعقوب. ولو قلت: جاءني زيد وهند راكباً جاز لتميزه بالذكورة، أو على المدح. فإن قلت: أليس من حق المنتصب على المدح أن يكون معرفة كقولك: الحمد لله الحميد. (162) "إنا معشر الأنبياء لا نورث" . إنا بنى نهشل لا ندعي لأب؟ قلت: قد جاء نكرة كما جاء معرفة. وأنشد سيبويه فيما جاء منه نكرة قول الهذلي:

 

وَيَأْوِي إلى نِسْوَةٍ عُطْلٍ      وَشُعْثا مَرَاضِيعَ مِثْلَ السَّعَالِي

 

فإن قلت: هل يجوز أن يكون صفة للمنفي كأنه قيل: لا إلٰه قائماً بالقسط إلا هو؟ قلت: لا يبعد، فقد رأيناهم يتسعون في الفصل بين الصفة والموصوف. فإن قلت: قد جعلته حالا من فاعل شهد، فهل يصح أن ينتصب حالاً عن «هو» في {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ }؟ قلت: نعم، لأنها حال مؤكدة والحال المؤكدة لا تستدعي أن يكون في الجملة التي هي زيادة في فائدتها عامل فيها، كقولك: أنا عبد الله شجاعاً. وكذلك لو قلت: لا رجل إلا عبد الله شجاعاً. وهو أوجه من انتصابه عن فاعل شهد، وكذلك انتصابه على المدح. فإن قلت: هل دخل قيامه بالقسط في حكم شهادة الله والملائكة وأولي العلم كما دخلت الوحدانية؟ قلت: نعم إذا جعلته حالاً من هو، أو نصباً على المدح منه، أو صفة للمنفي، كأنه قيل: شهد الله والملائكة وأولو العلم أنه لا إلٰه إلا هو، وأنه قائم بالقسط. وقرأ عبد الله: «القائم بالقسط»، على أنه بدل من هو، أو خبر مبتدأ محذوف. وقرأ أبو حنيفة: «قيما بالقسط» {ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ } صفتان مقرّرتان لما وصف به ذاته من الوحدانية والعدل، يعني أنه العزيز الذي لا يغالبه إلٰه آخر، والحكيم الذي لا يعدل عن العدل في أفعاله. فإن قلت: ما المراد بأولي العلم الذي عظمهم هذا التعظيم حيث جمعهم معه ومع الملائكة في الشهادة على وحدانيته وعدله؟ قلت: هم الذين يثبتون وحدانيته وعدله بالحجج الساطعة والبراهين القاطعة وهم علماء العدل والتوحيد. وقرىء: «أنه» بالفتح، و{إِنَّ ٱلدِّينَ } بالكسر على أنّ الفعل واقع على أنه بمعنى شهد الله على أنه، أو بأنه. وقوله: {إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ } جملة مستأنفة مؤكدة للجملة الأولى. فإن قلت: ما فائدة هذا التوكيد؟ قلت: فائدة أن قوله: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } توحيد، وقوله: {قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ } تعديل، فإذا أردفه قوله: {إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ } فقد آذن أن الإسلام هو العدل والتوحيد، وهو الدين عند الله، وما عداه فليس عنده في شيء من الدين. وفيه أن من ذهب إلى تشبيه أو ما يؤدّي إليه كإجازة الرؤية أو ذهب إلى الجبر الذي هو محض الجور، لم يكن على دين الله الذي هو الإسلام، وهذا بين جلي كما ترى. وقرئا مفتوحين، على أن الثاني بدل من الأوّل. كأنه قيل: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام، والبدل هو المبدل منه في المعنى، فكان بياناً صريحاً، لأن دين الله هو التوحيد والعدل. وقرىء الأوّل بالكسر والثاني بالفتح، على أن الفعل واقع على( إنّ )وما بينهما اعتراض مؤكد. وهذا أيضاً شاهد على أن دين الإسلام هو العدل والتوحيد، فترى القراءات كلها متعاضدة على ذلك. وقرأ عبد الله: «أن لا إلٰه إلا هو». وقرأ أبيّ: «إن الدين عند الله للإسلام»، وهي مقوية لقراءة من فتح الأولى وكسر الثانية. وقرىء: «شهداء لله»، بالنصب على أنه حال من المذكورين قبله، وبالرفع على هم شهداء الله. فإن قلت: فعلام عطف على هذه القراءة {وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ }؟ قلت: على الضمير في شهداء، وجاز لوقوع الفاصل بينهما. فإن قلت: لم كرر قوله: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } قلت: ذكره أوّلاً للدلالة على اختصاصه بالوحدانية، وأنه لا إلٰه إلا تلك الذات المتميزة، ثم ذكره ثانياً بعد ما قرن بإثبات الوحدانية إثبات العدل، للدلالة على اختصاصه بالأمرين، كأنه قال: لا إلٰه إلا هذا الموصوف بالصفتين، ولذلك قرن به قوله: {ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ } لتضمنهما معنى الوحدانية والعدل {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } أهل الكتاب من اليهود والنصارى. واختلافهم أنهم تركوا الإسلام وهو التوحيد والعدل {مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْعِلْمُ } أنه الحق الذي لا محيد عنه، فثلثت النصارى، وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالوا: كنا أحق بأن تكون النبوّة فينا من قريش لأنهم أمّيون ونحن أهل الكتاب، وهذا تجوير {بَغْياً بَيْنَهُمْ } أي ما كان ذلك الاختلاف وتظاهر هؤلاء بمذهب وهؤلاء بمذهب إلا حسداً بينهم وطلباً منهم للرياسة وحظوظ الدنيا، واستتباع كل فريق ناساً يطؤن أعقابهم، لاشبهة في الإسلام. وقيل: هو اختلافهم في نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، حيث آمن به بعض وكفر به بعض. وقيل: هو اختلافهم في الإيمان بالأنبياء، فمنهم من آمن بموسى، ومنهم من آمن بعيسى. وقيل هم اليهود، واختلافهم أن موسى عليه السلام حين احتضر استودع التوراة سبعين حبراً من بني إسرائيل، وجعلهم أمناء عليها، واستخلف يوشع، فلما مضى قرن بعد قرن اختلف أبناء السبعين بعد ما جاءهم علم التوراة بغيا بينهم وتحاسداً على حظوظ الدنيا والرياسة. وقيل: هم النصارى واختلافهم في أمر عيسى بعد ما جاءهم العلم أنه عبد الله ورسوله.

 

20: 3

{فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ وَٱلأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ}

 

{فَإنْ حَاجُّوكَ } فإن جادلوك في الدين {فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ } أي أخلصت نفسي وجملتي لله وحده لم أجعل فيها لغيره شريكاً بأن أعبده وأدعوه إلها معه؛ يعني أن ديني التوحيد وهو الدين القديم الذي ثبتت عندكم صحته كما ثبتت عندي، وما جئت بشيء بديع حتى تجادلوني فيه. ونحوه

 {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً}

(آل عمران: 64) فهو دفع للمحاجة بأن ما هو عليه ومن معه من المؤمنين هو حق اليقين الذي لا لبس فيه؛ فما معنى المحاجة فيه؟ {وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ } عطف على التاء في أسلمت وحسن للفاصل. ويجوز أن تكون الواو بمعنى مع فيكون مفعولاً معه {وَقُلْ لّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } من اليهود والنصارى {وَٱلاْمّيّينَ } والذين لا كتاب لهم من مشركي العرب {ءأَسْلَمْتُمْ } يعني أنه قد أتاكم من البينات ما يوجب الإسلام ويقتضي حصوله لا محالة؛ فهل أسلمتم أم أنتم بعد على كفركم؟ وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة ولم تبق من طرق البيان والكشف طريقاً إلا سلكته: هل فهمتها لا أم لك، ومنه قوله عزّ وعلا

 {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ}

(المائدة: 91) بعد ما ذكر الصوارف عن الخمر والميسر. وفي هذا الاستفهام استقصار وتعيير بالمعاندة وقلة الإنصاف، لأن المنصف إذا تجلت له الحجة لم يتوقف إذعانه للحق، وللمعاند بعد تجلي الحجة ما يضرب أسداداً بينه وبين الإذعان، وكذلك في: هل فهمتها؟ توبيخ بالبلادة وكلة القريحة. وفي

 {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ}

(المائدة: 91) بالتقاعد عن الانتهاء والحرص الشديد على تعاطي المنهي عنه {فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ } فقد نفعوا أنفسهم حيث خرجوا من الضلال إلى الهدى ومن الظلمة إلى النور {وَإِن تَوَلَّوْاْ } لم يضروك فإنك رسول منبه عليك أن تبلغ الرسالة وتنبه على طريق الهدى.

