ثم توعدهم إن هم استمروا على العناد بقوله: {فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمرى إلى الله إن الله بصير بالعباد}، قال الله: {فوقاه الله سيئات ما مكروا} أى بإنكاره سلم مما أصابهم من العقوبة على كفرهم بالله، ومكرهم فى صدهم عن سبيل الله، مما أظهروا للعامة من الخيالات والمحالات، التى ألبسوا بها على عوامهم وطغامهم، ولهذا قال: {وحاق} أى أحاط {بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا} أى تعرض أرواحهم فى برزخهم صباحًا ومساءً على النار {ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} وقد تكلمنا على دلالة هذه الآية على عذاب القبر فى التفسير، ولله الحمد.

والمقصود: أن الله تعالى لم يهلكهم إلا بعد إقامة الحجج عليهم، وإرسال الرسول إليهم، وإزاحة الشبه عنهم، وأخذ الحجة عليهم منهم، فبالترهيب تارة، والترغيب أخرى، كما قال تعالى: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين}.

يخبر تعالى أنه ابتلى آل فرعون، وهم قومه من القبط، بالسنين، وهى أعوام الجدب التى لا يستغل فيها زرع، ولا ينتفع بضرع، وقوله: {ونقص من الثمرات} وهى قلة الثمار من الأشجار {لعلهم يذكرون} أى فلم ينتفعوا ولم يرعووا، بل تمردوا واستمروا على كفرهم وعنادهم {فإذا جاءتهم الحسنة} والخصب ونحوه {قالوا لنا هذه} أى هذا الذى نستحقه، وهذا الذى يليق بنا {وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه} أى يقولون: هذا بشؤمهم أصابنا هذا، ولا يقولون فى الأول: أنه ببركتهم وحسن مجاورتهم، ولكن قلوبهم منكرة مستكبرة نافرة، عن الحق إذا جاء الشر أسندوه إليه، وإن رأوا خيرًا ادعوه لأنفسهم، قال الله تعالى: {ألا إنما طائرهم عند الله} أى الله يجزيهم على هذا أوفر الجزاء {ولكن أكثرهم لا يعلمون وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين} أى مهما جئتنا به من الآيات، وهى الخوارق للعادات، فلسنا نؤمن بك، ولا نتبعك ولا نطيعك، ولو جئتنا بكل آية، وهكذا أخبر الله عنهم فى قوله: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم}، قال الله تعالى: {فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين}.

أما الطوفان: فعن ابن عباس: هو كثرة الأمطار المتلفة للزروع والثمار، وبه قال سعيد ابن جبير وقتادة والسدى والضحاك. وعن ابن عباس وعطاء: هو كثرة الموت. وقال مجاهد: الطوفان الماء، والطاعون على كل حال. وعن ابن عباس: أمر طاف بهم.

وقد روى ابن جرير وابن مردويه من طريق يحيى بن يمان، عن المنهال بن خليفة، عن الحجاج، عن الحكم بن مينا، عن عائشة، عن النبى صلى الله عليه وسلم : (الطوفان الموت)، وهو غريب. وأما الجراد فمعروف. وقد روى أبو داود عن أبى عثمان، عن سلمان الفارسى، :قال سئل رسول الله عن الجراد؟ فقال: (أكثر جنود الله لا آكله ولا أحرمه). وترك النبى صلى الله عليه وسلم أكله إنما هو على وجه التقذر له، كما ترك أكل الضـب وتنزه عن أكل البصل والثوم والكراث، لما ثبت فى الصحيحين عن عبد الله بن أبى أوفى، قال: (غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد). وقد تكلمنا على ما ورد فيه من الأحاديث والآثار فى التفسير. والمقصود: أنه استاق خضراءهم، فلم يترك لهم زرعا ولا ثمارا ولا سبدا ولا لبدا، وأما القمل: فعن ابن عباس: هو السوس الذى يخرج من الحنطة. وعنه: أنه الجراد الصغار الذى لا أجنحة له. وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة. وقال سعيد بن جبير والحسن: هو دواب سود صغار. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هى البراغيث. وحكى ابن جرير عن أهل العربية: أنها الحمنان، وهو صغار القردان، فرق القمقامة، فدخل معهم البيوت والفرش فلم يقر لهم قرار، ولم يمكنهم معه الغمض ولا العيش. وفسره عطاء بن السائب بهذا القمل المعروف. وقرأها الحسن البصرى كذلك بالتخفيف. وأما الضفادع: فمعروفة، لبستهم حتى كانت تسقط فى أطعمتهم وأوانيهم، حتى إن أحدهم إذا فتح فمه لطعام أو شراب سقطت فى فيه ضفدعة من تلك الضفادع. وأما الدم: فكان قد مزج ماؤهم كله به، فلا يستقون من النيل شيئًا إلا وجدوه دمًا عبيطا، ولا من نهر ولا بئر ولا شىء إلا كان دما فى الساعة الراهنة. هذا كله لم ينل بنى إسرائيل من ذلك شىء بالكلية، وهذا من تمام المعجزة الباهرة والحجة القاطعة، أن هذا كله يحصل لهم من فعل موسى عليه السلام، فينالهم عن آخرهم ولا يحصل هذا لأحد من بنى إسرائيل وفى هذا أدل دليل.

