|
مدراس في أيام مطيرة
تأليف : سامينا علي
ترجمة : علاء الدين رمضان
قبل
سنة واحدة
معاناة هادئة في
غرفة ليست لي ، الباب مقفل ، المصاريع الخشبية سحبت مغلقة
وأُرْتِجَت ، ما من نسيم يهب ، ولا شيء يطلق حفيف أوراق أشجار
المانجو أو جوز الهند ؛ إنه السكون وحسب . في وقت مبكر صباحاً من
أيام مايو الحارة ، في منتصف فصل الصيف بحيدر آباد . الجو يجب أن
يكون 104 فهرنهايت في الخارج . هنا، نشعر بحرارة أشد كثيراً.
أحد المصاريع
الخشبية مشقوقة ومشوّهة بطول الحافة ، تسمح لشعاع وحيد من نور
الشمس بدُخُول الغرفة . أنا أضطجع فوق منتصف سرير عمتي ، مضجع
جلبته معها في حذق قبل حوالي عشرين سنة، من أجل ليلة زفافها،
لُفَّت مع ناموسية وردية ، حبال الياسمين والستائر الوردية من
الجوانب الأربعة ، تعبئُ الهواء بشذاها . في ذلك المساء رأت وجه
خالي للمرة الأولى عندما دخل بها - لم يكن ذلك على القطيفة الحمراء
الناعمة تلك التي غَطّت المفرش المعد لهذا الاحتفال، لكن ثبِّت
بعناية فوق القدمين بوساطة الملاءتين البيضاويتين اللتين تعطيان
صلاحية أكثر لهذا الزواج من عقد زفافها أو قسمهما . وفي الصباح
التالي، يُعلّق القماش الأحمر المرقّط على حبل الغسيل ، وهي ترفرف
في الريح ليراها الجميع ، علم أبيض لاستسلامها ونصره . ثمّ إنها ،
بعد أن أثبت جدارته ، بدأت الرحلة الطويلة لنسيان عائلتها الخاصة ،
لتصبح متبلورة لدي . الآن، السرير يقف عارياً ومكشوفاً ، يعرض نفسه
ليكون لا شيء أكثر من كونه في الحقيقة : منصة خشبية ترقد مع فراش
قطني بسمك بوصتين ، إنه لا يوفر حتى الراحةً ؛ أحس بضغط الخشب صوب
حافات جسدي المكدودة ؛ خلف رأسي، عظام كتفي ، مرافقي، كعوب قدميّ .
فلو أن رجلاً اضطجع فوقي الآن، أَتصور أنني سوف أَنكسر .
يسقط الشعاع الشمس
الهزيل فوق شفتي، وكما أشعر بتزايد دفئهم ، أعتقد أن هذا ما أحسه
مثلي أحمر الشفاه ؛ زفاف أحمر . أَنا كنت منزعجة ، عنقي وظهري
معروقان ، يُبلّلان الملاءة القطنية من تحتي لأنني أعرف أنني سوف
أترك أثراً . لكنني لم أَتحرك .
كُل شيء كان في الظل
. ما عدا صوت أمّي على الجانب الآخر للباب المغلق .
إنها متذمرة لذا
كانت تدفع جبهتها صوب باب غرفة النوم، ثم تنسحب عائدة ، لتدفعه
أمامي ثانيةً فقط كل مرة ترتطم رأسها، أسمع ضربة الخشب المكتومة
وهزات الباب ، وأنا خائفة أن ينفتح تحت الضغط .
”قلب أمك انفطر. أنت
تكسرين قلب أمك . طفلة شيطانية ، لن تكوني سعيدة ، سترين“. إنه صوت
أمي ، مع أنه لم يعد يملك أي شبه بذلك الذي كنت أعرفه . يبدو وكأن
هناك امرأة أخرى تتكلم عنها، تلعنني، عندما لا نعرف كلنا أية لعنة
تتحقق أفضل من تلك التي تنطلق من الأم إلى ابنتها ، لحماً ونطفة .
من يكون الطفل الشيطاني، إذن ، هي أو أنا ؟.
