أوضاع أطفال العالم على عتبة الألفية الثالثة
 
يتيح حلول القرن الحادي والعشرين فرصة الدخول إلى حقبة جديدة بالنسبة للكبار وبدرجة أكثر جلاء فيما يعني حياة الأطفال الذين ما سيصبحوا كباراً ليكون فاعلين في عملية البناء الحضاري بمعناه الواسع مع أن اعتراءات مسيرة الحياة ليست قليلة التأثير على الوضع العام للطفولة.

ما يشغل الرأي المحلي والدولي في كل مكان من الكون الأرضي هو عمل الأطفال قبل سن الرشد حتى بات هناك من يعتبرها أنها قضية جدلية ولا فائدة في تجديد طرحها ولا في إثارة الغبار عنها بسبب كون ما قدم لمستحقات الأطفال هو أقل بكثير من لهم حقيقة ولكن وضع حد لعمالة الأطفال الخطرة بما في ذلك استغلالهم في مواقع العمل وخارجها هي اليوم مسألة تشغل العديد من المعنيين: (العائلة، المجتمع، ومحركي السياسة في العالم) بعد أن ثبت أن حمية معظم بلدان العالم حول هذا الموضوع قد فترت العزائم الخيرة فيه.

فمنذ سنة 1946م حيث بادرت فيها هيئة الأمم المتحدة في إنشاء (اليونيسيف) الدائرة المتخصصة للأطفال ومتابعة رعاية شؤونهم الفردية والعائلية والاجتماعية بحيث يمكن القول أن للأطفال اليوم أصبح هناك صوتاً مسموعاً والعالم المتمرن يطالب برعاية قانون الأسرة في كل عائلة لذلك فإن اتفاقية حقوق الطفل قد سنت في أواخر أربعينيات القرن 21 الماضي وتطبيق هذه الاتفاقية أمسى من مستلزمات عمل أي دولة تبدي حرصاً جاداً على حماية مجتمعها من أي مخاطر مادية أو معنوية أو ما يسمى في جانب من ذلك توفير الحماية الاجتماعية وتأمين الاحتياجات الحياتية والحقوقية للجميع دون أي استثناء بين مواطني البلاد – أي بلاد – مع إيلاء اهتمام مؤكد للأطفال.

إن عمل الأطفال محفوف بالمخاطر واحتمالات الاستغلال السلبي لهم من قبل الكبار – على وجه العموم – فأطفال هذا العصر المتقدم علمياً وتكنولوجياً يضم بين طيات يومياته العديد من أصناف الأذى التي يتعرض لها الأطفال العاملون في المزارع والمصانع والأسواق ومنعطفات الطرق والشوارع، وحقيقة استمرار هذه الحالة باتت مقلقة للعالم حقاً إذ أن العالم الغربي المسمى بالمتقدم هو الآخر لا يخلو من الأيدي العاملة الصغيرة.

عمدت بعض الدول للتفكير الجدي من أجل تلافي ظاهرة عمل الصغار السن وتم وضع البرامج المعلنة في دول عديدة لكن الأمور ولأسباب عديدة بقيت على حالها وحول عدد الأطفال العاملين في العالم تطرقت منظمة العمل الدولية، وهي كما لا يخفى ذلك لدى الرأي العام العالمي مصدر رئيسي للمعلومات حول ذلك إذ حددت سابقاً وتحدد الآن أيضاً: (أن البيانات الإحصائية المتوافرة غير كافية إلى حد كبير، وتعوزها المصداقية) كما ترى أن كثير من التعقيدات تحيط بعملية جمع البيانات ذاتها، ويشير تقريرات شامل حول دراسة صدرت في السابق وتحديداً بحدود سنة 1997م بـ(أن عدد الأطفال العاملين في العالم يبلغ (73) مليون طفل، أي ما يعادل (13%) من مجموع الأطفال بين سن (10) و(14) سنة.

وفي خضم ظاهرة عمل الأطفال غير البالغين يلاحظ أن بعض الطروحات التي يتقول بها بعض الإحصائيون فيها الكثير من التجني على التوجهات العائلية الصحيحة فمثلاً أن هناك من يعتبر العمل المنزلي الذي يقوم به الأطفال استغلال خفي لهم مع أن الأمهات خصوصاً بالنسبة للأطفال الإناث دون استثناء أي مجتمع يعلمن البنات على المهارات الخاصة بالتدبير المنزلي ونفى ذلك التعاون الأسري وليس هناك أي استغلال بهذا المجال مع استثناءات قليلة لا يمكن أن ترقى كي يتهم الكبار فيها بصورة غير واردة أصلاً في علامات أفراد العائلة بعضهم ببعض.