قال محمد بن إسحاق: فرجع عدو الله فرعون حين آمنت السحرة مغلوبًا مفلولاً، ثم أبى إلا الإقامة على الكفر، والتمادى فى الشر، وتابع الله عليه بالآيات فأخذه بالسنين، فأرسل عليه الطوفان، ثم الجراد، ثم القمل، ثم الضفادع، ثم الدم، آيات مفصلات، فأرسل الطوفان وهو الماء، ففاض على وجه الأرض، ثم ركد لا يقدرون على أن يخرجوا، ولا أن يعملوا شيئا حتى جهدوا جوعًا، فلما بلغهم ذلك: {قالوا يا موسى أدع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بنى إسرائيل} فدعا موسى ربه فكشفه عنهم، فلما لم يفوا له بشىء فأرسل الله عليهم الجراد، فأكل الشجر، فيما بلغنى، حتى إن كان ليأكل مسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم ومساكنهم، فقالوا مثل ما قالوا، فدعا ربه، فكشف عنهم، فلم يفوا له بشىء مما قالوا، فأرسل الله عليهم القمل، فذكر لى أن موسى عليه السلام أمر أن يمشى إلى كثيب حتى يضربه بعصاه، فمشى إلى كثيب أهيل عظيم فضربه بها، فانثال عليهم قملاً حتى غلب على البيوت والأطعمة ومنعهم النوم والقرار، فلما جهدهم قالوا له مثل ما قالوا له، فدعا ربه، فكشف عنهم، فلما لم يفوا له بشىء مما قالوا، أرسل الله عليهم الضفادع، فملأت البيوت والأطعمة والآنية، فلم يكشف أحد ثوبًا ولا طعامًا، إلا وجد فيه الضفادع قد غلبت عليه، فلما جهدهم ذلك، قالوا له مثل ما قالوا، فدعا ربه، فكشف عنهم، فلم يفوا بشىء مما قالوا، فأرسل الله عليهم الدم، فصارت مياه آل فرعون دمًا لا يستقون من بئر ولا نهر يغترفون من إناء إلا عاد دمًا عبيطًا. وقال زيد بن أسلم: المراد بالدم: الرعاف. رواه ابن أبى حاتم. قال الله تعالى: {ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى أدع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بنى إسرائيل فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون فانتقمنا منهم فأغرقناهم فى اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين}.

يخبر تعالى عن كفرهم وعتوهم واستمرارهم على الضلال والجهل والاستكبار عن اتباع آيات الله، وتصديق رسوله مع ما أيد به من الآيات العظيمة الباهرة، والحجج البليغة القاهرة، التى أراهم الله إياها عيانا، وجعلها عليهم دليلا وبرهانا، وكلما شاهدوا آية وعاينوها وجهدهم وأضنكهم، حلفوا وعاهدوا موسى لئن كشف عنهم هذه ليؤمنن به، وليرسلن معه من هو من حزبه، فكلما رفعت عنهم تلك الآية، عادوا إلى شر مما كانوا عليه، وأعرضوا عما جاءهم به من الحق ولم يلتفتوا إليه، فيرسل الله عليهم آية أخرى، هى أشد مما كانت قبلها وأقوى، فيقولون فيكذبون ويعدون ولا يفون: {لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك، ولنرسلن معك بنى إسرائيل} فيكشف عنهم ذلك العذاب الوبيل، ثم يعودون إلى جهلهم العريض الطويل، هذا والعظيم الحليم القدير ينظرهم، ولا يعجل عليهم، ويؤخرهم ويتقدم بالوعيد إليهم، ثم أخذهم بعد إقامة الحجة عليهم والإنذار إليهم أخذ عزيز مقتدر، فجعلهم عبرة ونكالاً وسلفًا لمن أشبههم من الكافرين، ومثلاً لمن اتعظ بهم من عباده المؤمنين.

