انصهار الذات .. امتزاج القصيدة
/arsproxy/ars.htm
غابة الدندنة - موقع الشاعر المصري علاء الدين رمضان  - عن المحرر - وكالة آرس

Welcome, مرحباً (مرحباً ) شاهد صفحتك - مجلة أهل الغابة   

غابة الدندنة  
· مجلة إلكترونية تعنى بشؤون الأدب العربي وقضاياه

غابة الدندنة 
.. مجلة أهل الغابة من موقع الشاعر علاء الدين رمضان 
عضو جديد 
[ توثيق العضو الجديد باحة الأعضاء ]

انصهار الذات .. امتزاج القصيدة

قراءة في شعر الجنوب المصري

بقلم : محمود رمضان محمد 

لكل ناقد غرباله ، لكل موازينه ومقاييسه ... وقوة الناقد هي ما يبطن به سطوره من الاخلاص في النية ، والمحبة لمهنته ، والغيرة على موضوعه ، ودقة الذوق ، ورقة الشعور ، وتيقظ الفكر ، وما اوتيه بعد ذلك من مقدر البيان لتنفيذ ما يقوله الى عقل القارئ وقلبه

ميخائيل نعيمة
كتاب (( الغربال ))

(4)

الدراسات
أولاً : شعـر الفصحى

 

الشاعر (( محمد أبو دومة )) (· )

بين (( ليلى )) و (( فاليريا ))

     هذا شاعر لغز .. يستغلق سره حتى عنا نحن معشر أهل الدربة والخبرة . . هذا الرجل المقبل نحو الخمسين .. أحيانا يمضي في الدنيا وبجوفه قلب الطفل وعيناه تلمعان من فرط الدهشة والاستغراب واحيانا يقعد قدامك ويطيل ولاتخرج شفتاه إلا الحكمة . وكثيراً ما يظهر كالبرق ويمضي لاتعرف لماذا جاء .. أو كيف رحل ؟ أحيانا لاتعكس أشعاره إلا صوراً حسية وأحيانا تحملك إلى آفاق النور الرحبة .

     يقول عن نفسه : أنا شاعر لا أصلح لغير الشعر في هذه الدنيا .. ابصرني درويشا أو صعلوكا أو ماشئت لكني شاعر .. عاشق .. صوفي .. شيخ طريقة صاحب أوراد وتباريح وقصائد ..

     أنني اخترت نيابة مشيخة السادة الرفاعية عن محافظة سوهاج بعد رحيل أبي وشيخي سيد يس لكنني لست هو .. لست الرجل الذي أفنى عمره في العبادة والمجاهدة ..

     المحبوبة التي أتغزل فيها إنما هي من خلقه .. وقد عرفت بديع صنع مصورها من جمال صورتها . فأنا حينما ألقاها أقول : " يا الله " .. ياسبحان الله وهنا تداخل الشوق بالشوق الأسمى بما هو أقل ، المادة المخلوقة .. للمادة ، والمادة المخلوقة للروحانية .. فمحبوبتي التي خلقها ربي والذي بها .. وبكل الخلق أراد أن يعرف .. عرفته صانعا أبدع صنعه .. فعشقتها به وعشقته بها .. هو ساكن بقلبي .. وبقلبي رأيتها فانتشيت وقلت ما قلت في قبس تجلياته .. ولست مذنبا .. ولا اتباهى بالعصيان . ولن .

     ولأن القلب تناوبت على نبضه أسياف المحبة المتنوعة فقد سكنه جمع من العشاق : العاشق المقاتل ، والعاشق المنافح ، والعاشق المحرض ، والعاشق المسلوب والسالب ، والعاشق المحفز ، سكن فيه قيس الناسوتي الدنيوي وليلاه المخلوقة . وسكنه قيس الرباني الملكوتي الروحاني وليلاه الخالقة .. وهذا تصوفي وعشقي وقدر ذوقي معاناة وأرق ، ورق في تسيد ، وتسيد في رق .. ( [1])

     أنه شاعر ممتزج بالقصيدة ، منصهر معها ، يدخلنا في متاهات الوجد الصوفي ، وسمو لحظة التوحد مع الذات ، يذكرنا بالحلاج وابن الرومي وابن عربي وابن الفارض والنفري .. الخ .

    يدخلنا في حضرة القصيدة مع المحبوب ، في حضرة العشق ، في سرمد الوجع ، في متاهات الترنم ، والتمازج والإنصهار .. الحضور .. الغياب .. التفرد .. الفيض ..

    وحتى لانتوه سنحدد معالم رحلتنا ونكتفي بالتوقف عند هذه الثنائية : (( ليلى )) / الشرق ، و((فاليريا))/ الغرب .

      نبحث عن هذا العشق المنصهر في ذاته ، ترحاله بينهما ..

      قبل الولوج للبحث عن ليلى وفاليريا ، ندخل مسامات القصيدة .. ندخل في حضرة الشاعر لنتعرف على مفهوم العشق في أوراده وتباريحه .. لنجد في ديوان : (( أتباعد عنكم فأسافر فيكم )) ([2]) محاولة للهروب من العشق ، يوردها في قصيدة (( العشق المسافر )) .. هروب يفشل فيه .. فالعشق يطارده أينما يرحل : (( وقلنا هربنا من العشق ياوطني واسترحنا )) .. (( آه على الشعراء .. !! إلى حَيثُ يرتحلون ترافقهم لعنة العشق يتبعهم الابتلاء )) ص  14 - 15

     ثم نجده يطالبنا بالذوبان في العشق إذا صادفنا :(( وإذا صادفت العِشقَ أذبْ ذاتَك فيه ، فهذا ضيف لا يأتي إلاَّ غِبّاً )) ص22 ( الديوان )

      وكأنها فرصة يجب أن تغتنم . ثم ينصحنا بالبعد عن العشق أن لم نكن قادرين عليه : ((فاتقوا العشق إن لم تكونوا له ألأهل ، أو .. هِبْتموا مُنْتهاه )) ص 48 ( الديوان ) .

     ثم نجد الرمز الدلالة في قصيدة (( ثنائية التجربة (1) )) ص 137 ومابعدها (( الديوان )) لنطالع عنوان المقطع الأول (( العشق عنترة )) ، والمقطع الثاني (( السيبف عبل )) ، وكأن عنتر / الرجل هو العاشق الولهان ، وعبل / الأنثى .. هي السيف ، سيف الحب ، السيف القاطع لشرايين القلب ، ليتفجر داء العشق .يعبر عن هذا التمازج :

          هَذِه عَبلُ

          تميمة كل التمائم ..،

          ريش النسائم ...،

          يرتَبكُ الكونُ حين تهم ..

          ويشكو إذا اتَّشَحّتْ بالنقاب ..

          فكيف وقد سكنت دمعي وجفني ..‎ !!

          فكيف وقد سكنت بين جلدي ولحمي .. !!

          فكيف وقد سكنت لَحمي وعظمي ..!!

          فكيف وقد سكنت بين عَظْمي وعظمي ..!!؟

          فكيف وقد سَكَنَتْ بدمي أناطارده

                   ولم ..!؟ ص 146 ( الديوان )

     هذا الإنصهار ، نجده يعبر عنه بصورة عديدة :

      تجرأت  أّنْ أتَدَثر.. بك .. أرتديك ..

      أخاصِرُ .. هَمْسك  ص 75

بين ليلى وفاليريا

     بين ليلى وفاليريا ، ليلى ، الشرق ، الصحراء ، العيون الحوراء ، وفاليريا ، الغرب ، الصقيع ، العيون الملونة .. يتماوج الشاعر ، ويمتزج في حضرة القصيدة ، فمن هي ليلاه ؟ ومن هي فاليريا ؟

ليلى هي مؤرقة الشاعر ، هي عشقه الأوحد ، وفاليريا هي مانحة مؤقتة للحب :(( فارَقَها للبلادِ الَّلظى ، .. للبلاد التجُّد .. ، كلّ مساءٍ إذا راودته الوسَادَةُ عن نفسها ذابَ وجداَ .. ، فظنَّ بان الرجوع َ شفاءٌ .. فَعَاد)) ص 20

      تسليم بأن الحبيبة هي ليلى ، بنت الشرق ، بنت الصحراء ، الحوراء ، النجلاء ، الكحلاء ، الهدباء ، الجيداء  . الخ .

      ليلاه متفردة ، ليلاه هي انصهار وتمازج ، كما يقول في قصيدة (( ليلاي .. لا ككل الليلات)) ، ديوان (( أتباعد عنكم فأسافر فيكم )) :

       (( هي ليلى .. توحيدي وشمولي .. والمدخل لي من قبة غفراني ومتابي .. زدني اللهم بها ولها لا تصرفه وزدها بي عشقا لايبلى .. هي ليلى محياي )) ص 166

     أما قصيدة :(( ليلى .. وإلا فلا )) فالعنوان نفسه يطرح دلالات وثير رؤى .. يدل على التفرد .. والقصيدة تطرح لحظة من التمازج والإنصهار والولهه والتهجد في محراب ليلى .

     أما (( فاليريا )) فهي لحظة في حياة الشاعر ، عاشها في انتشاء لكنها لم تمتزج في كياتنه ، لم يستطع أن يمزجها في كيانه كما ليلى ، فجاءت القصيدة خالية من تلك النزعة الصوفية التي ينصهر فيها الشاعر  ، فيقول في قصيدة تحمل اسمها في ديوان (( تباريح أوراق الجوى ))([3] ) :

          فَالِيريا

                   قِطَّهْ

          عيناها عَيَنا نَمِرَهْ

          شَمْسٌ نَاغمَةٌ كالزغَّب الثَّلْجِيِّ وخَضْراَ

          زقرنفلة بسمتها

          شقرا مالم تتزيا خجلا ملتهبا..

          وتر من أبعد ريف " دانوبي "

                   يشتهي ريشة نغمك يا " نيل "

          شربت من كفك .. ،

          لكن ماعادت ..

                   كيف ؟‍!  ص 24 (الديوان )

    ويؤكد أن فاليريا مجرد لحظة ، لقاء عابر ، في قصيدة (( فاصل )) ([4]) فنجد المشاغبة ومحاورة الجسد ، على عكس ليلى المفتون بها ، الهائم في حضرتها حباً عذريا .. لاتدنسه لقاءات عابرة .. يقول :

          فاليريا ..

          أجمل وردات البستان

          أذكر .. حين تشاغبنا عينين وعينين

                   ونبضة قلب في نبضة قلب

                   ونشوة شفة .. في كرز .. شفه

          ثم تحاور جسد .. بجسد

          كانت سهرا .. وهج ..

    وحتى في لحظات الخروج من سطوة الأثنين ، الكفر بهذا الوجع المتسربل ، نجد في قصيدة (( ليلى .. لا )) ([5]) نجد الحب لليلى عميق رغم الخيانة والغدر .. اما في قصيدة (( فاليريا.. لا )) ([6]) فيؤكد على تلك اللحظة العابرة بينه وبينها ..

