البيان التأسيسي
لقد تبين من تجارب الأمم قاطبة ، أن الحرية ليست خاتمة التقدم بل أول شروطه و أنبل إنجازاته كما اتّضح بما لم يعد فيه مجال لجدل ، أنه لا وجود لشعب حقق أهدافه في العدالة و التنمية والكرامة والسيادة والرقي وهو سليب الحرية . وهكذا لا يوجد في عصرنا هذا ، شعب لم يجعل الحرية له هدفا و وسيلة.
و في سياق المسار العام لتطور البشرية لم يقصّر شعبنا ، الذي صقلته قرون من الوجود المنظم والعطاء الجزيل للحضارة ، عن تقديم كل التضحيات للتحرر من تسلط الأجنبي و ظلم ذوي القربى لتحقيق مشروع كل شعب : الدولة المستقلة و المجتمع العادل المتقدم و الإنسان الذي تسمو به الحرية إلى أرفع درجات الكرامة.
و قد اتخذ سعي شعبنا نسقا متسارعا طوال هذا القرن. إّلا أن طموحه ارتطم ولا يزال بنظام سياسي لم يواكب تطلعاته على الرغم من الدور الذي لعبه في إرساء دعائم الدولة وانطلاق تحديث المجتمع. فقد واصل النظام فرض وصاية الدولة على مجتمع خاضع لا مجال فيه لأبسط قدر من الحريات الفردية والعمومية رافضا تارة بالقمع و تارة أخرى بالتسويف للإصلاحات الضرورية التي تستجيب لإرادة الشعب وطبيعة العصر و المحيط الذي نعيش فيه. و قد اتسمت سياسة النظام بخطاب مركز على احترام حقوق الإنسان و تحرير المرأة و تكاثر القوانين في نفس الوقت الذي تناقصت فيه الحقوق و تأكد فرض الصمت على المجتمع ؛ فاتسعت الهوة بين الخطاب و الممارسة. وقد انجرّ عن وجود النظام السياسي في واد و المجتمع في واد آخر صراع اتخذ له أشكالا عديدة و كان ثمنه انتهاكات خطيرة للمواطنة. وقد تفاقم هذا الصراع في السنوات الأخيرة ليشمل كل مجالات الحياة العامة والخاصة.
و شهدت البلاد عددا مهولا من المحاكمات السياسية التي جرت دون أدنى احترام لحقوق الدفاع والقواعد المرعية قانونا و أفضت إلى أحكام قاسية مخالفة للعديد من المبادئ المستقرة كمبدأ " ترابية القوانين" حيث وقع تتبع مواطنين من أجل ما صرحوا به في اجتماعات نظمت خارج تراب الوطن، أو مبدأ " اتصال القضاء " حيث سجلت حالات عديدة لأشخاص حوكموا مرتين أو أكثر من أجل وقائع واحدة.
و أضحى التعذيب مثار معظم القضايا سواء منها السياسية أو المتعلقة بالحق العام و قد سجل وقوع عدد من الوفيات في ظروف غامضة و مشبوهة لم يقع التحقيق فيها بصفة جادة وناجعة.
وبجانب هذه الآفة الشنيعة برزت ظاهرة خطيرة تمثلت في إصدار وزارة الداخلية لقرارات تحدد سلوك المواطنين و تنال من حريتهم و تكاثرت الاعتداءات على حرمة المسكن و تعددت حالات الإيقاف الاعتباطي خارج الإطار القضائي و لمدة طويلة في مراكز الشرطة... و قد مس هذا حتى أصدقاء أو أقارب أو جيران المعني بالأمر وهو ما يتناقض تماما مع مبدأ "المسؤولية الشخصية". فامتلأت السجون بالمعارضين في ظل ظروف منافية للقواعد الدنيا لمعاملة السجناء.
ولقد ساهمت هذه التجاوزات الخطيرة إلى حد كبير في انتشار الخوف والحذر لدى كل من يحمل فكرا أو رأيا يختلف و لو نسبيا عما هو سائد ، فانحسرت فضاءات التفكير والتعبير والخلق نتيجة للرقابة و الرقابة الذاتية... ولم تكتف السلطة بذلك بل فرضت رقابة مشددة على كل المؤسسات الجامعية و التربوية و الثقافية والرياضية و لم تسلم من التأطير حتى المساجد و النزل... حيث أصدرت الوزارات المختصة مناشير تقضي بوجوب عرض كل نشاط علمي و فكري و كل لقاء جماعي مهما كان على أنظار وزارة الداخلية و بوجوب وضع قائمة المشاركين و نسخة مكتوبة عن المداخلات لديها.
ومثل هذه المضايقات مستوحاة من القوانين الزجرية الخاصة بالإعلام، حيث أن إجراء الإيداع القانوني اصبح في يد وزارة الداخلية سيفا مسلطا على كل الصحف والنشريات وطنية كانت أو أجنبية، فأصبحت حرية الرأي و التعبير بمثابة الهبة تمن بها السلطة، المحتكرة لوسائل الإعلام، على من تشاء و ترفضها لمن تشاء إضافة إلى ما تعرض له بعض الصحفيين من سجن أو فصل عن العمل. وقد أدى هذا الوضع إلى اختفاء الصحف المستقلة في نفس الوقت الذي تكاثرت فيه العناوين المرددة للخطاب الرسمي الذي تبثه وكالة الأنباء الرسمية ومن ضمنها من اختصت في التهجم على المنظمات والشخصيات المستقلة منتهكة، في حصانة تامة، أعراضهم و حياتهم الخاصة. و قد ساهم غياب سلطة مضادة و خاصة الصحافة الحرة في التعتيم على انتشار الفساد وضبابية التصرف.