 

22-21: 3

{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}*{أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ}

 

قرأ الحسن: «يقتلون النبيين» وقرأ حمزة: «ويقاتلون الذين يأمرون» وقرأ عبد الله: «وقاتلوا» وقرأ أبيّ. «يقتلون النبيين»، والذين يأمرون. وهم أهل الكتاب. قتل أولوهم الأنبياء وقتلوا أتباعهم وهم راضون بما فعلوا، وكانوا حول قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لولا عصمة الله. وعن أبي عبيدة بن الجراح: (163) قلت يا رسول الله، أي الناس أشدّ عذاباً يوم القيامة؟ قال: "رجل قتل نبياً؛ أو رجلاً أمر بمعروف ونهى عن منكر» ثم قرأها ثم قال: «يا أبا عبيدة، قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيّا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة واثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل فأمروا قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعاً في آخر النهار" {فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلاْخِرَةِ } لأنّ لهم اللعنة والخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة. فإن قلت: لم دخلت الفاء في خبر إن؟ قلت: لتضمن اسمها معنى الجزاء، كأنه قيل: الذين يكفرون فبشرهم بمعنى من يكفر فبشرهم، و «إنّ» لا تغير معنى الابتداء فكأنّ دخولها كلا دخول، ولو كان مكانها «ليت» أو «لعل» لامتنع إدخال الفاء لتغير معنى الابتداء.

 

25-23: 3

{أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُونَ}*{ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}*{فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}

 

{أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } يريد أحبار اليهود، وأنهم حصلوا نصيباً وافراً من التوراة. و «من» إما للتبعيض وإما للبيان، أو حصلوا من جنس الكتب المنزلة أو من اللوح التوارة وهي نصيب عظيم {يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } وهو التوراة {لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } وذلك (164) أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مدراسهم فدعاهم فقال له نعيم بن عمرو والحرث بن زيد: على أي دين أنت؟ قال: على ملة إبراهيم. قالا: إنّ إبراهيم كان يهودياً. قال لهما: إنّ بيننا وبينكم التوارة، فهلموا إليها» فأبيا. وقيل نزلت في الرجم، وقد اختلفوا فيه. وعن الحسن وقتادة: كتاب الله القرآن؛ لأنهم قد علموا أنه كتاب الله لم يشكوا فيه {ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مّنْهُمْ } استبعاد لتوليهم بعد علمهم بأن الرجوع إلى كتاب الله واجب {وَهُم مُّعْرِضُونَ } وهم قوم لا يزال الإعراض ديدنهم. وقرىء «لِيُحْكَمَ» على البناء للمفعول. والوجه أن يراد ما وقع من الاختلاف والتعادي بين من أسلم من أحبارهم وبين من لم يسلم: وأنهم دعوا إلى كتاب الله الذي لا اختلاف بينهم في صحته وهو التوراة ليحكم بين المحق والمبطل منهم، ثم يتولى فريق منهم وهم الذين لم يسلموا. وذلك أنّ قوله: {لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } يقتضي أن يكون اختلافاً واقعاً فيما بينهم، لا فيما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم {ذٰلِكَ } التولي والإعراض بسبب تسهيلهم على أنفسهم أمر العقاب وطمعهم في الخروج من النار بعد أيام قلائل كما طمعت المجبرة والحشوية {وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } من أنّ آباءهم هم الأنبياء يشفعون لهم كما غرت أولئك شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كبائرهم {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَـٰهُمْ } فكيف يصنعون فكيف تكون حالهم، وهو استعظام لما أعدّ لهم وتهويل لهم، وأنهم يقعون فيما لا حيلة لهم في دفعه والمخلص منه، وأن ما حدثوا به أنفسهم وسهلوه عليها تعلل بباطل وتطمع بما لا يكون. وروي أنّ أوّل راية ترفع لأهل الموقف من رايات الكفار راية اليهود، فيفضحهم الله على رؤوس الاشهاد، ثم يأمر بهم إلى النار {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } يرجع إلى كل نفس على المعنى، لأنه في معنى كل الناس كما تقول: ثلاثة أنفس، تريد ثلاثة أناسي.

 

27-26: 3

 

 

{قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}*{تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}

 

الميم في {ٱللَّهُمَّ } عوض من يا، ولذلك لا يجتمعان. وهذا بعض خصائص هذا الاسم كما اختص بالتاء في القسم، وبدخول حرف النداء عليه، وفيه لام التعريف، وبقطع همزته في يا أَلـلـه، وبغير ذلك {مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ } أي تملك جنس الملك فتتصرف فيه تصرّف الملاك فيما يملكون {تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَاءُ } تعطي من تشاء النصيب الذي قسمت له واقتضته حكمتك من الملك {وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ } النصيب الذي أعطيته منه، فالملك الأوّل عام شامل، والملكان الآخران خاصان بعضان من الكل. روى. (165) أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم، فقال المنافقون واليهود: هيهات هيهات، من أين لمحمد ملك فارس والروم؟ هم أعز وأمنع من ذلك. وروي (166) "أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خط الخندق عام الأحزاب وقطع لكل عشرة أربعين ذراعاً وأخذوا يحفرون، خرج من بطن الخندق صخرة كالتل العظيم لم تعمل فيها المعاول، فوجهوا سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره، فأخذ المعول من سلمان فضربها ضربة صدّعتها «وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها، لكأن مصباحاً في جوف بيت مظلم، وكبر وكبر المسلمون وقال: أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب، ثم ضرب الثانية فقال: أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم، ثم ضرب الثالثة فقال: أضاءت لي قصور صنعاء، وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمّتي ظاهرة على كلها، فأبشروا. فقال المنافقون: ألا تعجبون، يمنيكم ويعدكم الباطل، ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم، وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا، فنزلت" . فإن قلت: كيف قال: {بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ } فذكر الخير دون الشر؟ قلت: لأنّ الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين وهو الذي أنكرته الكفرة، فقال بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك، ولأن كل أفعال الله تعالى من نافع وضارّ صادر عن الحكمة والمصلحة، فهو خير كله كإيتاء الملك ونزعه. ثم ذكر قدرته الباهرة بذكر حال الليل والنهار في المعاقبة بينهما، وحال الحيّ والميت في إخراج أحدهما من الآخر، وعطف عليه رزقه بغير حساب دلالة على أنّ من قدر على تلك الأفعال العظيمة المحيرة للأفهام ثم قدر أن يرزق بغير حساب دلالة من يشاء من عباده، فهو قادر على أن ينزع الملك من العجم ويذلهم ويؤتيه العرب ويعزهم وفي بعض الكتب: أنا الله ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني جعلتهم لهم رحمة، وإن العباد عصوني جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم، وهو معنى قوله عليه السلام (167) "كما تكونوا يولى عليكم"

 

 

28: 3

{لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرْكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ}

 

نهوا أن يوالوا الكافرين لقرابة بينهم أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك من الأسباب التي يتصادق بها ويتعاشر، وقد كرّر ذلك في القرآن