تسحب مربيتي وابنتها
أمي بعيداً عن الباب. أخفافهم تتعثر وتنزلق على أرضية القرميد. أمي
تستجديهم أن يتركوها وشأنها، تقول إنها تعرف ماذا تفعل. هذه رباطة
جأش قديمة وعناد.
تبكي أمي : ” أنا لا
أعرف ماذا أفعل عدا ذلك “..؛ ” أبوها ليس هنا . هو دائماً كان هنا.
أليس هناك من يستطيع مُساعدتي ؟ كيف أفعل أنا هذا منفردة ؟ “.
” صهٍ ........ “ ..
الغرفة تتحول من
الظلال إلى الظلام ، أنفاسي تنطلق واهنةً ، وأنا أستطيع أن أشم
رائحة عرقي . في الخارج ، تنسحق أوراق أكثر تحت الأقدام . هذا زمن
، موغل في البعد . خالي يتراجع، وأنا أعجب أين تكون زوجته .
” عاهرة! “ تهدر،
تطرق الباب بعنف . بالقبضات والجبهة. ثم بالقبضات والجبهة.
فبالأقدام العارية : ” أخبريني من يكون عشيقك أيتها العاهرة الوقحة
! إنك مثل أبيك . من كنت تنامين معه ؟ إنّك لن تستطيعين الزواج
بآخر ! “ . بالطبع ليس هناك أحد ، وأنا تماماً كما هي ربتني لكي
أكون ، بريئة . لكنَّها تدينني وأنوثتي ، أمنية واحدة هي أخذ الحذر
في الطريق المشرع للجميع : خلال جسدي .
” أنا سَأَرمي بك في
الشارع، وأنت تستطيعين أن تبقين نفسك الساقطة على قيد الحياة“. إن
مواجهة ثورات أبي هو الشيء الوحيد الذي لم يسبق لها أن فعلته قبل
ذلك . آنذاك سمعت صوت عمتي من ناحية كتفي الأيسر ، على الجانب
الآخر للمصاريع ، كأنها تحث زوجها على التدخل ، وخالي يتنهد ويتقدم
نحوي ، أوراق جافة تتحطم تحت قبقابه بينما تقرع أنامله بتردد فوق
الخشب ، يقول ” اخرجي ، يا بنت “، يعني بنتاً ، تعريف ودود يستعمله
فقط عندما يغضب : ” أمك على صواب ، فأنت لا تستطيعين بناء سعادتك
على تعاستها . كل هذا الغضب والسباب غير مناسب ، لن يفيدك ، ولن
ينفع أحداً “ .
ينصرفُ نحو البوابة
الأمامية ، وهي تصرُّ كلما فتحها وأغلقها خلفه، وتمشي عمتي في
الاتجاه الآخر ، في الخلف صوب مدخل البيت ، وأنا أعرف أنها تتوجه
إلى أمي، لتعطيها ذراعيها، تلفهما حول أكتاف أمي المرتجفة، لإسكات
الغضب والسباب لأن مربيتي وبنتها ما زالتا في غرفة الجلوس يبكيان ،
والحيطان في هذه الغرفة فضَّاحة ، أيضاً بهدوء لكي أسمع، على الرغم
من ذلك أفتح عيني وأرى سكون المروحة فوق رأسي، أنصالها المدورة
تختفي خلال السقف المظلم، لكن قبل أن أتمكن من التفكير في نتائج
الاستسلام ، أمَّي تدفع رأسها بعنف صوب الباب ، وقت حاسم ، صعب
جداً نوعاً ما ، وهذه الضربة الأخيرة تتسبب في سقوطها على الأرض ،
فينهار جسمها ثم يهدر ارتطامها ، والأرض تتنهدُ، وأنا أقوم ،
أخيراً، عشبة أخرى ضارة وحسب في هذه التربة التعسة .
الشيطانة ..