   أنه الهائم في ملكوت العاشق والواقف بين يدي الله يتضرع :

          احْيِ إذن قلبي عشاقا

          وَأَدِمْ قلبي عشاقا

          وأمت قلبي عشاقا

وابعث قلبي عشاقا

واحشره ،

          بزمرة العاشقين .

                   آمين ‍ ! .

 أليس هو القائل (( مُحَمَّدُهُنّ أنا .. !! )) ( [7]) ..



· الشاعر محمد ابو دومة ، هو : الدكتور محمد السيد يس أبو دومة ، ولد في 5/7/1944م بكوم غريب ـطما ـ سوهاج ، ومن إصداراته : المآذن الواقفة على جبال الحزن ( ديوان ) ، السفر في أنهار الظمأ ( ديوان ) ، الوقوف على حد السكين ( ديوان ) ، أتباعد عنكم فأسافر فيكم ( ديوان ) .يعمل استاذا بكلية الدراسات العربية ، جامعة المنيا .

[1] - مقاطع من حوا مع الشاعر ، أجراه مع مصطفى عبد الله ( أخبار الأدب ) العدد 85 ) 26/2/1995م
[2]
- الناشر / الهيئة المصرية العامة للكتاب 1998م
[3] - الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1990
[4] - ص 131 ديوان (أتباعد عنكم فاسافر فيكم )
[5] - ص 93 ديوان تباريح أوراد الجوى )
[6] - ص 95 الديوان نفسه                                                         
[7]  ص 37 تباريح أوراد الجوى
 

ظاهرة التمرد في ديوان

 ((تاريخ يؤرقه الظمأ ))([1])

للشاعر / مشهور فواز

     شاعر يعلن العصيان على نفسه /ذاته ، على مجتمعه ، على شعره/ القصيدة ، يتمرد على شيء حوله في محاولة للترحال / الهروب ، الهروب من الواقع المعاش ، للبحث عن عوالم أخرى أكثر  تأثرا ، وتأثيرا وتفعالا معه .. تمرد على كل شيء .. من أجل حياة أخرى أكثر تجاوباً مع الشاعر وطريقه المنشود ، وهدفه المرصود .. لذلك جاءت القصيدة تجسد هذا الترحال ، هذا الهروب ، هذا التمرد ، هذا العصيان..

      يبلور هذا التمرد في قصيدة يضعها على عتبات الديوان ، تحمل عنوان (( اعتراف )) هذا الإعتراف الشعري ، يعطينا الكثير من الدلالات ، ويكثف وعي الشاعر بهذا التمرد ، ومحاولته للخروج عن واقعه ، وسوف نورد القصيدة كاملة لما فيها من دلالات وصورة رائعة لهذا التمرد ومردوده :

          مسمار

          كنت أظن سأحدث صدعا في الجدران

          اذ أتغلغل فيها

          لكني ..

                   - حين تغلغت -

                   صدئت قدماي .

          فتوارى الجزء المشرق في

          وانكسر الجزء الحاد

                   - يبدو أني لم أحسن تقدير قواي -

          وتدلى رأسي في الطرقات

          لكني..

                    - أعتقد-

          كسرت سكون الحائط

          وخلقت جمالا لم أقصده . ص 7

     علامات التمرد تقف سامقه في القصيدة ، تعبر عن هذه الظاهرة / سطوتها . يعبر عنها في أكثر من صورة : (( ومازلت أبحر في المنحنى )) ص 9 ،

      (( اني المسافر صوب البكارات )) ص 11 ،

     (( والشعر مازال يشعل فيّ الصهيل )) ص11 ،

      (( فخض التمرد للنهر والجائعين )) ص12 ،

      (( وأنا لا أسعى إلا للزمن المسبى على الجدران

          لا أستسلم للتكوسين )) ص13 ،

       (( سأفاجئكم بقصائد تسعى برداء الليل

        وتعيد التقويم ! )) ص 15 ،

      (( أبتكر جسورا لخطاي )) ص17 ،

      (( لابأس اذا اسلمت خطاي لليل وطفت

       تملأني رغبات الميلاد )) ص18 ،

     (( فتنبت لخطاي الأجنحة

     فأكتب قسماتي في نافذة القمر )) ص 18 ،

      (( وأوقع أحيانا باسمي

      وأصفني : الأفق الضوء

      الأفق الغصن

       الفق السفر إلى العمق )) ص 19 ،

      (( سأواصل تطوافي

       وأهيء لغتي للعشق ))) ص20 ،

      (( وأركض خلف نساء خبأن العشب وحرقن الجدران ) ص21 ،

     (( اقول لأطرافي :

      كوني جيشا سريا

       ينطلق لينصرني )) ص 22 ،

     (( مستقبل هذا العالم يقطن في )) ،

      (( أعلن أني طاغية )) ص 25 ،

      (( للأرض قانونها ..

      وأنا ....

      صار لي منهج غير قانونها )) ص 37 ،

     (( أدلف صوب موسيقى البكارة

      راغبا في صحبة الأمواج )) ص 46 ،

      (( انه يقهر الموت بالحلم المتطاول )) ص 75 ،

     (( انه الآن متحد بالأعاصير / ممتزج بالعصافير )) ص 77 ،

       (( لأنني آخيت جمرتي

      وصرت أكثر دراية بقدرتي

     فتابعي الاطلالة الجدية التي تفجرت في شرفتي )) ص 81 ،

     (( اسمح لي ياوطني

      أن أكشف عورتك أمام الأطفال )) ص 83 ،

      (( كان عليّ استعراض خلاياي

      في غابات حنيني للضوء القبل

      والضوء البعد )) ص 91

    تلك بعض صور وملامح التمرد في ديوان (0 تاريخ يؤرقه الظمأ )) للشاعر مشهور فواز ، هذا التمرد الذي يرسمه الشاعر بفنية ، تمرد يفجر القصيدة ، ويشعلها ، حالة العصيان والتمرد التي أحتوت القصيدة ، والترحال الدائم للبحث عن واقع أفضل رسمه الشاعر كما طرحنا بعض الصور بفنية ، في مقابلات موظفة ، وصور مكثفة ، وكما يقول الناشر عن الشاعر على الغلاف الأخير من الديوان : (( هوأحد الأصوات الجادة التي تحاول أن تشق طريقها باقتدار ، ويتلمس لنفسه طريقا خاصا في دروب القصيدة الحديثة ، وتعكس قصيدته تاريخيا ذاتيا للشاعر ، مشحونا بآلام أمة بأكملها من خلال حساسية فنية وجمالية موفقة تشد انتباه القاريء ، وإحساسه بالجمال )) .

     أنه يوظف كل إمكانيات الطرح للقصيدة الحديثة في بناء القصيدة ، فيضع النقاط بوعي وفنية ، ويشرح السطر الشعري ويرسمه ليعطي هذا التشطير دلالات ، طالع معي قصيدة قصيرة ، بعنوان (( كتابة )) :

          قرأ :

                   " الكون كتاب "

          قرأه . . .

          لم يعجبه . . .

         

          قرر أن يكتبه . ص 41

    هذا التكثيف الواعي ، والتقنيط الموظف ، والطرح المتقن .. يعطينا

قصيدة مكتملة البناء .. مكتوبة بأقل عدد من الكلمات ولكنها تطرح الكثير من

الرؤى والأبعاد والدلالات . وفيها هذا التمرد ( الظاهرة ) الذي طرحناه في هذه الوقفة القصير ة .


[1] - الديوان صادر عن سلسلة ( أشراقات أدبية ) رقم (10 ) الهيئة المصرية العامة للكتاب ، يوليه 1987م

دلالات ((حدائق الجمر)) (*)

قراءة في ديوان : (( حدائق الجمر ))

للشاعر / سعد عبد الرحمن (·)

     ((حدائق الجمر ))اسم يفتح دلالات كثيرة ، وقد اختاره الشاعر عنوانا يتصدر المجموعة الشعرية ولاتوجد قصيدة تحمل هذا الأسم ، عنوان يفتح الكثير من التأويلات ، فالحدائق مفردة تتضاد مع الجمر ، الحدائق خضرة وزهور وورود وجمال ، والجمر اشتعال ونار .. فكيف تم هذا الإلتصاق الموجع ، هل هو إحتراق المشاعر ، هل ... ؟ هل ...؟ . أسئلة كثيرة تحاصرنا وتحتاج إلى إجابة ، ونحاول البحث عنها بين قصائد الديوان .

     في البداية نجد قصيدة (( تفاؤل )) رغم عنوانها المريح إلإ ان مفرداتها قلقة ، ممتلئة بالوجع والهزيمة ، فهل هي سخرية من الشاعر أم ..؟ ، طالع معي هذا المقطع :

          وفي دمي هواك..

                   زورق الظمأ

          شراعه بالنار والشذا والشوك ..

                   لم يزل يطوف ص 7

    نجد الزورق شراعه محاصر بالنار والشوك ، انه الجمر المشتعل في قلب الشاعر / حديقته .

    في رحلته المشرعة هذه مازال يبحث عن ما يطفيء الجمر المشتعل بداخله ، فيقول في قصيدة: غدا موعدي )) :

          وأبحث عن نبعك الريق

          لأطفىء ماشب في أضلعي

          من لظى الاحتراق

          وما لا يطاق

          من الظمأ المحرق ص 13

     ويعبر عن هذا الاشتعال لمحبوبته ، فينقل لها مشاعره المتأججة في قصيدة : (( دعوة للقاء شفوي )) ، ونجد مفردة النار لها الفعل المؤثر ، عندما يقول :

لاتقولي مات ما بيننا من الحب ..