 {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}

(المائدة: 51)،

 {اَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ أَوْلِيَاء}

(المائدة: 50)،

 {اَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ}

الآيه (المجادلة: 22). والمحبة في الله والبغض في الله باب عظيم وأصل من أصول الإيمان {مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } يعني أن لكم في موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكافرين فلا تؤثروهم عليهم {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَىْءٍ } ومن يوالي الكفرة فليس من ولاية الله في شيء يقع عليه اسم الولاية، يعني أنه منسلخ من ولاية الله رأساً، وهذا أمر معقول فإنّ موالاة الوليّ وموالاة عدوّه متنافيان، قال:

 

تَوَدُّ عَدُوِّى ثُمَّ تَزْعُمُ أَنَّنِي      صدِيقُكَ لَيْسَ النَّوْكُ عَنْكَ بِعَازِبِ

 

{إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً } إلا أن تخافوا من جهتهم أمراً يجب اتقاؤه. وقرىء: «تقية». قيل للمتقي تقاة وتقية، كقولهم: ضرب الأمير لمضروبه. رخص لهم في موالاتهم إذا خافوهم، والمراد بتلك الموالاة مخالفة ومعاشرة ظاهرة والقلب مطمئن بالعدواة والبغضاء، وانتظار زوال المانع من قشر العصا، كقول عيسى صلوات الله عليه «كن وسطاً وامش جانباً» {وَيُحَذّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ } فلا تتعرضوا لسخطه بموالاة أعدائه، وهذا وعيد شديد. ويجوز أن يضمن {تَتَّقُواْ } معنى تحذروا وتخافوا، فيعدى بمن وينتصب {تُقَـٰةً } أو تقية على المصدر، كقوله تعالى:

 {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}

(آل عمران: 102).

 

 

29: 3

{قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}

 

{إِن تُخْفُواْ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ } من ولاية الكفار أو غيرها مما لا يرضي الله {يَعْلَمْهُ } ولم يخف عليه وهو الذي {وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِى ٱلاْرْضِ } لا يخفى عليه منه شيء قط. فلا يخفى عليه سركم وعلنكم {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } فهو قادر على عقوبتكم. وهذا بيان لقوله:

 {وَيُحَذّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ}

(آل عمران: 28) لأنّ نفسه وهي ذاته المميزة من سائر الذوات، متصفة بعلم ذاتي لا يختص بمعلوم دون معلوم، فهي متعلقة بالمعلومات كلها وبقدرة ذاتية لا تختص بمقدور دون مقدور، فهي قادرة على المقدورات كلها، فكان حقها أن تحذر وتتقى فلا يجسر أحد على قبيح ولا يقصر عن واجب، فإن ذلك مطلع عليه لا محالة فلاحق به العقاب، ولو علم بعض عبيد السلطان أنه أراد الإطلاع على أحواله، فوكل همه بما يورد ويصدر، ونصب عليه عيوناً، وبث من يتجسس عن بواطن أموره، لأخذ حذره وتيقظ في أمره، واتقى كل ما يتوقع فيه الاسترابة به، فما بال من علم أنّ العالم الذات الذي علم السر وأخفى مهيمن عليه وهو آمن. اللهم إنا نعوذ بك من اغترارنا بسترك.

 

30: 3

{يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَٱللَّهُ رَؤُوفُ بِٱلْعِبَادِ}

 

{يَوْمَ تَجِدُ } منصوب بتودّ. والضمير في بينه لليوم، أي يوم القيامة حين تجد كل نفس خيرها وشرها حاضرين، تتمنى لو أنّ بينها وبين ذلك اليوم وهو له أمداً بعيداً. ويجوز أن ينتصب {يَوْمَ تَجِدُ } بمضمر نحو: اذكر، ويقع على ما عملت وحده، ويرتفع {وَمَا عَمِلَتْ } على الابتداء، و{تَوَدُّ } خبره، أي: والذي عملته من سوء تودّ هي لو تباعد ما بينها وبينه. ولا يصح أن تكون ما شرطية لارتفاع تودّ. فإن قلت: فهل يصح أن تكون شرطية على قراءة عبد الله ودّت؟ قلت: لا كلام في صحته، ولكن الحمل على الابتداء والخبر أوقع في المعنى لأنه حكاية الكائن في ذلك اليوم وأثبت لموافقة قراءة العامّة. ويجوز أن يعطف {وَمَا عَمِلَتْ } على {مَّا عَمِلَتْ } ويكون {تَوَدُّ } حالاً، أي يوم تجد عملها محضراً وادّة تباعد ما بينها وبين اليوم أو عمل السوء محضراً، كقوله تعالى:

 {وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا}

(الكهف: 49) يعني مكتوباً في صحفهم يقرؤنه ونحوه

 {فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ أَحْصَـٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ}

(المجادلة: 6). والأمد المسافة كقوله تعالى:

 ٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ}

(الزخرف:38) وكرّر قوله: {وَيُحَذّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ } ليكون على بال منهم لا يغفلون عنه {وَٱللَّهُ رَءوفٌ بِٱلْعِبَادِ } يعني أن تحذيره نفسه وتعريفه حالها من العلم والقدرة من الرأفة العظيمة بالعباد لأنهم إذا عرفوه حق المعرفة وحذروه دعاهم ذلك إلى طلب رضاه واجتناب سخطه. وعن الحسن من رأفته بهم أن حذرهم نفسه. ويجوز أن يريد أنه مع كونه محذوراً لعلمه وقدرته، مرجوّ لسعة رحمته كقوله تعالى:

 {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ}

(فصلت: 43).

 

 

32-31: 3

{قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}*{قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ}

محبة العباد لله مجاز عن إرادة نفوسهم اختصاصه بالعبادة دون غيره ورغبتهم فيها. ومحبة الله عباده أن يرضى عنهم ويحمد فعلهم. والمعنى: إن كنتم مريدين لعبادة الله على الحقيقة {فَٱتَّبِعُونِى } حتى يصحّ ما تدعونه من إرادة عبادته، يرض عنكم ويغفر لكم. وعن الحسن: زعم أقوام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم يحبون الله فأراد أن يجعل لقولهم تصديقاً من عمل، فمن ادعى محبته وخالف سنة رسوله فهو كذاب وكتاب الله يكذبه. وإذا رأيت من يذكر محبة الله ويصفق بيديه مع ذكرها ويطرب وينعر ويصعق فلا تشك في أنه لا يعرف ما الله ولا يدري ما محبة الله. وما تصفيقه وطربه ونعرته وصعقته إلا أنه تصوّر في نفسه الخبيثة صورة مستملحة معشقة فسماها الله بجهله ودعارته، ثم صفق وطرب ونعر وصعق تصوّرها، وربما رأيت المنيَّ قد ملأ إزار ذلك المحب عند صعقته، وحمقى العامة على حواليه قد ملؤا أدرانهم بالدموع لما رققهم من حاله. وقرىء: «تحبون». و«يحببكم» و«يحبكم»، من حبه يحبه. قال:

 

أُحِبُّ أبَا ثَرْوَانَ مِنْ حُبِّ تَمْرِه     وَأَعْلَمُ أنّ الرِّفْقَ بِالجَارِ أَرْفَقُ

وَوَاللَّهِ لَوْلاَ تَمْرُهُ ما حَبَبْتُهُ     وَلاَ كَانَ أَدْنَى مِنْ عُبَيْدٍ وَمُشْرِقُ

 

{فَإِن تَوَلَّوْاْ } يحتمل أن يكون ماضياً، وأن يكون مضارعاً بمعنى: فإن تتولوا، ويدخل في جملة ما يقول الرسول لهم.