أمي وأنا جلسنا في
مقعد السيارة الخلفي ، المغطى كليَّاً بالعباءات السوداء . لا ترى
سوى عيوننا فقط ، كلاهما بنيتان ، وكالكمثرى ومذعورتان . في
أحداقها رأيت وجهي الحقيقي ينعكس للوراء نحوي ، رتيباً ، مظلماً ،
كتلة بيضاوية ، شبح أَو شيطان إنها تعتقد أنني أحدهما . نحن كنا
ننطلق إلى الأجزاء الداخلية للمدينة القديمة لزيارة الفقيه ، أمي
مقتنعة أن الشيطان داخلي ، وقد أرادت أن يطهرني منه ذلك الصوفي .
لكني عرفت أنها عندما نظرت في عيني، رأت الشيء نفسه ، وجهها
الحقيقي ، مظلماً وبلا ملامح .
خالي جلس في المقعد
الأمامي للسيارة لكي يوجه سائقنا ، أحمد . أمي لم ترد لأي شخص أن
يعرف وجهتنا، ولا حتى السائق. إنها مهمومة أن تصل الكلمة نفسها إلى
خطيبي، وهو سوف يفض الخطبة إذا سمع أن بي مساً . لذا خالي الأكبر
دلَّ السائق الشاب خلال متاهة هذه الأزقة الخلفية الضيقة التي بدت
متماثلة واحدتها مع الأخرى كغرفة كوخ ، بينما يبحث عن بيت الفقيه .
تحركنا إلى الحيِّ الأعمق ، رأيت الأشجار الأقل ، كان هناك وحسب
جدران إسمنتية ، الواحدة بعد الأخرى ، والأزقة كانت تؤدي إلى أزقة
أكثر ، يندفع من زقاق إلى آخر مثل العروق، وأنا شككت في أننا سنجد
الفقيه . أوقات مرت ، وصلنا خلالها إلى نهايات مسدودة في طريق قذر
، وكان لا بد أن نعود أدراجنا .
نظرت صوب المقعد
الأمامي، نحو الأكتاف النحيلة والعريضة لأحمد وخالي الأكبر ، ثم
دارت ثانية لي ” فقيه مناسب “ ، وواصلت الهمس : ” لا يحب الآخرين .
يقول خالك إنه واصلٌ - هو لا يأخذ مالاً “ . عيونها راحت تكبر
وتصغر ككلامها ؛ قالت ” لا تنظري لي هكذا “. . ” عيونك تخيفني “ ،
حدقت خارج النافذة . أسفل حجابها الأسود ، على فخذها، رأيت حركة
قبضتها كلما طوت أناملها .
في الخارج ، شوارع
المدينة القديمة أصبحت أضيق وأضيق، والمساكن الإسمنتية أصغر . في
هذه الأجزاء ، لا تمرُّ حتى عربات الركشة ، لذا صوت سيارتنا
البطيئة ، جعل الأطفال يندفعون بمؤخرات عارية ، يتقافزون خارج
مداخل الأزقة ويلاحقونها من الخلف ، وبعضهم يلوح بالعصي . استحوذ
علينا الصمت في غمرة ضحكهم . مطر خفيف كان يهطل، على الرغم من أن
الغيوم هنا وهناك تبددت والشمس أشرقت على السفح تماماً ، إنها
تباشير يوليو في الهند ، والرياح الموسمية كانت تنطلق راحلة .
أمي وأنا اتكأنا
للأمام ، كان صباحاً باكراً ليوم جمعة ، اليوم المقدس للمسلمين ،
لذا فالشوارع كانت خاوية على غير العادة ، ذلك جعلهم مكشوفين كلياً
. تفحصت الممر الضيق الذي يقع بين صفين من البيوت الصغيرة جداً لكن
لم أستطع التأكد إذا ما كنا مهيئين أم لا. السيارة من نوع فيات
كانت أصغر من بي إم دبليو التي أقودها في مينيابوليس لذا أنا لا
أستطيع أن أثق برأيي.
أمي تقول:” حاول
الدخول بقدر ما تستطيع ، يا أحمد “ . ” خذنا لأقرب ما يمكن “.
