2- وصية أبي بكر لعمر بالخلافةوموقف المسلمين منها
وقبل وفاة أبي بكر الصديق كان قد أوصى بالخلافة لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فكانت هذه الوصية أيضاً محل اعتراض من بعض الصحابة الكبار كعلي وطلحة[1] وغيرهما لغلظة عمر رضي الله عن الجميع، ولم يذكر لنا التاريخ شيئاً آخر غير الغلظة لكن في ظني أن اعتراض من اعترض كان عنده توجس من مسألة الوصية نفسها؛ إذ كيف يوصي الخليفة إلى أن يخلفه فلان دون مشورة من المسلمين؟!. وهنا بقي حزب علي[2] يرى في علي الرجل الأكفأ من عمر –وكلاهما كفء كريم- فكان حزب علي يرى أن علياً أولى بالخلافة من عمر لعدة أسباب من أهمها تقدم إسلام علي على إسلام عمر رضي الله عنهما بست سنوات تقريباً فقد كان علي من أوائل من أسلم بل هو أول من أسلم من الذكور على الراجح عند أكثر علماء أهل السنة بينما لم يسلم عمر إلا بعد ست سنوات من الدعوة النبوية بمكة وبعد أن سبقه إلى الإسلام أكثر من مائة وثلاثين صحابياً، إضافة إلى أن علياً كان أكثر جهاداً ونكاية في المشركين من عمر إذ قتل العشرات بينما عمر لم يقتل إلا واحداً فقط، وكان علي أعلم عندهم من عمر بل كان أعلم الصحابة مطلقاً من حيث الجملة لحديث النبي (صلى الله عليه وسلم) لابنته الزهراء (لقد زوجتك أكثرهم علماً وأوفرهم حلماً وأقدمهم سلماً)[3] وكان أقرب إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) من عمر فهو زوج فاطمة وأبو الحسن والحسين سبطي النبي (صلى الله عليه وسلم) وابن عم النبي (صلى الله عليه وسلم) وكان رأس بني هاشم بعد النبي (صلى الله عليه وسلم) وبنو هاشم رأس قريش. أما حزب عمر رضي الله عنه فيرى أن عمر أقوى على الخلافة من جميع الصحابة فعمر رجل دولة، يجيد سياسة الأمور إضافة إلى أنه -وإن تأخر إسلامه- قد عزَّ الإسلام بإسلامه وعبد المسلمون الله جهراً وهو من أهل بدر ومن العشرة المبشرين بالجنة وما إلى ذلك000 ولكن حزب علي كان أقل عند بيعة عمر منه عند بيعة أبي بكر الصديق نظراً لتفرقهم الأول عن علي بسبب مداهمة بيت فاطمة في أول عهد أبي بكر وإكراه بعض الصحابة الذين كانوا مع علي على بيعة أبي بكر فكانت لهذه الخصومة والمداهمة (وهي ثابتة بأسانيد صحيحة[4]) ذكرى مؤلمة لا يحبون تكرارها. وكان حزب علي يرى أنه إن كانت بيعة أبي بكر قد تمت في ظروف صراع وكان لحزب أبي بكر العذر في ذلك لخشية التفرق والفتنة فما عذرهم الآن في عدم الوصية بالشورى بدلاً من الوصية لفرد، تلك الوصية التي لم تعهد من قبل، أما حزب عمر وهم الأغلبية فرأوا أن الوصية تمنع من الفتنة أيضاً فما يدرينا لو أن أبا بكر جعلها شورى هل ستتم في أجواء مناسبة أم يحدث اختلاف وتنازع لا سيما وأن سعد بن عبادة مرشح الأنصار لازال حياً في المدينة[5]!! ومعه أغلب الأنصار!! وسعد إلى يومئذٍ لا يسلّم بأن الخلافة حق لقريش!! ولم يبايع أبا بكر طيلة المدة الماضية فكان الأمر بالوصية أولى في نظرهم تجنباً للفتنة مع ما يتمتع به عمر من مكانة مرموقة عند المسلمين. إذن نظراً لمكانة عمر بن الخطاب الكبيرة وحسن بلائه في الإسلام وهجرته وبدريته وكونه من العشرة المبشرين بالجنة لهذا كله لم يكن اعتراض من اعترض من المهاجرين قوياً فمر الأمر بسلام وتولى عمر الخلافة وقام بها خير قيام وانشغل الناس بأخبار الفتوحات وهموم المسلمين ونسوا مسألة الأولى في الخلافة. [1] روى ابن عساكر هذه المعارضة بأسانيد صحيحة –راجع ترجمة عمر بن الخطاب في تاريخ دمشق- تحقيق سكينة الشهابي من ص212-ص215. [2] مع التحفظ على الاستخدام المعاصر لكلمة حزب، أما أصلها من حيث عموم الاستخدام فثابت في اللغة وفي النصوص الشرعية. [3] مسند أحمد- مسند البصريين، والمطالب العالية لابن حجر (الفضائل). [4] كنت أظن المداهمة مكذوبة لا تصح حتى وجدت لها أسانيد قوية منها ما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، لكن ليس كما يبالغ غلاة الشيعة وليس كما ينفي غلاة الحنابلة. |