 

 

37-33: 3

 

{إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ}*{ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}*{إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}*{فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ}*{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إنًّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}

{آل إِبْرٰهِيمَ ٱ } إسماعيل وإسحاق وأولادهما. {وَءَالَ عِمْرَانَ} موسى وهرون ابنا عمران ابن يصهر. وقيل عيسى ومريم بنت عمران بن ماثان، وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة. و{ذُرّيَّةَ } بدل من آل إبراهيم وآل عمران {بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ } يعني أنّ الآلين ذرّية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض: موسى وهرون من عمران، وعمران من يصهر، ويصهر من فاهث، وفاهث من لاوى، ولاوى من يعقوب، ويعقوب من إسحاق. وكذلك عيسى ابن مريم بنت عمران بن ماثان بن سليمان بن داود بن إيشا بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق. وقد دخل في آل إبراهيم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل:( بعضها من بعض ) في الدين، كقوله تعالى:

 {ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَاتُ بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ}

(التوبة:67){وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } يعلم من يصلح للاصطفاء، أو يعلم أنّ بعضهم من بعض في الدين. أو( سميع عليم) لقول امرأة عمران ونيتها. و{إِذْ} منصوب به. وقيل: بإضمار اذكر. وامرأة عمران هي امرأة عمران بن ماثان، أم مريم البتول. جدّة عيسى عليه السلام، وهي حنة بنت فاقوذ. وقوله: {إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرٰنَ } على أثر قوله: {وَءَالَ عِمْران } مما يرجح أنّ عمران هو عمران بن ماثان جدّ عيسى، والقول الآخر يرجحه أن موسى يقرن بإبراهيم كثيراً في الذكر. فإن قلت: كانت لعمران بن يصهر بنت اسمها مريم أكبر من موسى وهرون، ولعمران بن ماثان مريم البتول، فما أدراك أن عمران هذا هو أبو مريم البتول دون عمران أبي مريم التي هي أخت موسى وهرون؟ قلت: كفى بكفالة زكريا دليلاً على أنه عمران أبو البتول، لأن زكريا بن آذن وعمران بن ماثان كانا في عصر واحد، وقد تزوّج زكريا بنته إيشاع أخت مريم فكان يحيى وعيسى ابني خالة. روي أنها كانت عاقرا لم تلد إلى أن عجزت، فبينا هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخاً له فتحرّكت نفسها للولد وتمنته، فقالت: اللهم إن لك عليّ نذراً شكراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمه، فحملت بمريم وهلك عمران وهي حامل {مُحَرَّرًا } معتقاً لخدمة بيت المقدس لا يدَ لي عليه ولا أستخدمه ولا أشغله بشيء، وكان هذا النوع من النذر مشروعاً عندهم. وروي: أنهم كانوا ينذرون هذا النذر، فإذا بلغ الغلام خير بين أن يفعل وبين أن لا يفعل. وعن الشعبي {مُحَرَّرًا }: مخلصاً للعبادة، وما كان التحرير إلا للغلمان، وإنما بنت الأمر على التقدير، أو طلبت أن ترزق ذكراً {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا } الضمير لـ ( ما في بطني)، وإنما أنث على المعنى لأن ما في بطنها كان أنثى في علم الله، أو على تأويل الحبلة أو النفس أو النسمة. فإن قلت: كيف جاز انتصاب {أُنثَىٰ } حالا من الضمير في وضعتها وهو كقولك وضعت الأنثى أنثى؟ قلت: الأصل: وضعته أنثى، وإنما أنثى لتأنيث الحال؛ لأن الحال وذا الحال لشيء واحد، كما أنث الاسم في( ما كانت أمّك ) لتأنيث الخبر. ونظيره قوله تعالى:

 {فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ}

(النساء: 176) وأمّا على تأويل الحبلة أو النسمة فهو ظاهر، كأنه قيل: إني وضعت الحبلة أو النسمة أنثى. فإن قلت: فلم قالت: إني وضعتها أنثى وما أرادت إلى هذا القول؟ قلت: قالته تحسراً على ما رأت من خيبة رجائها وعكس تقديرها. فتحزنت إلى ربها لأنها كانت ترجو وتقدر أن تلد ذكراً، ولذلك نذرته محرّراً للسدانة. ولتكلمها بذلك على وجه التحسر والتحزن قال الله تعالى: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } تعظيماً لموضوعها وتجهيلا لها بقدر ما وهب لها منه. ومعناه: والله أعلم بالشيء الذي وضعت وما علق به من عظائم الأمور، وأن يجعله وولده آية للعالمين وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئاً. فلذلك تحسرت. وفي قراءة ابن عباس «والله أعلم بما وَضَعْتِ» على خطاب الله تعالى لها أي إنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب وما علم الله من عظم شأنه وعلوّ قدره. وقرىء: «وضعت». بمعنى: ولعلّ لله تعالى فيه سراً وحكمة، ولعلّ هذه الأنثى خير من الذكر تسلية لنفسها. فإن قلت: فما معنى قوله: {وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلاْنثَىٰ }؟ قلت: هو بيان لما في قوله: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } من التعظيم للموضوع والرفع منه، ومعناه: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لها، واللام فيهما للعهد. فإن قلت: علام عطف قوله: {وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ }؟ قلت: هو عطف على إني وضعتها أنثى، وما بينهما جملتان معترضتان، كقوله تعالى:

 {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ}

(الواقعة: 76) فإن قلت: فلم ذكرت تسميتها مريم لربها؟ قلت: لأن مريم في لغتهم بمعنى العابدة، فأرادت بذلك التقريب والطلب إليه أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها، وأن يصدق فيها ظنها بها. ألا ترى كيف أتبعته طلب الإعاذة لها ولولدها من الشيطان وإغوائه. وما يروى من الحديث. (168) "ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهلّ صارخاً من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها" فالله أعلم بصحته. فإن صح فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها، فإنهما كانا معصومين، وكذلك كل من كان في صفتهما كقوله تعالى:

 {اَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ}

(الحجر: 40 ـــ 41) واستهلاله صارخاً من مسه تخييل وتصوير لطمعه فيه، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول: هذا ممن أغويه، ونحوه من التخييل قول ابن الرومي:

 

لِمَا تُؤْذِنُ الدُّنْيَا بِهِ مِنْ صُرُوفِهَا      يَكُونُ بُكَاءُ الطَفْلِ سَاعَةَ يُولَدُ

 

وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا، ولو سلط إبليس على الناس بنخسهم لامتلأت الدنيا صراخاً وعياطاً مما يبلونا به من نخسه {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا } فرضي بها في النذر مكان الذكر {بِقَبُولٍ حَسَنٍ } فيه وجهان: أحدهما أن يكون القبول اسم ما تقبل به الشيء كالسعوط واللدود، لما يسعط به ويلد، وهو اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكر في النذر، ولم يقبل قبلها أنثى في ذلك، أو بأن تسلمها من أمّها عقيب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة. وروي: أن حنة حين ولدت مريم، لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد، ووضعتها عند الأحبار أبناء هرون، وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، وكانت بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم، فقال لهم زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها فقالوا: لا حتى نقترع عليها، فانطلقوا ـــ وكانوا سبعة وعشرين ـــ إلى نهر، فألقوا فيه أقلامهم، فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم، فتكفلها. والثاني: أن يكون مصدراً على تقدير حذف المضاف بمعنى: فتقبلها بذي قبول حسن، أي بأمر ذي قبول حسن وهو الاختصاص. ويجوز أن يكون معنى {فَتَقَبَّلَهَا } فاستقبلها، كقولك: تعجله بمعنى استعجله، وتقصاه بمعنى استقصاه، وهو كثير في كلامهم، من استقبل الأمر إذا أخذه بأوّله وعنفوانه قال القطامي:

 

وَخَيْرُ الأَمْرِ مَا ٱسْتَقْبَلْتَ مِنْهُ      وَلَيْسَ بِأَنْ تَتَبَّعَهُ اتِّبَاعَا

 