”أنا لا أعتقد أن
السيارة سوف تذهب للداخل“ أحمد قال ذلك وهو يستدير في مواجهتها.
” أعرف ما يمكن أن
يكون ملائماً وما لا يمكن ، يا أحمد ؛ فقط أدخل لأبعد، أنا لن أمشي
متعثرة في هذه الشوارع ، ماذا سيقول الناس إذا رأونا ؟ “.
” لكن ذلك مستحيلاً
... “.
أمره خالي الأكبر :
” افعل ذلك “ .
أحمد تنهد وأدار
السيارة ، فضحك الأطفال وصاحوا ثم قرعوا الصندوق براحاتهم
المفتوحة، المعدن يردد الصدى ، غمغم أحمد بأنه لا يمكن لأحد أن
يعرف أمي وأنا ما دمنا ملتحفتين بعباءتينا ، ونحن تظاهرنا بعدم
سماع أي شيء . الشارع كان مرصوفاً بالحصى ، وأنا افترضت أنه كان قد
بنى خلال زمن نظام الدين . اليوم، تلك الأزقة الخلفيّة لا شيء سوى
ممرات قذرة . المحرك يئن لكن السيارة تقدمت ببطء وحسب ، بينما
تظاهر الأطفال بدفع السيارة الفيات من الجوانب والخلف؛ أحمد قادنا
نحو خمسة أقدام ثم أطفأ المحرك تماماً، والأطفال اللاهون ازداد
صخبهم .
على جانبينا كانت
البيوت الإسمنتية البيضاء مصطفة ، الأسقف من الألواح المعدنية
المتموّجة ، النوافذ موصدة ، المصاريع الخشبية مفتوحة تماماً
لتجتذب أي هواء هناك كي يبقى هنا في الخلف. كلّ عشرة أقدام أو أكثر
باب مختلف اللون ، أزرق ، برتقالي ، وردي ، ظلال صفراء ، كل لون
يمثل بيتاً مختلفاً .
الأطفال واصلوا
الضرب على صندوق السيارة ، صوت دوي المعدن يجلب النساء إلى مداخلهم
ونوافذهم ، كن يرتدين أثواب الساري القطنية القديمة وإحداهن قد
وضعت طفلاً بين ذراعيها، عيناه خططتا خطوطاً سوداء بالكحل كي لا
يلفت الطفل انتباه العين الحاسدة ، وقفن وحسب خارج سيارتنا
وراقبننا .
السيارة تتأرجح
بينما يتدافع الأطفال صوبها ، معدتي بدأت تتمغص تماماً من هذه
الحركة الطفيفة، وأنا درت وحدجت الأطفال المزعجين بنظرة ازدراء ،
فلم يروني ؛ لذا تخيلت الانتفاع بقدراتي الشيطانية ، ربَّما عيناي
سوف تتحولان للحمرة عندما أحدق فيهم ، رُبَّمَا أنا يمكنني أن
أرميهم بعيداً حتى دون لمسة ؛ لكن هذه كانت مجرد صور تخيرتها من
أفلام الرعب الأمريكية ، ما الذي أضمر ، إذن ، في الحياة الحقيقية
، لكي أكون شيطانية ؟.
بدأت أمي تهمس
بالدعاء لإنقاذي ، عيونها مغلقة ، قماش الحجاب يتموج قبالة شفتيها،
وأنا أدركت أنه ليس هناك شيء يمكنها أن تفعله الآن لإنقاذي .
******
” اجعل الأطفال
يبتعدون“، أمرت أحمد، خدوده الداكنة كانت مغطاة بندبات البثور.
أخرج رأسه خارج
نافذة السائق وصرخ فيهم، صرخوا راجعين،ثم واصل أرجحة السيارة.
أمي قالت : ” أولئك
أطفال مقرفين “ ، أخيراً أكملت سورها ، ” هؤلاء الأمهات ينجبن
الأطفال ثم يلقونهم إلى الشوارع ، لا تهذيب ، لا اهتمام ؛ دع كل ما
يحدث يحدث ، ثم يتساءلون لماذا الهند لا تصنع تقدّماً .. أف ! “ ،
بصقت خارج النافذة لتُري النساء احتقارها .