كما قال تبارك وتعالى وهو أصدق القائلين فى سورة حم والكتاب المبين: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فقال إنى رسول رب العالمين فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون وما نريهم من آية إلا هى أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون وقالوا يا أيها الساحر أدع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون ونادى فرعون فى قومه قال يا قوم أليس لى ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتى أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذى هو مهين ولا يكاد يبين فلولا ألقى عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين}.

يذكر تعالى إرساله عبده الكليم الكريم، إلى فرعون الخسيس اللئيم، وأنه تعالى أيد رسوله بآيات بينات واضحات، تستحق أن تقابل بالتعظيم والتصديق، وأن يرتدعوا عما هم فيه من الكفر، ويرجعوا إلى الحق والصراط المستقيم، فإذا هم منها يضحكون، وبها يستهزئون، وعن سبيل الله يصدون، وعن الحق ينصرفون، فأرسل الله عليهم الآيات تترى يتبع بعضها بعضا، وكل آية أكبر من التى تتلوها، لأن التوكيد أبلغ مما قبله {وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون وقالوا يا أيها الساحر أدع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون} لم يكن لفظ الساحر فى زمنهم نقصًا ولا عيبًا، لأن علماءهم فى ذلك الوقت هم السحرة، ولهذا خاطبوه به فى حال احتياجهم إليه وضراعتهم لديه، قال الله تعالى: {فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون} ثم أخبر تعالى عن تبجح فرعون بملكه وعظمة بلده وحسنها وتخرق الأنهار فيها، وهى الخلجانات التى يكسرونها أمام زيادة النيل، ثم تبجح بنفسه وحليته وأخذ يتنقص رسول الله موسى عليه السلام ويزدريه بكونه {لا يكاد يبين} يعنى كلامه بسبب ما كان فى لسانه من بقية تلك اللثغة التى هى شرف له وكمال وجمال، ولم تكن مانعة له أن كلمه الله تعالى وأوحى إليه، وأنزل بعد ذلك التوراة عليه، وتنقصه فرعون، لعنه الله، بكونه لا أساور فى بدنه ولا زينة عليه، وإنما ذلك من حلية النساء لا يليق بشهامة الرجال، فكيف بالرسل الذين هم أكمل عقلاً، وأتم معرفة، وأعلى همة، وأزهد فى الدنيا، وأعلم بما أعد الله لأوليائه فى الأخرى، وقوله: {أو جاء معه الملائكة مقترنين} لا يحتاج الأمر إلى ذلك إن كان المراد أن تعظمه الملائكة، فالملائكة يعظمون ويتواضعون لمن هو دون موسى عليه السلام بكثير، كما جاء فى الحديث: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يصنع). فكيف يكون تواضعهم وتعظيمهم لموسى الكليم عليه الصلاة والتسليم والتكريم، وإن كان المراد شهادتهم له بالرسالة، فقد أيد من المعجزات بما يدل قطعا لذوى الألباب، ولمن قصد إلى الحق والصواب، ويعمى عما جاء به من البينات والحجج الواضحات، من نظر إلى القشور وترك لب اللباب، وطبع على قلبه رب الأرباب، وختم عليه بما فيه من الشك والارتياب، كما هو حال فرعون القبطى العمى الكذاب، قال الله تعالى: {فاستخف قومه فأطاعوه} أى استخف عقولهم ودرجهم من حال إلى حال إلى أن صدقوه فى دعواه الربوبية، لعنه الله، وقبحهم {إنهم كانوا قوما فاسقين فلما آسفونا} أى أغضبونا {انتقمنا منهم} أى بالغرق والإهانة وسلب العز، والتبدل بالذل، وبالعذاب بعد النعمة، والهوان بعد الرفاهية، والنار بعد طيب العيش، عياذا بالله العظيم، وسلطانه القديم من ذلك {فجعلناهم سلفا} أى لمن اتبعهم فى الصفات {ومثلا} أى لمن اتعظ بهم وخاف من وبيل مصرعهم، ممن بلغه جليه خبرهم، وما كان من أمرهم.