ومنه المثل «خذ الأمر بقوابله». أي فأخذها في أوّل أمرها حين ولدت بقبول حسن {وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } مجاز عن التربية الحسنة العائدة عليها بما يصلحها في جميع أحوالها. وقرىء: «وَكَفِلَها زكريا»، بوزن وعملها {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } بتشديد الفاء ونصب زكرياء، والفعل لله تعالى بمعنى: وضمها إليه وجعله كافلاً لها وضامناً لمصالحها. ويؤيدها قراءة أبيّ: وأكفلها، من قوله تعالى:

 {فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا}

(ص: 23) وقرأ مجاهد: فتقبلها ربها، وأنبتها، وكفلها، على لفظ الأمر في الأفعال الثلاثة، ونصب ربها، تدعو بذلك، أي فاقبلها يا ربها وربها، واجعل زكريا كافلاً لها. قيل: بنى لها زكريا محراباً في المسجد، أي غرفة يصعد إليها بسلم. وقيل: المحراب أشرف المجالس ومقدّمها، كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس. وقيل: كانت مساجدهم تسمى المحاريب. وروي: أنه كان لا يدخل عليها إلا هو وحده، وكان إذا خرج غلق عليها سبعة أبواب. {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا } كان رزقها ينزل عليها من الجنة ولم ترضع ثديا قط، فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء {أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا } من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آت في غير حينه والأبواب مغلقة عليك لا سبيل للداخل به إليك؟ {قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } فلا تستبعد. قيل تكلمت وهي صغيرة كما تكلم عيسى وهو في المهد. وعن النبي صلى الله عليه وسلم (169) "أنه جاع في زمن قحط فأهدت له فاطمة رضي الله عنها رغيفين وبضعة لحم آثرته بها، فرجع بها إليها، وقال: هلمي يا بنية فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزاً ولحماً، فبهتت وعلمت أنها نزلت من عند الله، فقال لها صلى الله عليه وسلم: أنيَّ لك هذا؟ فقالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب. فقال عليه الصلاة والسلام: الحمد لله الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل، ثم جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين وجميع أهل بيته، فأكلوا عليه حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو، فأوسعت فاطمة على جيرانها" . {إنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ } من جملة كلام مريم عليها السلام، أو من كلام رب العزّة عزّ من قائل {بِغَيْرِ حِسَابٍ } بغير تقدير لكثرته، أو تفضلاً بغير محاسبة ومجازاة على عمل بحسب الاستحقاق.

 

 

41-38: 3

{هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ}*{فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ}*{قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ}*{قَالَ رَبِّ ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ}

 

{هُنَالِكَ } في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في المحراب أو في ذلك الوقت. فقد يستعار هنا وثم وحيث للزمان. لما رأى حال مريم في كرامتها على الله ومنزلتها، رغب في أن يكون له من ايشاع ولد مثل ولد أختها حنة في النجابة والكرامة على الله، وإن كانت عاقراً عجوزاً فقد كانت أختها كذلك. وقيل: لما رأى الفاكهة في غير وقتها انتبه على جواز ولادة العاقر {ذُرِّيَّةَ } ولداً. والذرية يقع على الواحد والجمع {سَمِيعُ ٱلدُّعَاءِ } مجيبه. قرىء: «فناداه الملائكة». وقيل: ناداه جبريل عليه السلام، وإنما قيل الملائكة على قولهم: فلان يركب الخيل {أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشّركَ } بالفتح على بأن الله، وبالكسر على إرادة القول. أو لأن النداء نوع من القول. وقرىء: «يبشرك»، «ويبشرك»، من بشره وأبشره. «ويَبْشُرك» بفتح الياء من بشره. ويحيى إن كان أعجمياً وهو الظاهر فمنع صرفه للتعريف والعجمة كموسى وعيسى، وإن كان عربياً فللتعريف ووزن الفعل كيعمر {مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } مصدّقاً بعيسى مؤمناً به. قيل هو أول من آمن به، وسمي عيسى «كلمة» لأنه لم يوجد إلا بكلمة الله وحدها، وهي قوله: (كن ) من غير سبب آخر. وقيل: مصدّقاً بكلمة من الله، مؤمناً بكتاب منه. وسمي الكتاب كلمة، كما قيل كلمة الحويدرة لقصيدته. والسيد: الذي يسود قومه، أي يفوقهم في الشرف. وكان يحيى فائقاً لقومه وفائقاً للناس كلهم في أنه لم يركب سيئة قط، ويالها من سيادة. والحصور: الذي لا يقرب النساء حصراً لنفسه أي منعاً لها من الشهوات. وقيل هو الذي لا يدخل مع القوم في الميسر. قال الأخطل:

 

وَشَارِبٍ مُرْبِحٍ بِالكأْسِ نَادَمَني      لاَ بِالْحَصُورِ وَلاَ فِيهَا بِسَئَّارِ

 

فاستعير لمن لا يدخل في اللعب واللهو. وقد روي أنه مرّ وهو طفل بصبيان فدعوه إلى اللعب فقال: ما للعب خلقت {مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } ناشئاً من الصالحين، لأنه كان من أصلاب الأنبياء، أو كائناً من جملة الصالحين كقوله:

 {وَإِنَّهُ فِى ٱلاْخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ}

(البقرة:130). {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ } استبعاد من حيث العادة كما قالت مريم. {وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ } كقولهم: أدركته السنّ العالية. والمعنى أثر فيّ الكبر فأضعفني، وكانت له تسع وتسعون سنة، ولامرأته ثمان وتسعون {كَذَٰلِكَ } أي يفعل الله ما يشاء من الأفعال العجيبة مثل ذلك الفعل، وهو خلق الولد بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر، أو كذلك الله مبتدأ وخبر، أي على نحو هذه الصفة الله، ويفعل ما يشاء بيان له، أي يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادات {ءَايَةً } علامة أعرف بها الحبل لأتلقى النعمة إذا جاءت بالشكر {قَالَ ءَايَتُكَ أَلاَّ } تقدر على تكليم الناس {ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ } وإنما خص تكليم الناس ليعلمه أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصة، مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر الله، ولذلك قال: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبّحْ بِٱلْعَشِىّ وَٱلإبْكَـٰرِ } يعني في أيام عجزك عن تكليم الناس، وهي من الآيات الباهرة. فإن قلت: لم حبس لسانه عن كلام الناس؟ قلت: ليخلص المدّة لذكر الله لا يشغل لسانه بغيره، توفراً منه على قضاء حق تلك النعمة الجسيمة، وشكرها الذي طلب الآية من أجله، كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له: آيتك أن تحبس لسانك إلا عن الشكر. وأحسن الجواب وأوقعه ما كان مشتقا من السؤال. ومنتزعاً منه {إِلاَّ رَمْزًا } إلا إشارة بيد أو رأس أو غيرهما وأصله التحرّك. يقال ارتمز: إذا تحرّك. ومنه قيل للبحر الراموز. وقرأ يحيى ابن وثاب «إلا رمزاً» بضمتين، جمع رموز كرسول ورسل. وقرىء: «رمزاً» بفتحتين جمع رامز كخادم وخدم، وهو حال منه ومن الناس دفعة كقوله:

 

مَتَى مَا تَلْقَني فَرْدَيْنِ تَرْجُفْ      رَوَانِفُ إلْيَتَيْكَ وَتُسْتَطَارَ

 

بمعنى إلا مترامزين، كما يكلم الناس الأخرس بالإشارة ويكلمهم. والعشيّ: من حين تزول الشمس إلى أن تغيب. و{وٱلإِبْكٰرِ} من طلوع الفجر إلى وقت الضحى. وقرىء «والأبكار»، بفتح الهمزة جمع بكر كسحر وأسحار. يقال: أتيته بكراً بفتحتين. فإن قلت: الرمز ليس من جنس الكلام؛ فكيف استثنى منه؟ قلت: لما أدّى مؤدّى الكلام وفهم منه ما يفهم منه سمي كلاماً. ويجوز أن يكون استثناء منقطعاً