إن السلطة المطلقة التي أسندها قانون الأحزاب وقانون الجمعيات إلى وزير الداخلية جعلت حق التنظم حكرا على الموالين والمؤيدين للحزب الحاكم وللمنضوين تحت لوائه. أما التنظيمات التي سبق أن بعثت فقد استُهدفت في حالة "استعصائها" وتشبثها باستقلاليتها لشتى أنواع المحاصرة و الاحتواء.
و مما يؤكد إرادة السلطة في إخماد كل صوت مخالف اعتبارها من ينتقد السلطة "خائنا للوطن" بما في ذلك من خلط بين المتحول المتغير والدائم المقدس. و كذلك الأمر بالنسبة لحرية التنقل حيث أن القانون الجديد شدد التضييق عليها وزج القضاء في عمليات تبقى فيها المبادرة للجهاز الأمني.
إن كل هذه الممارسات تهدف إلى إحكام التأطير في كل مجالات الحياة اليومية للمواطن. فأصبح الهاجس الأمني المحرك الأساسي لسياسة الحكم و أضحى انحياز الإدارة واقعا مفضوحا و اقتنع جل الناس أن الولاء للسلطة هو المظلة الضرورية لقضاء الحاجة و تفادي العراقيل.
ولئن كان لإرادة الماسكين بالسلطة دور فاعل فإن النظام ما كان أن ينزلق بهذا الشكل لو لم يجد ما يدعم الانحراف في صلب المؤسسات و التشريعات التي كرست نظام الحزب الواحد وأسست للحكم الفردي بعيد الاستقلال.
إن الشعارات التي توالت من "بناء الدولة" إلى "مقاومة التخلف" ثم "مواجهة الإرهاب" لم تكن في الواقع سوى مبررات للانفراد بالحكم و إفراغ السيادة الشعبية من محتواها و رفض حقوق المواطنة.
و لقد ساهم الدستور بشكل واضح في هذا التوجه حيث أنه لم يكتف بالتأكيد على الطابع الرئاسي للنظام بل أعطاه صبغة الشطط. فلم يكرس بالمرة مبدأ فصل السلطات و استقلالية بعضها عن بعض، فتعيين الحكومة و تعيين أعضاء المجلس الأعلى للقضاء و كذلك تعيين الموظفين السامين للإدارة... كل هذه الصلاحيات بيد رئيس الدولة الذي هو في آن واحد رئيس الحزب الحاكم و هو بصفته تلك يختار الأغلبية الساحقة لأعضاء مجلس النواب و مقابل هذا النفوذ لا يوجد في الدستور ما يشير إلى إمكانية مساءلته و كأن الوظيفة الرئاسية تحتم العصمة من الخطأ. كما لم يتضمن الدستور بنودا تؤسس هيئة قضائية لمراقبة احترام أحكامه.
أما النواحي الإيجابية التي يحتويها الدستور والمتعلقة بالحقوق الأساسية : حق الانتخاب، حق التعبير، حق التنظم ، حق التنقل... فإنه يترك ممارستها ل "الإطار الذي يحدده القانون" و هي الطريقة التي تمكنت بها السلطة - وفي غياب أي سلطة مضادة - من أن تسترد باليد اليسرى ما منحته باليد اليمنى حيث أن جل القوانين المتعلقة بممارسة الحريات الفردية والعامة تفننت في التضييق على هذه الحريات وكرست النفوذ المطلق لوزارة الداخلية.
في هذا الواقع المنافي لقواعد تسيير المجتمعات المتقدمة يتضح أن مسألة التداول على الحكم غير واردة في حين أنها ركيزة أساسية للديمقراطية. كما أن التعددية الحقيقية التي تنبني على تنظيم سلطات مضادة عبر الأحزاب و النقابات والجمعيات و وسائل الإعلام... لا يمكن لها أن تتجسم في غياب الحريات الأساسية و في غياب نظام ديمقراطي عصري ضمانه الأساسي توازن السلطات.
إن هذا الوضع لا يتلاءم مع ما يتوق إليه شعبنا من حرية و ما يطمح له من نظام ديمقراطي يجسم إرادة المجتمع بدون تمييز و يحترم حقوق المواطنة.
لكل ذلك و انطلاقا من شعورنا بالمسؤولية و بهدف المساهمة في مراقبة وضع الحريات الفردية والجماعية في تونس و الدفاع عنها و بهدف السهر على أن تكون آليات الحكم و قوانين البلاد متلائمة مع متطلبات المجتمع الحر، و اقتناعا منا بأن تقدم المجتمع و تنمية البلاد و مناعة الوطن أهداف لا يمكن بلوغها إلا عبر نظام ديمقراطي يضمن الحريات و يجسم حقوق المواطنة، و ينبني على القواعد التالية:
فإننا نعلن
في هذا اليوم،
الذكرى
الخمسين للإعلان
العالمي
لحقوق
الإنسان عن
تكوين إطار مفتوح
لمختلف
العائلات
الفكرية بهدف
تعميم الحوار
حول القضايا
الأساسية
للمجتمع و نشر
قيم العدل و المساواة و
الكرامة
الإنسانية و
هو
" المجلس
الوطني من أجل
الحريات في
تونس ".
تونس في 10 ديسمبر 1998