ثم غطت وجهها بسرعة
.
أحمد قال : ” انسيهم
“ ، محاولاً مواساتها . ” هم ليسوا سوى أطفال أزقة وحسب “.
قالت : ” أنا لا
أعبأُ بهم “.” أَنا قلقة بشأن السيارة “، مالت إلى الخارج وصرخت في
الأطفال . ” ابتعدوا عن السيارة ، أنتم لقطاء ! “ ، فتوقفوا عن
تعقبنا فوراً ، استدرت ورأيت ثلاثة أو أربعة كانوا يجلسون فعلاً
على السقف وينزلون على النافذة الخلفية ، أفخاذهم النحيلة كانت
تضغط مباشرة صوب الزجاج، ” من الذي سيدفع ثمن الأضرار ؟ أبوك ؟ “.
” ابتعدوا و إلا سوف
أخرج وأستعمل تلك العصي فوق أجسادكم “.
ضحك الأطفال ، هناك
يجب أن يكون لديك عشرة منهم ، حتى الآن ؛ قمصانهم النايلون قد
أصبحت مبللة وشعرهم كان مثبتاً على تيجان رؤوسهم ، يجعل آذانهم
بارزة .
أمي تحركت للخلف في
الداخل وجلست مستقرة فوق المقعد، قالت:”عجيب أمركم“..،” لم أر
أبداً مثل هؤلاء الناس الجهال “.
سألتْ : ” متى يرجع
؟ “ .. ” أنت لا تستطيع ائتمان أي شخص بأي شيء ، يعرف أننا لا
نستطيع أن نُرى هنا ، وما زال يأخذ وقته “.
قلتُ : ” لا يستطيع
أحد التحقق منك وأنت تحت الحجاب “ ، كنت أحاول معالجة الموقف ، ”
حتى أنا لن أكون قادرة على ذلك “.
” لا تكوني ساذجة
هكذاً يا ليلى ، كل الناس يعرفوننا “ طقطقت مفاصل أصابعها مرةً
أخرى ولفتها فوق فخذها ، كانت تنتهج هذا الأسلوب طوال الصباح ، منذ
أن أخبرتها عن نزفي واقترحت بأن نلغي الزفاف . ” شخص ما قد يعرف
حتى هذه السيارة “ ، استمرت : ” أو أحمد ... أحمد ! “، اتجهت إليه
: ” توقف انظر هنا وهناك ، أخف وجهك “.
قال : ” لا تقلقي
يا سيدتي “ ، وابتسم ابتسامة عريضة . ” لا أحد سيعرفني “.
” إذا لم تتوقف عن
المجادلة معي يا أحمد ، فسوف أسرحك وآتي بسائق آخر ، أنت لست سوى
واحد في دستة ، لا تنس ذلك “.
وجهه ازداد جدية وهو
ينكب مطأطئاً وراء عجلة القيادة. أنا كنت مسرورة لأنها أسكتته.
*****
خالي الأكبر ظهر
بالقرب من الزاوية ، مقطوع النفس ، والنساء اختبأن داخل بيوتهن لكي
لا يراهن ذلك الرجل المجهول ؛ بمجرد أن اختفين ، هرول أطفال الممر
عائدين إلى السيارة وبدأوا بالقفز على الصندوق ثانيةً ، ارتججنا في
الداخل ، أمسكت معدتي ، كانت مستدير وثقيلة ، اتكأ خالي الأكبر فوق
نافذة الراكب الجانبية ، أحمد انتصب ؛ خالي قال : ” الفقيه موجود “
.. ” سوف يقابلنا “.
أمي سألت : ” كم عدد
الزوار الآخرين عنده ؟ “ .
” ثلاثة أشخاص فقط،
يقول إنه سيجلسنا في غرفة النوم حتى يغادرون، لكنَّنا يجب أن نسرع،
فالوقت متأخر الآن ، وهو يريد وقتاً لصلاته “.