                             اقليني

          إنه أفضل عندي وادفنيني

          حيث ذوبنا بكأس النار

                   في ليلة صدق ص 19

     ويقول أيضا للمحبوبة في قصيدة : (( قولي أحبك )) :

          أنت التي قد ألهبت                 عزمي   وأذكت همتي ص35

     وبفنية رائعة يرسل قصيدته : (( إلى دمية)) إلى تلك الدمية التي تحملها المحبوبة يناجيها ويستعطفها أن ترسل لها نجواه ، ولاينسى انه على جمر ، يتلظى ، فيقول :

          والوجد في قلبي لظاه ممعن في الالتهاب ص40

     وفي قصيدة (( الفردوس المفقود )) يتذكر قرية (( مووشا )) وهي قرية تابعة لمحافظةاسيوط وقد قضى الشاعر فيها سنوات طفولته ، فنجده يجسد ماحل بها من تغيير ، ويتذكر لو عاد إلى القرية هل سيلتقى بالحبيب مرة أخرى ويلهو معه ويطفىء لهيبه ، يقول معبراً عن تلك اللحظة

يجري وأجري خلفه
والنار تذكو في جنوبي

حتى إذا أدركته

أطفأت من فمه لهيبي ص 51

     وقصيدة (( مراهنة )) بكل ماتحمله من خفة ظل ، وروح شاعرة معبرة عن لحظة صفاء جميلة ببساطة محببة ، فنجد الشاعر يقدم لنا مفردةالنار موظفة في صورة شعرية جميلة ، عندما يقول :

          وتضاحكت فأقت أطفىء نار خديها ص55

     وقصيدة (( استرحام )) نجد المفردة تدخل في عمق القصيدة مستعطفة ، مناجية المحبوب :

  رحماك بالصب الذي أضرمت            

عيناك نار الوجد في صدره ص 59

     أما في قصيدة (( رومانسية) ) وما تحمله من غنائية جميلة ، وصور متتالية ، شفيفة ، نجد (( حدائق الجمر )) هذا العنوان المراوغ ، له دوره في القصيدة ، فيعبر عن هذا الاحتراق بشكل غير مباشر ، عندما يقول :

والنهر غاص الماء فيه وجففت           

قيعانه شمس الشموس الحامية ص 68

      وفي قصيدة : (( قمة الحنق )) يعبر عن حالة وجدانية تتسم بالقلق وتبدد الذكريات والأحلام ، فيقول في حالة يأس واضحة :

          قصائدي أطعمتها لهيب شمعة في الركن تحترق ص 85

     ويواصل هذا الموجع المحترق به في حدائق الجمر ، فنجده يعزف على نفس الوتر في قصيدة: ((قصتي مع اليأس )) ، ويقول :

وأطفأ نور المنى في فؤادي                

وأشعل نار الأسى في دمائي ص117

     أما في قصيدة : (( بوح )) فتظهر قدرة الشاعر الفائقة في إظهار هذا الوجع وهو يربط بفنية بين البلبل والجراح ، فيقول :

          بلبل في الروض ناحا              هاج في قلبي جراحا ص135

     أما في قصيدة : (( علوان .. تقاسيم على وتر العزاء)) ، وهي تحكي عن الشاعر السيوطي (( فوزي العنتيل )) نجده يجسد لحظة الوجع ، ويربط بين هذا الخيط الرفيع (( حدائق الجمر )) فيقول :

          فدموعك كالنيران

          قد تحرق شجراً.. أو زهراً

          كان الشاعر  يعشقه

          فتعذبه الأحزان ص 152

     تلك كانت وقفة مع ديوان (( حدائق الجمر )) للشاعر (( سعد عبد الرحمن )) في محاولة منا لتقريب عتبة الديوان / العنوان ، إنها محاولة واجتهاد لتقريب المشهد الشعري ، والنظر إلى قصائد الشاعر من هذا المنظور ، ولاشك أن القصائد ببساطتها وعذوبتها تحمل الكثير من الرؤى .


* - الديوان صادر عن سلسلة ينابيع ، التي يصدرها اقليم وسط وجنوب الصعيد الثقافي ،

· سعد عبد الرحمن أحمد عمر ، ولد في 3/1/1954م ، أسيوط ، وله جذذوره السوهاجية ( لبلينا ) ، له : حدائق الجمرعن إقليم وسط وجنوب الصعيد الثقافي  ( ديوان ) ، النفخ في الجمر ( ديوان )عن الهيئة العامة للكتاب  ، أمين عام إقليم وسط وجنوب الصعيد الثقافي

فلسفة الحزن

في ديوان (( ... وعائد إليك ))  ( * )

للشاعر المنجي سرحان (· )

     للشاعر (( المنجي سرحان ))  لغة رقيقة يدخل بها عمق القصيدة فتدغدع المشاعر بحنو ، ورغم ماتحمله القصيدة من لمسة حزن .. إلا اننا لانكاد نشعر بهذا الحزن المتسربل بالقصيدة ، فالحزن له فلسفة خاصة عند الشاعر .. يتدثر به ، ويناوش به القصيدة ، له طعم ورائحة وشكل ولون، يرسمه في أكثر من صورة ، ويطرحه بأكثر من رؤى .. لذا لاعجب أن نجد مفردة الحزن فاردة سطوتها على القصيدة .. والصورة الشعرية معبرة عنه .. رغم القيثارات والأغنيات التي تدخل في وهج القصيدة ..

    ومن صور الحزن التي تعبر عن فلسفة الشاعر .. أستطالة هذا الحزن الذي يعبر عنه في مقطع (أغنية ) من قصيدة ( ليليات ) :

          مثقلا كان عمر المسافات

                   والأمنيات الكليمة - بيني وبينك -

                   ناهشة في امتداد الجراح

                   استطالة هذا الحزن ص 12

    إنها ( ليليات ) الوجع و( أغنية  ) الحزن ، هذا التمدد والإنسيابية إلىاللامدى التي تعبر عنها هذه الصورة ( امتداد الجرح/ استطالة الحزن ) .

     وفي مقطع ( لقاء ) في ذات القصيدة ، نجد صورة صدامية بين الفرح والحزن :

          ان الشوق السيال يخلي الفرحة

          مذ بان الحزن .. هدى ص 15

     وفي مقطع ( اعتذار ) نفس القصيدة ، نجده يعتذر عن هذا الحزن المتسربل في كيانه ( اعتذر الليلة عن حزني ) ص 17 ، ويحرك نبض الحزن ، يلبسه أعينا ويضيفي عليه حياة :(( وأوثر صمت الشوق ، وأجفان الأحزان )) ص 18.

     وفي المقطع الأخير من القصيدة المعنون ( وداع ) يدفن هذا الحزن وهو يقدم اعتذاره :

          آسف زهرتي

          ان قلبي تهاوى الى الصمت يدفن أحزانه

          ربما يورق الشوق

          ياأيها القلب والحزن ،

                   والدرب ،

                   والتيه

          والأغنيات التي أينعت والسدى ص 19

    أنها التشبث بلحظات الأمل ، الخروج من هذا الحزن المتدد إلى آخر مدى في عمق القصيدة .

     وعندما يرسل قصيدته الى الشهيدة سناء محيدلي .. يحاول لملمة حزنه المشتت :

          ألم بعض حزني الشتيت والنهار يرتحل ص 22

     ونجد الحزن يبتسم في قصيدة (( النوارس .. والشاطىء المستحيل )) :

          كان يرقص ..

          والحزن يرسم بسمته

          للصباح الذي ضمه

          والحنان الذي أوجعه ص 25

    ويتساءل في قصيدة أخرى :

          من ترى يوقف الآن نبضي ؟‍

          وأحزان يومي . .؟‍!

    وكأن الحزن أصبح شريك حياة ، تابع كظل ... يؤرق الشاعر

     ويستمر السؤال المؤرق :

          هل يمنح الحزن للرمل

                   أغرودة للنماء

          يفتح في قلبه زهرة للغد المستحيل ... ص 30

     صورة تمتزج بالوجع وتطرح الكثير من الدلالات المؤرقة / المقلقة ، فهو  القابع يتسلى ( بأحزان تلك العصور ) ص30 ، وهو الذي يقول أيضا :

          استوقف الآن قلبي

          وحزن البيوت التي

          صاغها من دموع الثكالى المصاب

          وطفلا به كم تشبث - في لحظة الغدر -

                   قلب دميته

          يستجير بالا يفارقه

                   فانسكب

          يفاجأنا الشاعر بأن الحزن الذي يحمله بين جنبيه ، الساكن في كل كيانه ، ليس حزنه وحده ، بل يشارك الجميع الأحزان / الوجع .

    حتى حبه / حبها ، يفتح في أوردته مدن الحزن الطفل ، الحزن الأخضر ، لينمو ويرعرع باخله ، ويكون له جذوره ، فيقول في قصيدة ( حبك ) :

          مجنون حبك .. أقسم حبك مجنون

          يفشيني كل صباح

          ويكابر ..

          يفتح في أوردتي مدن الحزن الطفل ،

                   ويرحل بي .. ص 32

    وكما ذكرت من قبل فأن الحزن عنده له لون وطعم ورائحة ،وطريق ، وهو شخص يحس ويشعر وينبض بالحياة  (( الأحزان البيضاء )) ص 34 ،

    (( الحزن دربي )) ص 54 ،

     (( يرضعني الحزن اليأس القاتل )) ص 56 ،

    (( تتخاصم الأحزان في قلبي دمي

      وتصوغ من تصخابها وسواسي ))ص 59 ،

      (( فوق الجراح تخاصرني أمنياتي )) ص 64 ،

      (( موسوم بالترحال ، وبالأحزان )) ص 69

       انها فلسفة الحزن التوغل في كيان الشاعر ، ولذا جاءت القصيدة رغم همسها .. دخولها في أعماقنا بهدوء ، ولاتحمل هذاالصوت الصارج المزعج المقلق .. الا أنها مشحونة للوجع ، وجاءت مفردة (الوجع ) بمشتقاتها متوغلة في القصيدة المؤرقة بالوطن ، الحبيبة المازجة بينهما في تناغم جميل .


* - الديوان صادر عن سلسلة ( اشراقات أدبية ) العد (7 ) ، ابريل 1987م ، الهيئة المصرية العامة للكتاب

· - شاعر من مدينة طما ، محافظة سوهاج ، يعمل بالهيئة المصرية العامة للكتاب ،

حِزَين عمر ومحطات  ووهج القصيدة ([1])

     عندما تمتزج بالقصيدة وتنصهر معها ، وتشعر إنها منك وأنك منها ، تقف أمام لحظة التوهج / الإمتزاج / الإنصهار ، عاجزًا عن أخذ موقف ما ، رؤية نقدية ، فنقد الذات مشكل ، وموقف شائك ، فأنت تستطيع أن ترى في الآخرين ما لا يرونه هم في أنفسهم ، تستطيع أن تطل عليهم من باب النقد ، تلج في أعماقهم وتنصهر معهم ، وتمتزج فيهم ، أما أن تقف على أعتاب ذاتك وتدلف .. وتنظر من منظور الناقد ، فهذا صعب ، صعب ، صعب.

     هكذا أحس وأنا أنصهر ، أمتزج مع شعر حِزَين عمر ، فقصيدة حِزَين تعبر عني ، عن ذاتي ، تنصهر فيَّ ، تمتزج ، هذا الإمتزاج / التوحد ، فأشعر وكأن الأنا تكتب القصيدة ، أناي ، تخرج مني ، تعبرعن مشاعري وأحاسيسي ، ولاعجب أن قلت أنني أترنم بالكثير من المقاطع ( الحِزَينية ) وأنا في لحظة التموسق مع الذات ، فدائما أردد هذا المقطع الرائع الجميل من دواينه الأول الذي صدر عام 1989م ، والذي يقول : (( لمن أشكوك ياسلوى وأنت الناس كلهمو )) ، مقطع يعبر عن أشياء كثيرة في ذاتي ، كياني ، مازالت أحفظه منذ أول مرة قرأته في ندوة بنقابة الصحفيين أقامتها جماعة الجيل الجديد لمناقشة الديوان الأول لحِزَين عمر ( فصل من التاريخ الخاص ) وكان ذلك في مساء 14/2/1989م بحضور كوكبة من النقاد والشعراء على رأسهم أحمد زكي عبد الحليم ( مدير تحرير مجلة حواء آنذاك ) والشاعر الراحل إبراهيم عيسى ، والصحفي والكاتب خيرات عبد المنعم ، والكاتب الصحفي السيد المخزنجي ، والشاعرة الدكتورة نجوى عمر ، والشاعر غبراهيم شحاتة .. الخ .