 

 

43-42: 3

{وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَالَمِينَ}*{يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِي وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ}

{يَٰمَرْيَمُ} روي أنهم كلموها شفاها معجزة لزكريا أو إرهاصا لنبوّة عيسى {ٱصْطَفَـٰكِ } أولاً حين تقبلك من أمك ورباك واختصك بالكرامة السنية {وَطَهَّرَكِ } مما يستقذر من الأفعال ومما قرفك به اليهود {وَٱصْطَفَـٰكِ } آخراً {عَلَىٰ نِسَاء ٱلْعَـٰلَمِينَ } بأن وهب لك عيسى من غير أب؛ ولم يكن ذلك لأحد من النساء. أمرت بالصلاة بذكر القنوت والسجود؛ لكونهما من هيآت الصلاة وأركانها؛ ثم قيل لها {وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلركِعِينَ } بمعنى: ولتكن صلاتك مع المصلين أي في الجماعة؛ أو انظمي نفسك في جملة المصلين وكوني معهم في عدادهم ولا تكوني في عداد غيرهم. ويحتمل أن يكون في زمانها من كان يقوم ويسجد في صلاته ولا يركع وفيه من يركع، فأمرت بأن تركع مع الراكعين ولا تكون مع من لا يركع.

 

 

44: 3

ٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ}

ٰلِكَ } إشارة إلى ما سبق من نبإ زكريا ويحيى ومريم وعيسى عليهم السلام، يعني أن ذلك من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي. فإن قلت: لم نفيت المشاهدة وانتفاؤها معلوم بغير شبهة؟ وترك نفي استماع الأنباء من حفاظها وهو موهوم؟ قلت: كان معلوماً عندهم علماً يقيناً أنه ليس من أهل السماع والقراءة وكانوا منكرين للوحي، فلم يبق إلا المشاهدة وهي في غاية الاستبعاد والاستحالة، فنفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي مع علمهم بأنه لا سماع له ولا قراءة. ونحوه

 {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِىّ}

(القصص: 44)،

 {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ}

(القصص: 46) ،

 {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ}

(يوسف: 102) {أَقْلَـٰمَهُمْ } أزلامهم وهي قداحهم التي طرحوها في النهر مقترعين. وقيل: هي الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة، اختاروها للقرعة تبركا بها {إِذْ يَخْتَصِمُونَ } في شأنها تنافساً في التكفل بها. فإن قلت: {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ } بم يتعلق؟ قلت: بمحذوف دلّ عليه يلقون أقلامهم، كأنه قيل: يلقونها ينظرون أيهم يكفل، أو ليعلموا، أو يقولون.

 

 

 

 

51-45: 3

{إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ}*{وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ}*{قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}*{وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ}*{وَرَسُولاً إِلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وٱلأَبْرَصَ وَأُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}*{وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ}*{إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}

 

{ٱلْمَسِيحُ } لقب من اولقاب المشرفة، كالصدّيق والفاروق، وأصله مشيحاً بالعبرانية، ومعناه المبارك، كقوله:

 {وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَمَا كُنتُ}

(مريم: 31) وكذلك {عِيسَى } معرب من أيشوع. ومشتقهما من المسح والعيس، كالراقم في الماء. فإن قلت: {إِذْ قَالَتِ } بم يتعلق؟ قلت: هو بدل من {وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـئِكَةُ } ويجوز أن يبدل من {إِذْ يَخْتَصِمُونَ } على أن الاختصام والبشارة وقعاً في زمان واسع، كما تقول: لقيته سنة كذا. فإن قلت: لم قيل: عيسى ابن مريم والخطاب لمريم؟ قلت: لأنّ الأبناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات، فأعلمت بنسبته إليها أنه يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه، وبذلك فضلت واصطفيت على نساء العالمين. فإن قلت: لم ذكر ضمير الكلمة؟ قلت لأن المسمى بها مذكر. فإن قلت: لم قيل اسمه المسيح عيسى ابن مريم، وهذه ثلاثة أشياء: الاسم منها عيسى،و أما المسيح والابن فلقب وصفة؟ قلت: الاسم للمسمى علامة يعرف بها ويتميز من غيره، فكأنه قيل: الذي يعرف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه الثلاثة {وَجِيهاً } حال من {كلمة}وكذلك قوله: (ومن المقربين)، (ويكلم) (وَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ). أي يبشرك به موصوفاً بهذه الصفات. وصح انتصاب الحال من النكرة لكونها موصوفة. والوجاهة في الدنيا: النبوّة والتقدم على الناس. وفي الآخرة الشفاعة وعلو الدرجة في الجنة. وكونه {مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ } رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة. والمهد: ما يمهد للصبي من مضجعه، سمي بالمصدر. و{فِى ٱلْمَهْدِ } في محل النصب على الحال، {وَكَهْلاً } عطف عليه بمعنى: ويكلم الناس طفلاً وكهلاً. ومعناه: يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء، من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة التي يستحكم فيها العقل ويستنبأ فيها الأنبياء. ومن بدع التفاسير أن قولها: رب نداء لجبريل عليه السلام بمعنى يا سيدي {ونعلمه} عطف على يبشرك، أو على وجيها أو على يخلق، أو هو كلام مبتدأ. وقرأ عاصم ونافع: «ويعلمه»، بالياء. فإن قلت: علام تحمل: ورسولاً، ومصدّقاً من المنصوبات المتقدّمة، وقوله: {أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ } و{لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } يأبى حمله عليها؟ قلت: هو من المضائق، وفيه وجهان: أحدهما أن يضمر له «وأرسلت» على إرادة القول؛ تقديره: ونعلمه الكتاب والحكمة، ويقول أرسلت رسولاً بأني قد جئتكم. ومصدقاً لما بين يدي. والثاني أن الرسول والمصدّق فيهما معنى النطق، فكأنه قيل: وناطقاً بأني قد جئتكم، وناطقاً بأني أصدق ما بين يدي وقرأ اليزيدي: ورسول: عطفاً على كلمة {أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ } أصله أرسلت بأني قد جئتكم، فحذف الجار وانتصب بالفعل، و{أَنِى أَخْلُقُ } نصب بدل من {أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ } أو جرّ بدل من آية، أو رفع على: هي أني أخلق لكم، وقرىء: «إني»، بالكسر على الاستئناف، أي أقدر لكم شيئاً مثل صورة الطير {فَأَنفُخُ فِيهِ } الضمير للكاف، أي في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير {فَيَكُونُ طَيْرًا } فيصير طيراً كسائر الطيور حياً طياراً. وقرأ عبد الله: «فأنفخها» قال:

 

كالهَبْرَقِيِّ تَنَحَّى يَنْفُخُ الْفَحْمَا     

 