أن أخطر ما يواجه أطفال العالم النامي هو العمل القسري لسد حاجات كبار السن في العائلة (حيث الأب والأم) والأخطر من ذلك حين يباع أولئك الأطفال بموجب عمليات الاتفاق لاسترقاق الأولاد الذين يتنازل عنهم الأبوين إلى المشترى وهذا ما يؤدي حتماً في وقت قصير لاحق لاستغلال الأطفال في تجارة الجنس بواسطة المشترين المرابين عديموا الضمير إذ سرعان ما تنقل أولئك الفتيات اليافعات كـ(مومسات) إلى مواخير المدن الكبرى ويحدث هذا في العواصم الغربية أكثر من غيرها، وبذلك فإن بعض الآباء والأمهات القابضون ثمن بيع بناتهم وأولادهم تدفع بناتهم وأولادهم ثمن خطيئة الكبار فيها سواء البائعون (الأم والأب) أو المشترون (سماسرة الجنس).

ومعروف أن العمل بالحقل الزراعي فيه قسوة كما يعاني الصغار في المصانع أوضاع عمل أتعس وبالذات في المصانع التي يتصاعد منها غبار المواد والطلاء على اختلاف أنواعها ومثل العيش الصعب هذا يدفع العمال والفلاحين الصغار السن إذا جاز التعبير بذلك إلى استسهال ترك الأهل والتحول إلى أولاد الشوارع في المدن حيث المستنقع الكبير للسقوط الأخلاقي والاجتماعي، ومن الصور التعيسة في هذا الزمن الذي يتجرأ البعض بتسميته أحياناً بـ(الزمن الحضاري) يلاحظ أن أعداداً من الناس يعيشون على ما تجود به لهم أكوام المزابل من مواد غذائية خطرة على الصحة العامة والشخصية.

وتشير التجربة المستندة إلى الرؤية المباشرة أن البنات والنساء يحملن على كاهلهن أعباء ثقيلة يصعب تصورها ويتحملن أصناف من سوء المعاملة التي تعكس باستمرار حالة عدم المساواة التي يواجهنها. وذلك ما يعطي صورة أن عمل الأطفال كيفما كان خارج إطار مستلزمات العمل في البيت أو في حقل العائلة ذاتها بالنسبة للريف هو انتهاك صارخ لحقوق الإنسان الطفل.

وعملية تحصين الأطفال مما قد يلم بهم من تجاوز على حقوقهم الأساسية المقرة بلائحة حقوق الطفل الذي رعته وترعاه هيئة الأمم المتحدة حري أن يؤخذ بكل اعتبار ومما هو سائد أن توفير التعليم بقدر ضرورته لتقدم الفرد والعائلة والمجتمع إلا أن حدوث الإخلال به دون تدارك سريع يجعل التعليم المتقطع سبباً أما لفصل الطالب من المدرسة أو يترك هو المدرسة لذلك يلاحظ أن العديد من الدول أقرت اجتياز مرحلة الدراسة الابتدائية ضمن أولويات اهتمامها التربوية وخطوة في اتجاه تحسين التعليم الأساسي.

بديهي أن الدعوة لإنهاء عمل الأطفال ينبغي أن يقترن بوضع الحلول الكاملة للعوائل بما فيها تأمين الحاجة لسد نفقات ومستلزمات العيش الكريم وبهذا الصدد يمكن للحكومات أن تدعوا إلى مساهمات القطاع الخاص في بكل بلد والاستفادة من خبرات البلدان الأخرى التي لا تعاني من استفحال ظاهرة عمل الأطفال فيها فالتطلع إلى حياة أفضل ومجتمعات راقية دون بذل جهود عظيمة على كافة المستويات العائلية والاجتماعية والحكومية، والمستندة إلى خطط علمية مدروسة ذات استراتيجيات فاعلة وكفيلة بتخفيف وقع الفقر على الأطفال الأبرياء ومصالحهم المشروعة.
 
شبكة النبأ المعلوماتية
 

1