     لماذا هذا التمازج والإنصهار بيني وبين حِزَين عمر ، الأجابة بسيطة وواضحة ، لأنه شاعر ، وكما قلت في مقدمة الكتاب : الشعر المشاعر ، الشعر هو الذي يدخلك ويمتزج بك وينصهر معك ، وهكذا يفعل شعر حزين ، يدخلني ، يمتزج بي ، ينصهر في كياني .

     وفي هذه الوقفة ، ولا أسميها أكثر من ذلك ، أقف في محطات أربع من رحلة حزين في قطار الشعر الذي ضل الطريق وأنحرف عن القضبان ونادرا ما يستلفت نظرك محطة جميلة تعبر عن هذا المنطلق تاركا خلفه محطات لا يلتف لها ولا يتوقف عندها ..  لضائلتها وتفاهتها ، أو لخروجها عن روح الشعر .

     نبدأ الوقفات من القمة ، حتى المحطة الأولى لنشتهي بعد ذلك القفز إلى القمة لنرى لننتظر المحطات التالية .

     وإن كنا لا نستطيع أن نفصل بين محطات الشاعر ، فالشاعر منذ البداية حدد لنفسه الأسلوب الخاص به ، والسمة المميزة ، والتي تفصله عن هذا الغزير المتشابه ، والكثير المكرور .

     قصيدته تششبهه ، ببساطته ، وطيبته ، من طين الأرض الذي نشأ فيها ، من وجوه البسطاء الذي أحس بهم وتفاعل معهم وإنصهر فيهم ، هو منا يشبهنا ، لذلك عبر عنا ، دخل قلوبنا وعقولنا ، صعب جدا أن تفصل حِزَين عن قصيدته ، لذلك جاءت متفردة تعبر عنه هو ،الإنسان المصري ، بطينه وشموخه النخيلي ، وبساطته وحنكته.

     ولا أريد أن استطرد في بث المشاعر ولكن كما قلت إنها وقفة مع الشاعر لا نقد لمحطاته الأربع ، فالقصيدة التي تدهشك صعب أن تتوغلها ، ولكنها تتوغلك  ، والعمل الفني الذي تحسه يدخلك تقف أمامه مشدوها دون أن تحاول حتىمعرفة الأسباب ، ألا يكفي أن حرك مشاعرك ، تفاعل معك ، احسست وكأنه لك ، كتب من أجلك ، أو كتبته أنت .

     لندخل قطار الشعر ونقف عند بعض محطات حِزَين .

وهج المشاعر

      ((وهج )) هو الديوان الرابع لشاعرنا حِزَين ، الوهج في اللغة هو حر النهار والشمس ، والوهج هو العنوان الدلالة ، المدخل الرئيس لحجرات الديوان / القصائد ، الوهج العتبة الأولى التي منها ندلف إلى العمق ، فماذا يقصد الشاعر بهذا الوهج / النكرة .

     في الديوان لا توجد قصيدة تحمل هذا الأسم ، حتى المفردة ذاتها لم تذكر في الديوان إلا ثلاث مرات في الديوان بأكمله ، فما هي دلالات (( وهج )) !! . وإلى أي شيء ترمي ، أي وهج يقصد الشاعر ؟! . لابد من تثوير الأسئلة والبحث عن الإجابة في عمق القصيدة ، وسرعان ما نعثر على الإجابة ، وهج الشاعر ، هو وهج الامشاعر ، دفء الأحاسيس ، حرارة العشق ، إلتهاب القصيدة ، وهج القصيدة ، ولاعجب فمفردة شعر بمشتقاتها وردت في الديوان ( 35 ) مرة ، والقلب ( 16 ) مرة ، و العشق بمشتقاتها ( 11 ) مرة ،، والحريق واللهب والنيران ومشتتاتهم (26) مرة ، كل هذه المفردات تعبر عن (( وهج الشاعر )) ، توهج القصيدة ، توهج القلب العاشق المتدفق بالدماء ، فيتدثر بدفء المشاعر ، توهج العشق الساري في الروح يشعلها عشقًا .

      لقد كان إختيار الشاعر موفقا لهذا العنوان النكرة ، لأن قصائد الديوان كلها جاءت حارة ، ساخنة ، ملتهبة ، تتلظى شوقا ، وحبا ، وحزنا ،وألما ، ورفضا ، وصمودا ، و... الخ .

     وكما قلت من قبل إننا لانستطيع أن نفصل الشاعر عن قصيدة ، فهو لصيق بها ، تعبر عن تجربة صادقة متوهجة ، نلحظ هذا جليًا في ثلاث قصائد (( المهر ، البنت ، استغعفر الله العظيم من القلم ، فنجده يربط بين الشاعر /القصيدة ، والبنت المحبوبة في تمازج وإنصهار فني ، يعطي القصيدة بعدا وأبعادا ويضيف إليها جماليات تلك البساطة المغزولة بفنية وبصورة تغازل القارىء ، وتنصهر معه ، تشده من علالمه إلى عوالم الشعر الجميل المتسربل بالمشاعر ولأحااسيس ، والمتدفق بنهر الشاعر الخصيب / خياله .

     يقول في مدخل قصيدة: البنت ([2])

          البنتُ النارُ تًمُدُّ يدين

          تشدُّ الشِّعْرَ من الروحِ

          ومنأركان فؤادِ جفَّ

     ويعبر عن رؤيته التي نشاركه الوجع فيها ، ويقول في ذات القصيدة :

          وأنا عمقي خَرِبٌ خَرِبٌ

          منذ زمانٍ لا أذكره

          لكن أذكر كيف يكون

          خرابُ العرشٍ الشعريِّ

          هَدْمُ العِمدان وسقف البيتِ

          فلا يبقى للشر شعورٌ أو حِسٍّ أو خبر

          غير الذكرِ بكُتْبٍ أربع

          لن أفعلَهَا بعد اليوم .

     نفس الصدى نجده في قصيدة ( استغفر الله العظيم من القلم ) ([3]) يرسم لنا رؤيته / رؤيتنا ، يقول : ( ماذا دهاها الشعراء : / ناحوا / ما استراحوا / ما اراحوا / لاينام لهم أملْ . وبعد هذا الاستطراد المعبر يقر : (( إني برئ من قصائدهم / ومني / لست أخْدَعُ بالهواجسِ / والنفير المستبد بداخلي / يا أيها الشعرُ النجسْ / فلتذهبنْ / إني توضأت العشيةَ / كي أصلي ركعتين / .. من الدجل !!! ) .

     في قصيدة ( المَهْر ) ([4]) نجد علاقة أخرى بين الشاعر /القصيدة / والمحبوبة ، ليجسد لنا تلك العلاقة الجميلة بينه وبين فتاته ، التي تطلب منه المهر ديوان شعر ، فيرسم لنا الشاعر صورة جميلة لهذا العشق المتسربل في كيانه في صور متتالية ، مكثفة ، رائقة كشعره ، كشعوره ، ليس فيها غموضا أو إبهاما ، وإنما فيها جمالا وروحا وشفافية فلنقرأ هذا المقطع المتوهج بالمشاعر :

          فإذا مَنَّ الله على الأوراقِ

          بلمس شفالكِ

          كانت بصمةُ شفتيكِ على الأوراقِ قصيدةْ

                   لا أكتب فيك

                   إني أسرقُهُ منكِ:

                   فأدُسُِّ العينين اللصينِ

                   الرابضتين وراء النظارة

                   تقتنصان من الغمازةِ جنِنينةَ شعرٍ .

وهج حزين عمر يملأنا بالوهج ، يلفحنا بنار العشق ، وبتوهج المشاعر ، بشعره المشاعر ، ولانستطيع هنا أن نقف أمام كل غرف الديوان / القصائد ، فهذا يحتاج إلى وقفات طويلة ، لاتستوعهبها هذه الوقفة المحكومة ، وكما يقول الشاعر في قصيدته ( امرأة وقصائد ) ( [5]) : (( قالت : شعرُكَ يا أنت فُتَاتُ رغيفٍ / قبضةُ نورٍ / قطعة سُكَّرْ / شعرُكَ لا يستأذنُ ،/ لا يطرق أبواب الروح / ولا يخجلْ / بل يقتحمُ خلايانا .. يدخلْ / ويمدِّدُ أبيات قصيدِكَ/ في كلِّ شرايين الوجدِ )) .

المحطة الأولى

حِزَين عمر

بين الضياع وانبثاقات الأمل(·

(( فصل من التاريخ الخاص)) هو الكتاب رقم (38 ) من سلسلة (( اشراقات أدبية)) التي تصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب .

      وهذا الكتاب هو الديوان الأول للشاعر " حزين عمر "

     بلغة بسيطة الكلمات ، عميقة المغزى ، يصحبنا الشاعر " حزين عمر " لنتجول في فصل من فصول تاريخه الخاص .

     ولعل إنخراط الشاعر في الواقع ، ومعايشته التجربة ، وانشغاله في اللحظة بكل حذافيرها ، وشعوره بالمعاناة المنبثقة من ذاته .. من المجتمع .. من الوطن الذي يحتويه .. من الحياة اليومية بمشاكلها السياسية والاجتماعية والاقتصادية .

     كل هذا ندمج في عقل وقلب الشاعر .. وتوحد .. وخرج لنا في النهاية ..  خيطاً شفافاً .. رهيفاً ، متيناً ، هذا الخيط مر على القلب والعقل ، فعزفا لحناجميلاً .. متكاملاً .. متأرجحاً بين نقيضين : السعادة والحزن ، الهزيمة والنصر .. بين الثورة المتفجرة والكبت الثوري ، ولكن لايخلو هذا اللحن الجميل من دفقة أمل .. خرجت شعورية .. ولا شعورية أحيانا .

سلوى الشاعر

     ولعل ما استفزنا في تاريخ الشاعر الخاص ، هي (( سلوى )) .

     فقد تكرر ذكر اسمها أثنتي عشرة مرة ، بخلاف الإهداء ، وقصيدة تحمل عنوان " لمن  أشكوك ياسلوى " .

     وتكرر ذكرها سبع مرات في قصيدة " فصل من التاريخ الخاص " .

     وهذا ما دفعنا للتساؤل : من تكون سلوى ؟ .

     سلوى هي صديقة الطفولة .. التي تحبه ويحبها .. ولكن حبها الطفولي لايعجبه ويرفضه ، وهذا مايطرحه في قصيدة : " فصل من التاريخ الخاص :

                   سلوى تريد بأن أظل معلقاً / بين السماء وبين جفني عينها/واذا التقينا فالكلام عن الهيام سميرنا / واذا تأجج في القلوب لهيبها / سلوى تخاف .. وتنسحب ‍‍‍‍‍‍‍‍‍/وتصر أن نلغي الزمان / ونسترد طفولة نلهو بها /أنا لن أعود الى الطفولة مرتين ص28-29

     وسلوى هي الحبيبة التي عزفت على أوتار قلبه ، وناوشته بحبها ..  فلم يرَ في أبجديات الأحرف غيرها .