وقيل: لم يخلق غير الخفاش {ٱلاْكْمَهَ } الذي ولد أعمى، وقيل: هو الممسوح العين. ويقال: لم يكن في هذه الأمّة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير. وروي أنه ربما اجتمع عليه خمسون ألفاً من المرضى، من أطاق منهم أتاه، ومن لم يطق أتاه عيسى، وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده. وكرر {بِإِذُنِ ٱللَّهِ } دفعاً لوهم من توهم فيه اللاهوتية. وروي: أنه أحيا سام بن نوح وهم ينظرون، فقالوا هذا سحر فأرنا آية، فقال: يا فلان أكلت كذا، ويا فلان خبىء لك كذا. وقرىء «تذخرون»، بالذال والتخفيف {وَلأُحِلَّ } ردّ على قوله: {بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ } أي جئتكم بآية من ربكم، ولأحل لكم ويجوز أن يكون {مُصَدّقاً } مردوداً عليه أيضاً، أي جئتكم بآية وجئتكم مصدقاً. وما حرم الله عليهم في شريعة موسى: الشحوم والثروب ولحوم الإبل، والسمك، وكل ذي ظفر، فأحل لهم عيسى بعض ذلك. قيل: أحل لهم من السمك والطير ما لا صيصية له. واختلفوا في إحلاله لهم السبت. وقرىء «حرم عليكم» على تسمية الفاعل، وهو ما بين يديّ من التوراة، أو الله عزّ وجلّ، أو موسى عليه السلام؛ لأن ذكر التوراة دل عليه، ولأنه كان معلوماً عندهم. وقرىء: «حرم»، بوزن كرم {وجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ } شاهدة على صحة رسالتي وهي قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ } لأنّ جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه، وقرىء بالفتح على البدل من {ءايَةً }. وقوله: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ } اعتراض، فإن قلت: كيف جعل هذا القول آية من ربه؟ قلت لأنّ الله تعالى جعله له علامة يعرف بها أنه رسول كسائر الرسل، حيث هداه للنظر في أدلة العقل والاستدلال. ويجوز أن يكون تكريراً لقوله: {جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ } أي جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم، من خلق الطير، والإبراء، والإحياء، والإنباء بالخفايا، وبغيره من ولادتي بغير أب، ومن كلامي في المهد، ومن سائر ذلك. وقرأ عبد الله. «وجئتكم بآيات من ربكم»، فاتقوا الله لما جئتكم به من الآيات، وأطيعوني فيما أدعوكم إليه. ثم ابتدأ فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ } ومعنى قراءة من فتح: ولأنّ الله ربي وربكم فاعبدوه، كقوله:

 {إِيلَـٰفِ قُرَيْشٍ .... فَلْيَعْبُدُواْ}

(قريش: 1 ـــ 3) ويجوز أن يكون المعنى: وجئتكم بآية على أن الله ربي وربكم وما بينهما اعتراض.

 

 

54-52: 3

{فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}*{رَبَّنَآ آمَنَّا بِمَآ أَنزَلَتْ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ}*{وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ}

 

{فَلَمَّا أَحَسَّ } فلما علم منهم {ٱلْكُفْرَ } علماً لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس. و{إِلَى ٱللَّهِ } من صلة أنصاري مضمناً معنى الإضافة، كأنه قيل: من الذين يضيفون أنفسهم إلى الله، ينصرونني كما ينصرني، أو يتعلق بمحذوف حالاً من الياء، أي من أنصاري، ذاهباً إلى الله ملتجئاً إليه {نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ } أي أنصار دينه ورسوله. وحواريّ الرجل: صفوته وخالصته. ومنه قيل: للحضريات الحواريات لخلوص ألوانهن ونظافتهن قال:

 

فَقُلْ لِلَحوَارِيَّاتِ يَبْكِينَ غَيْرَنَا      وَلاَ تَبْكِنَا إلاّ الْكِلاَبُ النَّوابِحُ

 

وفي وزنه الحوالي، وهو الكثير الحيلة. وإنما طلبوا شهادته بإسلامهم تأكيداً لإيمانهم، لأنّ الرسل يشهدون يوم القيامة لقومهم وعليهم {مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } مع الأنبياء الذين يشهدون لأممهم أو مع الذين يشهدون بالوحدانية. وقيل: مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم شهداء على الناس {وَمَكَرُواْ } الواو لكفار بني إسرائيل الذين أحس منهم الكفر، ومكرهم أنهم وكلوا به من يقتله غيلة {وَمَكَرَ ٱللَّهُ } أن رفع عيسى إلى السماء وألقى شبهه على من أراد اغتياله حتى قتل {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ } أقواهم مكراً وأنفذهم كيداً وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب.

 

 

 

 

57-55: 3

 

{إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}*{فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ}*{وَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ}

 

{إِذْ قَالَ ٱللَّهُ } ظرف لخير الماكرين أو لمكر الله {إِنّي مُتَوَفّيكَ } أي مستوفي أجلك. معناه: إني عاصمك من أن يقتلك الكفار؛ ومؤخرك إلى أجل كتبته لك. ومميتك حتف أنفك لا قتيلاً بأيدهم {وَرَافِعُكَ إِلَىَّ } إلى سمائي ومقرّ ملائكتي {وَمُطَهّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } من سوء جوارهم وخبث صحبتهم. وقيل متوفيك: قابضك من الأرض، من توفيت مالي على فلان إذا استوفيته: وقيل: مميتك في وقتك بعد النزول من السماء ورافعك الآن: وقيل: متوفي نفسك بالنوم من قوله:

 {وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِـهَا}

(الزمر: 42) ورافعك وأنت نائم حتى لا يلحقك خوف، وتستيقظ وأنت في السماء آمن مقرب {فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } يعلونهم بالحجة وفي أكثر الأحوال بها وبالسيف، ومتبعوه هم المسلمون لأنهم متبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى {فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ } تفسير الحكم قوله: {فَأُعَذّبُهُمْ ... فنوفيهم أُجُورَهُمْ } وقرىء «فيوفيهم» بالياء.

 

58: 3

 

ٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ}

 

ٰلِكَ} إشارة إلى ما سبق من نبأ عيسى وغيره وهو مبتدأ خبره {نَتْلُوهُ } و{مِنَ ٱلاْيَـٰتِ } خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف. ويجوز أن يكون ذلك بمعنى الذي، ونتلوه صلته. ومن الآيات الخبر: ويجوز أن ينتصب ذلك بمضمر يفسره( نتلوه) {وَٱلذّكْرِ ٱلْحَكِيمِ } القرآن، وصف بصفة من هو سببه، أو كأنه ينطق بالحكمة لكثرة حكمه.

 

60-59: 3

{إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}*{ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ}

 

{إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ } إن شأن عيسى وحاله الغريبة كشأن آدم. وقوله: {خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } جملة مفسرة لما له شبه عيسى بآدم أي خلق آدم من تراب ولم يكن ثمة أب ولا أم، وكذلك حال عيسى. فإن قلت: كيف شبه به وقد وجد هو من غير أب، ووجد آدم من غير أب وأم؟ قلت: هو مثيله في إحدى الطرفين، فلا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيهه به، لأنّ المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف، ولأنه شبه به في أنه وجد وجوداً خارجاً عن العادة المستمرة، وهما في ذلك نظيران، ولأن الوجود من غير أب وأم أغرب وأخرق للعادة من الوجود بغير أب، فشبه الغريب بالأغرب؛ ليكون أقطع للخصم وأحسم لمادة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه. وعن بعض العلماء أنه أسر بالروم فقال لهم: لِمَ تعبدون عيسى، قالوا: لأنه لا أب له. قال: فآدم أولى لأنه لا أبوين له. قالوا: كان يحيي الموتى. قال: فحزقيل أولى، لأن عيسى أحيا أربعة نفر، وأحيا حزقيل ثمانية آلاف. قالوا: كان يبرىء الأكمه والأبرص. قال: فجرجيس أولى، لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالماً. {خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } قدّره جسداً من طين {ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن } أي أنشأه بشراً كقوله

 {ثُمَّ أَنشأناه خلقاً آخر}

(المؤمنون: 14) {فَيَكُونُ } حكاية حال ماضية. {الحق من ربك} {ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ فَلاَ تَكُنْ مّن ٱلْمُمْتَرِينَ } خبر مبتدأ محذوف، أي هو الحق كقول أهل خيبر: محمد والخميس ونهيه عن الامتراء ـــ وجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون ممتريا ـــ من باب التهييج لزيادة الثبات والطمأنينة، وأن يكون لطفاً لغيره.