كما قال الله تعالى: {فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا فى آبائنا الأولين وقال موسى ربى أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيرى فأوقد لى يا هامان على الطين فاجعل لى صرحا لعلى أطلع إلى إله موسى وإنى لأظنه من الكاذبين واستكبر هو وجنوده فى الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون فأخذناه وجنوده فنبذناهم فى اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم فى هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين} يخبر تعالى أنهم لما استكبروا عن اتباع الحق، وادعى ملكهم الباطل، ووافقوه عليه، وأطاعوه فيه، اشتد غضب الرب القدير العزيز الذى لا يغالب ولا يمانع عليهم، فانتقم منهم أشد الانتقام، وأغرقه هو وجنوده فى صبيحة واحدة، فلم يفلت منهم أحد، ولم يبق منهم ديار، بل كان قد غرق، فدخل النار، وأتبعوا فى هذه الدار لعنة بين العالمين، ويوم القيامة بئس الرفد المرفود، ويوم القيامة هم من المقبوحين.

هلاك فرعون وجنوده

لما تمادى قبط مصر على كفرهم وعتوهم وعنادهم متابعة لملكهم فرعون، ومخالفة لنبى الله ورسوله وكليمه موسى بن عمران عليه السلام، وأقام الله على أهل مصر الحجج العظيمة القاهرة، وأراهم من خوارق العادات ما بهر الأبصار وحير العقول، وهم مع ذلك لا يرعوون ولا ينتهون ولا ينزعون ولا يرجعون ولم يؤمن منهم إلا القليل، قيل: ثلاثة وهم امرأة فرعون، ولا علم لأهل الكتاب بخبرها، ومؤمن آل فرعون الذى تقدم حكاية موعظته ومشورته وحجته عليهم، والرجل الناصح الذى جاء يسعى من أقصى المدينة، فقال: {يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إنى لك من الناصحين} قاله ابن عباس فيما رواه ابن أبى حاتم عنه. ومراده: غير السحرة فإنهم كانوا من القبط، وقيل: بل آمن طائفة من القبط من قوم فرعون والسحرة كلهم، وجميع شعب بنى إسرائيل، ويدل على هذا قوله تعالى: {فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملائهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال فى الأرض وإنه لمن المسرفين} فالضمير فى قوله: {إلا ذرية من قومه} عائد على فرعون، لأن السياق يدل عليه، وقيل: على موسى لقربه، والأول أظهر، كما هو مقرر فى التفسير، وإيمانهم كان خفية لمخافتهم من فرعون وسطوته وجبروته وسلطته، ومن ملئهم أن ينموا عليهم إليه فيفتنهم عن دينهم.