     يقول في قصيدة " يا أنا " :

                   ماذا يقول القلب /حين سؤاله /وجوابه/وأنينه/وغنائه/وهو الذي/لم يستمد من اللغات جميعها/حروفاً أربعة ‍/سلوى فقط ؟ ‍ ص 57-58

وسلوى هي الحبيبة التي هجرته .. وتركته وحيداً .. تائهاً .. ضائعاَ ، فيرسل لها شكواه في قصيدة " لمن أشكوك ياسلوى " ، ويقول :

                   لمن أشكوك ياسلوى/وأنت الناس كلهمو/وأنت الحرف في نطقي/وأنت جميع اسئلتي وأجوبتي ص42

     وسلوى هي الحلم المؤود كما صورها في قصيدة " وكانت حلماً " .

بين الوفاء والإنتماء

     لنترك سلوى التي حيرتنالا ، وجعلتنا نلهث وراءها ، ونتوقف قليلاً ، ثم نلج في صمت وحذر سراديب الشاعر .. لنعيش معه لحظات صادقة .. مؤلمة كتبها بدموع عينيه .

      هي تلك اللحظات التي يتذكر فيها الأب الذي رحل ، ويصور لنا اللحظة لدرجة تصيبنا بالدهشة ، وتجعلنا نتساءل ، هل كان يدرك مايدور حوله رغم طفولته ، ولعل تصويره لأخيه - سعيد - في هذه اللحظات .. هو الذي يدفعنا لطرح السؤال ، يقول الشاعر :

          وأخي " سعيد " في الطفولة غارق  
*  بسنينه التسع القصار سعيد

          يلهـــو أمام ســـرادق بحـصــــــانه  
*  لكنه -دون الحشـــود وحيد          

     وينقل لنا تساؤلات سعيد ، فيقول :

          أنا ياحصاني ما رأيت كمثلهم               عدداً وماهذي الصفوف ؟! تزيد

          سوق هو ، أو حفلة في دارنا               أو ربما زار ويومٌ عيدُ ص 74

     وفي قصيدة " فصل من التاريخ الخاص " وفق الشاعر في المقابلة بين الحبيبة سلوى ووالده المريض في قصته التي يسطرها شعراً .

     ورغم ذكر سلوى سبع مرات ، وذكر الأب خمساً فقط .. إلا أن المقاطع التي تصور الأب المريض كانت مؤثرة ، ومشحونة بالوجع ، يقول :

                   لو كنت أدري مواطن الداء/الذي يجتاح جسمك يا أبي/لدخلته/وقتلنه/لو كان يُختَارُ المرض/لاخترت أمراض العباد جميعهم/ودسستها في أعظمي/كي لا أراك صريع داء بعدها  ص27

     رويدك .. رويدك ، نحن لانستطيع أن نتحمل كل هذا الوفاء والحب .

     ان التماذج العاطفي .. الذي حدث بيننا وبين ماخرج من ناي الشاعر كان دليلا ً قوياً على مدى صدقه في تصويره للحظة .

     كما أن إلمامه بالموقف ، وكثافة الدراما يحسبان للشاعر .. في قصيدتي " فصل من التاريخ الخاص " و " أيها الروح الحنون " .

بين حصارين

     لنخرج من سراديب الشاعر كما دخلنا ، ونحاول أن نراقبه عن بعد .

     ماهذا ؟! . أنه محاصر من محبوبته .. محاصر من ذاته ، انه يراوغ محبوبته ، ويحاول  الهروب فلا يجد مكانا يذهب إليه ، فهي تلاحقه في كل مكان .

     يقول في قصيدة " أهرب منك .. إلى عينيك " :

                   يافرحته قلبي حقاً/يهرب منك/فإلى أين ؟!  ص 15

     رغم أن هذا الحصارر يتلذذ به .. ويجعله يتشدق فرحاً .. إلا أ، هناك حصاراً آخر يضيق به ذرعاً .. حصار المكان والزمان .

     يقول في قصيدة " غريب " :

                   غريب عنك ياليلا تمدَّدَ فاحتوى عمري/وحاصره/ولم يترك به ركنا بلا آه ص 16

القلب الحزين

     لنحاول أن نفك الحصار .. ونزج بأنفسنا في قلب الشاعر .. لنحاصره نحن سنفاجأ بالحزن يرتع بداخله .

     فقد تكررت كلمة الحزن بمشتقاتها تسع مرات .

      فهو يرى البسمة على شفتي الأب -الذي يصارع الموت - حزينة . يقول :

                   وابي يموت ، ولا يموت/تتألم العينان/تصرخ/تنقبض/وتعاود البسم الحزين  ص23

      ويشعر بالحزن على حبيبته التي يخاف أن تتركه وتتزوج غيره ، وتقتل حلمهما ن فهو يتصورها أنثى غيبر عادية ، فيقول في قصيدة " المصير " :

          وتمسين أنثى .. ككل النساء                قواعد بيت ذوات خدور

          فياحزن قلبي على من عشقت              أتسقط يوما لهذا المصير ص31

     ويؤكد حزنه على محبوبته التي لا تدرك مدى الحب المتأجج في ضلوعه ، فيقول :

                   لو أ،حني مستغرقاً في اللاوجود/مغمغما بعبارة لاتدركين حدودها/لو يقفز القلب المثقب بالليالي فوق حجرك/قطة/لاتحسبيني عاشقاً/أني حزين ‍‍‍‍/أني حزين  ص56

      ونراه يبحث عن البطل الحلم .. الذي على يده سيكون الخلاص .. ويصرخ قائلاً :

                   أين الكلل من جريد النخل ممتطيا حمارا/فوقه يبني الهرم/وتفيض من فمه العريق منابع النيل  ص78

البحث عن هوية

     لنترك الشاعر يحلم هذا الحلم الذيب يعيش في صدورنا . ولكن لا .. أفق أيها الفتى .. فأنت ضائع فاقد الهوية ، أبحث عن نفسك أولاً ، لملم ذاتك .

    يقول في قصيدة " طفل " :

                   طفل أنا /متردداً أحيا على ثدي الاماء

                   ***

                   طفل أنا/ماضمني حضن الأمومة مرة ص 6-7

     أي ضياع يعيشه هذا الطفل ؟ ..

     ان هذه الطفولة المشردة ، جعلته يشب وحيداً ، غريباً ، حتى عن حلمه ، فيقول عن هذا الحلم :

                   هربت إليك من همي/فما كنت سوى يأس/يقيد وقع خطوات/ويجذبني إلى أرض/كقلبك مابها نبض ص16-17

   ان هذا اليأٍس جعله يتصور أن هويته كائنة ومتمثلة في محبوبته ، ثم يكتشف أنه أخطأ ، فيقول :

                   كنت الهوية في خيالي/لم أفق إلا ووجهك ناشز/ومزمجر بالبرق يقف خاطري ص46

          ويشعر بزيف الواقع فيقول بمرارة :

                   وآهة كانت تكبل خاطري/وتدس فيه هوية ليست له ص70

الوطن والشاعر

      ان الشاعر قد تأثر كثيراً بالجو الريفي ، والحياة الريفية ، وطفح هذا في معظم قصائده ، فهذا الحب المتأجج للوطن ، يجعلله يترنح حباً وعشقاً ، فيقول :

                   النبت فيك عشقته/والنخل فيك رأيته/النبق منك أكلته/والزهر - كل الزهر - في بستاننا /في مقلتيك عهدته/والبحر يجري من أمام الخص وسط حقولنا/وتشق الأرض المنداه المنسقة الشفاه ص70

    هذه الصورة الرائعة التي يرسمها الشاعر فتنبض بالحياة ، وتؤكد هذه العلاقة القوية بين الشاعر والأرض / الوطن .

      ويؤكد معنى هذا الالتصاق عندما يتذكر تلك الأيام التي خلت مع الحبيبة ، فيقول :

          كتبناه يوما بدمع العيون           حفرناه فوق أخضرار الشجر

          غرسناه حلماً بأرض الأماني               وقلنا سنجني لذيذالثمر ص94

     أما مايشدنا ويستوقفنا ، هو اهتمام الشاعر اللاشعوري بالماء ، فالماء مرتبط ارتباطاً وثيقاص بحياة الشاعر ، فقد ذكر النيل ، والترعة ، والبحر ، والعطش ، والظمأ ، في معظم القصائد .

انبثاقات الأمل

      ورغم مابثه الشاعر من أحزان وهموم ، ورغم معاناته في البحث عن ذاته وهويته ، إلا ان الأمل يداعبه ، وهناك شعاع يكاد يمسك به .

     يقول في قصيدة " ربما " :

                   ولم يعد في الأرض إلا وطأهم/وأنا أبص فلا أرى/ولربما يوما أرى         ص9

      ورغم أن قصيدة " القصيدة " وهي قصيدة ذات موسيقى صاخبة ، صارخة .. رغم ماتحمله من نظرة تشاؤم .. إلا أ، هذه القصيدة تصرخ بالأمل ، عندما يقول :

                   عانق قلمك /في اخلاص لنبوءته/واخطط حرفا /شعراً/يبقى بعد الموت حياة أخرى ص13

     ورغم فشله الذريع في حبه ، إلا أنه عنده الأمل في المحاولة مرة أخرى، فيقول :

                   أني فشلت/فهل أحاول ؟!/ربما !!  ص 73

     وفي قصيدة " الميلاد " ينبثق الأمل بعد الهزيمة ، فيقول :

                   تبتدي بهزيمة

                   اما النهاية فانبثاقات الأمل

     هذه مجرد مقلاربة وقراءة سريعة لديوان " فصل من التاريخ الخاص " للشاعر حزين عمر ، هذا الشاعر اللمزوج  بطين ، العازف على وتر أوجاعنا ، المبحر برومانسية على شغاف قلوبنا .


[1] - الشاعر حزين عملا من مواليد محافظة الفيوم ، من اصداراته : ديوان ( فصل من التارخ الخاص ) هيئة الكتاب 1989م، - الميلاد غداً ، هيئة قصور الثقافة 1996م ، اليوم العاشر ( ملحمة ) هيئة الكتاب ،  وهج ، مكتبة الأسرة 1999م .
[2]
- ص 9 ، ديوان ( وهج ) للشاعر حزين عمر .
[3] - ص 31 وما بعدها ، المرجع نفسه .
[4] - ص 93 ومابعدها ، المرجع نفسه .
[5] - ص 55 ومابعدها ، المرجع نفسه .