 

61: 3

{فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ}

 

{فَمَنْ حَاجَّكَ } من النصارى {فِيهِ} في عيسى {مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ } أي من البينات الموجبة للعلم {تَعَالَوْاْ } هلموا. والمراد المجيء بالرأي والعزم، كما تقول تعالَ نفكر في هذه المسألة {نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ } أي يدع كل مني ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه إلى المباهلة {ثُمَّ نَبْتَهِلْ } ثم نتباهل بأن نقول بهلة الله على الكاذب منا ومنكم. والبهلة بالفتح، والضم: اللعنة. وبهله الله لعنه وأبعده من رحمته من قولك «أبهله» إذا أهمله. وناقة باهل: لاصرار عليها وأصل الابتهال هذا، ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه وإن لم يكن التعانا. وروي: (170) «أنهم لما دعاهم إلى المباهلة قالوا: حتى نرجع وننظر، فلما تخالوا قالوا للعاقب وكان ذا رأيهم: يا عبد المسيح، ما ترى؟ فقال والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أنّ محمداً نبيٌّ مرسل، وقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لتهلكنّ فإن أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غداً محتضنا الحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي وعليٌّ خلفها وهو يقول: «إذا أنا دعوت فأمّنوا، فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى، إني لأرى وجوها لو شاء الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة، فقالوا: يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك وأن نقرّك على دينك ونثبت على ديننا قال: «فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم» فأبوا. قال: «فإني أناجزكم» فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا ترددنا عن ديننا على أنّ نؤدي إليك كل عام ألفي حلة: ألف في صفر، وألف في رجب، وثلاثين درعاً عادية من حديد. فصالحهم على ذلك وقال: «والذي نفسي بيده، إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا» وعن عائشة رضي الله عنها (171) "أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وعليه مرط مرجل من شعر أسود. فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم فاطمة، ثم علي" ، ثم قال:

 {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْت}

(الأحزاب: 33). فإن قلت: ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلا ليتبين الكاذب منه ومن خصمه وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه، فما معنى ضم الأبناء والنساء؟ قلت: ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده وأحب الناس إليه لذلك ولم يقتصر على تعريض نفسه له، وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال إن تمت المباهلة. وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب، وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل. ومن ثمة كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب، ويسمون الذادة عنها بأرواحهم حماة الحقائق. وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم، وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها. وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام. وفيه برهان واضح على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك.

 

 

63-62: 3

{إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}*{فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِٱلْمُفْسِدِينَ}

 

{إِنَّ هَذَا } الذي قص عليك من نبأ عيسى {لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ } قرىء بتحريك الهاء على الأصل وبالسكون، لأن اللام تنزل من {هُوَ } منزلة بعضه، فخفف كما خفف عضد. وهو إما فصل بين اسم إن وخبرها، وإما مبتدأ والقصص الحق خبره. والجملة خبر إن. فإن قلت: لم جاز دخول اللام على الفصل؟ قلت: إذا جاز دخولها على الخبر كان دخولها على الفصل أجوز، لأنه أقرب إلى المبتدأ منه، وأصلها أن تدخل على المبتدأ. و «من» في قوله: {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ } بمنزلة البناء على الفتح في (اَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ ) في إفادة معنى الاستغراق، والمراد الردّ على النصارى في تثليثهم {فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِٱلْمُفْسِدِينَ } وعيد لهم بالعذاب المذكور في قوله:

 {زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ}

(النحل: 88).

 

 

 

68-64: 3

 

{قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلَمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}*{يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}*{هٰأَنْتُمْ هَؤُلاۤءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}*{مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}*{إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ}

 

{يَٰۤـأهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ } قيل هم أهل الكتابين. وقيل: وفد نجران. وقيل: يهود المدينة {سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } مستوية بيننا وبينكم، لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل. وتفسير الكلمة قوله: {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ ٱللَّهِ } يعني تعالوا إليها حتى لا نقول: عزير ابن الله، ولا المسيح ابن الله، لأن كل واحد منهما بعضنا بشر مثلنا، ولا نطيع أحبارنا فيما أحدثوا من التحريم والتحليل من غير رجوع إلى ما شرع الله، كقوله تعالى:

 {ٱتَّخَذُواْ أَحْبَـٰرَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـٰهاً وٰحِداً}

(التوبة: 31) وعن عدي بن حاتم. (172) "ما كنا نعبدهم يا رسول الله، قال: أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم؟ قال: نعم. قال: هو ذاك" ، وعن الفضيل: لا أبالي أطعت مخلوقاً في معصية الخالق، أو صليت لغير القبلة. وقرىء «كلمة» بسكون اللام. وقرأ الحسن «سواء» بالنصب بمعنى استوت استواء {فَإِن تَوَلَّوْاْ } عن التوحيد {فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } أي لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا بأنا مسلمون دونكم، كما يقول الغالب للمغلوب في جدال أو صراع أو غيرهما: اعترف بأني أنا الغالب وسلم لي الغلبة. ويجوز أن يكون من باب التعريض، ومعناه: اشهدوا واعترفوا بأنكم كافرون حيث توليتم عن الحق بعد ظهوره. زعم كل فريق من اليهود والنصارى أن إبراهيم كان منهم، وجادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فيه فقيل لهم: إن اليهودية إنما حدثت بعد نزول التوراة، والنصرانية بعد نزول الإنجيل، وبين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبينه وبين عيسى ألفان، فكيف يكون إبراهيم على دين لم يحدث إلا بعد عهده بأزمنة متطاولة؟ {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال { هَٰأَنتُمْ هَـٰؤلآءِ } ها للتنبيه، وأنتم مبتدأ وهؤلاء خبره. و{حَـٰجَجْتُمْ } جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى، يعني أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم جادلتم {فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ } مما نطق به التوراة والإنجيل {فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ } ولا ذكر له في كتابيكم من دين إبراهيم. وعن الأخفش: ها أنتم هو آأنتم على الاستفهام. فقلبت الهمزة هاء. ومعنى الاستفهام التعجب من حماقتهم. وقيل: {هَٰـؤُلآءِ } بمعنى اللذين و{حَـٰجَجْتُمْ } صلته {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ } علم ما حاججتم فيه {وَأَنتُمْ } جاهلون به ثم أعلمهم بأنه بريء من دينكم وما كان إلا {حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } كما لم يكن منكم. أو أراد بالمشركين اليهود والنصارى لإشراكهم به عزيراً والمسيح {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرٰهِيمَ } إن أخصهم به وأقربهم منه من الولي وهو القرب {لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ } في زمانه وبعده {وَهَـٰذَا ٱلنَّبِىُّ } خصوصاً {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } من أمته. وقرىء: «وهذا النبيَّ» بالنصب عطفاً على الهاء في اتبعوه، أي اتبعوه واتبعوا هذا النبي. وبالجر عطفاً على إبراهيم۔

 

 

 

 

 

 

71-69: 3

{وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}*{يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ}*{يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}

 

{وَدَّت طَّائِفَةٌ } هم اليهود، دعوا حذيفة وعماراً ومعاذاً إلى اليهودية {وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ } وما يعود وبال الإضلال إلا عليهم، لأن العذاب يضاعف لهم بضلالهم وإضلالهم. أو وما يقدرون على إضلال المسلمين. وإنما يضلون أمثالهم من أشياعهم {بِأَيَٰتِ ٱللَّهِ} بالتوراة والإنجيل. وكفرهم بها: أنهم لا يؤمنون بما نطقت به من صحة نبوّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرها. وشهادتهم: اعترافهم بأنها آيات الله. أو تكفرون بالقرآن ودلائل نبوّة الرسول {وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } نعته في الكتابين. أو تكفرون بآيات الله جميعاً وأنتم تعلمون أنها حق. قرىء «تلبسون» بالتشديد وقرأ يحيى بن وثاب «تلبَسُون» بفتح الباء أي تلبسون الحق مع الباطل. كقوله: (173) "كلابس ثوبَيْ زور" . وقوله:

 

إذَا هُوَ بِالْمَجْدِ ارْتَدَى وَتَأَزَّرَا

 

الفهرست

Back

 

 

 

 

1