قال الله تعالى مخبرًا عن فرعون وكفى بالله شهيدًا: {وإن فرعون لعال فى الأرض} أى جبار عنيد مستعل بغير الحق {وإنه لمن المسرفين} أى فى جميع أموره وشئونه وأحواله، ولكنه جرثومة قد حان إنجعافها، وثمرة خبيثة قد آن قطافها، ومهجة ملعونة قد حتم إتلافها، وعند ذلك قال موسى: {يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ونجنا برحمتك من القوم الكافرين} يأمرهم بالتوكل على الله، والاستعانة به، والالتجاء إليه، فأتمروا بذلك، فجعل الله لهم مما كانوا فيه فرجًا ومخرجًا {وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين} أوحى الله تعالى إلى موسى وأخيه هارون، عليهما السلام، أن يتخذوا لقومهما بيوتا متميزة فيما بينهم عن بيوت القبط، ليكونوا على أهبة فى الرحيل إذا أمروا به ليعرف بعضهم بيوت بعض، وقوله: {واجعلوا بيوتكم قبلة} قيل: مساجد، وقيل: معناه كثرة الصلاة فيها، قاله مجاهد وأبو مالك وإبراهيم النخعى والربيع والضحاك وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن وغيرهم. ومعناه على هذا: الاستعانة على ما هم فيه من الضر والشدة والضيق بكثرة الصلاة، كما قال تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة} وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى. وقيل: معناه أنهم لم يكونوا حينئذ يقدرون على إظهار عبادتهم فى مجتمعاتهم ومعابدهم، فأمروا أن يصلوا فى بيوتهم، عوضًا عما فاتهم من إظهار شعار الدين الحق، فى ذلك الزمان الذى اقتضى حالهم اخفاءه، خوفا من فرعون وملئه، والمعنى الأول أقوى، لقوله: {وبشر المؤمنين} وإن كان لاينافى الثانى أيضًا والله أعلم، وقال سعيد بن جبير: {واجعلوا بيوتكم قبلة} أى: متقابلة {وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا فى الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون} هذه دعوة عظيمة دعا بها كليم الله موسى على عدو الله فرعون، غضبا لله عليه، لتكبره عن اتباع الحق، وصده عن سبيل الله، ومعاندته وعتوه وتمرده واستمراره على الباطل، ومكابرته الحق الواضح الجلى الحسى والمعنوى والبرهان القطعى، فقال: {ربنا إنك آتيت فرعون وملأه} يعنى قومه من القبط، ومن كان على ملته، ودان بدينه: {زينة وأمولا فى الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك} أى وهذا يغتر به من يعظم أمر الدنيا فيحسب الجاهل أنهم على شىء، لكون هذه الأموال، وهذه الزينة من اللباس، والمراكب الحسنة الهنية، والدور الأنيقة، والقصور المبنية، والمآكل الشهية، والمناظر البهية، والملك العزيز والتمكين، والجاه العريض فى الدنيا لا الدين {ربنا اطمس على أموالهم} قال ابن عباس ومجاهد: أى أهلكها. وقال أبو العالية والربيع بن أنس والضحاك: اجعلها حجارة منقوشة كهيئة ما كانت. وقال قتادة: بلغنا أن زروعهم صارت حجارة. وقال محمد بن كعب: جعل سكرهم حجارة، وقال أيضًا: صارت أموالهم كلها حجارة. ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز، فقال عمر بن عبد العزيز لغلام له: قم ائتنى بكيس، فجاءه بكيس، فإذا فيه حمص وبيض قد حول حجارة، رواه ابن أبى حاتم.

وقوله: {واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} قال ابن عباس: أى اطبع عليها. وهذه دعوة غضب لله تعالى ولدينه ولبراهينه، فاستجاب الله تعالى لها وحققها وتقبلها كما استجاب لنوح فى قومه حيث قال: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا}، ولهذا قال تعالى مخاطبًا لموسى حين دعا على فرعون وملئه وأمن أخوه هارون على دعائه فنزل ذلك منزلة الداعى أيضًا: {قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون} قال المفسرون وغيرهم من أهل الكتاب: استأذن بنو إسرائيل فرعون فى الخروج إلى عيد لهم، فأذن لهم، وهو كاره، ولكنهم تجهزوا للخروج وتأهبوا له، وإنما كان فى نفس الأمر مكيدة بفرعون وجنوده ليتخلصوا منهم ويخرجوا عنهم، وأمرهم الله تعالى، فيما ذكره أهل الكتاب، أن يستعيروا حليًا منهم فأعاروهم شيئًا كثيرًا، فخرجوا بليل، فساروا مستمرين ذاهبين من فورهم طالبين بلاد الشام، فلما علم بذهابهم فرعون حنق عليهم كل الحنق، واشتد غضبه عليهم، وشرع فى استحثاث جيشه وجمع جنوده ليلحقهم ويمحقهم.