· - كتبت هذه الدراسة عام 1989م وألقيت في الندوة الخاصة التي عقدت لمناقشة الديوان في نقابة الصحفيين يوم 14/2/1989م

 

ترويض الذات في ديوان

الخروج واشتعال السوسنة

للشاعر / عبد الناصر هلال ( * )

     شاعر يتمرد على اللغة ، على الشعر / العروض ، يجرب بوعي ، يدخل عمق القصيدة ، مفردة القصيدة بوعي ، يرسم صورة مغايرة / طموحة ، فيها مراوغة ، فيها مجازفة ، يخرج من ذاته ، ينسلخ منها ، وكما يشي العنوان (( الخروج .. )) يشتعل حتى الإحتراق ، بحثا عن الذات المفقودة (( اشتعال السوسنة )) ، ينفصم عن ذاته ، يفتح مساماته لكل التيارات ، لكل المحسوسات ، بوابة هو ، يدلف من خلالها من يريد ، فتحسه وأنت تطالع القصيدة وكأنه مخلوع من ذاته ، مفتوح لكل من يريد الدخول .. ولكنه هو المراوغة ، والمباغتة ، ينفتح ولكن يبتلع ..يتاقلم .. يتموسق مع ذاته ، ويلج كيانه .. أنه لايُروض ، ولكن يِروض .. نجد تلك المباغتة ، والمراوغة في أول قصيدة تصادفنا من الديوان (( ترويض)) .. ولنقدمها للقارىء كمنوذج :

          من يفتح قلبي

          يتمرغ بين خلاياي

          يتفرجني

          ويطارد في دمي امرأة تتعنكب

                   وجهين ،

                   ولونين

          يشد الساحل

          نحو الفخذ الطالع في الماء العذب

          من يفتح

          يدخلني الناتس ويحتاطون ، الأشجار

          سهل أن تدخل

          وتيمم وجهك نحو الرحم البكر

          فأنا أرض الله ،

          جهات تتفتح في البحر

          افتح بثقاب

          لن يبقى قدامك الاي

          سهل أن تدخل

          وتوزع منشوراتك

                   ضد دمائي

          تنفث رائحة المطر ،

          وتعلن عن بدء الاثمار

          اني لم أتخير للطير ،

          والعسس يلائم

                   أن تفتح بثقاب قلبي

                             أو

                             تبتكر كتابا للبحر المراوغ .

     أنها فلسفة الشاعر وقدرته على المراوغة ، والإيهام بأنه قابل للترويض ، قابل للتشكيل .. ولكن الشاعر يراوغ ، يدلف بك إلى أعماقةه ، يهمشك دون أن تدري ، فهو يجسد هذه المراوغة في قصيدة (( علاقة )) ليبين لنا حدود هذه العلاقة ، قوة تأثير الآخر :

          يرسم فوق النوافذ وجه

          بالطباشير مرة

          بالتباشير مرة  ص 7

    هذه العلاقة بين الطباشير / الضعيف السهل الإزالة ، وبين التباشير وما تحمله من دلالات .

      نموذج آخر نراه من نماذج الترويض التي يرسمها الشاعر ببراعة ، في قصيدة ترسم معادلة / مواجهة : (( الصعود = الهبوط )) هذا التوازن / الرمز ، يدل على قدرة الشاعر على الترويض المراوغ :

          البحر يخلع قمصانه

          يلبسني في الليل

          يجذبني للقاع

                   فأطفو

                             أستعصي

          أطرح أسئلة ص 65

     والقصيدة ترسم صورة رائعة لهذا الترويض ، تور صراعا بين البحر وكائناته ، هذا الرمز المناوش القصيدة يدلف بنا إلى لحظة الخروج :

          أخرج مفتاح البحر وأقرأ

          كاف نون

          رويدا ينصاع الماء ص 68

     ويطرح فلسفته / رؤيته في هذا الترويض ، فيقول في قصيدة ( اغراق :

          ليس بين الصد والترويض

                   غير احتدام  ص 71

     وفي هذه القصيدة يدخلنا الشاعر في تجربة صوفية تتوهج فيها القصيدة ، تتوالى الأسطر الشعرية في متتاليات تعبر عن هذا الترويض الماتع ، المعبر ، وتتوهج القصيدة بنور الوهج الصوفي ، تتدثر بعباءة درويش عاشق ، يتداخل ، ينصهر مع الذات ، يُروض ، ويِروض .. (( اني مستمسك بالاسم / محتدم / ليس في نطفنتي / سوى رجل / لذا / ألقيت عليكم محبتي / ودخلت سر المخاض )) ص 84

     أننا أمام شاعر يراوغ القصيدة ويباغتها بإقتحام مراوغ على مستوى الصورة والمجازفة الواعية في التجريب ، وطرح مغاير نابع من داخل الشاعر ، طارحا إمكاناته الخاصة .. وقدرته على مراوغة القصيدة ، ومحاولته أن يكون له صوته المتفرد ، المميز .


* -عبد الناصر عبد الحميد نور الدين هلال ، ولد في 9/8/1962م بمدينة جرجا ( سوهاج ) ، صدرله : كلما مرت على دمي اتبكت ( ديوان ) ، امرأة يروق لها البحر ( ديوان ) ، الحضور والحضور المضاد - دراسة في المسرح الشعري الحديث ، ظواهر أسلوبية في شعر محمد ابراهيم أبوسنة ، لويس عوض . ، والديوان( الخروج واشتعال السوسنة ) صادر عن سلسلة ( اشراقات أدبية ) العدد (56 ) ، أكتوبر 1989م .

 

صباح العشق

للشاعر : بهاء الدين رمضان

    خمسة وعشرون قصيدة يضمها ديوان (( صباح العشق )) للشاعر (( بهاء الدين رمضان ، يمتزح بهاء الدين بالقصيدة ..  برومانسيته الحالمة المعهودة ، يرسم صباحات عديدة للعشق ، مازجاً الصباح رمز الوضوح والنور ومدخل الحياة الجديدة ، بالعشق رمز العطاء والتمازج والإنصهار .

    هذه الأزدواجية المتوافقة ، المتحالفة ، المنصهرة في لب القصيدة ، نلحظها قبل دخول أعتاب القصيدة ، فيطرحها نثراُ في الإهداء ، عندما يهمس : (( إلى امرأة مغايرة لكل نساء العالم .. امرأة لصباح جديد .. تقلق كلَّ الكونِ .. وتغير لون الأشياء ..)) هذا الإهداء المقلق ، المربك ، الفاتح للشهية ، يجعلنا ندلف سريعا في أعماق القصائد لنتعرف على تلك المرأة الأسطورة ، نتلمسها في قصيدة (( قلق )) ص9 ، تتوغل في أعماق الشاعر ، تبعثره ، فيبرز بفنية / غنائية ، حالة القلق وعدم الاستقرار ، وتعطي (( ولا تستقر )) المكررة بين المقاطع  إيحاء بهذا الصخب العاطفي ، ونلحظ هذا الإرتباك في قصيدة (( عابرة )) ص 11 ، ومشاركة المكان / الشارع ، هذا العشق ، منذ أن رآها هو ، وسارت في الشارع ، فنجد الشوارع تنبض بالحياة ، تشاركه الوجع / العشق ، يقول في صورة مؤثرة :

          والشوارع تسبح خجلى

                             في ذبول

                   تخلع قمصانها

          وتشاركني طعما  آخر

                             للموت

          فأعلق في عروتها

          نجما من حصى الأسفلت

     وفي قصيدتي (( امتزاج )) و (( صباح )) تظهر قدرة الشاعر على تكثيف المشهد الشعري ، ويوفق في رسم الصورة عندما تتقاطر مفردة الحلم على الأسطر الشعرية في مقابل رخات المطر .

      وفي قصيدة (( صباح العشق )) ، تظهر فلسفة الشاعر للعشق ، وقدرته على رسم الصورة وتكرارها لتعطي أكثر من ملمح وأكثر من بعد ، فنجده مرة يتوج كما في المقطع الأول ، ثم يسكن ويهدهد في المقطع الثاني ، ثم يتفطر ويذوب ويتوج كما في المقطع الثالث .

     أما في (( فونيمات جسد )) فيداعب الشاعر الحرف بحرفية ، في محاولة للتجريب ، ولم يسقط كما سقط غيره في بحر اللغة الجافة ، ولكن وازن بين اللعب بالحرف وموسيقى الشعر وبناء القصيدة .

     يقول في ( فونيم 2) على سبيل المثال ، مناوشا حرف ( السين ) :

          سرب سرى في سرها

          والكأس مس من سكون

          فاختلس كأسا

          لتسكر من سحابتها السجنجل *

          في سنا سهدي استحالت سوسنا

          حتى سمت

                   وتسللت ..

     هذه القدرة على حصار اللغة جعلته يكثف قصائد الديوان بفنية ، فجاءت معظم القصائد قصيرة جداً ، وطارحة الكثير ، كما في قصيدة (( عنوسة )) على سبيل المثال ، يقول فيها :

          بئر معطلة

          وقر

          نائم في ظلمة الليل الطظيل

                   فاصرخي

                   في الجب

                             ماء محترق

          نهدان من صلب مذاب

          ينزوي في شهوة امرأة

          يؤرقها المساء ص31

          أن ديوان (( صباح العشق )) يعتبر محطة تالية بعد ديوانه الأول (( نبوءات )) ، نجد فيه لغة شعرية مكثفة ، تمتزج برومانسية حالمة ، وعشق متفجر بين ثنايا القصيدة ، حتى عندمايبعد عن الحبييبة ويدلف إلى الوطن ، لا يفارقه هذا العشق ، ولاتسقط تلك الرومانسية ، وهذامانلحظه عندما نقرأ قصيدة((القدس )) فنجده يطرحالوجع بلغة حالمة ، عاشقة .

      انه (( بهاء الدين )) القائل :

          هو ذا العشق

                   يتقاطر من غيمات الصبح

                   ومن نجمات البوح

                   يتناثر من أسراب فراشات الصحو

                   ومن بين حقيبة تلك البنت المرمر

                   فيذوبني في الوعدالممتد

                   ويتوج كل سطور القلب بأغصان الورد .


* - السجنجل : المرآة وهو لفظ رومي معرب

          فلسفة الوجع في ديوان

(( المشي على البكاء ))[1]

للشاعر عارف خلف البرديسي *

    يتساقط الوجع من شعر (( عارف البرديسي ))  كما المطر ، يتفجر كالدماء الساخنة من الشاه المذبوحة ، يغلي كالبركان .

      هذا الوجع نطالعه قبل الدخول في قصائد الديوان ، يطرحه العنوان (( المشي على البكاء )) .

     ( عارف البرديسي ) ، يزواج بفنية بين الوطن والحبيبة ، يرسم صورة مكثفة ، نلحظ هذا في معظم قصائده القصيرة ، فنجد ملمح الصورة متكامل ، لانستطيع تفكيك الصورة / القصيدة . فالبناء متماسك قوي البنيان .

     يرسم لنا القصيدة / الحالة ، أو القصيدة / اللوحة ، كما في قصائد : (( ترنيمة - لقاء - ربان - ترانيم - عمياء تقرطسي غبشاً )).