قالت : ” دعنا نذهب
إذن “ ، واتجهت إليّ .
شَهقتُ عندما خرجت
من السيارة ، الأطفال ضحكوا وهربوا.
” تعالي، تعالي..
بسرعة“، خالي الأكبر قال ذلك، ملوّحاً لي؛ أمي كانت في ذلك الوقت
تسرع خلال الممر، مطأطئةً رأسها ، كأنها شبح أسود في مقابل تلك
الجدران البيضاء، تبعت خالي ، عبرنا أمام عدة أبواب ونوافذ مفتوحة
، ومن وراء الستائر ، رأيت نصف الوجوه ، عيون ، تراقب عبورنا ، أنا
كنت ممتنة للعباءة ، وكيف أصبحت مختفية داخلها .
في ليلة الزفاف،
عندما يكتشف بنفسه ما فعلته ، بالتأكيد سوف يرميني خارجاً ، لذا
كان يجب أن يتوقف الزفاف قبل أن يحدث ذلك .
ركضت للأمام وأمسكت
يد أمي الصغيرة ، رمقتني بنظرة مباغتة ، لكن لم تتركني . معاً ،
سرنا خلف خالي الأكبر .
عندما وَصلنَا إلى
باب أزرق، طرق خالي برفق ، وفتحته امرأة فوراً ، كانت تلبس سارياً
بالياً ، حافته الممزّقة ملفوفة حول رأسها كأنها وشاح ، طرفه مشدود
بين أسنانها ، أهداب عينيها كانت مستقيمة وحادة ، يداها مجعدتان ،
عروق زرقاء تتشعب خلال الأصابع النحيلة ، قادتنا للداخل . دخلنا
فناءاً داخلياً ، ورأيت كيف كانت تلك البيوت كبيرة ، دلفوا إلى ممر
ضيق وعميق ، الفناء كان أيضاً مرصوفاً بالحصى ، وبئر ماء جاثمة عند
مركزه ، دلو فارغ فوق حافتها الحجرية . حمامتان نائحتان حطتا فوق
الدلو وأمالتا رأسيهما لرؤيتنا ، على الجانب المقابل للمدخل، البيت
الرئيس، صمم مثل معظم البيوت القديمة ، بثلاثة جدران فقط، الجانب
الرابع مفتوح إلى هذا الفناء الداخلي .
في غرفةِ الجلوس،
رجل عجوز ملتحٍ جالس على وسادة، فوق سرير خشبي، عيونه الجامدة تحدق
نحو البعيد. على الأرضية من حوله، ثلاثة نساء محجبات. يلبسن
برخازاً من الطراز القديم مع مجموعة من أغطية الوجه متشابكة
الخلفية لإبراز سماتهن، وليس العباءات الإيرانية الأكثر عصرية التي
نعملها أمي وأنا ، لذا خمنت بأنهن كُنَّ فقيرات ، واحدة تحمل
رضيعاً يبكي على ذراعيها ؛ النساء استدرن حول طريقنا ، تؤطر خطوط
الكحل العيون ، لطخن خدودهن بلون أسود ، وعرفت أنهن أيضاً كُنَّ
يبكين ، حدّقتُ بالمقابل فيهن بينما تبعتُ السيدة العجوز إلى غرفة
منفصلة . في الداخل ، سرير وخزانة متواضعان ، الساعة فوق الحائط
تشير إلى الخامسة والربع ، لكن البندول لم يكن يتحرك ، مجرد زمن
اعتباطي .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* فصل من رواية مدراس
في أيام مطيرة ؛ ترجمة علاء الدين رمضان
الترجمة تصدر إن شاء الله قريباً في القاهرة .
* * لأخذ العلم : نص
هذا الفصل غير مكتمل ، وقد تم
حذف بعض الفقرات من الترجمة ، كان المسوغ لذلك أن الهدف الرئيس من
نشر الترجمة هو إتاحة الفرصة للتعرف إلى عالم الرواية ، من ناحية ،
ومن ناحية أخرى لأن الرواية كاملة سوف يتم نشرها متكاملة في كتاب. |