قال الله تعالى: {وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادى إنكم متبعون فأرسل فرعون فى المدائن حاشرين إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون وإنا لجميع حاذرون فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بنى إسرائيل فاتبعوهم مشرقين فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معى ربى سيهدين فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وأزلفنا ثم الآخرين وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين إن فى ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم} قال علماء التفسير: لما ركب فرعون فى جنوده طالبا بنى إسرائيل يقفو أثرهم، كان فى جيش كثيف عرمرم حتى قيل: كان فى خيوله مائة ألف، فحل أدهم وكانت عدة جنوده تزيد على ألف ألف وستمائة ألف، فالله أعلم، وقيل: إن بنى إسرائيل كانوا نحوًا من ستمائة ألف مقاتل غير الذرية، وكان بين خروجهم من مصر صحبة موسى عليه السلام، ودخولهم إليها صحبة أبيهم إسرائيل أربعمائة سنة وستًا وعشرين سنة شمسية.

والمقصود: أن فرعون لحقهم بالجنود فأدركهم عند شروق الشمس، وتراءى الجمعان ولم يبق ثم ريب ولا لُبس وعاين كل من الفريقين صاحبه وتحققه ورآه، ولم يبق إلا المقاتلة والمجادلة والمحاماة، فعندها قال أصحاب موسى وهم خائفون: {إنا لمدركون} وذلك لأنهم اضطروا فى طريقهم إلى البحر، فليس لهم طريق ولا محيد إلا سلوكه وخوضه، وهذا ما لا يستطيعه أحد ولا يقدر عليه، والجبال عن يسرتهم وعن أيمانهم، وهى شاهقة منيفة، وفرعون قد غالقهم وواجههم، وعاينوه فى جنوده وجيوشه وعدده وعداده، وهم منه فى غاية الخوف والذعر، لما قاسوا فى سلطانه من الإهانة والمنكر، فشكوا إلى نبى الله ما هم فيه مما قد شاهدوه وعاينوه، فقال لهم الرسول الصادق المصدوق: {كلا إن معى ربى سيهدين}، وكان فى الساقة فتقدم إلى المقدمة، فنظر إلى البحر وهو يتلاطم بأمواجه، ويتزايد زبد أجاجه، وهو يقول: هاهنا أمرت، ومعه أخوه هارون ويوشع بن نون، وهو يومئذ من سادات بنى إسرائيل وعلمائهم وعبادهم الكبار، وقد أوحى الله إليه وجعله نبيًا بعد موسى وهارون عليهما السلام، كما سنذكره فيما بعد إن شاء الله، ومعهم أيضًا مؤمن آل فرعون، وهم وقوف وبنو إسرائيل بكمالهم عليهم عكوف، ويقال: إن مؤمن آل فرعون جعل يقتحم بفرسه مرارًا فى البحر هل يمكن سلوكه فلا يمكن، ويقول لموسى عليه السلام: يا نبى الله، أههنا أمرت؟ فيقول: نعم، فلما تفاقم الأمر، وضاق الحال، واشتد الأمر، واقترب فرعون وجنوده فى جدهم وحدهم وحديدهم وغضبهم وحنقهم، وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، فعند ذلك أوحى الحليم العظيم القدير رب العرش الكريم إلى موسى الكليم: {أن اضرب بعصاك البحر} فلما ضربه، يقال: إنه قال له: انفلق بإذن الله، ويقال: إنه كناه بأبى خلد، فالله أعلم، قال الله تعالى: {فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم} ويقال: إنه انفلق اثنتى عشرة طريقًا، لكل سبط طريق يسيرون فيه، حتى قيل: إنه صار أيضًا شبابيك ليرى بعضهم بعضًا، وفى هذا نظر، لأن الماء جرم شفاف إذا كان من ورائه ضياء حكاه. وهكذا كان ماء البحر قائمًا مثل الجبال مكفوفًا بالقدرة العظيمة الصادرة من الذى يقول للشىء كن فيكون، وأمر الله ريح الدبور فلقحت حال البحر، فأذهبته حتى صار يابسًا لا يعلق فى سنابك الخيول والدواب، قال الله تعالى: {ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادى فاضرب لهم طريقا فى البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى فاتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم وأضل فرعون قومه وما هدى}.