    وتظهر قدرة الشاعر على الطرح بكثافة ، وبلورة الفكرة ، وتتضح فلسفة الشاعر ال1ذي يجعلنا نلهث وراء وبين السطر الشعري ومجمل الصورة / الحالة / اللوحة .. لفك ملامح ومرمى القصيدة ، للوصول للهدف ، فهو يراوغ الكلمة ، ويدخلنا المنطقة الوعرة ، منطقة الإلتحام .. إلتحام الأنا بالقصيدة ، لمحاولة الدخول في عمق القصيدة ، وإكتشاف الذات ، للتعرف على ملمح القصيدة .. كينونتها ، فك أزرارها للولوج إلى عالمها .. نزع الغلالة المتسربلة بها القصيدة .

     لنطالع نموذجا من تلك القصائد / اللوحة التي وفق في طرحها الشاعر ، لنتعرف على قدرة الشاعر على رسم الصورة السريالية بفنية ، فيقول في قصيدة (( ترنيمة )) :

          قلت يا أيتها الروح

          انتشي من الخرائب

          جمجمة

          وانفضي من عظامها الرهبة

          كي تخرَّ إليك ساجدة

          مما استعذبت من حيلولة

          الأماني

          فإذا بها تنكسر

          حينما دخل المساء

          حيز الأسئلة

     نلحظ في القيدة إمتزاج الروح بالخراب بالجماجم بالإنكسار ، هذا الخليط الممتزج ، يعطي لنا صورة لحالة الوجع المتسربلة بها القصيدة ، يطرح هذا الوجع الرمز ، وعلينا أن نفك الملامح ، وان ندخل في عمق القصيدة / الحالة ، لمعرفة مايرمي إليه الشاعر أو مانصل إليه .

     ولاعجب ان نجد مفردة ( الوجع ) رغم وجودها صراحة ( 3 ) مرات فقط في مجمل القصائد ، إلا أن الوجع هو المسيطر والمهيمن على صورة القصيدة .

     نجد مفردة الوجع يقولها صراحة في قصيدة (( عمياء تقرطسني غبشا )) - على سبيل المثال - فيقول : (( وهي على حافة القلب الموجع )) .

     ونجدها أيضاً في قصيدة (( نفر الذات )) وفيها مقابلة بين الفرح والوجع .. هذه المقابلة لها مدلولاتها التي تجعلنا نهرول سريعاً إلى العنوان الرامز لمعرفة هذه الإسقاطات / الدلالات .

     ونجد هذا الوجع الساكن في أعماق القصيدة ، والذييطرحه الشاعر بفنية ووعي ، فنجده يصرخ في قصيدة (( عاصفة )) :

          أنا لست ابنا للوطن الذي

          يجلس في عيون الغاويات

          يشرب نخبهن نبيذا

          وينام على اجسادهن العاريات

     هذه الصراحة والوضوح في رسم الصورة على عكس القصائد المكثفة القصيرة .. أعطى للقصيدة شحنة من المصداقية .

     ورغم بساطة قصيدة (( لوحة )) إلا أنها ترسم لنا صورة جميلة بمفردات بسيطة ، ويختمها بصورة لها بُعد ودلالة في نهاية القصيدة عندما يقول :   

          قلب اللوحة

          إلى قلبين

          تحدد لون                                                                       

          والآخر

          من فرطه

                    

     وتتجدد فلسفة الوجع ، ونجدها بصورة أخرى في قصيدة (( انا والمدينة والخيط )) ، في هذه الثلاثية .. نجد حصار الوحدة يسيطر على كيان الأنا عندما يقول :

          المدينة تفشي اسرارها

          تعلن ثورتها عليّ

          تتركني وحيدا

          ازاحم الأموات

          أقاوم الموت                                  

ان قصائد الشاعر تحمل فلسفة واضحة ، وشعرية تدل على موهبة تتابع الحركة الشعرية .. واستفادت كثيراً من التجارب السابقة .

     وإذ كنا نلحظ ان الشاعر يسير في خطين لايجمعهما إلا قاموس الشاعر ورؤيته ، الخط الأول هو القصيدة المكثفة ، القصيرة ، وفيها نجد الشاعر يكثف الصورة ذات الدلالات المتعددة .

     والخط الثاني هو القصيدة المباشرة البسيطة وفيها نجد الشاعر له رويته ، ولكن تغيب الصورة في بعض الأحيان ، كما في قصيدة (( انشطار الشذى )) ، أو تكون بسيطة ساذجة مثل قصيدة (( المشي على البكاء )) التي تحمل عنوان المجموعة ، هذا العنوان الرامز الذي يعطي دلالات ويفتح مسامات الرؤى ولكن لانجده في القصيدة .


[1] -الديوان مخطوط .

* - الشاعر /عارف خلف البرديسي ، من سوهاج ( جرجا )

إِشتعال القصيدة

 في ديوان (( ما أطفأتني هجرة ))

للشاعر (( أحمد جامع ))  (* )

    يدخل أحمد جامع معترك القصيدة الحديثة بوعي .. فنجد القصيدة مكثفة بحنكة ، طارحة الصورة بفنية ، الدون الدخول في متاهات التعتيم ، وصراع اللغة المبهم الذي يعتري القصيدة الحديثة عند بعض شعراء الحداثة .

    تشتعل القصيدة عند أحمد جامع ، تحترق عل نار الهوى ، وجع العاطفة ، ولعل عنوان الديوان (( ما أطفاتني هجرة )) يطرح بعض دلالات هذا الإشتعال الإحتراق التي تطرحه قصيدة الشاعر ( أحمد جامع ) ، يطل علينا من الأهداء :((إلى الشمعة التي كانت تحرق نفسها من أجل أن تضيء لنا الطريق )) ، نلمسه في مقطع مكثف يضعه الشاعر قبل الولوج إلى قصائد الديوان :

          ذات صيف وماء

          عرض القلب دقاته

          لربيع فتاة

          فاكتوى

          بالفراش الملون

          من قمر الكبرياء

    هذا الوجع المحمل في عمق هذه القصيدة يرسم فلسفة الشاعر ، ويطرحها في القصائد ، فعندما نلج قصيدة (( هجرة أولى )) نجد هذا الإشتعال يرسمه في صورة مكثفة متوهجة :

          وردة في فضاء دمي

          مثلما مطر الصيف

          تشعلني بالقصائد

          تدخلني

          في تموجها

          فوق بحرٍ

          له نزق واحتدام ص 5

      هذه المقابلة بين الوردة ودمه ، المطر والصيف ، الإشتعال والبحر ، الموج والإحتدام ، يجسد لنا الصراع / الوجع .

    ثم يواصل في ذات القصيدة :

          مرة تنثر العنب الساحلي

          على وجعي

          مرة

          تحرق القلب

          هجرتها ص 6

     فتلك المقابلة بين حلاوة العنب /الرمز ، والوجع ، وحرق القلب والهجر ، تصنع صدام في القصيدة ، هذا الصدام يؤجج الإشتعال .

     وفي قصيدة ( ارتحال ) يطلب من الحبيبة أن تدخله تسقيه ماء التلاقي لتهدأ من وجع الإشتعال :

          مري على حقل البنفسج في دمي

          واسقيه ماء التلاقي

          وامنحيه الحبّض

          والحلم الجميل

          مري فهذا الصيف

          مشتعل ص 9

    وكأن شراينه بستان من البنفسج يحتاج للماء ، يحتاج للحب ، يحتاج للحلم ، يحتاج للأرتواء حتى لاتحرقه نار ووهج الشمس . أنها صورة مكثفة تدل على قدرة الشاعر على رسم الصورة بفنية ، ورمزية محببة .

     ويرسم صورة مقاربة ترسم نفس الوجع : (( كل القصائد /  حطمتها / نوبة الحر المميت / ففتحي / كالورد / في شباك / حرقتنا / ودعي مياهك / تغمر / القلب العليل )) ص 10 ، نفس المقابلة بين الحريق والماء ، في محاولة لإطفاء نار الوجع .

     ونجد هذا الإحتراق / الإشتعال ، ي قصيدة (( من حكايات الولد القروي )) .. فنجد الشتاء العجوز الحامل نعش الناي .. رمز الحزن ، طارحا أيضا هذه المواجهة بين الماء والحريق والدم :

            (( الشتاء العجوز

          أتيى حاملاَ

          نعش ناياته

          ورمى زهرة من دماه

          على صفحة النهر

          فاحترقت سنوسنات الفؤاد

          وغادرني الحلم ص 17

     ويواصل في ذات القصيدة : (( كل صيف يمر / أنادي عليه / فتجرحني / زهرة من دماه /على صفحةِالنهر نائمة / في لهيب الظلام )) ص 18 .

    أنه الوجع المتسربل يرسمه الشاعر بأكثر من صورة مازجا هذا الدم مع النهر مع اللهيب مع معزوفة وجع .

     عندما يفرح عند إشتعال ، غشتعال الفرح / الوهج ، فيقول :

          للبنت بهجتها ولي

          وهج القصيدة في دمي ص 22

     ونجد إشتعال آخر ، إشتعال تعبر عنه القصيد دون أن تبوح به ، إشتعال يطرحه الشاعر من بين ثنايا القصيدة بفنية عندما يقول في قصيدة ( أرتباك )) :

          أربكتني التي

          فتحت وردةٌ في دمي

          ثم قدت قميصي من خلفه

          ومضتْ

          فلماذا اذن أمطرت سوسنا دافئاَ ص 29

     الإحتراق يرافق الشاعر في رحلته القصيدة ، يسيطر على مفرداتها بوجعه (( من ورق لونته المواجع / أحرقه الوجد )) ص 50

     ويطلب من المحبوبة أن تشاركه هذا الإشتعال (( شاركي وهج الأغنيات / التي تصطلي / في دمي )) ص 61

     وفي قصيدة ((الهجمة الهامسة )) يرسم صورة لهذا الإحتراق / الوجع ، صورة تقول الكثير ، تؤكد قدرة الشاعر على تكثيف الصورة ،وإحتواء الكلمة وتوظيفها :

          في المساء الكظيم

          من شتاء أنوثتها

          تدخل البنتُ حجرتها

          لإرتداء مواجعها

          هذه وردة الإحتراق الجميلْ

          في دهاليز وحدتها البائسة ص 75

     وفي القصيدة التي تحمل عنوان الديوان (( ما أطفأتني هجرة )) يرسم لنا الشاعرة صورة لهذا الإحتراق ، تتضح من خلالها قدرته على بلورة الصورة ، وطرح هذا الوجع الإشتعال ، مداعبا القصيدة بفنية : ((يا أحمد القروي / مهلاً لا تغامرْ/ لا الورد وردك / ولا الحدائق ملك قلبك / يافتاي فغض طرفك / واسترحْ / في جمر بوحك )) ص 40

      محاولة للإنسلاج من هذا الوجع/ الإحتراق / افشتعل المزوج في دمه ، المنصهر في ذاته .

      يعبر عن هذا المزج / الإنصهار ، في نهاية القصيدة :(( ما أطفأتني هجرةٌ / ماغض طرفي / أو تغافل في دمي / وهجٌ / رهج الطريقِ / على ثيابي / في مسافات الدماء / وبين وردلاتي / وفي عظم المفاصلْ )) ص 46

     أن الشاعر ( أحمد جامع ) يطرح لنا القصيدة الحداثية المحملة بالرمز الشفيف ، والصورة المكثفة الواعية ، وقد وفق في طرح هذا الإشتعال من خلال تلك الثلاثية ( الماء ، الحريق ، الدم ، واستطاع أن يوظف هذه المفردات بمشتقاتها ودلالالتها ، فكان الغزو مدبراً وموفقا ً .


* - شاعر من نجع حمادي ،ولد في 3/2/ 1959م  الديوان صادر كتاب النيل (1) قصر ثقافة نجع حمادي

الرقص في حانة الوجع

قراءة في ديوان :(( الرقص في حانة المتدارك ))

للشاعر / محمد خضر عرابي (* )

      (( الرقص في حانة المتدراك )) الديوان الأول للشاعر (( محمد خضر عرابي )) ، يضم (31) قصيدة، صدر عن مطبوعات النادي المركزي بسوهاج ، العدد(5 ) .

     هذا العنوان الذي يحمل ملامح البهجة ، فالـ (( متدراك )) بحر شعري راقص ، فإذا تحول إلى حانة تحول فيه الرقص إلى بهجة ، ومتعة مع موسيقاه الصاخبة ، ولكن هذا العنوان الراقص المبهج سرعان ما تبهت ملامحه عندمانتوه في وجع الشاعر وأحزانه ، ولانملك إلا أن نرقص معه على وجع الحزن ، وكأننا نؤدي طقوس غرائبية لقبائل ما  تهوى الرقص على الألم ، وتشيع الحزن بموسيقا صاخبة .. إنها فلسفة الشاعر تجاه الوجع والحزن الذي يرتع به ديوانه ، وتتراقص على أنغامها قصائده .

      ندرك ذلك ونحسه من عناوين القائد ، فنقرأ عناوين غارقة في هذا الوجع .. معبرة عنه : (( المدينة غارقة في النعاس - لماذا الرحيل ؟ - زمن الموت والخوف - القبضة والخنجر - التوابيت - تساؤلات حزينة - وضاع الغناء - )) وعندما نتوغل في عمق القصيدة  نجد مفردات     : ( الوجع _ الفراق - الحزن - اليتم - العذاب - الجرح - الموت - الكواابيس - الحرق - الخنق - الخوف - التعاسة - الشقاء - الضياع - الأنين - الجفاف - البؤس - البكاء - الدموع )  بمشتقاتها .. تتوغل في عمق القصيدة ، ويوظفها الكاتب في طرح هذا الوجع ، والجدول التالي يبين بصورة إحصائية مدى تمكن هذه المفردات من القصيدة : 

     
  الرئيسة  
  ذوب القلوب
 الرسائل
 
     البريد المباشر  
  الشعر  
  الرواية  
  المسرح  
  القصة  
  مداخلات نقدية  
  الدراسات والبحوث  
  همس التواصل  
  بريد الكتاب والأدباء
  أخبار المعرفة والإبداع
  الدوريات الثقافية
  توثيق العضو الجديد 
  باحة الأعضاء
 

 

 
     
     
 

وكالة آرس

 
 

غابة الدندنة

 
 

عن المحرر

 
 

شاهد صفحتك

 
 

مقدمات

 
 

وقفة تقديم 

 
 

انصهار الذات .. امتزاج القصيدة 

 
 

 نحو منهج نقدي 

 
 

شعر الفصحى

 
 

د. محمد أبو دومة
بين ليلى وفاليري

 
 

مشهور فواز
ظاهرة التمرد

 
 

سعد عبد الرحمن
حدائق الجمر

 
 

المنجي سرحان
فلسفة الحزن

 
 

حزين عمر 
محطات وهج القصيدة

 
 

عبد الناصر هلال
ترويض الذات

 
 

محمد خضر عرابي
الرقص في حانة  الوجع

 
 

بهاء الدين رمضان
صباح العشق

 
 

عارف البرديسي 
المشي على البكاء

 
 

أحمد جامع
اشتعال القصيدة

 
 

شعـر العـامـية

 
 

أحمد المنشاوي

 
 

عشري عبد الرحيم

 
 

محمد محمدين

 
 

محمود المزلاوي

 
 

سماح عبد العال

 
 

عـروض نقدية 

 
 

محمد خليفة الزهار
قصائد من ديوان الموت والوجع

 
 

مستقبل الثقافة العربية

 
 

تكنولوجيا أدب الأطفال

 
 

موسيقا للبراح والخديعة

 
 

طالع المزيد

 
 

الروايات

 
 

يا عزيز عيني

 
 

للعشق أوجاع.. هذه منها 

 
  طالع المزيد  
     
     
     
     
 

النصوص المسرحية

 
 

الخروج إلى القلعة

 
 

مونودراما عـطاف

 
  طالع المزيد  
     
     
     
 

التراث العربي

 
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
  online = خدمات ثقافية  
  owner = المواقع الأدبية  
  moderator =المجلات الإلكترونية  
     
تصميم : وكالة آرس للبحوث والنشر2002

   صورة الوجع

      للوجع في قصائد ( محمد خضر عرابي ) وجوه متعدد ة ، نجد هذا الوجع مع ذكريات الماضي ، يقلب الصفحات ، ويفتش الأوراق ، فيقول في قصيدة (( المدينة غارقةفي النعاس )) ص 7 :

          على وجع الأمس ..

                   تحتشد الذكريات ..

          فتورق في النفس أمنية وسؤال ..

     ويحاول رسم صورة للمدينة، فنجدها صورة كئيبة معجونةمباء الوجع ، وهو يقول في صورةمعبرة تتقابل فيها المتضادات :

          هنا في سماء المدينة تغفوالمواسم ...

                   توأد في قلبها الأسئلة

          ينام على حافةالموت نور ...

                   ونهر يجف مع القافلة ..

          هنا في سماء المدينة ..

          تنمو الكوابيس ...

          يُحرق حلم المحبين

                   يخترق الحزن فوق الوجوه

          ويخبو صهيل الخيول

                   تهيم الدراويش بالأبخرة ..

          ويخنق ورد المسافات..

          يضجع الخوف فوق الجدار ..

    هذه الصورة المسكونة بالوجع .. يبدأها الشاعر بالغفوة ، ثم الوأد ، فجفاف ، كوابيس .. حرق ، اختمار الحزن ، هذا الصورة المركبة لاتقف عند هذا الحد ،، بلنجد مقابلة بين خبو صهيل الخيول ، رمز الشجاعة والقوة  والمواجهة ، وهيام الدراويش بالأبخرة رمز الإتكالية والإنزواء ، ثم نجد الخوف نائم فوق الجدار ، ويطرح الشاعر الأسئلة محاولا الخروج من عتمة الوجع .

      ويواصل التساؤلات في قصيدة ( لماذا الرحيل ؟ ) ص12 ، ويطرح وجع الغربة وموت الأب بعيداً عن الأهل والوطن من أجل المال .

     ويستمر طرح التساؤلات في قصيدة ( اسالوها ) ص 16 ، وتكثر العنعنة  التي تعطي للقصيدة وقع خاص ، ومتوالية تعبر عن الوجع / السؤال .

      ويظهر الوجع جليا عندما يعبر بصورة الجمع ، فتكرر في مدخل السطر الشعري مفردة (كلنا ) :

          كلنا يساق نحو الهاوية .....

          ضيع الوهم خطانا ...

          والرؤى غامت ضللنا ....

          واحترقنا في لهيب القهر ...

                   في زيف الكلام ....

          وغرقنا في بحار الوهم واللحن السراب ...

     ويواصل نظرته التشاؤمية ، فيرسم ذلك في قصيدة ( زمن الموت والخوف ) ص 22 ، فيشتعل الخراب بداخله فلا يرى إلا صورته السوداء ، وأن كل شيء جميل في الحياة قد ضاع ، فيقول بفنية موجعة في مدخل القصيدة :

          وينبؤني زمان الموت  ياحبي ...

                   بأن النخل لن يكبر ..

                   وأن حدائق الريحان لن تزهر ..

          وأن عناكب الحزن تخيمفوق وادينا ..

     ويواصل العزف ، بل الرقص في حانة الوجع :

                   وينبؤني زمان الموت ياحبي

          بأن الصبح لن يأتي بآمالي ..

      وكأنه يتلذذ بالوجع وهو يقول في قصيدة ( الرقص في حانة المتدارك ) ص 25 :

          واختبري وجعي وهجي طربي ..

          فأنا من زمن مسكون بالهم وبالتعب ...

          أقتات الحرف وآهات الندم ..

          مابال العالم يغمد فيّ نصال الكره ويرمي زغبي ...

محاولات الخلاص

     أنه الشاعر ( محمد خضر عرابي ) الهائم في دنيا الوجع ، السابح في ملكوت الحزن ، العازف على لحن القهر ، المسكون بالتساؤلات ، فجاءت القصيدة عنده تطرح الوجع ، تدخل عالم الوجع ، تطرح تساؤلاتها بعنف ، تحاول الخرو  من هذا الوجع المحاصر لذاته ، ومدينته ، وحبيبته ، ودنياه ، ولكنه يمسكبتلاتيب الخلاص ، يبحث عن حل للخروج من هذا الواقع المرير ،.فنجده في قصيدة ( الرقص في حانة المتدراك ) يقول للحبيبة :

          إني مقتول بالصمت وبالسهد وبالحرب

          مطحون تحت سنابك زمني ....

          تحت سياط القهر ....

          مرّي  بيديك على جرحي

          رشي فيضك / نبعك/ نبضك /

                   كي تحيا مدني ...

     وبعد .. تلك محاولة لإستقراء ديوان( الرقص في حانة المتدراك لشاعر ( محمد خضر عرابي ، ولاشك إننا أمام شاعر  يداعب اللغة بحنو ، ويدخلها بجمال الصورة الشعرية فيضيف إلى جمالها جمالاً ، وان ما تحمله القصيدة من أوجاع وهموم.. من أحزان ودموع ، وتساؤلات تغزو القصيدة بشكل مكثف في معظم قصائدالديوان ، هي محاولة من الشاعر للضرب على مشاعرنا ، لإيقاظنا من لحظة التناوم ، أو النوم ، أو الموات .. أو التخاذل .. قل ما شئت وحدث بلا حرج ، فـ (( عرابي )) الشاعر ، ركب جواد الشعر ، وأعلن ثورته على الوجع / الهزيمة ،وها هو في الساحة يمتطي جواده ، يرقص في حلبة الوجع  ،على أنغام الشتات ، الهزيمة ، الخراب ، .. الخ .

    وتطرح القصيدة عند محمد خضر عرابي الكثير من التساؤلات .. / الوجع ، أنه القلق المؤرق للشاعر ..يطرح هذه التساؤلات بفنية .. فتتماوج القصيدة على السؤال/ الطرح/ البناء ، لتدخلنا وتشاركنا لحظة الوجع المعجون بماء القصيدة . 


* - الشاعر محمد حضر عرابي ، من ( جزيرة شندويل ) سوهاج 

محمود رمضان محمد الطهطاوي