والمقصود: أنه لما آل أمر البحر إلى هذه الحال بإذن الرب العظيم الشديد المحال، أمر موسى عليه السلام أن يجوزه ببنى إسرائيل، فانحدروا فيه مسرعين مستبشرين مبادرين، وقد شاهدوا من الأمر العظيم ما يحير الناظرين، ويهدى قلوب المؤمنين، فلما جاوزوه وجاوزه وخرج آخرهم منه وانفصلوا عنه، كان ذلك عند قدوم أول جيش فرعون إليه ووفودهم عليه، فأراد موسى عليه السلام أن يضرب البحر بعصاه ليرجع كما كان عليه، لئلا يكون لفرعون وجنوده وصول إليه، ولا سبيل عليه، فأمره القدير ذو الجلال أن يترك البحر على هذه الحال، كما قال وهو الصادق فى المقال {ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم أن أدوا إلى عباد الله إنى لكم رسول أمين وأن لا تعلوا على الله إنى آتيكم بسلطان مبين وإنى عذت بربى وربكم أن ترجمون وإن لم تؤمنوا لى فاعتزلون فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون فأسر بعبادى ليلا إنكم متبعون واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين ولقد نجينا بنى إسرائيل من العذاب المهين من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين ولقد اخترناهم على علم على العالمين وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين}، فقوله تعالى: {واترك البحر رهوًا} أى ساكنا على هيئته لا تغيره عن هذه الصفة، قاله عبد الله بن عباس ومجاهد وعكرمة والربيع والضحاك وقتادة وكعب الأحبار وسماك بن حرب وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم. فلما تركه على هيئته وحالته، وانتهى فرعون فرأى ما رأى، وعاين ما عاين، هاله هذا المنظر العظيم، وتحقق ما كان يتحققه قبل ذلك، من أن هذا من فعل رب العرش الكريم، فأحجم ولم يتقدم وندم فى نفسه على خروجه فى طلبهم والحالة هذه حيث لا ينفعه الندم، لكنه أظهر لجنوده تجلدا وعاملهم معاملة العدا، وحملته النفس الكافرة، والسجية الفاجرة على أن قال لمن استخفهم فأطاعوه وعلى باطله تابعوه: انظروا كيف انحسر البحرُ لى لأدرك عبيدى الآبقين من يدى الخارجين عن طاعتى وبلدى وجعل يورى فى نفسه أن يذهب خلفهم ويرجو أن ينجو وهيهات، ويقدم تارة ويحجم تارات، فذكروا أن جبريل عليه السلام تبدى فى صورة فارس راكب على رمكة حايل، فمر بين يدى فحل فرعون، لعنه الله، فحمحم إليها، وأقبل عليها، وأسرع جبريل بين يديه، فاقتحم البحر واستبق الجواد، وقد أجاد فبادر مسرعا، هذا وفرعون لا يملك من نفسه ضرًا ولا نفعًا، فلما رأته الجنود قد سلك البحر اقتحموا وراءه مسرعين، فحصلوا فى البحر أجمعين أكتعين أبصعين، حتى هم أولهم بالخروج منه فعند ذلك أمر الله تعالى كليمه فيما أوحاه إليه أن يضرب البحر بعصاه، فضربه فارتد عليهم البحر كما كان، فلم ينج منهم إنسان.

قال الله تعالى: {وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين إن فى ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم} أى فى إنجائه أولياءه، فلم يغرق منهم أحد، وإغراقه أعداءه، فلم يخلص منهم أحد آية عظيمة وبرهان قاطع على قدرته تعالى العظيمة وصدق رسوله فيما جاء به عن ربه من الشريعة الكريمة والمناهج المستقيمة، وقال تعالى: {وجاوزنا ببنى إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذى آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وأن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون} يخبر تعالى عن كيفية غرق فرعون زعيم كفرة القبط، وأنه لما جعلت الأمواج تخفضه تارة، وترفعه أخرى، وبنو إسرائيل ينظرون إليه، وإلى جنوده، ماذا أحل الله به وبهم، من البأس العظيم والخطب الجسيم، ليكون أقر لأعين بنى إسرائيل، وأشفى لنفوسهم، فلما عاين فرعون الهلكة وأحيط به وباشر سكرات الموت، أناب حينئذ وتاب، وآمن حين لا ينفع نفسا إيمانها، كما قال تعالى: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جائتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم}، وقال تعالى: {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأو بأسنا سنة الله التى قد خلت فى عباده وخسر هنالك الكافرون}، وهكذا دعا موسى على فرعون وملائه، أن يطمس على أموالهم، ويشدد على قلوبهم {فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} أى حين لا ينفعهم ذلك، ويكون حسرة عليهم، وقد قال تعالى لهما أى لموسى وهارون حين دعوا بهذا: {قد أجيبت دعوتكما} فهذا من إجابة الله تعالى دعوة كليمه وأخيه هارون عليهما السلام. ومن ذلك الحديث الذى رواه الإمام أحمد: حدثنا سليمان ابن حرب، حدثنا حماد بن سلمة، عن على بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لما قال فرعون: {آمنت أنه لا إله إلا الذى آمنت به بنو إسرائيل} قال: قال لى جبريل: لو رأيتنى وقد أخذت من حال البحر فدسسته فى فيه مخافة أن تناله الرحمة). ورواه الترمذى وابن جرير وابن أبى حاتم عند هذه الآية من حديث حماد بن سلمة. وقال الترمذى: حديث حسن.

وقال أبو داود الطيالسى: حدثنا شعبة، عن عدى بن ثابت وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (قال لى جبريل: لو رأيتنى وأنا آخذ من حال البحر فأدسه فى فم فرعون مخافة أن يناله الرحمة). ورواه الترمذى وابن جرير من حديث شعبة، وقال الترمذى: حسن غريب صحيح. وأشار ابن جرير فى رواية إلى وقفه. وقال ابن أبى حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن عمر بن عبد الله بن يعلى الثقفى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما أغرق الله فرعون أشار بإصبعه ورفع صوته {آمنت أنه لا إله إلا الذى آمنت به بنو إسرائيل} قال: فخاف جبريل أن تسبق رحمة الله فيه غضبه، فجعل يأخذ الحال بجناحيه فيضرب به وجهه فيرمسه. ورواه ابن جرير من حديث أبى خالد به. وقد رواه ابن جرير من طريق كثير بن زاذان وليس بمعروف. وعن أبى حازم عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (قال لى جبريل: يا محمد، لو رأيتنى وأنا أغطه وأدس من الحال فى فيه مخافة أن تدركه رحمة الله فيغفر له). يعنى فرعون. وقد أرسله غير واحد من السلف كإبراهيم التيمى وقتادة وميمون بن مهران، ويقال: إن الضحاك بن قيس خطب به الناس. وفى بعض الروايات: (إن جبريل قال: ما بغضت أحدًا بغضى لفرعون حين قال: أنا ربكم الأعلى، ولقد جعلت أدس فى فيه الطين حين قال ما قال).

وقوله تعالى: {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} استفهام إنكار، ونص على عدم قبوله تعالى منه ذلك، لأنه والله أعلم، لو رد إلى الدنيا كما كان لعاد إلى ما كان عليه، كما أخبر تعالى عن الكفار إذا عاينوا النار وشاهدوها أنهم يقولون: {يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين}، قال الله: {بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهو عنه وإنهم لكاذبون}، وقوله: {فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية}. قال ابن عباس وغير واحد: شك بعض بنى إسرائيل فى موت فرعون، حتى قال بعضهم: إنه لا يموت، فأمر الله البحر فرفعه على مرتفع، قيل: على وجه الماء، وقيل: على نجوة من الأرض، وعليه درعه التى يعرفونها من ملابسه ليتحققوا بذلك هلاكه ويعلموا قدرة الله عليه، ولهذا قال: {فاليوم ننجيك ببدنك} أى مصاحبًا درعك المعروفة بك {لتكون} أى أنت آية {لمن خلفك} أى من بنى إسرائيل، دليلاً على قدرة الله الذى أهلكه. ولهذا قرأ بعض السلف: (لتكون لمن خلقك آية)، ويحتمل أن يكون المراد ننجيك مصاحبًا لتكون درعك علامة لمن وراءك من بنى إسرائيل على معرفتك وأنك هلكت، والله أعلم، وقد كان هلاكه وجنوده فى يوم عاشوراء، كما قال الإمام البخارى فى صحيحه: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قدم النبى صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا اليوم الذى تصومونه؟ فقالوا: هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون، قال النبى صلى الله عليه وسلم : (أنتم أحق بموسى منهم فصوموا). وأصل الحديث فى الصحيحين وغيرهما، والله أعلم.

 

التالى

1